مقدمة

نظرة في حياة نابوليون بونابرت

لم يعلُ نجمُ قائد ولا ملك ولا سياسي نجمَ هذا الكورسي، بل كسفت شمسُه شموسَ الإسكندر وقيصر وهنيبال؛ لأنه دوَّخ الأرض وغيَّر وجه قارة أوروبا وقَلَب نظام العالم، وترك وراءه آثارًا خالدة لا تماثلها آثار أبطال التاريخ مجتمعة.

ومهما طال الزمان على عهده وتلت الأجيال بعضها، فإن الرأس القوي ذا الشعر الأسود الحالك المنسدلة منه خصلة على الجبين العريض العالي، والوجه الشاحب المستطيل، والعينين الوقادتين الدعجاوين العميقتين، والأنف الدقيق الذي ليس بالقصير ولا بالطويل، والفم الهادئ ذي الشفتين الرقيقتين، والذقن المستديرة التي بقيت كمحل الشاربين بلا نبت — ستبقى تلك الصورة كلها محفورة في فؤاد الدهر، مكروهة لدى قليلين من المؤرخين، ومحبوبة لدى معظم الناس، حتى أحفاد الجنود البواسل الذين لقوا الحتف تحت لواء نابليون في مشارق الأرض ومغاربها، وماتوا وهم يصيحون ليحيَ الإمبراطور.

إن الناظر في تاريخ نابوليون بونابرت يتشابه لديه عظم سعادته وعظم شقوته؛ فقد بدأ حياته بائسًا محتاجًا ذا فاقة وعيلة حتى حاول قتل نفسه مرة؛ لأنه لم يكن يملك ما يسد به رمق أخواته وأمه، وقد نجا من تلك التهلكة بمعجزة خيرٍ أرادها الله. هذا أعظم ما بلغه بونابرت من الحاجة وليس بعده حد للشقاء، أما عن عوزه قبل ذلك وبعده، مما لم يدعُهُ إلى قتل نفسه فحدِّث ولا حرج. كان يقطن بُعيد خروجه من المدرسة الحربية غرفة حقيرة في أعلى دور بمنزل حقير بشارع كوردلييه الذي كان من طرق الضفة اليسرى لنهر السين واختفى الآن. وكان لا يملك من المال ما يدفع به أجر من تغسل له ملابسه، وبقي عليه بعض ديون المآكل والمشارب وأجر المسكن والغسل إلى أن بلغ شأوًا بعيدًا. ولكن كل هذه العقبات الأولى تلاشت حيال إرادته وحسن طالعه.

ثم أراد القضاء أن يصعد بونابرت فصعد ثم صعد، ثم صعد إلى أن لم يبقَ مكان للصعود، فحرر إيطاليا وفتح مصر والشام وغاظ بريطانيا واستفزها، واستولى على ممالك إسبانيا ونابولي والبورتغال، وقهر الألمان في أوسترليتز، واخترق جبال الألب القاسية، وسار يشق جسم أوروبا فأخضع إمبراطور النمسا الذي زوَّجه من بنته ليجامله ويتقيه، ووصل إلى أعماق روسيا، وعاد بعد أن هلك تسعة أعشار جنده، وبعد أن خاض في محيط من الدم ولم تفتر همته ولم تطفئ المشاق نار حبه للمجد.

لأنه كان في مجده يسترشد بنور نجمه السعيد الذي يهديه ويضيء محجته، وهو نجم خيالي لم يستطع غيره أن يراه، ولكنه كان يراه بعينه ويشعر بوجوده بقلبه.

على قدر هذا الصعود كان الهبوط؛ على قدر هذا المجد والسعادة كان الفشل والشقاء؛ على قدر العز نحو أربع عشرة سنة كان الذل فيما بقي له من حياته منذ وطئت قدمه أرض جزيرة القديسة هيلانة ذات الطالع المشئوم؛ حيث استقبله اللؤم والدناءة في شخص حاكمها هدسون لو.

كما أن بونابرت جرَّ ملوك الأرض من فوق عروشهم، وأرغم أنوف القياصرة، كذلك أرغم أنفه حاكم الجزيرة الدنيء هدسون لو الذي شهد اللورد روزبري بأنه وحش شيطاني في شكل إنسان، وأن في ذكره معرةً لبلاده وأمته (راجع الدور الأخير في حياة بونابرت Last Phase تأليف لورود روزبري).

بعد أن كان بونابرت يسكن القصور الفخمة ويتقلب في الديباج ويتناول الطعام في أوانٍ من الذهب الخالص، أمسى في مسكن حقير مملوء بالجرذان في غرفة ضيقة قبيحة المنظر، وكان هذا المقدام الذي جاب الأرض سيدًا فاتحًا يحرم الخروج من بيته دون رقابة الرقباء الأجلاف الأنذال أتباع هدسون لو، الذي كان يلذ له رؤية آلام البطل المغوار كما يلذ للذئب تعذيب الأسد، وهناك انتابته الأمراض والآلام، وقضى أيامه الأخيرة بحسرة لا يعادلها في العظم إلا مجده، ومات بعيدًا عن وطنه وشعبه وولده الوحيد وأصدقائه الذين تركوه واحدًا بعد الآخر.

إن في حياة البطل الذي يعدُّه بعض المغالين من المؤرخين نصف إله لعبرة للورى، عبرة للصغار الذين يطلبون المجد كما كان يطلبه، فيلقون من العقبات في بداية الأمر ما يكاد يقلل من همتهم، عبرة للكبار الذين بلغوا أبعد من غايتهم فظنوا قوتهم خالدة وظنوا مجدهم باقيًا حتى الأبد، عبرة لمن ليسوا من الفريقين وهم قراء التاريخ للاستفادة؛ فهم يجدون في تاريخ نابوليون أعجوبة الأعاجيب؛ لأنه لم يستطع خيال أحذق مؤلفي القصص الخيالية حشر مثل الغرائب التي حشرها القضاء بيده في تاريخ بونابرت العجيب.

يقال إن عظماء الرجال ثمرة عصورهم، وأنهم يولدون أنَّى دعت إليهم الحاجة، وأنهم أبناء المصادفات تخلقهم الأحوال المحيطة بهم. ويقول البعض إنهم هم يخلقون الأحوال ويهيئون الوسط الذي ينشئون فيه، وأتباع كل مذهب من هذين المذهبين يؤيدونه بأمثال يضربونها، وحقيقة الأمر أن المذهبين صحيحان، يجوز تطبيقهما في أحوال شتى.

فمن العظماء رجال هم ثمرة عصرهم يولدون لمَّا تدعو إليهم الحاجة، ومن هذا القبيل رجال الإصلاح الديني والاجتماعي، فإن هؤلاء المصلحين تسبقهم الحاجة إلى الإصلاح والدعوة، ومن يقرأ تراجم موسى وعيسى ومحمد — عليهم السلام — ولوثيروس وإزبخويل وبطرس الأكبر، يستبين صحة هذا القول، فإن هؤلاء الرجال يولدون في بيئة متشبعة بالحاجة الماسة للإصلاح فينشئون وهم يشعرون في الجو المحيط بهم بضرورة جلائل الأعمال التي يوفقون لقضائها. ولا ريب في أن قارئ تاريخ هؤلاء العظماء يفطن للوهلة الأولى إلى أمر يشتركون فيه جميعًا، وهو أنهم يقضون شطرًا وافرًا من أعمارهم قبل إظهار الدعوة التي يقفون أعمارهم عليها بعد، وقد يفقدون تلك الأعمار في سبيلها.

بيد أن هذا لا يقلل من قدر الرسالة أو النبوة؛ لأنه قد يجمع الرجل بين الخلتين، فيكون مصلحًا ويكون نبيًّا، وبيان ذلك أن موهبة الإصلاح واستعداد الرجل إليه مستقلة تمام الاستقلال عن وظيفته المقدسة الربانية، فإن الرسول يقوم بعمل واحد وهو تأدية الرسالة الإلهية، وهو بشير ونذير، والنبي كذلك يتنبأ بما سوف يقع لشعبه، فيحاول هديهم لينجيهم مما يقعون فيه لو خالفوا نصحه وهديه. وكلاهما (النبي والرسول) ينسب دعوته إلى الإرادة الربانية، فهما أداة في يد العناية لتبليغ أمم الأرض إرادتها لكون الله — جلَّ وعلا — أرفع من أن يشافه الناس، حتى إنه يأتي بالمعجزات الباهرة على أيدي هؤلاء الرسل لتذهب بظنون الكافرين والجاحدين والمرتابين.

أما المصلح فهو الرجل الذي يدعو إلى الإصلاح بصفته الذاتية دون الاستعانة بصفة الرسالة أو النبوة، وليست غايته تبليغ بشرى أو إنذار أو ذكر نبأ عظيم، إنما غايته إصلاح أمر من الأمور التي يراها فاسدة؛ اجتماعيةً كانت أو دينية، بمجهوداته الشخصية، وهو لا يكتفي بالتنبيه للخطأ أو للشر إنما يمتاز بالتفاني في العمل في سبيل الإصلاح، معرِّضًا في ذلك منافعه وحياته، وهو مشترك في ذلك مع الأنبياء والرسل وأولياء الله؛ لأن كثيرين منهم استهدفوا لانتقام الشعوب الكافرة، ولقوا منها التعذيب والتنكيل والقتل، ولكن — كما ذكرنا في أول الأمر — كلٌّ من النبي والمصلح قائم بذاته وصفاته علمًا على عمل معلوم، ولا يجوز الخلط بين عمليهما.

ولا يلزم عما تقدم أن يكون المصلح الذي يقوم بعمل أرضي إنساني لا حاجة فيه إلى إقناع البشر بقوة خارقة للطبيعة (كمن يشير على أمة شرقية بتهذيب المرأة وتقريبها جهد المستطاع في الفكر والتربية من الرجل) محتاجًا لتعضيد العالم في عمله، وبعبارة أخرى مثل هذا المصلح لا يحتاج لإحياء الموتى أو برء الأجرب أو استنطاق الناقة، ليثبت للملأ ضرورة هذا الإصلاح؛ لأن كل فرد من الأمم الشرقية التي لا تزال متأخرة يشعر في نفسه إذا كان وصل إلى درجة معلومة من التهذيب بضرورة هذا الإصلاح ليكون سعيدًا في بيته وأسرته. ولكن الذي يريد أن يقنع أمة وثنية بوجود إله واحد فقط دون ألف إله، وبقدرة هذا الإله الفرد على كل شيء، وبإعداد الجنة للمحسن والنار للمسيء، هذا الرجل الذي يدعو إلى مثل هذه الدعوة محتاج لإظهار أمور خارقة للعادة ليقنع البشر البله الكافرين الذين يصعب إقناعهم بالقول بأن هناك إلهًا قديرًا، وأن هذا الإله القادر قد منح هذا النبي قسطًا من قوته ليبلغ غايته من النبوة.

جئت بهذا لأثبت حاجة النبي لقوة خارقة واستغناء المصلح عنها. ولكن النبي لا يستطيع الأخذ بأعنة رسالته أخذًا حقيقيًّا منتجًا، إلا إذا كان يجمع إلى الرسالة صفات المصلح. على أن لدينا أمثلة شتى من الأنبياء الذين جمعوا بين النبوة والإصلاح، والأنبياء الذين تحلوا بالنبوة دون سواها، فمن الفريق الأول النبي العربي عليه الصلاة والتحية، ومن الفريق الثاني نوح طاب ثراه. فمحمد أقام أمة أسست دولًا وأممًا وشعوبًا، والثاني اكتفى بتغريق قومه، ثم أنقذ نفسه وفي صحبته عدد عظيم من الوحوش والحيوانات الداجنة والطيور الأنيسة التي آمنت به. وأظن أن إنقاذ إنسان مهما كان كافرًا، أفضل وأنفع من إنقاذ حدائق حيوانات الأرض بأسرها.

ومن العظماء رجال يخلقون الأحوال، ويهيئون الوسط الذي ينشئون فيه، ويوجدون الفرص المناسبة فينتهزونها، وهذا فريق عظماء الحرب والسياسة؛ كالإسكندر وقيصر وبيسمارك، فإن الإسكندر عندما تولى عرش أبيه فيلبس وقام يفتح الأرض من أدناها إلى أقصاها، لم تكن الأرض في حاجة لفتوحاته، إنما بدل سلطة بسلطة وقضى نحبه في مقتبل العمر عُقيب ما عاناه من شقة الجولان ومتاعب الحروب في أنحاء المعمور. كذلك قيصر أنفق مليونًا في ملاذه قبل وصوله إلى غايته في رومة، ثم دوَّخ الغال والإسبان وعاد إلى رومة يتوعد كبار القواد، ثم رضي أن تقسم السلطة بينه وبينهم إلى أن حان له أن ينفرد بالقوة، فلم يتردد هنيهة، فصير مجالس رومة ومناصب قناصلها أسماء لا مسميات لها، ومهَّد بذلك سبيل تيبريوس الذي رفع حصانه إلى مقام أعضاء مجلس الأعيان والشيوخ. وما زال في طغيانه إلى أن قتله أصدقاؤه الذين كانوا يحبونه، ولكنهم يحبون الحرية والحق أكثر من حبهم إياه.

كذلك حال عظماء السياسة؛ فهم يخلقون الفرص ويهيئون النتائج بمقدمات يعدونها. إن بيسمارك هو الذي أثار حرب السبعين التي أورثته مجده؛ لأنها أنتجت تكوين إمبراطورية ألمانيا. كذلك لويد جورج هو الذي أحدث الانقلاب الاجتماعي الاقتصادي الآخذ اليوم بتلابيب أمة الإنكليز، ومنشأ هذا رغبته في المساواة بين الأغنياء والفقراء؛ لأنه وُلد معدمًا.

يفطن القارئ مما تقدم إلى أن بونابرت هو من هذا الفريق الأخير من العظماء، أي إنه خلق الظروف التي أحاطت به وهيأ النتائج بالمقدمات التي أعدها. والناظر في تاريخ بونابرت يرى صحة هذا النظر يومًا بيوم، فهو الذي أطلق المدافع على العامة في شوارع طولون، فبدد شملهم فاشتهر، وهو الذي رسم لذاته خطة السيادة في العالم ومعاكسة الإنكليز في أقطار الأرض، فصحَّ عزمه على محاربتهم في مصر، ومقاومتهم في إسبانيا والبورتغال، ورمى إلى إضعاف سلطة معضديهم في أنحاء أوروبا، فجرد حملاته الكبرى التي حملت إليه أكاليل النصر في ميادين واجرام ومارنجو وأوسترليتز وتلسيت وغيرها، ثم هو الذي خاطر بجيشه وشخصه فضرب في مناكب أوروبا إلى بلاد روسيا فرُدَّ خاسرًا، بعد أن ترك ثمانية أعشار جيشه في سهولها المكسوة بالجليد، وبعد أن رأى بعينيه المتقدتين غربان الخراب تنعق على أطلال موسكو التي التهمتها النيران المهلكة، وسمع صوت شعب أبيٍّ يصرخ من أعماق تلك المدينة العظيمة التي أسلمها سكانها لألسنة اللهب: «بيدي لا بيدك يا بونابرت!»

•••

ولست الآن في مجال ذكر تاريخ نابوليون إجمالًا أو تفصيلًا، بل أنا لا أريد أن أصدر عليه حكمًا تاريخيًّا؛ لأنني أقدم للقراء أفكاره وآراءه في كل ما يخطر على قلب إنسان، ولكنني لا أملك نفسي أن ألقي هذا السؤال: «هل عادت حياة نابوليون بونابرت على العالم بالنفع أو بالضرر؟»

إن الجواب على هذا السؤال يقتضي تقدير أعمال بونابرت ووزنها بميزان العدل بدون تحيز، فإن رجحت حسناته فلا ريب أن حياته كانت نافعة وإلا صح عكس ذلك.

أول ما يلفت نظر القارئ في حياة بونابرت هو مجموع تاريخه، فإن ترجمته جملتها إن لم تكن أجمل صحيفة في تاريخ العالم (ما عدا تراجم الأنبياء المطهرين) منذ الخليقة إلى الآن فهي بلا ريب من أجمل صحف التاريخ. أقول ذلك غير ناسٍ كل جليل وضئيل في حياته، بل إن بونابرت نفسه لم يكتم عن العالم عيوبه؛ إذ دونها وانتقد بعضها وحاول تبرير البعض، كذلك صنع مؤرخوه نقدًا وتبريرًا بحوادث حياته.

أقول ولا أخفي عن القارئ صعوبة العمل الذي أحاوله بكتابة هذه الصحف؛ لأنه في ذاته شاق وصعب في بابه ومن جهة أخرى؛ لأنه غير مألوف فيما نكتبه نحن الشرقيين في عرض الكلام على العظماء، فإن بدرت هفوات وأغلاط في شكل البحث أو موضوعه، فلا يرجع الخطأ إلى لباب البحث من حيث هو نقد تاريخي، إنما يرجع إلى كاتب هذه السطور، وإنما نعد عملنا هذا تجربة فإن لم نظفر ببعض أو كل الغاية المنشودة، فلا أقل من أن نغتبط بفتح باب جديد في البحث التاريخي.

يقتضي العدل أن ينظر إلى بونابرت من كل جهة من جهاته الخاصة، ثم تُلقى عليه وعلى أعماله وآثاره في وطنه وفي العالم نظرة عامة وبيان ذلك أن نفحص شخصيته وأحواله النفسية والمؤثرات الأدبية والاجتماعية والسياسية التي أثرت فيه في كل أطوار حياته، ثم نبحث في أعماله بحثًا إجماليًّا، ثم نصدر الحكم عليه فيكون حكمًا قريبًا من الحق على قدر المستطاع.

وغير خفي على أولي الفطنة أن الحكم على ظواهر حياة بونابرت كمراتب المجد ومناصب القوة والسلطة التي تقلب فيها غير كافٍ، إذا ضربنا صفحًا عن أصله ومنشئه؛ لأن للوراثة والنشوء الطبيعي في أخلاق الرجال وطبائعهم، بل في أخلاق الجماعات والأمم آثارًا قوية لا يمكن إهمالها أو نسيانها.

نابوليون بونابرت من أهل كورسيكا، وهي جزيرة في أواسط البحر، منقطعة عن الممالك المجاورة، فلا هي إيطالية ولا هي فرنسوية، ولا هي بالبيئة البرية ولا بالوسط البحري المحض. جزيرة اشتهر أهلها بقوة المزاج وشدة الشكيمة وسرعة الغضب وحب الانتقام (فنديتتا)، وقد يكظم أحدهم غيظه ويصبر على الضيم سنين؛ لأنه يعد لعدوه ثأرًا شيطانيًّا، يدبر له مكيدة جهنمية تخنقه خنقًا شاذًّا وتمطر عليه نارًا وكبريتًا، وتبعث إليه من قرار سقر بأفاعٍ ذات سم زعاف يرسلن به إلى عالم الهلاك والعدم، كما يقول شكسبير في بعض رواياته.

هذا عن الوسط الطبيعي الذي نشأ فيه بونابرت. أما عن الوسط البيتي، فقد كان وسطًا شاذًّا، لأن أباه كان موظفًا صغيرًا خاملًا، مات حوالي الثلاثين من عمره بداء السرطان، وكان كثير من أهله وأقاربه مصابين بأمراض شتى، بل كان هو نفسه مصابًا بداء الصرع الذي أصيب به كثيرون من العظماء، أمثال ولنجتون ودوستيوسكي وغيرهما، وهذا الداء قد يكون عند البعض دليل البله وضعف العقل، وعند البعض دليل النبوغ؛ لأنه أثر من آثار اختلال الجهاز العصبي الدال على مخالفة صاحبه في القوى العقلية وعاطفة الإحساس لغيره. وقد حاول كثيرون من أعداء النبي محمد — عليه الصلاة والسلام — أن يدَّعوا عليه كذبًا وبهتانًا أنه كان مصابًا بهذا الداء، مستشهدين بما حدث له إذ كان لدى مرضعه حليمة فخلفته مع الأطفال، فوقع على الأرض وأُغْمِيَ عليه، وما زال كذلك حتى هلع الأطفال وانفضوا من حوله. ولكن علماء الدين الحنيف الأجلاء يفسرون ذلك بالتفسير الصحيح، وهو أن الله — سبحانه وتعالى — بعث الملك ليطهر قلب نبيه الحبيب، وقد دافع توماس كارليل عن هذا الرأي فيما كتبه عن النبي عليه التحية في كتاب الأبطال، وأثبت بأدلة باهرة أن ما كان يصيب النبي من الإغماء في حياته، إنما كان لشدة ما يعانيه عند حلول الوحي، وهذا هو الرأي الصادق الحقيقي. ولكن شأن نابوليون غير ذلك، فإنه كان مصابًا حقيقة بالصرع، ولم يكن هذا ليقلل من قدره، ولكنه كان دليلًا على اختلال جهازه العصبي كما أسلفت، وهذا الاختلال يؤخذ اليوم عند العلماء الطبيعيين دليلًا على العبقرية. وهنا نلفت نظر القارئ إلى عدد عظيم من الكتب التي دوِّنت في هذا المعنى وأحسنها باللغة الإنكليزية كتاب The Insanity of Genius١ وجملة القول في هذه النقطة الأولى أن بونابرت ولد عبقريًّا حربيًّا في وسط شاذ.

ثم إن هذا العبقري كان فقيرًا ذا مطامع لا حد لها، وذا إرادة كالفولاذ، وصبرٍ على العمل لا ينفد، وهذه الخلال الثلاث ما اجتمعت لرجل إلا رفعته إلى السماكين، فالفقر يبعثه على العمل لتحصيل المال، والمطامع تدفعه إلى المخاطرة لتحصيل المجد، وإرادته تنفعه إذا خانته الرجال والأحوال، وتدعوه إلى ممارسة الأشياء ومعاودتها حتى تتم له، والصبر على العمل هو خير أداة لتنفيذ رغائب النفس العالية والإرادة القوية.

ولا ننسى أن نابوليون ولد ميالًا بطبيعته للرياضيات والحرب؛ أي إنه خلق قائدًا، وكان في طفولته يلعب بألاعيب على شكل المدافع، ويحرك الصبيان تحريك الجيوش، ويهاجم أماكن اللعب مهاجمة الحصون والقلاع.

وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن الطبيعة والقضاء أرادا إرادة ثابتة مطلقة جلية أن يكون بونابرت قائدًا عبقريًّا، وأرادت العناية أن يعيش بعد أن شرع في إغراق ذاته، وأراد القضاء أن يولد بونابرت في زمن كانت فرنسا — بل أوروبا بل العالم كله — محتاجة فيه إلى فاتح عظيم يمهد لذاته سُبل الفتح، فوقع انتخاب القضاء على بونابرت. إلى هنا كان نابوليون غير مسئول؛ لأنه لم يخلق نفسه ولم يهبها مناقبها وخلالها السامية، ولم يجعل أوروبا في حاجة إلى الحرب، بل هو أراد القضاء على حياته، ولكن بعد اليوم الذي ثبَّت فيه قدماه على أرض فرنسا، ووثق به رؤساء الحكومة وقلدوه قيادة الجيش الذي حرر إيطاليا، أصبح نابوليون مسئولًا عن كل صغيرة وكبيرة من أعماله، وآثار شعوره بهذه المسئولية موجودة في حكمه وكلماته، وفيما دونه وحرره من الكتب والمكاتيب.

يعرف قارئ هذه الصحف أن نابوليون بونابرت وُلد عام ١٧٦٩، وأن أباه شارل بونابرت كان موظفًا خاملًا، أما أمه لاتيتيا رامولينو وهي امرأة إيطالية الأصل، فكانت مشهورة بقوة الإرادة وصلابة الرأي إلى حد العناد، وإن بونابرت تفوق في المدرسة ثم في فرقة الطوبجية بطولون عام ١٧٩٣، وارتقى إلى درجة قيادة لواء في حملة إيطاليا (١٧٩٤)، ثم غضب عليه بعد حوادث ٩ ترميدور لاتهامه بمؤازرة روبزبيير، فأبعد، ثم أعيد فعين مكان شيرر قائد حملة إيطاليا في سنة ١٧٩٦ فأبلى بلاءه المشهور وانتصر انتصارًا باهرًا في مواقع شتى؛ كمونتنونتي وميليسيمو وموندوفي ولودي وأركولي وريفولي وغيرها، إلى أن أرغم النمسا على عقد محالفة كامبو فورميو التي ضمنت حرية إيطاليا وجلاء النمسا عن أراضيها.

ثم عاد إلى فرنسا وهو موضع إعجاب أمته، وموضع حسد وبغض أعضاء حكومة الديرقتورية، ولم ينسَ نابوليون قبل عودته أن يسلب كنوز إيطاليا ومتاحفها، فنقل إلى وطنه ما استطاع من الآثار والعاديات والتحف، ومعظم ما نراه اليوم في متحف اللوفر وغيره هو من بقايا تلك الهدايا الإجبارية التي قدمتها إيطاليا للقائد الشاب ثمنًا لحريتها؛ لأنه لم يكن يحارب الطليان أنفسهم، إنما كان يحارب النمسا التي كانت مستوليةً على إيطاليا ترهق أهلها وتهضم حقوقهم وتستغل ثروتهم.

فلما أن عاد بونابرت إلى فرنسا زادت مطامعه؛ لأنه رأى نجمه صاعدًا وفوزه مؤكدًا، فصحت عزيمته على أن يكون سيد فرنسا ومولاها، وقد أقر بذلك في مذكراته فقال: «حيث أريد أن أسود فرنسا فلا بد لي من أن أكون رجلًا لا يُستغنى عنه، ولا يكون هذا إلا إذا ساءت حال حكومة الديرقتورية في غيبتي فتستنجد فرنسا بي فأعود ويعود النصر معي.» وكان هذا هو السبب الحقيقي الذي دعا نابوليون إلى الإلحاح في تجريد حملة مصر (٩–١٧٩٨)، وإذ كان بونابرت غائبًا في وادي النيل ساءت حال حكومة الديرقتورية بفرنسا، وأصبحت ممقوتة في عين الشعب لأسباب شتى، منها ما لقيه الجيش الفرنسوي من الصعوبات الأولى في مصر، ومنها بعض القوانين التي سنتها الحكومة خاص بعضها بالتجنيد وبعضها بالقرض الإجباري، وبذا صح نظر بونابرت في نتيجة سياسة الحكومة العاجزة.

وقد رأى بونابرت إذ ذاك أن الفرصة قد سنحت، وأن في طاقته حينئذ أن ينفذ غايته التي كان يرمي إليها منذ البداية، فسرعان ما عاد إلى فرنسا وقلب نظام الحكومة وصيَّرها قنصلية بدلًا من الديرقتورية، وكان ذلك في ٩ نوفمبر سنة ١٧٩٩، وعين ذاته قنصلًا أولًا ثم سعى في الحصول على التثبت من وظيفته طول حياته، فكان ذلك، وانتخب قنصلًا للحياة (١٨٠٢)، وذلك بعد أن أمضى معاهدات الصلح مع إنكلترا وغيرها (لوينفيل وامينز).

ثم بدأ يستبد داخل البلاد وخارجها، فأمر بإعدام دوق دانجان بعد اتهامه بتدبير مكيدة على حياته، ثم أباح الاسترقاق في مستعمرات فرنسا بعد إلغائه في عهد الثورة الفرنسوية.

ثم عاد فخلى المظالم جانبًا وقام بأعمال جليلة خلدت ذكره في التاريخ، أولها وأعظمها سن القانون المدني الفرنسوي الذي لا يزال معروفًا باسمه في أنحاء العالم، ثم وضع نظامًا ماليًّا جديدًا، وأسس بنك فرنسا الذي لا يزال قائمًا، وكوَّن مدرسة باريس الجامعة التي تفرعت عنها بعد ذلك مدارس فرنسا الجامعة في مدن الأرياف، ثم أمضى معاهدة الكونكوردا مع البابا بيوس الثامن، فضم الكنيسة الكاثوليكية إلى الحكومة وأخضع القسيسين لسلطته بحيث أصبحوا يستمدون نفوذهم منه.

وفي ١٨ مايو سنة ١٨٠٤ أجمع رجال الحكومة بإيعازه على أن يجعلوه إمبراطور فرنسا، ولم تجد هذه الحركة الرجعية مقاومة إلا من شخصين اثنين يخلد التاريخ ذكرهما العاطر، الأول كارنو الذي احتج في مجلس التربيونا، وجريجوار في مجلس الشيوخ. وكارنو هذا هو منظم الجيش الفرنسوي الوطني، وأحد كبار الثورة الفرنسوية، وجد الرئيس كارنو الذي قُتل في ليون عام ١٨٩٤ بيد كازريو الفوضوي. فلما صار بونابرت نابوليون الأول، كانت فرنسا في حاجة شديدة للسلم بعد خمس عشرة سنة قضيت في الحروب الداخلية والخارجية، ولكن بونابرت فطن إلى مسألة مهمة تتعلق بشخصه كما كانت عادته؛ إذ كان يجعل ذاته فوق وقبل كل شيء عداها، فطن إلى أنه وصل إلى عرش القياصرة بفضل انتصاراته، وأنه لا يستطيع استبقاء السلطة إلا بانتصارات جديدة، فأقام على أوروبا حربًا عوانًا بدعوى نشر مبادئ الثورة الفرنسوية والقضاء على مظالم الملوك المستبدة، ولكنه كان يرمي في الواقع إلى غاية أخرى، وهي أن يبهر العالم بقوته وصولته وأن يفتح ممالك أوروبا، ويكون هو سيد العالم المتمدين، فيخضع له سواه. وهكذا يبقى سيد الأرض من أقصاها إلى أقصاها. وقد ساعده الحظ ففاز في مواقع شتى أهمها أوسترليتز وأينا وايلو وفريدلاند وإيكموهل وواجرام.

وحوالي عام ١٨١٢ بدأ نجم سعده في الهبوط، ففشل في حملة روسيا، وكان لم ينتهِ بعدُ من حملة إسبانيا، ثم حارب في وقعتي لوتزن وبوتزن، وكان في استطاعته أن يصالح أعداءه صلحًا مشرفًا، ولكنه رفض شروطهم التي عرضت عليه في مؤتمر براج، فتألَّبت أوروبا بأسرها عليه، وانتصرت على جيوشه في موقعة ليبزيج عام ١٨١٣ واحتلت الدول جزءًا من أرض فرنسا ودخلوا باريس عام ١٨١٤، رغم المجهودات العظمى التي قام بها الإمبراطور ليردهم عن عاصمة وطنه.

فلما رأى الفرنسويون أنفسهم أن بونابرت أصبح عاجزًا عن حماية عاصمة بلاده قرر مجلس الشيوخ خلعه، فتنازل عن العرش في فونتنبلو (٢٠ أبريل ١٨١٤)، وخرج من مقر دولته طريدًا إلى جزيرة «إلبا» حيث قضى ستة أشهر، وكان لويز الثامن عشر حينئذ ملك فرنسا، استجلبوه من منفاه عُقيب رحيل بونابرت، ولكن فرنسا لم ترضَ به، فقامت عليه الفتن من كل جانب فاضطر للفرار، فانتهز بونابرت تلك الفرصة وترك جزيرة إلبا في ٢٦ فبراير سنة ١٨١٥، فلما بلغ باريس استعاد ما كان له من القوة وأعد جيوشه من جديد، وحكم مائة يوم مشهورة، ولكن أعداءه الذين تألبوا عليه من قبل عادوا إلى السيرة الأولى، فحاربهم وكان نصيبه الفشل في موقعة وترلو الشهيرة، فعادوا واحتلوا أرضًا من فرنسا، وكانت إنكلترا وحدها تلح على الحكومة في تسليمه إليها لتفعل به ما تريد انتقامًا منه على تدويخها وإغاظتها، وقد غدره ملك إنكلترا إذ ذاك بعد أن وعده بتسريحه، وأسلمه فوشيه الدنيء إلى ألد أعدائه، فأبحرت الباخرة (بيليروفون) إلى جزيرة اسمها سانت هيلانة، وكان بونابرت يظن أنه ذاهب إلى بلاد الإنكليز.

ومات بونابرت عام ١٨٢١ بعد ست سنين قضاها في الذل والأسر.

هذه المعلومات السطحية يعرفها كل إنسان، ومن لا يعرفها لا يصعب عليه البحث عنها، ولكن أسبابها ونتائجها هي الجديرة بالنظر.

فإن القارئ يرى لأول وهلة أن بونابرت قام بعملين للوصول إلى العرش؛ الأول أنه جعل ذاته منقذًا لفرنسا بعد أن صيَّر وجوده حيويًّا لها، وساعد حكومة الديرقتورية على سقوطها وضياع نفوذها، ولذلك ألحَّ عليها بضرورة حملة مصر، ولعلمه بأن الذين كانوا على رأس الحكومة كانوا ضعافًا قاصرين فقد تأكد من نتيجة سياسته قبل وقوعها؛ لأنه لا ينتظر من غير الأكفاء، إلا الوقوع في الأغلاط دون تصحيح بعد ذلك، ولكن الأكفاء قد يخطئون وقد يصنعون شرًّا إما طوعًا وإما كرهًا، ولكنهم يعودون فيصلحون ما أفسدوا، ويعوضون عما مضى منهم خطأً أفعالًا شريفة قويمة ترجع نفوذهم وتنسي الماضي إن كان نسيانه في مصلحتهم.

فلما أن صح نظر بونابرت في رجال الحكومة عاد إلى فرنسا، فاستقبلته الأمة استقبال المنقذ، فلم يجد صعوبة في قلب نظام حكومي عقيم ظهر قصور القائمين بأمره، وجعل ذاته قنصلًا كخطوة أولى في سبيل المجد الذي كان يرمي إليه، ثم إنه لما عُين قنصلًا حصل على تثبته من منصبه طول حياته؛ لأن الوصول إلى العرش من منصب قنصل دائمي أسهل من الوصول إليه من منصب قنصل قابل للعزل أو السقوط، ثم ظهرت صلابته وحبه للاستبداد بعملين: الأول مقتل دانجان ابن أمير كونديه، والثاني إعادة الرق في المستعمرات، أما عن الأول فإن حجة بونابرت فيه قوية؛ يقول إن دانجان قد تآمر عليه هو وغيره من الأشراف، وأنصار دانجان يقولون إن هذا الأمير كان مشتغلًا بزوجته وبالصيد في الأحراش عندما وافاه خبر القبض عليه، ونابوليون ذكر في مذكراته أنه كان يتسرع في اقتراف بعض المظالم خشية أن يكون ما بلغه حقًّا، فإذا توانى فرَّت الفرصة وكان في ذلك هلاكه، ولا شك في أنه كان يعني بذلك مقتل دانجان. على أنني أجد له دفاعين: الأول أن للرجل صاحب السيادة حق حماية ذاته، لا سيما إذا كان في منصب كمنصب بونابرت؛ أي إذا كان حقه قائمًا على القوة لكن دون إرهاق، والدفاع الثاني أن كثيرين من الأمراء الحديثي العهد بالإمارة قضوا على مئات من الأمراء الأقدمين ليخلو لهم الجو، وليأمنوا جانب أصحاب السلطة السابقين.

والعمل الثاني هو إعادة الاسترقاق في المستعمرات، ولست أرى في هذا لومًا على بونابرت؛ لأننا ونحن في هذا الجيل نرى من الأمم الحرة المتمدينة فظائع أشد من استرقاق العبيد في أواسط أفريقيا. إننا نرى أممًا وشعوبًا بأسرها في أشد أنواع العبودية، بل إن أهل الولايات المتحدة يقتلون اليوم العبيد رميًا بالرصاص وصلبًا وشنقًا بدون محاكمة، ولو استطاعوا هلاكهم عن آخرهم في طرفة عين ما تأخروا، وقد استُعبد الصينيون في جنوب أفريقيا منذ خمس سنين، حيث كانوا يعملون كالأنعام في المناجم التي تُخرج الذهب. وزد على هذا كله أن بونابرت كان في جيل لم يفطن أهله إلى ما يفطن إليه أهل هذا الجيل، فهو في الأمرين معذور وليس عليه لوم كثير، ولو كان ملومًا فقد أصلح بأعمال كثيرة بعد ذلك هذين الخطأين كسن القوانين وتأسيس مدرسة باريس الجامعة وبنك فرنسا وغيرها. بل كل أعماله كانت موجهة نحو الخير المحض.

قلت في أثناء هذا الكلام أن بونابرت قام بعملين للوصول إلى العرش: الأول أنه جعل ذاته منقذًا لفرنسا بعد أن صير وجوده حيويًّا لها، وأسهبت في ذلك، والعمل الثاني قام به بعد أن وصل إلى العرش وأراد استبقاءه، فإنه أقام على أوروبا حربًا عوانًا بدعوى نشر مبادئ الثورة الفرنسوية، وما زال ينتصر على أوروبا حتى هبط طالع سعده وهوى نجمه فوقع غدرًا في قبضة ألد أعدائه.

ولكن أردت بذكر هذين العملين أن أثبت ما ذكرته في أول هذه المقدمة من أن بونابرت هو الذي خلق الظروف التي أرادها، وأحاط نفسه بجو يقتضي ارتقاءه إلى العرش.

على أنني أود من صميم فؤادي أن أصدق أن بونابرت أراد بحروبه أن ينشر مبادئ الثورة الفرنسوية لولا أمران؛ الأول أنه أقر في مذكراته (وقد نقلت بعضها) من أنه رأى أنه لا يحفظ القوة إلا القوة، وثانيًا أن مبادئ الثورة التي ادعى التفاني في نشرها خارج بلاده قد قضى عليها في وطنه، وهذا من غرائب المتناقضات في أقوال وأفعال العظماء.

•••

إن سيئات بونابرت كثيرة؛ فمنها:
  • (١)

    قلبه نظام الحكومة في فرنسا ثلاث مرات ليصل إلى العرش.

  • (٢)

    بعض المظالم التي اقترفها متسرعًا، كقتل الأشراف ونفي أصدقائه ورفقاء صباه.

  • (٣)

    تضييقه على الحرية الاجتماعية والسياسية، بحيث لم يكن في فرنسا لعهده إلا جريدة واحدة، وهي جريدة المونيتور، وهي الجريدة الرسمية.

  • (٤)

    إقامته حروبًا شعواء على أوروبا أهلك فيها ألوف الألوف من جنود فرنسا وجنود الأمم الأخرى.

  • (٥)

    تطليق جوزفين طمعًا في زواجه بابنة إمبراطور النمسا.

وحسناته كذلك كثيرة، فمنها:
  • (١)

    تحرير إيطاليا من ظلم النمسا.

  • (٢)

    تحرير مصر من ظلم المماليك وإخراج كنوز مصر العلمية بواسطة فرقة العلماء التي كانت تصحبه.

  • (٣)

    نشر مبادئ الثورة الفرنسوية في ممالك أوروبا وتطهيرها من مفاسد العهد القديم، والقضاء على مظالم المستبدين من الملوك والأمراء قضاء مبرمًا.

  • (٤)

    سن القانون المدني الذي أخذته ممالك العالم كله واستفادت به منذ مائة عام.

  • (٥)

    تأسيس مدرسة باريس الجامعة التي انتشر العلم بواسطتها في أنحاء فرنسا وأوروبا.

  • (٦)

    تأسيس بنك فرنسا الذي هو من الدعائم الأولى في حياة أوروبا الاقتصادية.

  • (٧)

    حرك العالم كله من أوله إلى آخره بحروبه، فبعث بروح الرجولية والشجاعة في الأمم التي قهرها أو حاربها، فإن ألمانيا وروسيا تعدان ابتداء حياتهما الحقيقي من عهد حروب بونابرت.

  • (٨)

    كان ماليًّا حاذقًا وسياسيًّا لا يجارى، فلم تقع فرنسا لعهده في أزمة ولم يخدعه ملك.

أما عن سيئاته التي ذكرتها لأن المؤرخين يذكرونها فمنها ما يسهل تبريره ومنها ما لا يمكن أن يغتفر له، فمما لا يغتفر: قلبه نظام حكومته الجمهورية وتضييقه على الحرية.

أما إقامته حروبًا على أوروبا فلا معنى للومه على ذلك؛ لأن نابوليون لم يكن ليكون نابوليون لولا تلك الحروب؛ لأنه خلق كما ذكرت بطبيعته والوسط الذي نشأ فيه والظروف التي هُيِّئَتْ له قائدًا محاربًا، فلا يعقل أن يُحرم من عنصر حياته الأول وهو الحرب التي كانت له بمثابة الماء للسمك.

أما عن طلاق جوزفين، فهذه سيئة تَرِد كثيرًا على أفواه السيدات والصبيان لتشبع نفوسهم بالعواطف الرقيقة، ولكن البحث في هذا لا يدخل في مجال قول جدي.

على أن بونابرت مهما كان له من السيئات الصغرى التي لم نذكرها، إما جهلًا منا بها، وإما صونًا بسمعته، فقد كفَّر عنها كلها خلال السنين الست التي قضاها في جزيرة سانت هيلانة تحت رقابة الوحش الشيطاني هدسون لو، الذي سبق الكلام عليه، وكل ما يقال في هذا المجال أن نابوليون لم يخطر بباله أن يفرَّ من تلك الجزيرة مع أن كثيرين عرضوا عليه ذلك، وأبى أن يخرج منها إلا حيًّا بشرف أو ميتًا محمولًا على الأعناق.

وكان الأنوك الغاشم هدسون لو يحرمه مشاهدة صورة ابنه الوحيد، أو التمتع بشميم خصلة من شعره، وكان يتعقبه بحرسه أنَّى ذهب. فلما أن لحقه المرض الأخير أبى عليه زيارة الطبيب، وكان إذا زاره الطبيب أوعز إليه أن يهيج غضبه باتهامه بتصنع المرض (راجع كتاب مرض الإمبراطور تأليف أنطوماركي).

وقد أرادت الأقدار أن يبقى اسم هدسون لو قرين اسم بونابرت، ولكن هذا الخلود يشبه خلود اسم إبليس مقرونًا باسم آدم.

•••

وخلاصة القول أن بونابرت كان بطلًا من أعظم أبطال التاريخ الإنساني إن لم يكن أعظمهم، وأنه كان مدفوعًا في كل أعماله بقوة خفية كامنة منه لا يمكن مخالفتها؛ فهو خلق ما خلق من الظروف والمهيئات، ودبر ما دبر من الأعمال والانتصارات؛ ظنًّا أنه يعد ذلك كله لنفسه بنفسه، ولكنه للغيرة كان آلة في يد القضاء، بل ممثلًا صغيرًا في ملعب الحياة الكبير، ومنفذًا لأغراض أخرى غير الأغراض التي كان يراها، حتى إذا استغنت عنه العناية بعد أن خدعته تصدته وسلطت عليه أرباب الحرب، فغضبت عليه وقهرته وسلمته لأعدائه.

وهو يقول في أول مذكراته: «إن الناس ينسبون انتصاراتي لحظي، وغدًا ينسبون فشلي لعيوبي، وحقيقة الأمر أنني لم أتغير ولكن الحظ نفسه هو الذي تبدل.» وكأنه بهذه العبارة قد شعر بأنه لم يكن إلا أداة في يد القدر.

فليكن بونابرت المثل الأعلى Idéal للبشر؛ فإنه خير من يُقتدى به في قوة الإرادة وحب العمل وتذليل المصاعب والدوس على العقبات، وليكن عبرة لمن لا يفطنون إلى حقيقة حالهم وضعف حولهم إلا بعد فوات الفرص.
محمد لطفي جمعة
هليوبوليس في ٥ أبريل سنة ١٩١٢
١  «جنون العبقرية» تأليف نيزبت، طبع لندن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١