فلسفة المتنبي: بين نيتشه ودارون١

لقد وفق المتنبي توفيقًا جميلًا بين دارون ونيتشه في تعليل بواعث الأخلاق ومصادر الفضائل، فدارون يحسب أن حفظ الذات أو «إرادة الحياة» هو مرد الأخلاق والصفات النفسية الحسن منها والقبيح على حدٍ سواء، ونيتشه يسترذل هذا الرأي ويسخر منه، ويزعم أنه وليد العوز والخصاصة التي عودت دارون أن يقنع «بأن يعيش» وألا يتطلع إلى ما فوق الأمن والكفاف، وعنده أن الباعث الأول إلى الفضائل الشريفة والأخلاق الرائعة الكريمة هو «إرادة القوة» وهوى المجد الهادي إلى كل خلقٍ نبيل والنافي لكل خلقٍ وضيع ذليل.

تعليلان يختلفان في ظاهر الأمر وباطنه كما ترى اختلاف العمل الذي يبعث إليه تحاشي العدوان من الغير عن العمل الذي يبعث إليه توخي العدوان على ذلك الغير، فهما جد متباعدين؛ ولا مناص لك إن أخذت بأحدهما أن تنبذ الآخر أو تضيف إليه ما يكمله ويسنده، أما الجمع بينهما فكالجمع بين المتناقضات، ومحاولة ذلك دليل على سوء فهم لكل من التعليلين، وقلة إدراك للنتائج البعيدة التي ينتهي إليها تعليل مصادر الفضائل بحب المحافظة على الحياة أو بحب المحافظة على السيادة والسلطان، أتكون الفضيلة وليدة القناعة بأيسر ما يترك لك المزاحمون من سؤر الحياة في دعةٍ وسلام، أم تراها تكون وليدة الطمع في أرفع ما ينال بالسطو والكفاح؟ على هذا اختلف دارون ونيتشه، ومن هذا يظهر لك مدى الفاصل بين من يدين بالمحافظة على الحياة ويقف عندها، وبين من يدين بالمحافظة على القوة وهو يجعل الحياة سلمًا يرتقي عليه إلى ذلك الأمل.

ولما عرضت لدارون صعوبة تعليل الفضائل التي تهجم بصاحبها على الموت وتكدر عليه صفو الحياة، ألقى «حفظ الذات» جانبًا واخترع لنا حفظًا آخر هو «حفظ النوع» ليعلل به إقدام المرء على الهلاك، واجتراءه على ما فيه إتلاف جسمه وإعنات نفسه، وحسن حفظ النوع هذا لتسهيل المخلص من هذه الورطة، حسن إلى أن تسأل بعد ذلك: أليس للنوع نفسه غاية تتراءى على وجهٍ ما في أخلاق الأفراد؟ فما هي يا ترى تلك الغاية؟ ثم لك أن تسأل حين تتعارض السيادة والقناعة فيما يدور عليه حفظ النوع من أخلاق الأفراد أي الخصلتين أشرف وأكمل، وأيهما أدعى إلى ابتعادنا عن مواطن الضعة والجمود واقترابنا من ذلك الشأو المجهول المقدور لنوع الإنسان؟ أتبتعد أنواع المخلوقات عن الدرك الذي كانت فيه، وتقترب من الشأو الذي تسعى إليه بالحرص على الحياة، أم بالحرص على شيءٍ أفضل وأسمى من الحياة؟ إن على دارون أن يقول كلمة لا تزال ناقصة بعد كلمته التي قالها في حفظ الذات وحفظ النوع، أما نيتشه فقد أبرأ ذمته بتلك الكلمة الوجيزة العائرة فلا يطالب بعدها ببيان، ولا هو ممن يجيبك أو يصغي إليك إذا سألته البيان!

والمتنبي ما رأيه في هذا الخلاف؟ قلنا: إنه وفق توفيقًا جميلًا بين دارون ونيتشه، فلنقل الآن: إنه أرضى دارون ولم يغضب نيتشه؛ لأنه قد ألف بين إيثار الحياة وإيثار السيادة في وسط الطريق، وأبطل التناقض وأزال الخلاف؛ لأنه قال لنا: إن كل إنسان إنما يحب حياته هو، لا كل حياة، ولا أي حياة.

فحب النفس في رأي المتنبي هو الحامل الشجاع على شجاعته، وحب النفس كذلك هو الحامل الجبان على جبنه:

أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه
حريصًا عليها مستهامًا بها صبًّا
فحب الجبان النفس أورثه التقى
وحب الشجاع النفس أورده الحربا

ولكن ما أبعد الفارق بين النفسين، وما أكبر المسافة بين الغايتين، وما أعظم الاختلاف بين ما يحبه هذا وما يحبه ذاك؟

فيختلف الرزقان والفعل واحد
إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا

نعم! فالحياة حبيبة إلى الشجاع، ولكن ما الحياة التي تحبها نفس الشجاع؟ أهي ككل حياةٍ تحبها النفوس؟ لا، وإنما هي حياة الحول والطول والمغامرة والجلاد وتجربة الأهوال ومناهضة الخطوب والصبر على عظائم الأمور، فهذه هي حياة الشجاع التي تحب وتفدى، فإن أذعنت له الدنيا بما يروم منها طابت له مقامًا وطاب بها نفسًا، وإلا فلا خير في حياةٍ تفنى عناصرها ومقوماتها، ولا يبقى منها إلا شبحها! تلك حياة هي الموت بعينه أو الموت خيرٌ منها.

والحياة حبيبة إلى نفس الجبان، ولكن ما الحياة التي تحبها نفس الجبان؟ كل حياةٍ بلا حدٍ ولا قيد، أو كما جاء في القرآن الكريم وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ بذلك التنكير الذي لا تعرفه أل ولا إضافة، فإن تهيأ لها مركب العز سهلًا رخوًا صعدت إليه عفوًا صفوًا واتخذته رفاهةً ولهوًا، أما إن صال عليه صائل أو حال دون مرتقاه حائل، فلا كان العز، ولا كان من يأسى عليه! إن المورد الرنق لأشهى من سلسبيل ومرتفعٍ وبيل، وإن كلبًا حيًّا لخير من أسدٍ قتيل.

فليس المعول على حب الحياة، وإنما المعول على ما يحب منها، وليست العبرة بالخوف في نفوس الجبناء، أو بقلة الخوف في نفوس الشجعان، وإنما العبرة بما يخافه هؤلاء وهؤلاء، فقد تكون قلة الخوف أحيانًا جبنًا لا يُقاس به جبن، وقد يكون الخوف أحيانًا شجاعة تربي على كل شجاعة؛ إذ ما من شيءٍ مخوف في ذاته عند جميع الناس في جميع الحالات، ولكن الشيء الواحد قد يخافه أناس ويستهين به آخرون، وقد يؤمن في حالة ويخشى في حالةٍ أخرى:

وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى
ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا

فرب رجلٍ يحمل صنوف العار كلها فرارًا من ألمٍ خفيف أو ضررٍ طفيف، ورب رجلٍ يجازف بنفسه ويدخل على الموت في غيله تفاديًا من كلمةٍ أو فرقًا من وصمة:

والعار مضاض وليس بخائفٍ
من حتفه من خاف مما قيلا

وما هذه الحياة بشيءٍ واحد، ولا باللازم من حب الإنسان لحياته التي يختارها أنه يشفق من كل موت:

فشر الحمامين الزؤامين عيشة
يذل الذي يختارها ويضام

إذ الحياة كالموت أشكال، فمن أشكال الحياة ما يكره وينبذ، ومن أشكال الموت ما يحب ويطلب، وعلى هذا لا تناقض بين حب المرء حياته، وحبه القوة في بعض الأحيان؛ لأنه قد يريد الحياة القوية حين يقتصر على ذكر الحياة، بل قد يكون طلب الحياة عنده مرادفًا لطلب الموت عند امرئٍ سواه.

ذلك توفيق المتنبي بين رأييْ دارون ونيتشه، توفيق مداره على أن بعض الحياة شر من بعض الموت، وأن الجريء المخاطر يحب حياته حين يوجهها إلى وجهتها من اقتحام المصاعب وملاقاة الخطوب، ولا يتوهمن القارئ من هذا الهيام بالمجد وهذا الاستهزاء بالموت أن المتنبي يجهل من حلاوة الحياة ما يعلمه الحريص القنوع، أو يخفى عليه من مرارة الموت ما يتقيه الضعيف المنخوب والجبان الهلوع، ولا أنه كان رجلًا يقدر حب الحياة دون قدره، ويتهجم على الموت تهجم الوحش الذي لا يشعر بنفسه ولا يدري عاقبة أمره، كلا ما كان المتنبي بذلك الرجل وما كان طعم العيش أحلى في قلب أجبن الجبناء مما كان في قلبه، ما كان هينًا على نفسه أن يموت وأن تسكن في صدره أنفاس هذا الهواء الذي ألفه وأن تهدأ فيه تلك العاصفة التي كانت لا تبرح تقيمه وتقعده، إنما كان الرجل كما ينبئك شعره شغوفًا بالحياة عاشقًا لها قد أحبها حبًّا جمًّا، وجس بكل خالجةٍ من خوالج نفسه هاتيك القيود الصلاب التي تربط الإنسان بمكانه فوق هذه الأرض وتحت هذه السماء، ولقد ذكر هذه الحقيقة وكررها أكثر من تكرير أبي دلامة لها؛ أي أكثر من تكرير الجبان المقر على نفسه بالجبن على مشهد من جيشين متناجزين، فكان من قول المتنبي في هذا المعنى:

ولذيذ الحياة أنفس في النفـ
ـس وأشهى من أن يمل وأحلى
وإذا الشيخ قال أفٍ فما مل
حياة وإنما الضعف ملَّا

ومن قوله فيه:

إلف هذا الهواء أوقع في الأنـ
ـفس أن الحمام مر المذاق

ومنه:

تغر حلاوات النفوس قلوبها
فتختار بعض العيش وهو حمام

ومنه:

ومَن لم يعشق الدنيا قديمًا
ولكن لا سبيل إلى الوصال

وقال: «وهي معشوقة على الغدر …» وقال: «والمرء يأمل والحياة شهية» وقال وهو جماع قوله في هذا المعنى ومحور كلامنا في التوفيق بين حب الحياة وحب المجد، والحكم الحكيم الذي أنصف فيه الشجاعة، وأنصف الشعور بحب الحياة:

أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه
حريصًا عليها مستهامًا بها صبًّا
فحب الجبان النفس أورثه التقى
وحب الشجاع النفس أورده الحربا

فأي شعفٍ بالحياة أشد من هذا الشغف؟ ولكننا نعود فنسأل أي حياة؟ لا شك أنها هي حياة بعينها لا مجرد حياة مطلقة من التعريف والتقييد، هي حياة المتنبي لا حياة أخرى يكون فيها الضيم أهون الأضرار، والعار فيها أسلم من النار، حياة العزيز الجريء التي غايتها الكبرى الشرف، وآفتها الكبرى الذل والمهرب فيها إلى الموت، إن كان لا بد من مهربٍ أمين.

وقد رأينا من قبل أن الدعوة إلى الشرف والرفعة كانت ملتقى كل دعوة في شعر المتنبي، ومسبار كل خلقٍ، وغاية كل مطلب، ونتيجة كل مقدمة، وسنرى من عجائب غلبة المزاج على المنطق أن المتنبي ينتهي إلى طلب الشرف والرفعة من نفس المقدمات التي تنتهي بغيره إلى نتيجةٍ أخرى مناقضة لنتيجته كل المناقضة، ينتهي إلى طلب الشرف والرفعة من تلك المقدمات التي تنتهي بالآخرين إلى هجر الحياة والزهد في شرفها ورفعتها والإعراض عن سلطانها وبهجتها والرضا باليسير من بلغتها والقليل من مسكتها، فهو يقول:

يموت راعي الضأن في جهله
ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره
وزاد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمه
كغاية المفرط في حربه

وإلى هنا لو كان صاحب الأبيات شاعرًا آخر كالمعري مثلًا أو كأبي العتاهية لأتمها بالنصح لك بالزهد والقناعة وإراحة البال وإعفاء النفس من أوضار المطامع ولجاجات الخصومة، ولقال لك: إن التبلغ باليسير أحجى بالحكماء واليأس من الحياة أولى بالأحياء، فإنه لا فضل فيها لعالمٍ على جاهل، ولا رجحان فيها لنابهٍ على خامل؟ أليس الموت يأتي على الجميع، ويقضي على الضعيف الذليل قضاءه على القوي المنيع؟ أليس سعيك إلى انتهاء وجودك إلى فناء، ومالك وسلطانك إلى هباء؟ فما لك أن لا تريح نفسك، وتعفي جسدك، وتغنم من الحياة الراحة والعافية، وهما نعم الغنيمة لا تكلفك سعيًا، ولا تخلف لك أملًا؟

ولا ريب أنه منطق قريب قد كان يكون مقبولًا عند كثيرٍ من الناس، ونتيجة سهلة لا يعقلون نتيجة غيرها لتلك المقدمة، أما المتنبي فما أبعد هذا المنطق عنه! إنه ليخلص بك من تلك المقدمة إلى نصيحة بعيدة كل البعد عن الزهد والقناعة، ويقول لك: إن الحياة قد وعظت أهلها فلم تبق عذرًا للجبان الذي يخاف الموت، ويشفق أن يغامر بنفسه وراء حاجته:

فلا قضى حاجته طالب
فؤاده يخفق من رعبه

وعلى هذا النسق، ومن نوع هذا الاستنتاج، يقول في بيتٍ آخر:

وإذا لم يكن من الموت بدٌّ
فمن العجز أن تموت جبانا

لا، بل لقد كانت تطرق المتنبي نوبات من الزهد ورفض الحياة في بعض الأحيان، أفتدري من أي جانبٍ كانت تطرقه؟! من الجانب الذي يسمو به إلى المغامرة والنضال؛ أي من جانب الشرف والرفعة الذي تفضي إليه كل نواحي نفسه ومجامع هواه.

فهو يقول:

وما الدهر أهل أن تؤمل عنده
حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل

أو يقول:

أكرم يديك عن السؤال فإنما
قدر الحياة أقل من أن تسألا

وربما أراك استصغارًا للحياة واستهانةً بشأنها أن يكون فيها ما يقتتل عليه الناس ويتعادون من أجله فيقول:

ومراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانى

فيخيل إليك أن الرجل قد تاب وأناب فسئم جهاد الحياة، وعاف فضول العيش، وسكن إلى الراحة والسلام، وسلك مسلك الزاهدين القانتين، ولكنك لا تعبر البيت إلى ما بعده حتى تقرأ له على الأثر:

غير أن الفتى يلاقي المنايا
كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا

فإذا هو يحض على التعادي والتفاني، أو كأنما هو في هذا الاستدراك عابد متنطس يزل لسانه بالتجديف على غير وعيٍ منه فيبادر إلى التوبة أو يقول ما يخشى أن يُحمل على غير وجهه فيُسرع إلى التصحيح، تكفيرًا لذنبٍ فرط منه في حق إلهٍ شديد العقاب عسير الحساب.

•••

والواقع أنها عبادة كأصدق العبادات، وأن تمسك عبادها بها أخلص وأقوى من تمسك العباد بصلواتهم وفرائضهم؛ لأنهم يقومون بشعائرهم أرادوا أو لم يريدوا ويتلون صلواتهم أمروا بذلك أو لم يأمروا، هي عبادة القوة والشرف وأكرم بها من عبادة لا تعارض العبادات، بل توافقها جميعًا، وأحبب بها إلى كل نفسٍ تخلص الحب للحياة وتصدق في إيمانها بالمثل الأعلى، وتود للعالم أن يطهر من النقائص ويستوفي قسمه من الكمالات، وأي نفسٍ تلك التي تكره القوة وترتاح إلى الضعف؟ أي إنسانٍ حقيق بشرف الحياة يشايع في ضميره أسباب النقص والفناء ويدابر أسباب الكمال والارتقاء؟ فالقوة حبيبة إلى كل نفس أثيرة في كل قلب، ومن الشرف أن نتمنى شيوعها وازديادها لا أن نتمنى دثورها واضمحلالها، بل من الحصافة أن نعلم ماذا نصنع حين ندعو إلى إنكار القوة وكراهتها، إننا حينئذٍ نجلب الخراب والعجز على العالم ونسمي ذلك فضيلة وحقًّا وصلاحًا، وما وهو إلا عين الرذيلة والباطل والفساد.

لا عيب في حب القوة نفسه، فإن كان هناك عيب فهو في شريعة محبيها، أو في تطبيقهم لشريعتها على الأصح؛ لأنهم يجورون غالبًا عن السبيل السوي ويغلون في اعتقادها غلوًّا يكون فيه إضرار بالقوة نفسها وإخلال بفرائضها وأحكامها، ويفوتهم في أعم حالاتهم ثلاثة أمور: يفوتهم أولًا أن من القوة واستقلال الخلق أن يدين الإنسان نفسه بنفسه ويعرف العدل قبل أن يعرفه به غيره، وإلا كان شأنه كشأن الضعيف المجبر الذي يضطر اضطرارًا إلى رعاية الحق والوفاء، ويخوف من المنكر بالقمع والجزاء، ويكون تبعًا لغيره في الخلائق والآراء.

ويفوتهم أكثر من ذلك أن الإيمان بالقوة الرفيعة قرين الإيمان بالجمال حيث كان، فالرجل القوي حقًّا لن تخلو نفسه من شعورٍ عميق بالجمال ونفور عميق من القبح، ومن كان كذلك فحري به أن لا يطيق منظر الشقاء والذلة والعوز في الدنيا، ولا يصبر على رؤية النفوس الآدمية تشوه، والعقول تمسخ، والقرائح تعطب وتسقم، والجسوم ترث وتهرم، ولا يسمح له فؤاده الكبير وطبعه السليم أن يجترئ على ضراعة الضارعين، ويجرد قوته لإبادة العُزل القانعين، فإن لم تصل بينه وبينهم صلة التعاطف فيمسح ضيمهم وينعش أملهم ويستر خلتهم، فلا محيص له من فعل ذلك كراهةً للقبح وحبًّا للجمال وتحسينًا لهذه الدنيا التي يجب على القادرين فيها ما يجب على الإنسان القادر في منزله؛ أن ينظمه ويجمله ويجعل كل من فيه من الكبار والصغار وفق ما يرضى من سيما الكرم وبشاشة الجمال.

ويفوتهم أخيرًا أن يفرقوا بين الضعف الذي هو نقيض القوة وسالبها وآفة وجودها، وبين القوة الصغيرة التي هي من عنصر القوة الكبيرة ومن لحمها ودمها، ولكنها أقل منها في الحجم أو في العدد، فهذه الجماهير الكثيفة التي نسميها «الضعفاء» جهلًا وغرورًا ليست بالضعيفة على أي معنى من معاني الضعف، وإنما هي قوية متجبرة طاغية، بل هي ينبوع القوة الذي لا ينضب، بل هي القوية حقًّا وغيرها الضعيف بالقياس إليها، وآية ذلك أن القوانين كلها في مصلحتها هي، لا في مصلحة الأفراد الأقوياء؛ لأن هذه القوانين تسوي في الوضع بين الفرد الكبير والفرد الصغير في صيانة الحقوق وحرمة الحياة، وليس ذلك مما يهواه الكبار لو كان الأمر لهم والقوة كما يزعمون في أيديهم ودساتير العرف من إملائهم، ويعجبني ما أثبته الأستاذ رمزي موير في عرض كلامه على تدرج القوانين الدولية في كتابه «القومية والدولية» حيث لاحظ أن وضاع الشرائع الدولية كانوا كلهم من أبناء الأمم الصغيرة المستضعفة، فجروتيوس وبينكر شوك هولنديان، وفاتل سويسري، وبفندورف وليبنز وولف من أبناء الإمارات الألمانية الصغيرة قبل اتحادها، قال: «ومثل واحد بسيط يبين لنا الاستعداد العام بين الأمم المتمدينة لقبول الأصول الدولية، فإن من المسلم به بين الجميع أن سيادة كل دولة بحرية تنتهي على مسافة ثلاثة أو أربعة أميال من شواطئها، وأن البحار وراء هذا الخط مفتوحة لجميع الأمم على السواء، هذا المبدأ مقبول معترف به عند جميع ملوك الأمم وحكوماتها فمن أين مصدره؟ ومن الذي فرضه على الملوك؟ لا أحد غير الرسائل المدونة في القانون الدولي، ومما يستحق التنويه أن هذا المبدأ لم يُعرف إلا في الأزمنة الأخيرة فقد كان ظهوره على شكل واضح محدود لأول مرة في كتابات فاتل …» ولا شك أن هذه الحقيقة التي لاحظها الأستاذ المؤرخ خليقة بالاعتبار فيما نحن بصدده؛ لأنها ترينا كيف يملي الضعفاء إرادتهم في بعض الأحيان، وإن كان لها تعليل آخر غير الذي أسلفناه، وهو أن النفس ربما أصغت للصغير ولم تصغ للكبير؛ إذ كانت لا تحس في إصغائها لمن هو أصغر منها معنى الخضوع والتسليم الذي تأباه ويستفز منها العناد والكبرياء.

والنتيجة الصحيحة من هذا وذاك أن القوة أهل لأن تحب وترعى وتكرم، ولكن يجب على من يدين بشريعتها أن يكون قويًّا على نفسه، وأن يقرن بينها وبين شعور الجمال، وأن يفرق بين الضعف المبيد، والقوى الصغيرة التي تجتمع منها القوى الكبرى، وإلا فقد كفر بدينه واستحق العقاب على حكم شريعته.

١  البلاغ في ٢٨ يناير سنة ١٩٢٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠