الصحائف

سطور ومقالات وخطب كتبتها الآنسة «مي» ونشر الجانب الأكبر منها في الصحف والمجلات بمصر وسورية، ثم جمعت في مجلد واحد فهو هذا الكتاب الموسوم باسم الصحائف.

والآنسة «مي» كاتبة مطبوعة، ولك أن تسألني كيف تعرف ذلك؟ فأقول لك: إن علامة الكاتب المطبوع أن يكتب ما يُوافق طبعه غير متوخ فيه المحاكاة لغيره، وهذا هو شأن الآنسة «مي» في جميع ما تكتب، فإن كنت من المولعين بالتعريفات، وأردت أن تضع لها تعريفًا مانعًا كما يقول المناطقة ليظهر لك التطابق بين الكاتبة وما تكتب من هذا التعريف، فاعلم أن «مي هي آنسة شرقية سورية المنبت تعيش في مصر، ذكية الفؤاد، مهذبة الفكر، مطلعة على آداب الغرب، لطيفة الشعور، عليمة بسنة الحياة»، ثم احفظ هذا التعريف وافتح أي كتاب من كتبها على أي صفحة من صفحاته عند أي سطر من سطوره لا تجد إلا ما يُطابق تعريفك ويُوافق القول المنتظر ممن يكون على هذه الصفة، ولعمري إنها لطريقة طريفة في تمييز الكاتبين! ولكن للآنسة «مي» الفضل في إيحائها إلى الذهن لوضوح مواهبها وظهور خصائصها بين كتاب كثيرين لن تستطيع لأكثرهم تعريفًا لو جهدت غاية الجهد.

ومن الكاتبات من يلبسن عليك الأمر إذا قرأت لهن، فيخيل إليك من روح كتابتهن أنها كتابة رجال لا كتابة نساء؛ أو أنها قد تنسب إلى جنس من الجنسين بلا فارق في النسبتين، أما الآنسة «مي» فبنت جنسها البارة بمواهبه، وهي مثل صالح من أحسن أمثلته، وعنوان عال من أصدق عناوينه.

فالرجال والنساء يفترقون في أشياء، ويلتقون في أشياء، ولكنك إذا أردت أن تفرق الجنسين وتخص كلا منهما بأخص صفاته، فالراجح أن تكون صفة الرجال العامة الجهاد وعدده، وصفة النساء العامة العطف وما يناسبه، فهذا العطف هو أخص ما خصت به كاتبتنا النابغة، وأبين ما يبين لك من جملة آرائها في الناس والكتب والأفكار، وهو النعمة التي تسبغها على كل ما تتناوله من الموضوعات وتطرقه من المباحث فتلفها في شملة حية وثيرة من الرفق والسماحة، فلا عصبية ولا خصومة ولا إلحاح في رأي من الآراء، بل هنالك غصن الزيتون مرفوع للجميع، وراية السلام مرفرفة في كل مكان، والمخالف له من التحية والحظوة مثل ما للموافق أو هي ابتسامة واحدة يظفر بها المخطئ كما يظفر بها المصيب؛ لأن للمخطئ حقًّا في أن يخطئ، كما أن للمصيب الحق في أن يُصيب؛ ولهذا ترى الآنسة تفسح للقديم مكانه، وتعزل للجمود حصته، ولو أنها تعطيك بما تكتب قدوة ناطقة باختيار الجديد واطِّراح الجمود.

وهي تشفق على القديم من معول الهدم فتقول لنا: إن الهدم في عالم المعنى جهد لا تلجئ إليه الضرورة؛ لأنك «في عالم المحسوس تهدم أولًا ثم تشيد، أما في عالم المعنى فالهدم يتم إذا شئت وأنت تبني» ونحن نقرأ لها هذا الرأي ونرى مصداقه من خلال أقوالها، فلا نعجب من إشفاقها هذا على القديم؛ لأنه لون من ألوان عطفها، ولا ننكر عليها كراهة الغبار الذي تثيره المعاول، ونفورها من الجلبة التي تصك بها الآذان.

بهذه الروح الرءوم جعلت «مي» مباحثها كلها سمرًا مؤنسًا، وصيرت الدنيا كلها غرفة استقبال لا يصادف فيها الحس ما يصدمه ويزعجه، أو هي صورتها متحفًا جميلًا منضودًا لا تخلو زاوية من زواياه من لباقة الفن وجودة الصنعة، فإن كان للمنظر من مناظر الدنيا حسنه ورواؤه ففيهما الكفاية، وعليهما مزيد من مهارة التنسيق وبراعة التركيب تجود به الآنسة من عندها، وإن لم يكن له هذا النصيب من الحسن والرواء، فلن يحرم في المتحف المكان الممهد ولا الإطار المحلى، ولكنه ينالهما وعليهما مزيد من مهارة التنسيق وبراعة الترتيب أيضًا؛ غطاء موشى ثمين!

وكن من شئت من أصحاب الآراء الشديدة أو الرفيقة، الشاذة أو المطردة، السابقة أو المتخلفة، ثم اقرأ كتابة الآنسة «مي» لا تجد فيها ما يغضبك، أو تظن أنه مناقضة مصوبة إليك في هوى نفسك ومنزع فكرك، وليكن لك رأيك في أسلوب الكتابة أو نمط التفكير أو صيغة التعبير، فما من كاتب إلا وللناس في أسلوبه وتفكيره وصيغ تعبيره آراء لا تتفق، أما الإنسان في «مي» — ذلك الكائن الشاعر الكامن وراء الكاتب منها والمفكر والمعبر — فلا يسع الآراء المتفرقة إلا أن تتفق فيه وتصافحه مصافحة السلام والكرامة.

•••

قرأت فيما قرأت من هذه الصحائف مقالة «الدكتور شميل شاعر» فتبسمت وأنا أقرؤها؛ لأنني تذكرت نكتة للمرحوم صبري باشا روتها الآنسة لنا في صدد الكلام على شعر الدكتور شميل، ومعرض النكتة أن الطبيب والشاعر اجتمعا مرة في مجلسها الزاهر الذي تستقبل فيه الزائرين كل ثلاثاء، وتجري فيه المساجلة الممتعة في الأدب والعلم والفكاهة، فجعل الطبيب ينشد الشاعر من شعره الإلحادي الذي يعرفه قراء المعاطس وهذا ساكت كالمصغي المتجلد لا يبدي رأيًا حتى فرغ الطبيب من إنشاده وسأله ما قولك؟ فالتفت صبري باشا كأنه قد أدى كل ما عليه من صبر وقال له: «هذا كفر أم شعر؟ فإن زعمته كفرًا فهو كفر بلا مراء، أما أنه شعر فلا يا صاحبي! لا.» ولا تسل عن سخط الدكتور ورطانته الأعجمية بعد هذا الجواب!

ولكني قرأت فيما روته الآنسة من نظم الشميل شعرًا هو شعر ليس بالكفر، لا كذلك الكفر الذي ليس بالشعر، فعلمت أنه قد ظلم شاعريته كما ظلم سائر الشعراء؛ لأن من يستطيع أن يقول من بعض نظمه:

حبذا زهر الربى من
كل صاف ومخضب
مثل فجر مستطير
أو كأفق قد تلهب
يتهادى في نسيم
كتهادي الطفل يلعب
والندى من فوقه حير
ان كالدمع تصعَّب
قلق مما يعاني
قلق القلب المعذب

من يستطيع أن يضرب على هذا الوتر ولو مرة واحدة في حياته، قد كان قادرًا ولا شك أن يعيد النغمة مرارًا، وأن يكون أشعر مما كان لو راض قريحته على معاني الشعر وعباراته؛ لولا شدة تعصبه للعلم.

ولقد كان الدكتور يقول بالحرف: «فضونا من غلبتكم يا أدباتية، يا أولاد الكلب!» وتقول الآنسة مي: «كان للأدباء أن يسألوه: قلمك يقول: إننا أبناء القرد وصوتك يقول: إننا أبناء الكلب فأي الوجيهين جدنا؟» وما برحت حتى ثأرت منه للشعراء واستطاعت أن تقول: إنه هو مثلهم شاعر؟

إلا أنها بالغت في الأخذ بالثأر فجعلته فيلسوفًا أيضًا، و«الدكتور شميل لا يريد أن يُلقب بهذا اللقب العظيم وينفي الفلسفة عن نفسه بحدة تكاد تكون غضبًا، فهو فيلسوف على رغم منه» أما أنا فلا أحب أن أمضي في الانتقام إلى هذا الحد، ولا أريد أن يظهر لنا موليير آخر فيجعل الدكتور بطلًا جديدًا في رواية يكون عنوانها «فيلسوف على الرغم منه» كرواية «الطبيب على رغم منه»! وأتشفع لطبيبنا عند الآنسة فأبرئه من تهمة الفلسفة كما برأ نفسه منها، وكيف يكون فيلسوفًا من يرى أن مذهب دارون قد فض مغالق الوجود، وأبطل الحدس في ألغازه ومسائله، ونقض ما تقدم وما تأخر من مذاهب الفلاسفة، وقطع بحكمه الفاصل قول كل خطيب؟ على أنني لست أرحم من الآنسة «مي» كما أريد أن أزعم؛ لأنني سأقول: إن الدكتور شميل متدين! نعم متدين شديد التدين بدليل حماسته في الإلحاد واشتغاله به طول حياته، ولا يكون الإلحاد شغلًا شاغلًا وحماسة متقدة إلا إذا مازجته روح الدين؛ أو كانت فيه على الأقل أثارة منه.

•••

وقرأت مقالة «ميكلانجلو» مجدد المدرسة الأثينية التي كانت «غايتها إظهار الجسد الإنساني فأتت بأعظم التماثيل، وكان إتقانها المتناهي أس عظمتها الفنية» فهي التي أنعشت الفنون بعد أن سرى المسخ إليها فآضت سقيمة موهونة في أيام الاضمحلال، وصار المثل الأعلى للجمال مشوبًا باصفرار الداء وهزال الضعف، ودرج المصورون على ذلك حتى كانت أيام النهضة فجددت مدرسة فلورنسا من شباب الفن المحتضر، وظهرت تماثيل ميكلانجلو «تمثل القدرة والعزم على أبدع منوال، وترسم الشجاعة وقوة الإرادة وعلو الهمة، ولكأنك أمام تماثيل هذا الجبار تستحضر وجوه الأبطال من البشر المتقدمين يوم كانوا يهبطون من أعالي الجبال فيقضون على أعدائهم بلطمة ويخنقون الأسود دعابة في أحضانهم، فإذا كانت أثينا الوطن الأول للجمال، وكانت شجرة الفن قد خيمت أول مرة تحت سمائها الصافية — كما قال هيبوليت تاين — فإن أمتن دوحة من تلك الشجرة امتدت إلى فلورنسا وأورقت فيها، وكان ميكلانجلو أكبر وأبدع زهرة على أفنانها.»

ولا شك أن الأثينيين هم أقدم أساتذة الجمال وأول من هدى إلى محاسن الجسم الإنساني ومثل النماذج البديعة في جمال الرجولة والأنوثة، وهم رسل «الصور والشكل» في عالم الفنون، بل في عالم السياسة والفلسفة، وفي كل وجه من وجوه الحياة، حتى كاد العالم أجمع يكون في نظرهم تمثيلًا وفرجة، وكاد النظر إلى صور الجمال يكون همهم الأول من الحياة السياسية والاجتماعية بلا اكتراث لفوائدها وضروراتها، وكانوا يجربون النظام بعد النظام، ويرفعون الزعيم بعد الزعيم، ولا يصبرون عليهم إلا ريث أن يستنفدوا منهم كل ما فيهم من المنظر والفرجة، فإذا فتر منظر النظام من تلك الأنظمة ألغوه أو بدلوه، وإذا فرغ الزعيم من تمثيل دوره وسكنت الحواس التي هاجها بحركاته نفوه أو قتلوه، فكان حكم الطرد «الأوستراسزم» هو التصفيقة التي يصرفون بها كل زعيم طالت وقفته على المسرح ولو كان من أقدر الساسة وأنفعهم لبلده، وكان أذكى هؤلاء الزعماء من يلهيهم باللعب أو يشغلهم بالحروب عن إطالة النظر إليه واستشعار الملالة من مقامه.

ولم تتجرد فلسفة اليونان من هذه الفتنة «بالصورة والشكل» كما قلنا آنفًا، فقد كان فيلسوفهم المطبوع «أفلاطون» يقول بالفكرة والقالب أي بأن هذا العالم المرئي من أعلاه إلى أسفله إن هو إلا الصور والقوالب التي تتخذها الأفكار الإلهية للظهور في عالم المادة، وعلى هذا النحو يجب أن نفهم سر افتتان الأثينيين بالأشكال المحسوسة وجمال الأجساد، فإنهم ما هاموا بها وأحبوها مطاوعة للمادية الغليظة وانغماسًا في لذات الحس المحدود، ولكنهم كانوا يحبونها ويتذوقونها ويعجبون بها، كأنها تعبيرات محسوسة لما وراءها من معاني الحياة وحركات الحرية وأسرار الجمال.

فليت لنا من رجال الفن في مصر من ينهضون بنا نهضة كنهضة «ميكلانجلو» فيعلمونا معاني الجسد الإنساني، ويريحونا من هذا الجمال المسترخي الذي يقدر بالشحم واللحم ويوزن بالقنطار!

•••

وقد أجملت الآنسة «مي» وصف العصر الذي عاشت فيه مدام دي سيفنيه فقالت: إنه عصر: «ما من هم لأهله إلا ثرثرة الأندية وحوادث الاجتماع والرتب العسكرية والحفلات الراقصة والأعياد والأزياء وما نحوها.» فأحسنت الإجمال، ولا سيما في وصف الأندية الاجتماعية و«الصالونات» بالثرثرة، ولكنها أحبت أن تصف بعض هذه الأندية «بالذوق السليم» وزادت على ذلك أن جعلته «هيكل الذوق السليم» ونسبت إليه أثرًا جليلًا في آداب الفرنسيين، وهنا نفترق.

أمجالس عباد الأزياء وعابداتها ورواد الثرثرة ورائداتها يكون منها أثر جليل في آداب أمة من الأمم؟ هذا ما لا يتفق ولم يتفق في غرب ولا شرق، وأحسب أن وباء التأنق الذي فشا في الآداب الفرنسية بعد عصر مدام سيفنيه، وأوشك أن يقضي على كل ذوق سليم في الشعر والنثر، ما كان مبعثه إلا من تلك الأندية اللاغطة التي لا باعث لها ولا قائد غير الغرور والتبرج فيما يبدو من زينة الجسوم والعقول، والآنسة الفاضلة تقول عن أحد هذه الأندية: إن مدام دي سيفنيه تعلمت هناك «التأنق الذي عم فيما بعد حتى اقتبسته نساء فرنسا فدعين المتصنعات أو المتأنقات، وقد بقي تاريخهن مدونًا في رواية هزلية شهيرة لموليير …» فإن كان لأندية ذلك العصر وما بعده أثر حسن في الآداب، فتلك الرواية الباقية من قلم موليير كل أثره الحسن، ولكنه أثر لا يحسب للأندية فضله ولا يعود عليها ثناؤه!

وربما شاع في أندية الثرثرة والأزياء ذلك الذوق الناعم الذي يحسن فهم الجمال المصنوع، ويجعل جمال الطبيعة كله من طرازه، ويطالب الحياة بأن تجري على رسم الخياطين وباعة الأقمشة فيما تزوق من بدائعه، أما الذوق المطبوع الحي الذي لا يحفل بالعرف ولا يعبأ بالأوضاع المتقلبة والتقاليد التافهة، فإنه يختنق في جو التصنع ولا ينمو، ويفسد ولا يصلح، ويثقل كاهله بسفساف الأمور وصغائر المطالب، ولا ينطلق في سبيله.

إن الله — على ما نعلم — لم يأذن لأحد من هؤلاء الناس الذين تجمعهم الثرثرة والفضول وتشغلهم أحاديث المجانة والتحذلق أن يكون عقلًا خلاقًا في شيء ذي بال! فإن أذن لهم بشيء فهو الاستمتاع بالجمال الذي يخلقه سواهم، ثم هم لا يستمتعون حتى بهذا الجمال المستعار إلا أن يكون زيًّا من الأزياء وموضوعًا للقيل والقال وبابًا من أبواب اللهو والهذر، وقد لاحظ سان بيف أن أكثر ما أنتجته الآداب الفرنسية في عصر الأندية كان من قبيل الرسائل والتراجم التي يكتبها أصحابها لأنفسهم؛ لأنها وسيلة من وسائل التحدث عن النفس وحب الظهور، وهو جامعة تلك الأندية التي نظمت عقدها وقربت بين أعضائها، ومحور الاجتماعات الذي كانت تدور عليه أحاديثها وشجونها.

ولسنا ننكر أن آحادًا من فحول الأدباء الفرنسيين حضروا هذه المجالس أيامًا وتذاكروا فيها أحاديث الفلسفة والآداب لمامًا، ولكنهم قاربوها ولم ينغمسوا فيها ومروا بها ولم يقفوا عليها، وأراد الله بهؤلاء خيرًا، فكان حضورهم لها في بداية ظهورها وقبل أن تتمكن رذيلة الحذلقة من زوارها، ولم يطل مع هذا اختلاطهم بأهلها إلا ريث أن شغلوا عنها، ولولا ذلك لمسختهم غثاثاتها وصغائرها وخسرهم الأدب الفرنسي، كما خسر الذين تلوهم من المتحذلقين والثراثرة.

•••

وفي مقالة الآنسة على كتاب «المواكب» يظهر لنا قلب الكاتبة المطبوعة، وعقلها الذكي، ونفسها النسوية تغذوها الرياضة الفلسفية، فإذا هي منكرة للتمرد، تأبى إلا الإيمان بالامتثال والاستسلام، وترى ورأيها الحق أن التمرد أول خطوة في مضمار الحرية الصحيحة، ولكنها خطوة لها ما بعدها، ومنزلة تؤدي إلى ما فوقها، وهي «الدرجة الابتدائية من سلم الحكمة حيث يتعلم المرء الجرأة والخروج على ما يعذبه.»

فالتمرد في أغلب الأحيان حكمة رخيصة سهلة المأخذ لا يحوج تحصيلها إلى عناء، ولا يعجزك أن تشتريها من أول دكان يصادفك في سوق التجارب، أَوَليس الجنين المولود أستاذ المتمردين حين ينزل إلى الدنيا صارخًا شاكيًا؟ وما أسهل الحنق على الدنيا وأكثر أسبابه الميسورة لجميع الناس في جميع الأعمال والمزاولات؟ فما تلقى من أحد لا يشكو وإن تنوعت الأسباب، ولا تكاد ترى من فرق بين أعظم الشاكين وأصغرهم إلا في عدد الآهات أو «كمية» أسباب الشكوى! فلا يغرنك الصياح والصخب من المتمردين فهو القسط المشترك المشاع بين جميع الناس، وإنما عليك أن تسأل عن علة هذا الصياح والصخب: أهو خلاف يفضه رجل الشرطة بمحضر مختصر، أم ذاك خلاف يحتاج إلى قدر آخر يتولى أزمة الدنيا ليصلح من شأنها، أم هو خلاف لا يحتاج إلى رجل شرطة ولا إلى قدر آخر، وإنما يحتاج من الصائح الصاخب إلى نظر يرى الدنيا على هيئة غير هيئتها الماثلة لعيانه القريب، ويعلم من أين تكون عظيمة مفرحة، كما علم من أين كانت حقيرة مؤلمة، ويفهم من أي جانب هو يشارك فيها القدرة الخالقة المسيطرة التي تعمل لنفسها كما فهم من أي جانب يشارك المخلوقات الفانية المسخرة التي تعمل لغاية لا تدركها، فقد يريحك من أكثر هؤلاء المتمردين أن تدعو لهم بشرطي أو كمامة أو تأخذ بأيديهم فتقيمهم على أرجلهم بدلًا من قيامهم على رءوسهم!

أما الذي يستحق أكبر العطف وأعظم الإجلال من جماعة المتمردين، فهو ذلك الذي يرى عظمة الدنيا حياله ويمسها بأشعة بصره، ثم تحول الحوائل السخيفة بينه وبين استجلائها ويقف له ثعبانها بمرصد دون كنوزها، ويكون بينه وبينها كما بين الظامئ التائه، وبين السراب وهي هي البحر الطامي الذي يعب منه الشارب عبا لو خلي ما بينهما من العقبات والسدود، فهذا هو المتمرد الذي يستحق منك إصغاءك وعطفك، هذا المتفائل الذي يرى في الحياة خيرًا زاخرًا وجمالًا ساحرًا وعلوًّا عظيمًا، لا ذاك المتشائم الذي يبغضها ويبرم بها ولا يرى فيها إلا الشر واللؤم والصغر والاختلال، أو يتوهم وجود الشر في موضع الخير، ويحلم بالخير حيث لا شيء إلا الصدى والخواء.

ولكن المتمرد المتفائل الذي يعرف للحياة قدرها، لا تكون خلاصة فلسفته في الحياة أن يسأل كما سأل صاحب المواكب: «ما بالي هنا يا إله الأرواح الضائعة الذي هو ضائع بين الآلهة؟» نعم لا يسأل هذا السؤال من سريرة نفسه؛ لأنه يعلم في قرارة تلك السريرة لِمَ هو هنا، ويستغرب أن لا يكون هنا، ولا يستطيع أن يتخيل نفسه منفصلًا عن هذا الكون الذي هو ملكه وجزء من كيانه، وإنما سؤاله الحقيق به: «ما بالي لم أكن هنا قبل الآن، وما لي لا أكون هنا في كل آن، ومن هو أولى مني بأن يكون هنا؟» ولا يفلت منه ذلك السؤال القائل إلا حين يطغى عليه ألم الجسد قسرًا، كما تفلت الصرخة من فم المحترق، أما النفس الحية فيه فلا ينبغي لها أن تسأل جحدًا عن مكانها من الحياة؛ إذ من ذا الذي يجيب صاحب الدار إذا هو سأل ما بالي مقيمًا في كسر داري؟ وما أجدر الإله المسئول أن لا يجيب عن ذلك السؤال الضائع بين الأسئلة؟!

على أنني لا أحب الاستسلام المطلق، كما لا أحب التمرد المطلق، وقوام الأمرين في نظري أن تجعل من القانون حرية، ومن القيود حلية، ومن الثورة نظامًا، ومن الواجب شوقًا وفرحًا، ومن «الكاوس» أو الهيولى عالمًا مقسمًا وفلكًا دائرًا، فهذا هو المثل الأعلى في الحياة، وهذا هو لب لباب فنها الإلهي الذي يلتقي فيه — كما يلتقي في فنوننا — قيد الوزن وفرح اللعب، ويتعانق على يديه الخيال الشارد والقافية المحبوسة، وتلك هي سنة الله في خلق هذا الكون الذي جعلت قوانينه مهرًا لحريته وسببًا للشعور به، فقام على هذا النظام وسطًا بين العدمين؛ عدم الفوضى وعدم الجور الأعمى، وربما وافق قولي هذا قول الكاتبة النابغة في بعض سطورها: «قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينبت في الجماد حياة.»

•••

ومن الاتفاق المستحسن أن تتجاور في هاته المجموعة مقالتان عن كاتبين متشابهين؛ أحدهما شرقي والآخر غربي، أما الأول فهو ولي الدين يكن، وأما الثاني فهو بييرلوتي، فما أوفق هذا الاتفاق وما أشبه ولي الدين بلوتي في المواهب والأخلاق!

وأحسب أن هذه المصادفة ستمكن القارئ من أن يعرف ما لم تقله الآنسة في ولي الدين بما قالته في لوتي، أو سيعرف الآنسة نفسها ما كانت تقوله في ولي الدين لولا مجاملة الصداقة ونظرة الرفق والمسامحة، فإن ما يقال في هذا يصح أن يقال في ذاك مع شيء قليل من التنقيح، وكلاهما ضحية من ضحايا السآمة الدائمة والقنوط الأنيق والعقلية العصبية، فأنت لا تغير إلا أحرفًا قليلة من الجملة التالية لو أسندتها إلى ولي الدين، وذاك إذ تقول الآنسة في لوتي: إنه «ضجر ملول يضرب ببراعة فائقة على وتر شديد الإحساس من أوتار النفس الإنسانية، وترى السآمة واليأس وبطلان العمل والجهاد والشك في كل عاطفة وكل إيمان وكل إخلاص، ويسوغ لنفسه كل شيء ليتسلى ويلهو، ونحن في حاجة إلى إهمال هذا الوتر المفني للقوة، نحن في حاجة إلى إهماله وتحريك أوتار النشاط والتجدد والأمل وحب الحياة؛ لأنها الحياة.» فحبذا لو قرأ المتسائمون (بالسين لا بالشين) من شبابنا هذا الحكم من كاتبة فاضلة على فلسفة السآمة وبدعة اللطافة المنهوكة الذابلة؛ ليعلموا أنها خلة لا تليق بالرجال ولا بالنساء.

ثم تأذن لنا الآنسة بعد هذا أن نقول: إننا لم نر شيئًا من التنكيت فيما روته من نوادر ولي الدين، فمن ذلك قولها إنه كان: «للأشياء عنده مقارنات غريبة، رأى يومًا خط المرحوم شميل، وكانت رداءة خط الدكتور مشهورة، فوضع ولي الدين بك أصبعه على أحد الحروف قائلًا تعجبني هذه الألف؛ لأنها تشبه النبوت.» ويحق للآنسة أن ترى غرابة في هذا التشبيه، فلعلها لا تعلم أن تشبيه الألف بالنبوت أشيع تشبيه على ألسنة العامة من المصريين، وأن فقيه الكتب يقول للطفل وهو بادئ بتعليمه الأبجدية «اكتب الألف مثل نبوت أبيك!» وعلى هذا النمط نكات ولي الدين الأخرى، بل لا أذكر أنني قرأت له في كتاباته أو سمعت من نوادره ما يُسمى نكتة مبتكرة.

ولكنني لا أحب أن يُفهم من قولي هذا أنني أبخس الكاتب قدره وأجهل محاسنه، فإن له ولزملائه في المزاج والأسلوب لمحاسن شتى نرجو أن تتاح لنا فرصة الكتابة عليها في مقام آخر، كما أني أعرف للرجل كل عذره في أسلوب تفكيره، ولا أستطيع أن أتصور كيف لا يكون سائمًا قليل الصبر كثير التفزز من يكون مثل ولي الدين، ومن يلقى مثل ما لقيه من عنت الحوادث وإلحاح الخطوب والأسقام.

•••

أما إسماعيل صبري فرأي الآنسة فيه أصدق الآراء ونظرتها إلى شعره منصفة له وللحقيقة، فهو كما تقول: «ينبوع صغير بلوري المياه عذبها، ينبوع يرشح له البيت والبيتين والثلاثة الأبيات، وينتظم مرة أخرى تسلسله المكرر اللماع الملون، على أنه غير فياض لا يدهش بروعته ولا يرهب بجلاله، إنما يجذب بحسنه المأنوس، ويرضي ببساطته وجلائه، ويدخل الطرب على النفس الطروب برقة عواطفه وسلاسة ألفاظه وإتقان نظمه، وهل ألطف من الينبوع الصغير في تدفقه الموزون بلا تهور؟ وهل أقرب منه إلى إرواء الظماء؟»

فصفاء الديباجة ودقة السبك هما آية هذا الشاعر الذي بلغ حد الكمال في بابه، وما كان على شاعر أن يبلغ فوق الكمال أو يطالب بالتبريز في غير بابه، وكأن نفسه المطمئنة — رحمه الله — ما كانت تلمح في هذا الكون الرحب شيئًا يروع ويدهش أو يصعب تناوله في البيت والأبيات والمقطوعة الطلية الصغيرة من الشعر الرائق المصقول، فإذا اضطره حادث من الحوادث الكبر إلى مفارقة السكينة والوداعة ونبهته أهوال الحياة ووعورتها كما ينبه الحالم من إغفاءته، أو سطا الموت على صديق حميم من أصدقائه فالتاع قلبه لفراقه واستعظم المصيبة فيه، لم تغضب نفسه غضبتها ولم تدفعه إلى معالجة قفل الموت الذي يغلق الباب بيننا وبين من نفقد من عشرائنا وإخواننا؛ ولكنه يبكي في مكانه ويستعبر ويسلم الأمر لله ويقول كما قال في رثاء إسماعيل بك ماهر:

برغمي أن تقلص منك ظل
وقاني حقبة لفح الحياة
وأن نضبت خلال كنت منها
أعب لديك في عذب فرات
وأن صفرت يميني من وداد
غنيت به ليالي خاليات
أخي! ما حيلتي إلا سلامٌ
يزورك في المساء وفي الغداة

أو يقول كما قال في رثاء إسماعيل بك نجيب:

ألا يا تجار العصر هل فيكم امرؤ
يبيع على صرعى الهموم عزاء
إذا دلني منكم على مثله فتى
خلعت عليه ما يشاء جزاء
ففي الحي قوم عاكفون على لظى
تذيبهم البلوى صباح مساء
يخالهم الرائي سكارى من الأسى
فيبكي عليهم رحمةً ووفاء
لو أن قلوب الناس طوع إرادتي
قلبت الأسى في بعضهن هناء
ولو طاوعتني كل عين قريحةً
لما ذاب بعض الثاكلين بكاء

أجل لو طاوعته القلوب والعيون ولو كانت له حيلة في القضاء! ولكن القلوب والعيون لا تطاوعه والقضاء لا يصغي إليه فما الحيلة؟ لا حيلة إلا الرضا والصبر والسلام في الصباح والمساء.

ولما سما به فكره مرة إلى استطلاع الشأن الأعظم؛ شأن الوجود والحياة، وخرج به التأمل من حيز الخطرات الصغيرة التي تقبض بأطراف الأنامل إلى الحقائق الرهيبة التي لا يحيط بها الطرف ولا يملأ منها النظر، حمل معه مسباره اللطيف الدقيق، ولم يكد يرى في السماوات والأرض موضعًا خاليًا لجهنم، ولا وجد ثَمَّ من مجالي عظمة الله غير الرحمة «التي تسع الورى» ثم أشفق على نفسه الأنيسة من هذه المتاهة، فأطبق جفنيه واستسلم وسأل الله مناجيًا:

يا رب أهلني لفضلك واكفني
شطط العقول وفتنة الأفكار
ومر الوجود يشف عنك لكي أرى
غضب اللطيف ورحمة الجبار

فما في الكون من الغضب إلا غضب اللطيف، ولا لله من جبروت إلا ما تقرن به الرحمة، والله الذي يستخبر الكون عنه هو أيضًا المسئول أن يقيه شطط العقل، ويعصمه من فتنة الفكر.

ولم يتفق لي أن أحادث الشاعر قط ولا اجتمعت به في مجلس للكلام، ولكني سمعت الكثير من آرائه وملاحظاته التي تنبئ عن شاعرية صحيحة وذوق جيد وفطنة فنية فائقة، وأعجبني من هذه الملاحظات خاصة إزراؤه على التشبيه بالزبرجد والياقوت والمرجان وبقية تلك الجواهر التي كلف المتأخرون بذكرها في أشعارهم، ثم كراهته للإكثار من كأن وكأنما رغبة منه في أن يكون التشبيه محسوسًا بالفكر، لا ملفوظًا باللسان، وهذه صحة ذوق يزيدها في القيمة أن الشاعر نبه إليها قبل أربعين سنة أو نحو ذلك؛ أي في الوقت الذي كانت جودة التشبيه فيه تُقاس بنفاسة المشبه به، وكان الرأي الغالب بين الأدباء أن ابن المعتز أبرع المشبهين؛ لأنه كان يذكر الذهب والفضة والغالية في شعره، وقراء الأدب يذكرون قصة ابن الرومي حين قيل له: لِمَ لا تشبه كتشبيهات ابن المعتز؟ فقال: لمن سأله أنشدني شيئًا من قوله الذي استعجزتني عنه فأنشده في الهلال:

أنظر إليه كزورق من فضة
قد أثقلته حمولة من عنبر

فقال: زدني، فأنشده قوله في الآذريون:

كأن آذريونها
والشمس فيه كاليه
مداهن من ذهب
فيها بقايا غاليه

فصاح وا غوثاه! تالله لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ذاك إنما يصف ماعون بيته وأنا أي شيء أصف؟ فقد كانت هذه القصة في عرفهم حجة لا تُرد في فضل التشبيه بالجواهر ورجاحة ابن المعتز على ابن الرومي لهذا السبب، فمن شبه القمر بالفضة أشعر ولا شك ممن يشبهه بالجبن البيضاء، ومن شبهه بالماس أشعر ممن يشبهه بالفضة، ومن جاء بعد هؤلاء وشبهه بالراديوم مثلًا وهو أغلى الجواهر المعروفة ففي أي مكان من الشاعرية يضعونه؟ في الذروة العليا بلا مراء وهو أشعر الخلق قاطبة إلى أن يهدي الله المستكشفين على مادة جديدة أغلى من الراديوم. وقس على ذلك جملة سخافاتهم التي كانت ذائعة مسلمة في ذلك الجيل، والتي يحسب الفضل الأكبر في تقويم خطئها وتنبيه أذهان الأدباء إليها لإسماعيل صبري رحمه الله.

•••

وسيقارن قراء الآنسة «مي» بين رحلات السندباد البحري الأول، ورحلات السندباد البحري الثاني، أو بين السندباد صاحب الرحلات المعروفة في قصة ألف ليلة وليلة، والآنسة «مي» صاحبة الرحلات الجديدة في كتاب الصحائف، ولا أدري كيف يكون حكمهم بعد المقارنة، ولكني أقول: إن السندباد الأول كلفنا الذهاب إلى ما وراء جبل قاف ليرينا عجائبه، أما السندباد الثاني فقد أرانا عجائبه ولم يذهب بنا إلى أبعد من شواطئ سوريا! والأول حطم في رحلاته سفنًا لا أحصي الآن كم هي، أما الثاني فما حطم لوحًا واحدًا من سفينة ولو كان لوحًا من زجاج، ولا أخفي عنك أيها القارئ أنني من المعجبين بالكذب الفاخر الذي عمر به السندباد القديم طفولتنا، وهاج به نفوسنا، وملأ بالمخاوف والآمال خواطرنا، وفتح أول باب من أبواب غرائب الدنيا في وجوهنا، غير أن هذا الإعجاب بالكذب الفاخر المنقب بصدق الطفولة وبراءة الحياة الأولى، لا يغض من إعجابي بالصدق الجميل في رحلات السندباد الجديد، وإن لم يكن فيه حظ للأطفال، أو كان فيه حظ لطفل واحد هو الطفل الكبير المسمى بالخيال.

•••

ثم يأتي الكلام على كتاب «سر النجاح» وقد وقفت الكاتبة لديه بين السعي والحظ وقفة المتردد المتدبر الذي يوصي بالسعي، وإنه ليعلم أن للحظ ربة عمياء، وأنها تخبط خبط العشواء على عجلتها الهوجاء.

ومن ذا الذي يسعه أن يقف غير هذه الوقفة في هذا المقام؟! ومن ذا الذي يقول للمسترشدين به: اتكلوا ولا تستعدوا وتوانوا ولا تجدوا؟ فما بقي للناصح من سبيل يختاره إلا أن يوصي الناس بالسعي أولًا، ثم ليحسب حساب الحظ بعد ذلك.

ولست أقول في هذا الكتاب غير كلمتين اثنتين، الأولى أن وزارة المعارف تصنع خيرًا لو أنها قررته للقراءة في مدارسها الثانوية بين كتب المطالعة، فإنه يفيد التلاميذ ويثقف عقولهم ويشحذ عزائمهم ويوسع دائرة اختبارهم، والثانية أن الأمة حرية بأن تعلم أن الوسائل المبسوطة في هذا الكتاب هي أصلح وسائل النجاح، وقد ينجح الإنسان في بعض المواطن — بل في أكثر المواطن — بغيرها، فواجبها هي أن تتحرى أسباب النجاح وتشرف على جلائلها ودقائقها لكيلا ينجح فيها من يضرها نجاحه من غير الأكفاء النافعين، ولنعلم أن من الأرض أرضًا ينبع فيها الزوان العقيم، ويذوي فيها البر النافع، وينمو فيها العشب السام، ويموت فيها الثمر الصالح، فلا تكن هي من تلك الأرض التي حقت عليها من غضب الله لعنة لا تمحى.

•••

وفي الصحائف!

ولكني سأستقصي على ما يظهر، وإذا استقصيت فأين يكون الوقوف والرياضة شيقة مغرية والحديقة دانية القطوف حالية؟ إني أدلك على مجاني الزهر ولم آخذ على نفسي أن أنقل إليك الحديقة بأشجارها وأزهارها، فإن كنت قد وفيت بما أردت فاقنع مني بذلك وعليك أنت البقية والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠