الحرية والفنون الجميلة

نظرة في معرض التصوير١

يقاس حب الأمم للحرية بحبها للفنون الجميلة؛ لأن الصناعات والعلوم النفعية مطلب من مطالب العيش تساق إليه الأمم مرغمة مجبرة، وضرورة من ضرورات الذود عن الحياة تدفع إليها مغلوبة مسخرة؛ فالأمم كافة تحرث الأرض وترفع الماء، وتحفر المناجم وتنشئ الأسواق، وتبني على ذلك ما تبني من علوم في الزراعة والهندسة والاقتصاد؛ لأنها محتاجة إلى ذلك كله لا حيلة لها في دفعه، ولا طاقة لها بالتواني فيه والإعراض عن إلحاح دعوته بل أمره، مثلها في ذلك مثل من يأكل الطعام؛ لأنه يجوع، ومن يشرب الماء؛ لأنه يظمأ، ومن يتدثر باللباس؛ لأنه يحس لذعة القر ورعدة البرد، ومن ينام؛ لأنه يشعر بالتعب ينهكه ويتمشى في عروقه وأوصاله، ومن يعمل أي شيء؛ لأنه لا يملك أن يدع عمله ولا يختار ما يشتهيه ويريده، وهذه عيشة لا يكون فيها الإنسان إلا عبدًا للطبيعة مكتوفًا موثقًا لا يمد يده ولا يرخيها إلا مجذوبة بالقيد في حالي المد والإرخاء.

وإنما تعرف الأمم الحرية حين نأخذ في التفضيل بين شيء جميل، وشيء أجمل منه، وتتوق إلى التمييز بين مطلب محبوب، ومطلب أحب وأوقع في القلب وأدنى إلى إرضاء الذوق وإعجاب الحس، ولا يكون ذلك منها إلا حين تحب الجمال منظورًا أو مسموعًا وجائلًا في النفس وممثلًا في ظواهر الأشياء، وذلك الذي عنيناه بحب الفنون الجميلة.

فلا يخدعنك صياح الأمم باسم الحرية، ولا تغرنك عظمة صناعاتها وارتقاء علومها؛ إذ الحق الذي لا مراء فيه أنه لا حرية حيث لا يحب الجمال، ولا أنفة من الاستعباد حيث يطبع الإنسان على أن لا يطلب من الأشياء إلا ما يضطر إلى طلبه، ولصورة واحدة قيمة تعجب بها الأمة وتجل عملها، أدل على حرية هذه الأمة في صميم طباعها من ألف خطبة سياسية، وألف مظاهرة، وألف دستور يشرع لها على الورق، ولا عاصم له من نفوس أهلها ولا أثر لحقوقه في معاملاتها، وليس بالباحث حاجة إلى طويل بحث أو عظيم عناء في تعرف نصيب الأمم من الحرية والعزة، إنما حسبه أن يسأل عن متحف من متاحف الفن فيها، فإن لم يجد فقد عرف الحقيقة من أوجز طريق، وإن وجده ففي تلك الدر التي يجده فيها، أنا الضمين له أن يلمس من مخايل الأمة، والدلائل على شعورها، وخطرات نفوس أبنائها في لحظة ما يغنيه عن درس تاريخها، وسبر حاضرها، وإعنات الذهن في التكهن بمستقبلها، ولا سبيل البتة إلى الخطأ في حكم هذا المقياس، إلا أن يكون الناظر قليل الخبرة بمقاديره وأوضاعه.

ولم ننس أن الإنسان مسوق إلى حب الجمال حين يحبه بسائق لا سلطان له عليه، ولا نسينا أن التعلق بالجمال الحي ربما بلغ بصاحبه أن يكون علاقة من علاقات الأسر الممض المرهق لا قبل له بالخلاص منها وانتزاع نفسه من ربقتها، ولكننا نذكر هذا ولا يمنعنا ذكره أن نرى فرقًا ظاهرًا بين من يُساق إلى الاختيار والانتقاء، ومن يُساق إلى الطاعة العمياء، فالإنسان في هذا العالم مسخر لا محالة حتى حين يختار ويريد، ولكن إذا كان لا بد لنا من وصف بعض حالاته بالحرية والطلاقة، فتلك الحال لا تكون في أمر من الأمور أظهر منها في ميوله الفنية ورغباته التي لا دخل للنفع فيها، ولن ترى الإنسان أكمل حرية ولا أطلق إرادة مما تراه في موقف التمييز بين شيئين جميلين كلاهما غير ضروري لجسده، وإن يكن محببًا إلى نفسه.

ثم ينبغي أن نفرق أبعد التفريق بين تمييز الجمال، والتعلق بالشيء الجميل، فإن التعلق من الهوى، والهوى ضرب من الضرورة القاهرة، أما التمييز فلا ضرورة فيه، أو هو أبعد ما يكون عن عسف الضرورة وجبروتها، فلا حرية إذن للإنسان أرقى وأكمل من حرية التمييز بين محاسن الأشياء، ولا حرية لأمة ليس لها نصيب من الفن الجميل.

على أن للفنون الجميلة أيضًا مقياسًا من الحرية لا يضل فيه القياس، فلك أن تقول: إنها كلما ازداد نصيبها من الحرية سمت طبقتها في الجمال والنفاسة؛ وإنها كلما قل نصيبها منها ابتعدت عن طبيعة الفن الجميل، واقتربت من الصناعات النفعية والمشاغل الضرورية، فلهذا كان التقليد في الفن قبيحًا مزريًا؛ لأنه من العبودية لا من الحرية، وكان الاكتفاء بالنقل عن الطبيعة أضعف مراتب الفن وأسخف مجهوداتها؛ لأنه من عمل الآلات الجامدة، لا من عمل النفوس الحية الشاعرة، ولا يكون الفن فنًّا جميلًا عاليًا إلا حين يصبغ الطبيعة بصبغة النفس التي تراها وتمثلها للناظرين جامعة بين كمال الطبيعة وكمال الحياة، فلو أنك فتشت عن علة تجعل للتصوير الرمزي مكانه الأعلى بين فنون التصوير، لما وجدت لذلك من علة غير وفرة نصيبه من حرية النفس، ولا سيما حين يرمز إلى المثل العليا؛ إذ كانت المثل العليا أرفع الآمال، وكانت الآمال أظهر مظاهر الحرية الإنسانية.

•••

ولقد مرت بي أيام كنت أنكر فيها من حال أمتنا المصرية غلبة الضرورة على جميع مرافقها، وتحكم الحاجة اللازبة في عامة شئونها، كنت أراها أمة زرع وغرس، لكنها لا تُعنَى بغرس الزهر، وتحتاج إلى أن تستجلب العطر من بلاد قصية ليست بأخصب من مصر أرضًا، ولا بأجود منها مناخًا، ولا بأصلح منها لغرس الأزهار واستخراج الأعطار، وكنت أرى مروجًا فيحًا ونبتًا ناضرًا زاهيًا وريًّا عميمًا فائضًا، ولكن ليس في كل ما تنبته هذه الأرض السخية الروية من الفاكهة وحلوى الطبيعة ما يغنينا عن ثمار البلاد الأخرى مما يسهل غرسه في بلادنا، فكنت أبتئس لهذه الكزازة النفسية وأقول: حتى في الطعام!

نعم، فالطعام الصالح كله ضروري نافع للجسد، ولكن من الطعام ما لا بد منه ولا اختيار فيه، ومنه ما يستجمله الإنسان ويتشهاه ويستحليه، فنحن اكتفينا بالطعام الضروري، وتركنا ما فيه لنا اختيار، وأبينا إلا أن نكون مضطرين حتى في الاضطرار، وإلا أن يكون الحشو والسخرة كل همنا من الطعام، لا التلذذ والتفضيل والابتكار.

ولو دام على ذلك حال الأمة المصرية لوجب أن نيأس من خلاصها، وأن نحتسب فيها حظنا من الدنيا، ولقد دار بنفسي هذا الخاطر برهة طويلة فنظمت فيه شعرًا قلت فيه:

اعمل لخبزك ما استطعت فإنه
في مصر أنفس ما ابتغى الأحرار
ما مصر بالوطن الذي تعلو به
همم النفوس وتعظم الأوطار
أرض يجود البر فوق أديمها
للآكلين ولا يجود الغار

وكان ذلك قبل ثماني سنوات أيام كان كابوس الحرب العظمى جاثمًا على صدر مصر، غير أني طويت القصيدة ولم أطبعها فيما طبعت من شعري وقلت: لم يكن ذلك شأن مصر فيما مضى، فما يمنع أن لا يكون ذلك شأنها فيما يلي؟ ولم تخلف الأيام ما أملت، فلم نلبث أن رأينا بشائر للنهضة وطلائع للحرية، لا يعد إرسال الأمل معها باطلًا أو غرورًا، رأينا الرياض والبساتين تأخذ لها مكانًا من الحقول ومن العقول يتسع عامًا بعد عام؛ ورأينا بارقة صادقة في مطالع الشعر والغناء والتمثيل، وها نحن أولاء نستقبل السنة الخامسة التي نرى فيها معرضًا للصور يقيمه المصريون بمدينة القاهرة، ويسجلون فيه بالريشة تحيتهم إلى الحرية في عصر النهضة العامة.

•••

إلى أي حد يبلغ هذا المعرض من رضانا ومن رجائنا؟ إلى الحد الذي يرجى من عمل قومي يحبو في الخامسة من عمره، بل أبعد من ذلك قليلًا، ولسنا مسرفين في الطمع، فلنغتبط بمعرضنا على علاته، وليكن ذلك باعثًا لنا على أن نذكره بمحاسنه وعيوبه، وألا تجد نفوسنا غضاضة في نقده؛ لأننا لا نطمع أن يكون لنا ولا لغيرنا معرض فني مبرأ من العيوب بعد مائة عام، فكيف به بعد خمسة أعوام؟

وعلى هذا نقول: إن الجيد في صور هذا العام نزر يسير، بيد أنه أكثر مما ننتظر في دور النشأة مع قلة ما يلقاه فن التصوير عندنا من إقبال المشجعين ودواعي الترغيب.

ومن جيد صور هذا العام زهريات الأمير محمد علي، وتماثيل الأميرة سميحة؛ فإن في هذه وفي تلك شواهد على أن الإمارة ليست بالحلية الوحيدة التي يتجمل بها مقام الصانعين الجليلين، وللأستاذ أحمد صبري صور بارعة بلغ في بعضها الغاية، ولا سيما صورة «مباركة» التي تكاد تنضح بالخفر الغض في مقتبل الأنوثة، وصورة العمامة التي تكاد تخيل لعينيك حركة اليدين تعملان في لف العمامة، ومن قطعه ذات المغزى الاجتماعي صورة بنت شريدة في حالتي البذاذة والنظافة تريك كيف ينال الشقاء حتى من سحنة الوجه ومعارفه، وكيف يختلف الوجه الواحد في النظر حتى كأنما هو وجهان متباينان، أما العمري بك صاحب المكعبات التي نالت إعجاب الناس جميعًا في العام الماضي فلا يزال موفقًا كدأبه في مزجه بين الفن والفكاهة، ولا يزال يبدع الإبداع الفائق في التقاط أغرب الملامح ببضعة خطوط هندسية، يُخيل إلى الناظر أنها لا تكلف المصور تعبًا كبيرًا وهي من أشق المطالب في هذا الفن.

وللأستاذ راغب عياد صورة «الدرويش يتوضأ» وفيها اقتحام على الخيال وجرأة على التصرف نرجو أن تكون محمودة النتيجة، وله أيضًا صورتان أوجز ما يقال فيهما: إن إحداهما لحم يضحك، والأخرى لحم يحزن ولا روح فيهما ولا عالم يحيط بهما، فإن كان هذا ما قصد إليه فقد أجاد على ما في فنه من بعض القصور المستدرك، وإلا فذلك معنى ظنناه لم يقصد إليه المصور، أما الأستاذ محمود سعيد فصورته «عزيزة» حسنة مرضية، ولكن صوره الأخرى لم تصب حظها من الإجادة التي تعودها منه زوار المعارض السابقة، والنقض في بعضها ظاهر ظهورًا نستغرب كيف لم يتنبه الأستاذ إليه، فإن صورة «نكنوكا» مثلًا أشبه بالدمى منها بصورة الأحياء، ولو أننا شطرنا الصورة شطرين لما اختلف شطر منهما عن الآخر لفرط ما بينهما من التشابه الآلي الممل، وقد بلغ من وضوح هذا النقص أننا استبعدنا غفلة المصور عنه وحسبناه مقصودًا متعمدًا، فخطر لنا أنه ربما أراد على سبيل الفكاهة والتأنق في الفن أن يصور لنا فتاته الصغيرة في شكل دمية!

وقد كان لسيداتنا الفضليات سهم عظيم في الإجادة هذا العام، نذكر منهن على الخصوص السيدة حرم فؤاد سليم بك؛ فلا شك أن صورتها «البسفور» حرية بأن تعد بين أحسن المعروضات.

ولولا خوف الإطالة لذكرنا كثيرًا من الصور الأخرى بالتفصيل، كصورة «النظر الشزر» لخيرت أفندي الغمري وصورة «منصور» لعناية أفندي إبراهيم وصورة «نصر بخيت» لتوفيق أفندي عون وغير هذه مما يضيق عن تفصيله المقام، فنجتزئ بالإشارة إليه معتذرين وقد نعود إليه في فرصة أخرى.

أما العارضون من الأجانب فلهم صنعة جديرة بالتنويه، ولا سيما صورة الطفل في الشمس لزايريس الإيطالي و«الشيخوخة» و«عزيزة» و«فاطمة» لجروجوتيس اليوناني و«الشيال» لكمباجولا الإيطالي و«ضوء القمر» لبواريه دافني الإيطالي، وقد أحسن فيها اختيار التلوين الذي يسلس أحلام الخيال فيحف المنظر من عنده بعالم من الرؤى والأطياف، وأعجبتنا بل راعتنا رسوم الثعالب والأسود والحشرات لكاسينوف الروسي؛ فإن فيها من الألمعية والاقتدار ما يبهر الناظر لأول لمحة، ومن آيات هذا المصور الماهر صورة «اللحن الهندي» التي كبح فيها جماح الألوان الساطعة النافرة كما يكبح السائق القوي جماح الخيل الطائشة العصية، فجاءت منسجمة متناسبة على ما بينها من التباعد، وما في عناصرها من التمرد والشرود، توخى فيها تمثيل منظر من أوابد الألوان والشهوات الشرقية أو ما يسمونه Oriental Fantasy فلم يخطئ غرضه وأرانا فوق ذلك أنه حتى الأوابد الشرقية والبهرجة الخيالية لها ضوابط وقوانين، وأنه ليس كل اختلاط في الألوان الساطعة يُسمى تنوعًا في التلوين.

وكل هؤلاء الذين ذكرناهم من الأساتذة الضليعين، فَيَسُرُّنَا أن يكون بين مصورينا من يباريهم فلا يخسر، بل قد يربح في هذه المباراة.

وربما أفسح لنا مجال التفاؤل أن لنا من الذكرى في هذه الساعة مكملًا حثيثًا لشوط الأمل، ذلك أن بمصر الآن معرضين للفن لا معرضًا واحدًا؛ فأما أحدهما فمعرض اليوم هذا الذي شهدناه في القاهرة، وأما الآخر فمعرض الأمس في وادي الملوك ذاك الذي أبى إلا ظهورًا ومسيرًا كمسير الشمس، وما كانوا أرادوا به إلا الخفاء إلى الحين المقدور، ويقول الذين حضروا فتحه من ثقات الغربيين أنهم رأوا طرفًا من الفن ودقائق من الصناعة تبز كل ما صاغه اليونان في أسعد عصورهم الذهبية، ولسنا نحن غرباء عن أولئك القوم الذين سبقوا الأمم إلى ذلك الشأو الرفيع، وزينوا التاريخ بذلك الصنع البديع، فإننا نحن أحفادهم وسلالتهم وخلفاؤهم على أرضهم ومجدهم ووارثو مواهبهم ومساعيهم، وقد لا يكون بعيدًا ذلك اليوم الذي نسمع فيه مثل هذا الوصف لمعرض من معارضنا الحديثة، وليس علينا إلا أن نحب الحرية كما نهتف باسمها؛ ليكون لنا ما نريده من الفن الجميل، بل ليكون لنا كل ما يتاح للأحياء من مطالب الحياة.

١  البلاغ في ٢٦ فبراير سنة ١٩٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠