أولًا: ماذا يعني «التراث والتجديد»؟

ماذا يعني «التراث والتجديد»؟ التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة؛ فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عديد من المستويات.

وليست القضية هي «تجديد التراث» أو «التراث والتجديد» لأن البداية هي «التراث» وليس «التجديد» من أجل المحافظة على الاستمرار في الثقافة الوطنية، وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم، والمشاركة في قضايا التغيير الاجتماعي، التراث هو نقطة البداية كمسئولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر؛ فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة، والوسيلة تؤدي إلى الغاية. التراث هو الوسيلة، والتجديد هو الغاية، وهي المساهمة في تطوير الواقع وحل مشكلاته، والقضاء على أسباب معوقاته، وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره. والتراث ليس قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره؛ فهو ليس متحفًا للأفكار نفخر بها وننظر إليها بإعجاب، ونقف أمامها في انبهار وندعو العالم معنا للمشاهدة والسياحة الفكرية، بل هو نظرية للعمل، وموجِّه للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض، وهما حجرا العثرة اللذان تتحطم عليهما كل جهود البلاد النامية في التطور والتنمية؛ فالتصنيع والإصلاح الزراعي قد يتحطمان؛ لأن الإنسان وهو العامل والفلاح، لم تتم إعادة بنائه ووضعه في العالم، وظل متخلفًا عن مظاهر التقدم، فالثورة الصناعية والزراعية في البلاد النامية لا تتم إلا بعد القيام بثورة إنسانية سابقة عليها وشرط لها؛ لذلك تعثر العمل السياسي في البلاد النامية وفشلت الجهود لقيام أحزاب تقدمية وتنظيمات شعبية تملأ الفراغ بين السلطة والجماهير، فالنهضة سابقة على التنمية وشرط لها، والإصلاح سابق على النهضة وشرط لها، والقفز إلى التنمية هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه.

«التراث والتجديد» إذن يحاول تأسيس قضايا التغير الاجتماعي على نحو طبيعي وفي منظور تاريخي، يبدأ بالأساس والشرط قبل المؤسس والمشروط.

(١) تحديد معنى التراث

(١-١) مستويات التراث

يوجد التراث على عدة مستويات؛ فهو أولًا تراث موجود في المكتبات والمخازن والمساجد والدور الخاصة يُعمل على نشره؛ فهو تراث مكتوب، مخطوط أو مطبوع، له وجود مادي على مستوًى أوَّلي، مستوى الأشياء، وتُعقد المؤتمرات، وتُقام المعاهد، وتنشر الفهارس، وتعد الإحصائيات عن الموجود منه في مكتبات العالم، ما نُشر وما لم ينشر بعد، ما بقي منه وما ضاع.

وهي قضية مثارة في عصرنا على هذا المستوى المادي عندما يكثر الحديث عن إحياء التراث، وبعث التراث، ونشر التراث، وتحقيق التراث، وتُرسَل البعثات في شتى مكتبات العالم لجمعه وتصويره وتخزينه، وتصدر السلاسل التي قد تستمر وقد تتوقف، وتُرصد الأموال، ويوظف الباحثون، وتكثر الدعايات حول نشر التراث، وكأن البعث والإحياء والنشر يعني إعادة طبع القديم طبعات عدة، واختيار ما وافق هوى العصر دون متطلباته، فإذا لجأ العصر إلى التصوف تعويضًا عن روح الهزيمة أو طلبًا للنصر، فإنه يعاد نشر المؤلفات الصوفية، وإذا تشوف العصر إلى المدينة الفاضلة وتطلع إلى المجتمع الجديد تعويضًا عن الفساد الخلقي والانحراف السياسي نُشرت المؤلفات عن فضائل الصحابة، وعن العشرة المبشرين بالجنة، وإذا شاعت الخرافة في الناس، وساد الانفعال على العقل، واشتدت الحاجة، وزاد الضنك، نُشرت المؤلفات عن المعاد وعن عالم العدل القادم الذي تُملأ فيه الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا، وانقلب أهل السُّنة إلى شيعة بأحدِّ ما يكون التشخيص، وإذا قيل إن السبب في الهزيمة هو البُعد عن الكتاب والسُّنة أُعيد نشر الكتاب والسُّنة في طبعات مذهبة، منمقة مزركشة، لزيادة ثروات التجار، وليتبرك بها الناس وهم في بيوتهم، تقيهم الشر، وتمنعهم الحسد، وتجلب لهم الخير، ويتبادلها رؤساء الدول هدايا فيما بينهم، وترسلها المؤتمرات والجمعيات الإسلامية إلى الدول الإسلامية غير الناطقة بالعربية لنشر الوعي الإسلامي، ونكون جميعًا كالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا.

ولكن هذا التراث ليس مخزونًا ماديًّا فحسب، هذا الكم الهائل من المخطوطات القديمة المنشور منها وغير المنشور، والذي حُرر في عصور لم توجد فيها المطابع بعد، ولكنه أيضًا ليس كيانًا مستقلًّا بذاته يُدافَع عنه وكأنه يحتوي على حقائق نظرية مسبقة توجد بذاتها، مهددة بالضياع إن غابت، وتُحشد لها العقول في مرحلة الخطر، حقيقيًّا أم وهميًّا. ليس التراث موجودًا صوريًّا له استقلال عن الواقع الذي نشأ فيه وبصرف النظر عن الواقع الذي يهدف إلى تطويره، بل هو تراث يعبر عن الواقع الأول الذي هو جزء من مكوناته. وإن ما عبر عنه القدماء باسم «أسباب النزول» لهو في الحقيقة أسبقية الواقع على الفكر، ومناداته له، كما أن ما عبر عنه القدماء باسم «الناسخ والمنسوخ» ليدل على أن الفكر يتحدد طبقًا لقدرات الواقع وبناءً على متطلباته. إن تراخى الواقع تراخى الفكر وإن اشتد الواقع اشتد الفكر؛ فالتراث إذن ليس له وجود مستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل، يعبر عن روح العصر، وتكوين الجيل، ومرحلة التطور التاريخي. التراث إذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناءً على متطلباته، خاصةً أن الأصول الأولى التي صدر منها التراث تسمح بهذا التعدد لأن الواقع هو أساسها الذي تكونت عليه. ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها، وتكوِّن تصوراتها للعالم.

لما كان التراث إذن ليس مخزونًا ماديًّا في المكتبات، وليس كيانًا نظريًّا مستقلًّا بذاته؛ فالأول وجود على المستوى المادي، والثاني وجود على المستوى الصوري، فإن التراث في الحقيقة مخزون نفسي عند الجماهير.١ فالتراث القديم ليس قضية دراسة للماضي العتيق، فحسب، الذي ولى وطواه النسيان، ولا يزار إلا في المتاحف، ولا ينقب عنه إلا علماء الآثار، بل هو أيضًا جزء من الواقع ومكوناته النفسية، ما زال التراث القديم بأفكاره وتصوراته ومُثله موجهًا لسلوك الجماهير في حياتها اليومية إما بعاطفة التقديس في عصر لا يسلك الإنسان فيه إلا مداحًا، أو بالارتكان إلى ماضٍ زاهر تجد فيه الجماهير عزاء عن واقعها المضني.

وإذا كانت البداية العلمية للتغيير تعني البدء بالواقع واعتباره هو المصدر الأول والأخير لكل فكر فإن القيم القديمة التي حواها التراث جزء من هذا الواقع؛ فنحن مثلًا نئن تحت الإيمان بالقضاء والقدر الموروث من أهل السلف، ونفسر هزيمتنا بأنه «لا يغني حذر من قدر»، والذي حاولت الحركات الإصلاحية الحديثة الخف من حدته، كما نرهق عقولنا بالتشبيه والتشخيص سواء في الأوليات — أي العقليات — مثل وجود حقيقة أولى أو أفكار عامة أو في الأخرويات فيما يتعلق بنهاية العالم، ونجد في ذلك عزاءً عن عدم الوعي بأنفسنا إما من حيث النشأة أو من حيث المصير. كما أننا نُلحِق عقولنا بالنصوص، ونقع في التأويلات، ونقطع الصلة بين العقل والتحليل المباشر للواقع باعتباره مصدرًا للنص، ونقبل الإمام بالتعيين، ونطيع له خانعين، ضعفاء أو خائفين، ثم ننتقي من التراث ما يدعم هذا الوضع. كما أننا نقف أمام الطبيعة سالبين عنها استقلالها، وعادمين وجودها، وقاضين على قوانينها، ونصفها بالشر والوبال، وندعو للخلاص منها، ومُتهمين كل اتجاه طبيعي بالمادية والإلحاد، وحاكمين عليه بالانحلال والسفور دون دراية منا بأن هذا الموقف يعبر عن تطهير أو حرمان أو نفاق. كما أننا نقطع وجودنا إلى جزأين؛ واحد نقذف به تحت التراب والآخر نرفعه إلى عنان السماء، متطهرين أو عاجزين أو منافقين، ومعاقبين البدن وهو لم يحصل على حقه منا، ومزكين النفس وهي عاجزة عن فعل شيء، ذاك بعض الموروث النفسي القديم من علم أصول الدين، أو يسمى بعلم التوحيد.

فإذا أخذنا موروثًا نفسيًّا ثانيًّا وجدنا أننا ما زلنا نعيش التصور الثنائي للعالم كما ورثناه من الكندي، وآثارَ ذلك على وحدة السلوك وما يترتب عنه من تطهير وتبرير للنفس، ونفاق وتغطية وتعمية وازدواجية، كما أننا نسلك طبقًا للتصور الهرمي للعالم الذي ورثناه من الفارابي خاصةً في تصور مجتمعنا ومؤسساته التي يقوم كل منها على الرئيس الذي هو وحده المُلهَم والقائد والمعلم والكامل والمقدس والمعبود، ثم تقل مراتب الشرف والكمال حتى نصل إلى المرءوسين الذين عليهم إما الطاعة والولاء وإما السجن والعقاب. وإذا كنا نخلط بين العقل والوجدان في فكرنا المعاصر، فنخطب ونظن أننا نفكر، وننفعل ونظن أننا نفعل فذلك لأن العقل في التراث القديم وما ورثناه من السلف كانت مهمته تبرير الدين على الأقل في علم أصول الدين وفي علوم الحكمة، وأن العقل لم يستقل على الإطلاق ولم يوجه نحو الواقع وهو طرفه الأصيل إلا في علم أصول الفقه الذي انتهى أيضًا إلى الثبات وتحجير الأصول وتغليبها على الواقع حتى إنه لم يبقَ إلا التقليد.

وإن كنا نقاسي في عالمنا المعاصر من إعطاء الأولوية للكليات النظرية على الكليات العملية، واعتبار الجامعات أعلى من المعاهد العليا والمدارس الفنية المتخصصة، وأن الذي يَعمل بعقله أفضل قيمة وأعلى شرفًا وأزهر منصبًا من الذي يعمل بيده، وأن الموظف أفضل من العامل، والمثقف أعلى من الفلاح، فإن ذلك كله قد يرجع إلى إعطاء الأولوية في تراثنا القديم للفضائل النظرية على الفضائل العملية، واعتبار التأمل قمة الفضائل النظرية. وإذا كنا نبغي تغيير واقعنا بين يوم وليلة، وطرد المحتل في التو واللحظة فقد يرجع ذلك إلى نقص في إحساسنا بالتاريخ لغياب البُعد التاريخي في تراثنا القديم الذي غرق في البعد الرأسي واضعًا الإنسان في طرف مقابل مع الله دون وضعه في التاريخ وفي طرف مقابل مع الجماهير، بل إن علم أصول الفقه الذي حوى بوادر لإمكانية قيام فلسفة في التاريخ من خلال الإجماع والاجتهاد قد انطوى على نفسه وغلَّب الكتاب والسُّنة، ولحقَ بالبُعد الرأسي مع علم أصول الدين وعلوم الحكمة وعلوم التصوف.٢ وإذا كان الإنسان بيننا يخرج من منزله في الصباح ولا يعود في المساء، ولا يعلم أحد عنه شيئًا، وإذا كان الإنسان يُحشر في المركبات وفي المكاتب وفي الطرقات، وإذا كنا نبني ونُعمِّر ثم ينهدم البناء ويخرب العمار فإن ذلك قد يرجع إلى غياب الإنسان كبُعد مستقل في تراثنا القديم وحصاره بين الإلهيات والطبيعيات في علوم الحكمة، وابتلاعه في علم التوحيد، وفنائه في علوم التصوف، ومحقه في علوم التشريع؛ فالأفكار إذن ليست مجرد آراء فارغة أو تصورات مجردة بل هي أنماط حياة، ومناهج سلوك، فنحن نعمل بالكندي في كل يوم، ونتنفس الفارابي في كل لحظة، ونرى ابن سينا في كل الطرقات؛ وبالتالي يكون تراثنا القديم حيًّا يُرزق يوجه حياتنا اليومية ونحن نظن أننا نبحث عن الرزق، ونلهث وراء قوتنا اليومي!

والأمثلة كثيرة أيضًا من تراثنا الصوفي: فكما نشأ هذا التراث كمقاومة سلبية لانحرافات في الحياة أصبح هو ذاته تقويمًا لهذا الانحراف بانحراف آخر، ودفاعًا بالرجوع إلى الوراء، فكل القيم الصوفية السلبية التي تدعو إلى الفقر والخوف والجوع والصبر والتوكل والرضا والقناعة والتسليم كلها دفاع عن النفس، ولكنه دفاع العاجز الضعيف الذي لا يرى فضائله إلا في أنه صاحب الحق الضائع، هذه القيم ما زالت تفعل في سلوك الجماهير، يذكرها في معازيه، ويعلق على جدران محاله العامة «الصبر مفتاح الفرج»، «توكلت على الله»، وتُغنى المواويل الشعبية وكلها يدور حول فضائل الصبر، والتحليلات الصوفية لعالم القلب ولأنواع المعرفة الإلهية يأس من العقل ومن تحليل الواقع، وإيثار لعلم آخر حيث يغيب العلم، ولمعرفة حيث تشح المعرفة، وما زلنا نأخذ بالعلم اللدني، ونقيم عليه حياتنا، ونطمع في الكشف وفي رفع الحجاب إلى درجة السفور، وأخيرًا تخيلنا الغاية وقد تحققت بالفعل، والعالم وقد أصبح واحدًا، والحقيقة وقد صارت واقعة، ورأينا وحدة الشهود رؤيا ذاتية خالصة تقرب من الوهم، وتحققنا بوحدة الوجود عن طريق الخيال، ومغرقين في عالم التمنيات، وكل ذلك لا يزيد على مجرد انفعال، وإحساس ذاتي بالانتصار، وشتان ما بين الإحساس والواقع، وفرق بين الانفعال الذاتي والحقيقة الموضوعية، فالقيم السلبية تسلبنا المقاومة الفعلية، ويقضي الحب على الصراع بين الأضداد، ويُهدم العقل تحت وطأة الانفعال، يحول الواقع إلى مثال، وهو ما زال الواقع المضني.

والأمثلة كثيرة أيضًا مما ورثناه من فقهنا القديم، إذ تتشعب المناقشات النظرية التي لا تغير من الواقع شيئًا، ويشتد الجدل الذي لا يدل إلا على احتراف أو تعصب أو ادعاء، وكأن المعركة الحقيقية هي معركة الفكر مع نفسه كما هو الحال في فقهنا الافتراضي القديم، تكثر الأحاديث حول النظريات وتتصارع الآراء، والواقع لم يتغير، وتظهر مهارة المفكرين والكتاب في عبقرية الصياغات، وتتناثر الشعارات عن العدل والظلم سائد، وتكثر الخُطب عن الفضيلة، والرذيلة هي الأساس، فواقعنا المنهار وجد في تراثنا القديم ما يبرر له انهياره ويؤكده، وكأننا لا نختار من القديم إلا ما نريد ونبغي، وإذا طبقنا الإسلام، وأردنا إعادة الدولة الإسلامية بدأنا بقانون العقوبات، وكأن الغاية هي العقوبة وليست الوسيلة، وكأن المسلم يعاقب وهو لا يعيش في دولة إسلامية، ولم ينشأ نشأة إسلامية، نطلب منه واجباته قبل أن تعطى إليه حقوقه، وإذا أردنا تطبيق الإسلام بدأنا بالمحرمات، ونادينا بتحريم الخمور، أما الرقص الشرقي، والعري، والأغاني الفاضحة، والمسارح العابثة، وأفلام الجنس فنتمتع بها، وكأن الإسلام أساسًا هو دولة المحرمات دون أن نبدأ بالمبيحات حتى ينعم الناس بالعالم ويبتهجوا بالطبيعة، وإذا طبقنا الإسلام بدأنا بقانون الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق، والخطوبة والمهر، والخلوة والمحارم، أما النظام الاقتصادي السياسي الإسلامي فنطويه إلى ما وراء ظهورنا ونترك للحاكم أن يفعل ما يشاء، ونرضى بأي حكم، ونطيع أي نظام، وكأن الدولة الإسلامية هي الأسرة، وكأن المسلم هو رب الأسرة وليس المواطن الذي يعيش في دولة.

التراث إذن ما زال قيمة حية في وجدان العصر يمكن أن يؤثر فيهم، ويكون باعثًا على السلوك، تجديد التراث إذن ضرورة واقعية، ورؤية صائبة للواقع، فالتراث جزء من مكونات الواقع وليس دفاعًا عن موروث قديم، التراث حي يفعل في الناس ويوجه سلوكهم، وبالتالي يكون تجديد التراث هو وصف لسلوك الجماهير وتغييره لصالح قضية التغير الاجتماعي، تجديد التراث هو إطلاق لطاقات مختزنة عند الجماهير بدلًا من وجود التراث كمصدر لطاقة مختزنة، لا تستعمل أو تصرف بطرق غير سوية على دفعات عشوائية في سلوك قائم على التعصب أو الجهل أو الحمية الدينية والإيمان الأعمى، أو يستعملها أنصار تثبيت الأوضاع القائمة لحسابهم الخاص من أجل الدفاع عن الثبات الاجتماعي، وقد لجأ الثوريون المعاصرون إلى المأثورات الشعبية وإلى تراث الجماعة الممثل في أمثلتها العامية ودياناتها القديمة من أجل تجنيد الجماهير، وصب طاقتها في واقعها المعاصر،٣ تجديد التراث هو حل لطلاسم القديم وللعقد الموروثة، وقضاء على معوقات التطور والتنمية والتمهيد لكل تغيير جذري للواقع، فهو عمل لا بد للثوري من أن يقوم به وإلا ظل القديم شبحًا ماثلًا أمام الأعين يمثل أرواح الأسلاف التي تبعث من جديد، تتربص بالأبناء شرًّا إذا هم خرجوا من جبتهم، ورفضوا سلطانهم، ولم يدينوا لهم بالطاعة والولاء أو يقوم أنصار المحافظة والإبقاء على الأوضاع القائمة باستغلال هذا المخزون لصالحهم، وأخذ الجماهير من جانبهم، وقطع خط الرجعة على أنصار التغيير والتقدم، وسحب البساط من تحت أرجلهم.
والتراث والتجديد يعبران عن موقف طبيعي للغاية، فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، إسقاطًا من الماضي أو رؤية للحاضر، فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونًا رئيسيًّا في عقليتنا المعاصرة، ومن ثَم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي، ورؤية الماضي في الحاضر، فالتراث والتجديد يؤسسان معًا علمًا جديدًا هو وصف للحاضر وكأنه ماضي يتحرك، ووصف للماضي على أنه حاضر مُعاش، خاصةً في بيئة كتلك التي نعيشها حيث الحضارة فيها ما زالت قيمة، وحيث الموروث ما زال مقبولًا، فالحديث عن القديم يمكِّن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر، وإيجاد وحدة التاريخ، فكثيرًا ما سمعنا في عصرنا هذا عن انفصال الماضي عن الحاضر أو عن قطع جذور الحاضر من الماضي أو عن ماضي عظيم ولَّى ولن يعود أو عن حاضر أصيل جديد عبقري المثال لا أصول له إلا من ذاته، ربط الماضي بالحاضر إذن ضرورة ملحَّة حتى لا يشعر الإنسان بغربة عن الماضي أو بغربة عن الحاضر أو بوضع طبقة من الجديد فوق طبقة من القديم مما ينشأ عنه في كثير من الأحيان لفظ القديم للجديد، ورجوع للقديم كرفض العضو للجسم الغريب،٤ فهي إذن مشكلة واقعة تبدأ بمعطى واقعي، وهي كيف يمكن لشعب من الشعوب تحقيق تجانسه في الزمان والبحث عن مسار طبيعي لتطوره، والإبقاء على الاستمرارية في تاريخه، قضية التراث والتجديد إذن هي قضية التجانس الحضاري لشعب من الشعوب، فلا يعني انتقال شعب ما من مرحلة إلى أخرى حدوث قطع أو انفصال حضاري بل يعني استمرار الحضارة ولكن على أساس جديد من احتياجات العصر،٥ قضية التراث والتجديد هي إذن الكفيلة بإظهار البُعد التاريخي في وجداننا المعاصر، واكتشاف جذورنا في القديم حتى يمكننا الإجابة على سؤال: في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ وحتى نعود إلى تطورنا الحضاري الطبيعي، فتحل مشكلة الجمود والتوقف من ناحية، وتحل مسألة التقليد للآخرين والتبعية لهم من ناحية أخرى.
التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ، وهو حاجة ملحة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر، كما يكشفان عن قضية «البحث عن الهوية» عن طريق الغوص في الحاضر إجابةً على سؤال: من نحن؟ واكتشاف أن الحاضر ما هو إلا تراكمات للماضي بالإضافة إلى واقع جديد هو نفسه نتيجة لضياع الجهاد القديم، والتخلف قد يكون لضياع النظرة العلمية الحضارية القديمة، والفقر قد يكون نتيجة لغياب النظم الاقتصادية القديمة، وإذا كان البحث عن الهوية يأتي عن طريق تحديد الصلة بين الأنا والآخر فإن عملية «التراث والتجديد» هي الكفيلة بتحقيق ذلك؛ لأنها اكتشاف الأنا وتأصيلها وتحريرها من سيطرة الثقافات الغازية، مناهجها، وتصوراتها، ومذاهبها، ونُظمها الفكرية، وتساعد أيضًا على مواجهة التحديات الحضارية والغزوات الثقافية التي نحن ضحية لها في هذا القرن، وتنقلنا من وضع التحصيل والنقل إلى وضع النقد والخلق والابتكار.٦

(١-٢) إعادة الاختيار بين البدائل

قضية «التراث والتجديد» هي أيضًا قضية إعادة كل الاحتمالات في المسائل المطروحة، وإعادة الاختيار طبقًا لحاجات العصر، فلم يعد الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة مفيدًا ولا مطلوبًا، فكلنا موجدون منزهون، ولكن الدفاع عن التوحيد يأتي عن طريق ربطه بالأرض، وهي أزمتنا المعاصرة.

فالتجسيم، وهو الاختيار القديم المرفوض، قد يثير الأذهان حاليًّا في الربط بين الله وسيناء، بين التوحيد وفلسطين، فالفصل القديم بين الخالق والمخلوق كان دفاعًا عن الخالق ضد ثقافات المخلوق القديمة، ولكن الحال قد تغير الآن، وأصبحت مأساتنا هي مكاسبنا القديمة، الفصل بين الخالق والمخلوق، ومطلبنا هو ما هاجمناه قديمًا، الربط بين الله والعالم، لقد ساد الاختيار الأشعري أكثر من عشرة قرون، وقد تكون هذه السيادة إحدى معوقات العصر لأنها تعطي الأولوية لله في الفعل وفي العلم وفي الحكم وفي التقييم في حين أن وجداننا المعاصر يعاني من ضياع أخذ زمام المبادرة منه باسم الله مرة، وباسم السلطان مرة أخرى، ومن ثَم فالاختيار البديل، الاختيار الاعتزالي، الذي لم يسد لسوء الحظ إلا قرنًا أو قرنين من الزمان، بلغت الحضارة الإسلامية فيهما الذروة، هذا الاختيار قد يكون أكثر تعبيرًا عن حاجات العصر، وأكثر تلبية لمطالبه، ما رفضناه قديمًا قد نقبله حديثًا، وما قبلناه قديمًا قد نرفضه حديثًا، وما قبلناه قديمًا قد نرفضه حديثًا، فكل الاحتمالات أمامنا متساوية كما كان الحال عند القدماء، فقبلوا منها ما عبر عن حاجات عصرهم، وخطؤنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر، فقد رُفض المذهب الطبيعي قديمًا لأنه كان خطرًا على التوحيد وفاعليته،٧ ولكنه قد يُقبل حاليًّا لأن فيه عود الإنسان إلى الطبيعة منظِّرًا إياها، وفاعلًا فيها، ومكتشفًا لقوانينها بدلًا من فصم نفسه عنها، وإسقاطها من حسابه بالتركيز على التوحيد القديم، مهمة «التراث والتجديد» إذن هي إعادة كل الاحتمالات القديمة بل ووضع احتمالات جديدة، واختيار أنسبها لحاجات العصر، إذ لا يوجد مقياس صواب وخطأ نظري للحكم عليها، بل لا يوجد إلا مقياس عملي، فاختيار المنتج الفعال المجيب لمطالب العصر هو الاختيار المطلوب، ولا يعني ذلك أن باقي الاختيارات خاطئة، بل يعني أنها تظل تفسيرات محتملة لظروف أخرى، وعصور أخرى ولت أو ما زالت قادمة، وهذا لا يعني أن أصول الدين واحدة في كل زمان ومكان لا تتغير وإلا خلطنا بين الأصول والفروع، بين الدين والفقه، فالتوحيد ثابت ولكن تختلف أوجه فهمه طبقًا لحاجات العصر، وحرية الإنسان وعقله ومسئوليته ثابتة أيضًا، ولكن تختلف طرق ممارستها من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة، ومن وضع اجتماعي إلى وضع اجتماعي آخر، والتصور الدينامي للأصول هو أيضًا احتمال مع التصور الثابت لها، والتصور العملي للعقائد هو أيضًا احتمال أمام التصور النظري لها، ومن ثَم يكون اتهام حضارتنا بأنها حضارة وحدة لا تعدد، وبأنها حضارة اتفاق لا اختلاف اتهامًا باطلًا؛ لأن أهم ما يميز تراثنا القديم هو أنه أعطى مجموعة من الاحتمالات المتعددة تطايرت من أجلها الرقاب حين الاختيار بينها،٨ فالاجتهاد ليس فقط منهجًا في أصول الفقه، بل هو أيضًا منهج في أصول الدين، وليست وظيفته فقط هي القياس في الأحكام، وهي أفعال السلوك، بل أيضًا في اختيار النظريات وأنسبها طبقًا لحاجات العصر، فالاجتهاد يقوم بالتأسيس العلمي في علم أصول الفقه طبقًا لقدرات الفرد ويقوم بالتأسيس النظري في علم أصول الدين طبقًا لمتطلبات العصر.
وعندما نقول روح العصر أو احتياجات العصر أو واقعنا المعاصر، فإننا لا نشير إلى أية جماعة بشرية تنتمي إلى جنس معين، فالبشر لا تصنف إلى أجناس أو إلى جماعات بيولوجية بل تشير إلى أبنية نفسية ولأوضاع اجتماعية وهذه الأبنية والأوضاع هي التي تحدد الهوية،٩ وأي تفسير عنصري أو قومي أو جنسي للوقائع هو تفسير يخضع للأهواء والأمزجة ولا يخضع للعلم ولتحليل الواقع، أو يكون تفسيرًا ناشئًا عن انحراف في الموقف الحضاري، وتبعية لمسار الحضارة الغربية وبيئتها.

ومن الصعب تناول قضية «التراث والتجديد» والاستقرار على أسلوب متسق للتحليل، فقد يغلب أحيانًا تحليل القديم مما يؤدي إلى الأكاديمية الخاصة، وما تتصف به من برودة، وتعالم، وانعزال عن الواقع، وقد يغلب أحيانًا أخرى تحليل الواقع المعاصر؛ مما يعطي البحث طابع التحليل الاجتماعي الذي لا شأن له بالتراث القديم، والواقع أنها معادلة صعبة في النظر إلى الواقع كحصيلة للتراث القديم، والنظر إلى التراث القديم من خلال الواقع، قد يقع الباحث في عيب الثقل الأكاديمي الذي يصل إلى حد التعالم، ولكن هذا العيب أخف كثيرًا من ترك القديم بطلاسمه ورموزه، وقد يقع الباحث في عيب الوصف الاجتماعي للواقع المعاصر، ولكن هذا العيب أيضًا أخف كثيرًا من الثقل الأكاديمي وانعزال التراث عن واقعه الذي يتحرك بفعل التراث.

(١-٣) التراث قضية وطنية

وتراثنا القديم ليس قضية دينية لانطباعه بصبغة دينية، ولأنه قام ابتداءً من الدين، ولكنه قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم أو سعادتهم، والدافع على التجديد ليس عاطفة التقديس والاحترام والتبجيل الواجبة لكل موروث ديني بل انتساب الإنسان المجدد إلى أرض وانتماؤه إلى شعب،١٠ قضية «التراث والتجديد» قضية وطنية لأنها جزء من واقعنا، نحن مسئولون عنه كما أننا مسئولون عن الشعب والأرض والثروة، وكما أننا مسئولون عن الآثار القديمة والمأثورات الشعبية؛ لذلك آثرنا لفظ «التراث» وليس «الدين»، فالدين جزء من التراث، وليس التراث جزءًا من الدين، ويمكن التعامل مع التراث كما نتعامل مع المأثورات الشعبية بتطويرها، وصياغتها، وإبرازها تعبيرًا عن روح الشعب وتاريخه، القضية إذن ليست قضية دينية بل قضية اجتماعية أو سياسية أو فنية أو تاريخية، تجديد التراث إذن ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للبحث عن روح الشعب وتطويرها كوسيلة لتطوير الواقع ذاته ولحل مشاكله، تجديد التراث هو دراسة للبعد الاجتماعي لقضية الموروث أو دراسة للموروث في بُعده الاجتماعي، فهو أُدخل في علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماع الحضاري، ومن ثَم كان أحد مشاكل العلوم الإنسانية، الحديث عن التراث إذن ليس حديثًا عن الدين، فالتراث حضارة، والحضارة ناشئة بفعل الزمان والمكان، وكل ما في التراث ليس في الدين، وكل ما في الدين ليس في التراث، فقد ظهر التأليه والتجسيم والتشبيه في التراث ولم يظهر في الدين، وظهر الجبر في التراث ولم يظهر في الدين، وظهرت دعوات في التراث إلى الخنوع والاستكانة والرضا والقناعة والخوف ولم تظهر في الدين، فالتراث إن هو إلا عطاء زماني أو مكاني، يحمل في طياته كل شيء، «ودين الثورة» موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، «ودين التحرر» موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، والنزعة اليسارية موجودة في الدين وليست موجودة في التراث، والتاريخ موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، والإنسان موجود في الدين وليس موجودًا في التراث، ومن ثَم كانت أحكامنا على التراث بالرفض أو القبول أحكامًا لا تمس الدين في كثير أو في قليل، وكان اختيارنا من التراث لا يؤدي إلى تكفير أو تضليل في الدين، فالدين ذاته أصبح تراثنا؛ لأن الدين قد تمثلته جماعة وحولته إلى ثقافة طبقًا لمتطلبات العصر، لا يوجد «دين في ذاته»، بل يوجد تراث لجماعة معينة ظهر في لحظة تاريخية محددة ويمكن تطويرها طبقًا للحظة تاريخية قادمة.

لذلك تحاشينا استعمال لفظ «إسلامية» كوصف للحضارة لأنه لفظ ديني والقضية حضارية بالأصالة تفرض أسلوبها العلمي الذي يمكن التعامل به مع عديد من الباحثين، وفي حالات الاضطرار القصوى فإن أمثال هذه الألفاظ الدينية لا تدل على أي معنى ديني بل تعني وصفًا حضاريًّا صرفًا، أي الحضارة التي نشأت حول الإسلام باعتباره معطًى تاريخيًّا وليس باعتباره دينًا، ولا يعني كونه معطًى تاريخيًّا إنكارًا للوحي؛ فالإسلام هنا واقعة حضارية حدثت في التاريخ، ويهمنا ما نشأ منه كحضارة وليس مصدره من أين أتى، تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، تجديد التراث لا يبحث عن النشأة بل عن التطور، والمجدد هنا كعالم الحديث مهمته البحث عن صحة الحديث في التاريخ وليس عن مصدر الحديث في النبوة وصدقها.

والتراث أيضًا قضية شخصية؛ لأننا نتعامل مع موروث شخصي يربطنا به، وهو موصوف بنفس الصفة، فهو «إسلامي» ونحن «مسلمون»، والنسبة تشير إلى الحضارة أكثر مما تشير إلى الدين، وتعني أننا والتراث من منطقة حضارية معينة كما يعيش الغربي في تراث مسيحي ولا يكون هو مسيحيًّا، أو كما يعيش الهندي في تراث هندي ولا يكون هندوكيًّا أو بوذيًّا، التراث قضية شخصية نلتزم بها، وتختلف دراستنا له عن دراستنا مثلًا للتراث الهندي أو الفارسي أو الصيني أو الغربي؛ لأننا في هذه الحالة نكون مجرد باحثين، في حين أننا في الحالة الأولى نكون أكثر من باحثين، بل نكون ملتزمين بقضية شخصية، تجديد التراث هو حياة المجدد نفسه، وجزء من التحليل النفسي لشخصيته الوطنية؛ من أجل التعرف على مكوناته النفسية. فتراث المجدد في نفس الوقت ذات وموضوع؛ لأن موضوع البحث هو ذاته أي وجوده التاريخي في اللحظة الحاضرة بين الماضي والمستقبل، لا ينظر الباحث إلى التراث إذن نظرة سائح إلى عالم غريب؛ لأن التراث جزء من ثقافة الباحث الوطنية، والباحث مسئول عنه مسئولية قومية، فالأحكام الخاطئة لا ترصد بل يعاد صياغتها، وأوجه النقص في التراث لا تبرر أو تنقد بل تكمل وتزاد، فالباحث عن نفس مستوى مسئولية المفكرين القدماء وهم أترابه وليسوا غرباء عنه، فإذا انفصل الباحث عنهم وقع في الغربة، وأصبحت مسئوليته هو وليست مسئولية التراث أن يقضي على اغترابه حتى يشعر بالانتماء وبأنه جزء من التراث وبأن التراث جزء منه،١١ ولا ينقص الالتزام بالقضية من حياد الباحث أو من نزاهته أو من موضوعيته، فلا تعني الموضوعية التخلي عن الحكم أو عدم الغوص في الأشياء وأخذ موقف، فالباحث عالم ملتزم، والتزامه أساس علمه ويقوم على علم، بل إن علمه هو التزامه بقضايا التغيير الاجتماعي، وهذا الالتزام هو نفس موضوع العلم، وبتعبير معاصر نقول: الأيديولوجية هي العلم والعلم هو الأيديولوجية؛١٢ ولذلك تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث المعاصر كمشاكل شخصية في حياته، وحيوية لثقافته الوطنية، ويتحول التراث القديم بالفعل إلى مشكلة الثقافة الوطنية، فهو مصدر الثقافة باعتباره مخزونًا نفسيًّا موجهًا لسلوك الجماهير، وهو موجه نحو الواقع باعتباره أسسًا لنظرية ممكنة للتغير والتنمية، وإذا كانت ثقافتنا الوطنية ما زالت تتأرجح بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، فإن تجديد التراث يعطي لثقافتنا الوطنية وحدتها الضائعة، وتجانسها المفقود؛ ولذلك نستعمل ضمير المتكلم الجمع في «واقعنا» و«حضارتنا» و«موقعنا» و«عصرنا»، لا لندل على موقف حضاري خاص، أو على أسلوب شخصي جماعي، بل للإشارة إلى الحضارة كموقف شعوري، وإلى أن الغاية هو البحث عن أسباب التوقف التاريخي أو الانحراف الفكري أو الاغتراب الوجداني أو التغير الحضاري، وهو ما يحدث في كل حضارة تصنع نفسها موضع البحث، وتجدد صلتها بالتراث القديم والواقع المعاصر.١٣
فإن قيل: هل «التراث والتجديد» يقدم منهجًا أم يؤسس علمًا أم يكشف ميدانًا؟ قيل: إن كل تجديد يصعب تصنيفه إلى منهج أو علم أو ميدان، فالمنهج هو ذاته علم لأنه تأسيس للعلم، والعلم إذا كان تأسيسًا للعلم فهو ميدان، ميدان التأسيس، فتحليل الواقع المباشر ورؤية التراث فيه، أو تحليل التراث على أنه مخزون نفسي عند الجماهير، هو في نفس الوقت منهج نفسي اجتماعي، نفسي لأنه يقوم على تحليل شعور الناس وسلوكهم، واجتماعي لأنه يهدف إلى تحليل الواقع وإلى أي حد ترتكز هذه الأبنية على أبنية نفسية أخرى عند الجماهير، ولما كانت هذه الأسس النفسية ذاتها ناشئة من موروث حضاري، فإنه يتعين تحليل هذا الموروث ومعرفة ظروف نشأته، «التراث والتجديد» إذن يغطي ميادين ثلاثة:
  • (١)

    تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري.

  • (٢)

    تحليل الأبنية النفسية للجماهير وإلى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو من الأوضاع الاجتماعية الحالية.

  • (٣)

    تحليل أبنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره أم أنها ناشئة من الأبنية النفسية للجماهير، الناشئة بدورها عن الموروث القديم، وإن شئنا، فالتراث والتجديد يود الانتقال من علم اجتماع المعرفة إلى تحليل سلوك الجماهير، أي من العلوم الإنسانية إلى الثقافة الوطنية، ومن الثقافة الوطنية إلى الثورة الاجتماعية والسياسية.

والموضوع ليس جديدًا بل هو ما يتحادث فيه العامة والخاصة، وما تتناوله الجماهير والمثقفون، ويكاد يجمع الكل على أن هذا موضوع العصر، وأن البداية في شق طريقه هو سبيل الخلاص، وهو الموضوع الذي بدأه المصلحون الدينيون كما سار فيه بعض الباحثين المعاصرين، ولكن التحليلات كلها إما جزئية ولا تشمل الكل، وإما تكتفي بمجرد التعبير عن الأماني والنيات الحسنة في تجديد التراث، وإما تعبيرات خطابية وأساليب بيانية تلهب حماس الناس وتعلن عن الكاتب أكثر مما تكشف شيئًا، وإما أسيرة قوالب التراث الغربي تجدد من خلاله، فهو تجديد من خارج التراث وليس من داخله.

وهذه مهمة جيل واحد، هو جيلنا، بعدها يكون المخزون من الطاقة قد تصرف أو يكون المنصرف منها قد توجه إلى تغيير الواقع، ولكن بعد أن يتم البناء الفكري والشعوري لا يعود لتجديد التراث القديم أي معنى لأن الموروث القديم قد تحول إلى تحليل مباشر للواقع، بل يكون التراث كله قد تحول إلى طاقة عملية ولم يعد له وجود مخزون، قد تطول المدة إلى جيلين أو ثلاث، خاصةً لو ركز كل جيل على جانب، ولكن بعدها يأتي التحليل المباشر للواقع، ويكون التراث حينذاك هو أيديولوجية الجماهير، وروحها المعنوية، وطاقاتها النضالية، وهذا ما لا ينتهي بانتهاء الأجيال.

ومهمة التجديد لا تقع على عاتق فرد واحد، بل هي مهمة طليعة المثقفين، وجمهور الباحثين نظرًا لتعدد جوانب التراث وحاجته إلى باحثين متخصصين، كل في ميدانه، ولما كانت المهمة سياسية بالأصالة فإنها تقع على عاتق الحزب التقدمي الوطني، فالحزب هو عصب الجماهير وروحها الذي يعبر عن متطلباتها، وهو الذي يرث الماضي ويعبر عن وجدان العصر، الحزب هو الذي يقوم بتجديد التراث لأنه هو المعبر عن الجيل — والممثل لروح العصر، لا تقع مهمة التجديد على عاتق فرد بعينه — وإن كان الفرد يستطيع إعطاء وحدة العلوم، ووحدة النظرة، ووحدة المنهج — فهو ليس عملًا بطوليًّا يعبر عن عبقرية فردية، بل هو عمل جماعي يقوم به من يتحمل تبعة تغيير الواقع، ومن هم هؤلاء إن لم يكونوا طليعة الجماهير، وما هي الجماهير إن لم توجد نفسها بإيجاد الحزب؟

(٢) الوضع الحالي للمشكلة

وقضية «التراث والتجديد» حتى الآن تتنازعها حلول ثلاث:

(٢-١) الاكتفاء الذاتي للتراث

وذلك يعني أن تراثنا القديم حوى كل شيء مما مضى أو مما هو آت، وهو فخرنا وعزنا، وتراث الآباء والأجداد، علينا الرجوع إليه ففيه حل لجميع مشاكلنا الحاضرة، وتبرز معانٍ كثيرة من الأحاديث مثل: «لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها»، أو حديث: «خير القرون قرني ثم الذي تلاني»، فلا يتقدم الحاضر إلا بالرجوع إلى الماضي، وأن التاريخ يسير في تدهور مستمر، وأن قمة التاريخ كانت في عصر ذهبي في الماضي، وأنه لا يمكن اللحاق بهذه القمة من جديد، فذاك عصر الطهارة قد انقضى وولى، ليس التراث قضية فخر واعتزاز بالماضي، بما تركه الآباء والأجداد لأن الاعتزاز بالماضي إسقاط من الحاضر عليه بمعنى أنه تعويض عن قصور جيلنا بالهروب إلى الماضي، وتخل عن معارك العصر، كما أن الاعتزاز بالماضي انصياع للعواطف القومية المعاصرة التي تقوم على بعث النعرة القومية التي تسربت إلينا من مسار الحضارة الغربية في القرن الماضي، الاعتزاز بالماضي استسلام للنزعة الخطابية السائدة في عصرنا والتي تغطي الواقع بسيل من الخطب الحماسية، وفي غياب العقل يسود الانفعال، ولا يمكن تسمية هذا الموقف بالموقف المحافظ، فالموقف المحافظ يدل على وعي فكري بالقضية واختيار لأحد الحلول الثلاثة، وهو موقف اليمين الواعي، ولكن هذا الموقف يكشف عن وضع اجتماعي لفئة معينة من الناس، تبغي المحافظة على مكاسبها والبقاء في مناصبها أو ترنو إلى مكاسب أعظم ومناصب أعلى عن طريق المزايدة في الدين، والحمية في الدفاع عنه، فهي ظاهرة اجتماعية أكثر منها ظاهرة فكرية، وكثيرًا ما تحدد الظواهر ببنائها الاجتماعي، ويكشف هذا الموقف عن الآتي:
  • النفاق؛ وذلك لأن أصحاب دعوة الاكتفاء الذاتي للتراث لا يؤمنون بشيء، ولا يبغون إلا المحافظة على مصالحهم الخاصة، فبما أنهم رجال الدين، وحملة العمائم، فإن التأكيد على الماضي كقيمة مطلقة فيه تثبيت لمناصبهم، وتأكيد لسلطانهم، متسترين وراء العلم، والدعوة إلى نصرة القديم ضد البدع المستحدثة، فهو إذن موقف يقوم على النفاق، ولا يبغي إلا المحافظة على المصالح الشخصية، ويكفي إقامة جدول إحصائي لجماعة العلماء والهيئات الدينية، والمبشرين بهذه الدعوة في أجهزة الإعلام لمعرفة نسبة دخولها من المناصب الدينية والمواقف السلفية والمزايدة على بعضهم البعض وكأنهم في حلبة سباق!

  • العجز، ولما كانت هذه الفئة بطبعها إحدى طفيليات المجتمع المتخلف فإنها تتعيش عليه، وتستمد وجودها من وجوده، ويستغلها الوضع السياسي القائم من أجل إضفاء الشرعية على نفسه، وتبرير وجوده أمام الجماهير، فهي إذن عاجزة عن فعل شيء، ولو كانت قادرة لفعلت، وتعويضًا عن هذا العجز تقيم معركتها في الهواء، وتبعد أنظار الحاضرين عن واقعهم، وتجعلهم يعيشون في الماضي، يجدون فيه عزاء عن واقعهم المرير، وهو عجز فكري لأنها فئة غير قادرة على القيام بأي دور في قضية التغير الاجتماعي، مع أنها زالت مرتبطة بالشعب في المواسم والأعياد والمآتم ودروس العصر والمغرب والعشاء.

  • النرجسية، وعلى أحسن تقدير، ومع افتراض الأمانة في مثل هذا الموقف، وأنه يعبر عن قضية، ويلتزم بمبدأ، فإن هذا الموقف ذاتي خالص تنقصه الموضوعية ويكشف عن ذاتية فارغة خالية من أي مضمون، هو موقف نرجسي لا يرى فيه الإنسان أبعد من مصالحه الخاصة، يعيش ويدور في فلك أهوائه، ولا ينكشف إلا بتأثر من خلاله وهو ما يسمى بالمصلح الديني الذي يرفض النفاق، ويكشف عن الدين في نقائه وصفائه، أو بتأثير من الجماعة العريضة، وهو ما يسمى بالمصطلح الاجتماعي أو إن شئنا بالثائر الذي يغير من بناء الواقع نفسه، فتتغير أبنيته الطفيلية التي تعيش عليه، وهذه النرجسية ناشئة في الحقيقة إما عن نفاق وتستر ومساومة وممالأة كما هو الحال في الأول، أو عن عجز وضعف وخنوع واستكانة كما هو الحال في الثاني.

(٢-٢) الاكتفاء الذاتي للجديد

وذلك يعني أن التراث القديم لا قيمة له في ذاته، كغاية أو وسيلة ولا يحتوي على أي عنصر من عناصر التقدم، وبأنه جزء من تاريخ التخلف أو أحد مظاهره، وأن الارتباط به نوع من الاغتراب ونقص في الشجاعة، وتخل عن الموقف الجذري، ونسيان للبناء الاجتماعي الذي هو إفراز منه في حين أن الجديد علمي عالمي، يمكن زرعه في كل بيئة، والحقيقة أن هذا الموقف يكشف أيضًا عن وجود فئة من الناس استطاعت أن تتحقق بما لم يصل إليه سائر أفراد المجتمع من علم وحماسة وشجاعة ورغبة في التغيير وجذرية ونقاء، ولكنها تسبق الغالبية العظمى بمراحل، وتنتهي إلى العزلة، فهي على حق من حيث المبدأ وعلى خطأ من حيث الواقع، فتسرع بإعادة البناء والقديم ما زال قائمًا بعد، تبني فوق بنيان متهدم قائم دون أن تكمل الهدم لتعيد البناء من جديد، وحياة الشعوب لا تتغير في لحظة، ولربما يستغرق التغير أجيالًا وأجيالًا لو أردنا للتغير أن يكون جذريًّا من الأساس وليس تغيرًا سطحيًّا متسرعًا، ويكشف هذا الموقف عن الآتي:
  • قصور النظرة العلمية، فليس التراث بغير ذي قيمة، إن لم يكن كغاية في ذاته فعلى الأقل كوسيلة، فالتراث جزء من المخزون النفسي للمعاصرين، فهو إذن إحدى مكونات الواقع، كالعادات والتقاليد والأمثلة الشعبية، وهذه لا تلغي أو تسقط من الحساب بل تستخدم ويعاد صياغتها، وتغيير الجماهير وتطوير الواقع لا يتم بطريقة آلية عن طريق استبدال جماهير بأخرى أفضل، وواقع بواقع آخر أكمل بل بتطوير الموجود بالفعل دون نظر إلى التكاليف أو الوقت أو الجهد، فهذا هو البناء الأبقى، وأنه ليمكن بسهولة تصنيع الريف عن طريق وضع آلة في القرية تدخل من جانب الفاكهة وتخرجها من جانب آخر معلبات، فينظر إليها الريفي بعين الدهشة والإعجاب وينقل نظرته إلى الضريح، القادر على القيام بالمعجزات، وإلى الولي القادر على القيام بالكرامات — ينقل نظرته هذه إلى الآلة، فالكل بالنسبة إليه شيء يثير الدهشة في غياب الرابطة بين العلة والمعلول، فبتغير البناء التحتي لا يتغير البناء الفوقي آليًّا بل لا بد من عملية إعادة تفسير القديم من أجل تغير النظرة للعالم، وهذا هو شرط التصنيع وأساس التقدم.

  • التقليد، تخاطر هذه الفئة بالوقوع في التقليد، وباستعارة تجارب سابقة، وبالوقوع في العمومية ونسيان الخصوصية — وقد يصل الأمر إلى حد الخيانة للواقع بالإضافة إلى التبعية الفكرية التي قد تصل أيضًا إلى حد العمالة، ذلك لصدور الجديد عن بيئة ثقافية مغايرة لبيئة الثقافة الوطنية، وهي في الغالب البيئة الأوروبية سواء كانت الدعوة إلى النظم الليبرالية أم إلى النظم الاشتراكية؛ لذلك كان أنصار التجديد متأوروبون، سلوكيًّا أم ثقافيًّا، وقد نبهت حركات الإصلاح الحديثة على خطورة التقليد والتبعية، ولكن دون جدوى، فنظرًا لانفصام عديد من المثقفين عن التراث القديم نتيجة للاغتراب الحضاري فإنهم لا يجدون بديلًا إلا في التراث الغربي الذي كانت له الريادة منذ أربعة قرون دون وعي منهم بانحسار هذه الريادة الآن، ودون دراية بأن هذه الثقافة التي ينهلون منها الثقافة محلية صرفة، وليس فيها أي أثر لدعوى العالمية والشمول.١٤
  • الازدواجية، وذلك أن أكثرية هذه الفئة تربطها بأوروبا أوشاج ثقافية أو دينية، فقد تربت في مدارس غربية خاصة، دينية أم علمانية، كما نشأت في الغرب وتكونت ثقافيًّا فيه، وتظن أن التراث القديم تراث إسلامي لا يرتبطون به دينيًّا أو ثقافيًّا،١٥ ومن ثم، وجدت هذه الفئة نفسها تدعو للحديث وترك القديم «الإسلامي» ولكنها بينها وبين نفسها تحرص على القديم «المسيحي» وترى في تاريخ الكنيسة القبطية تاريخًا لمصر، وفي تاريخ الكنيسة المارونية تاريخًا للبنيان … إلخ، فهي تدعي الإلحاد أمام المسلمين، وتؤمن بالله بينها وبين نفسها، تريد للمسلمين المواقف الجذرية، وتعيب عليهم الأساطير والغيبيات، وسيادة الوهم والخرافة، ثم تتعبد لله وتنشط داخل الكنيسة، تريد منهجًا اجتماعيًّا جذريًّا يحدد العلاقة بين الإنسان والإنسان، وتؤمن بمنهج صوفي خالص يحدد العلاقة بين الإنسان والله في حين أن النظرة العلمية تحتم عليهم وحدة المنهج، هذا بالإضافة إلى أن التراث القديم تراث سامي لا فرق فيه بين لحظاته الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام بل إنه يجمع كل التراث السامي القديم، الفرعوني والأشوري والبابلي والكلداني.
الثقافة العصرية ليست غاية في ذاتها يمكن الكتابة عنها، والتعرف بها، وتقديمها والدعوة لها، فذلك ما تم منذ أكثر من قرنين من الزمان منذ بداية عصر الترجمة الثاني،١٦ الثقافة العصرية هي ما سماه القدماء علوم الوسائل من أجل علوم الغايات، وأفضل المؤلفات في مذاهبها لن تغير الواقع قيد أنملة بل على العكس قد تطمس معالمه، وتكدس عليه معلومات قد لا يحتاجها كلها، وقد لا يحتاجها على الإطلاق، فانشغال الباحثين بعلوم الوسائل ضياع للوقت والجهد والعمر، وترسيخ للاغتراب الحضاري في شعور الناس، إن لم تستغل لتجديد القديم، وفك عقد الناس منه، الثقافة العصرية واردة من حضارة غازية، وهي ثقافة بيئية مغايرة لواقعنا المعاصر، فهي تعمي أكثر مما تكشف، وتغلف أكثر مما تبين،١٧ موقفنا من الثقافة العصرية لا يكون فقط باستعمالها كعلوم للوسائل بل أيضًا بأن نأخذ منا موقفًا وردها إلى بيئتها المحلية، واكتشاف أوجه قصورها في تحليل واقعها المحلي بشعور محايد هو شعورنا، ويكون هذا أكبر إضافة جديدة منا على الحضارة البشرية والاكتفاء بين الحضارات.

(٢-٣) التوفيق بين التراث والتجديد

ويعني هذا الموقف الثالث الأخذ من القديم ما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم، فهو موقف شرعي من الناحية النظرية يود أن يستوعب مزايا كلا الموقفين السابقين وأن يتخلى عن عيوبهما، وقد عبر الكثيرون عن نواياهم للقيام بهذا الدور، ولكن إعلان النوايا شيء، وتحقيقها شيء آخر خاصةً ولو تم ذلك بأسلوب خطابي، فإذا تم شيء فإما يتم لحساب القديم وبذلك يرجع إلى الموقف الأول وإما لحساب الجديد وبذلك يرجع إلى الموقف الثاني؛ لذلك بقت المشكلة تحتاج إلى دراسة وإلى تحديد الصلة الدقيقة بين التراث والتجديد بنظرة علمية بعيدة عن كل خطابة أو عن تحقيق أية مصلحة شخصية، وقد ظهرت عدة محاولات جادة للتراث والتجديد تتم بطريقتين:
  • التجديد من الخارج، وذلك عن طريق انتقاء مذهب أوروبي حديث أو معاصر ثم قياس التراث عليه، ورؤية هذا المذهب المنقول في تراثنا القديم وقد تحقق من قبل، ومن ثم نفتخر بأننا وصلنا إلى ما وصل إليه الأوروبيون المعاصرون بعشرة قرون أو أكثر من قبل، فهناك أرسطية ليبرالية، ومادية اشتراكية، وديكارتية إصلاحية وكانطية أخلاقية، وماركسية غربية، وشخصانية إسلامية، ووضعية أصولية١٨ … إلخ وهي اتجاهات نشأت بعد أن استطاع عدد من الباحثين الذهاب إلى الخارج في بعثات أولى، وتعلموا المذاهب السائدة في ذلك الوقت أو نقلوها طبقًا للمزاج والبيئة والثقافة، ثم رجعوا يروجون للمنقول، وبعد حين وجدوا أنفسهم أيضًا في بيئتهم المحلية فلم يتنكروا لها منذ البداية أو تنكروا لها ثم عادوهم الحنين إلى الماضي بعد اكتشاف اغترابهم وانعزالهم عن الثقافة القومية أو ربما على أسوء تقدير تبعًا للتيار ودخولًا في التيار الثقافي الوطني، أخذوها في الاعتبار، ودرسوا التراث بمنظور مذهبهم المنقول ولكن النية لم تكن معقودة أولًا للتراث والتجديد بل خضعت إما للتطور الفكري للباحث أو لتنوع كتاباته أو رغبةً منه في إعادة التأقلم مع بيئته الثقافية ورفضه أن يكون دائرة منعزلة هامشية غريبة على التراث القديم، ويكون الكاتب دخيلًا على مجتمعه وقومه، وفي كل الحالات ينشأ التجديد من الخارج عرضًا وليس قصدًا، وما زال هدفه هو الإعلان عن الباحث والدعاية للكاتب، وأخذ شرف التجديد والمعاصرة.
  • التجديد من الداخل، وذلك عن طريق إبراز أهم الجوانب التقدمية في تراثنا القديم، وإبرازها تلبيةً لحاجات العصر من تقدم وتغير اجتماعي، فتبرز الاتجاهات الاقتصادية في الملكية العامة وفي تنظيم الزكاة، أو نظرياته القانونية في التشريع بوجه عام، ولكنها جميعًا محاولات جزئية تبرز بعض الجوانب التقدمية الأصلية، في تراثنا القديم، ولا تعطي صورة عامة للتراث كله وإعادة بنائه طبقًا لحاجات العصر، في حين أن المطلوب تطويرها وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر، وإعطاء نظرة متكاملة للتراث، كما أنها تقع في الانتقائية وأخذ ما تريد وترك ما لا تريد، فالمحافظ له نفس الحق الذي للتقدمي في انتقاء بعض الجوانب المحافظة في تراثنا القديم والاعتماد عليها في الحد من التغيرات الاجتماعية، ويكون كلاهما على صواب ينتسب إلى التراث، ويحافظ عليه، ويربطه بحاجات العصر، والمطلوب هو إعادة تفسيرها لمعرفة أسباب وجودها في تراثنا القديم وكيف أنها كانت قديمًا تمثل جوانب تقدمية بالنسبة للعصر الذي نشأت فيه، كما يغلب على هذه المحاولات أحيانًا الطابع الخطابي الحماسي الدفاعي تعبيرًا عن الإحساس بالنقص وتعويضًا عن ذلك بالعظمة بالنسبة للغير، فهي قد ترضي الأذواق وإن لم تكن كافية لإقناع العقول، ولا توجد إلا محاولات معدودة لإعادة بناء علم بأكمله أو العثور على محور أساسي للقديم كله.

قضية التراث والتجديد هي في الحقيقة قضية «التنظير المباشر للواقع» ضد خطأين شائعين: الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في ذاته وأنه يكفي مجرد إجابة متطلباته حتى تحل مشاكله، ويتحرك بعد ركود، ولكن العصر ذاته يحتوي على المخزون النفسي القديم باعتباره أحد مكونات الواقع، أما الدخول في الواقع مباشرةً ومحاولة تنظيره فهو نقص في النظرة الموضوعية، وإغفال للأساس النفسي لسلوك الجماهير، والتعامل مع الظواهر الإنسانية وكأنها ظواهر طبيعية خالصة، وقد تتضارب التفسيرات للواقع الواحد بناءً على الاختلاف النظري المسبق لدى الباحثين، ولو أخذ الواقع النفسي في الحسبان لتكاملت نظرتهم، واتفقت تفسيراتهم، إنه لمن السهل على أي باحث أن يحلل الواقع المسطح مباشرةً، فما أسهل على القارئ أن يسمع تحليلًا لواقعه مباشرةً، ولكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ لأنه يقوم على الزمان وعلى التراكم الزماني، الواقع تاريخ ممتد كميدان للفعل، ولا يمكن فهمه إلا داخل مسار التاريخ — الوحدة الكلية، وقد يود الباحث إظهار براعته في التحليل ووصف الواقع المسطح للإعلان عن نفسه متوشحًا بالأسلوب، ولكنه إن لم يأخذ الواقع ذاته بجميع مكوناته مكان الصدارة، وتخفى الباحث وراءه، فإن الواقع سيظل عنيدًا مقاومًا لا يتغير، إن التحليل المباشر للواقع بلا تنظير ما راجع إلى نقص أيديولوجي عند الباحث، ناشئ عن نقص في الوعي النظري أو عن خوف من الانتساب إلى نظرية، أو عن تراجع في الإعلان عن موقفه بالرغم من رؤيته بينه وبين نفسه مدى صدق أيديولوجية ما، ويظل الباحث يتخبط في كل اتجاه فهذا أسلم له من أخذ موقف معين، وهنا يكون الموقف هو عدم اتخاذ موقف.

والخطأ الثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث والمنقول، فالتراث والتجديد ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية والإصلاح بينها بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية، ويقوم أصحاب الموروث وأصحاب المنقول في نفس الخطأ وهو البدء بنظرية مسبقة وعلى الواقع أن يتكيف طبقًا لها، وإن اختلفا معًا في مصدر هذه النظرية وليس في أسسها وصلاحيتها، فكلاهما يدافعان عن فكر لا عن واقع وكلاهما من أنصار التراث وليس من أنصار التغيير، أما محاولات التجديد فإنها أيضًا تتم عن طريق الجمع بين التراثين الموروث والمنقول من أجل التوفيق بينهما وكأن العصرية تعني اتفاق التراث القديم مع التراث العصري، فهي محاولات فكرية وإن كان الواقع هو المقصود، أما «التراث والتجديد» فهو القادر على التنظير المباشر للواقع لأنه يمد الواقع بنظريته التي تفسره، وقادرة على تغييره، فالتراث هو نظرية الواقع، والتجديد هو إعادة فهم التراث حتى يمكن رؤية الواقع ومكوناته، وسواء بدأنا من التراث لفهم الواقع أو التنظير المباشر للواقع، فكلا المنهجين، النازل والصاعد، يؤديان إلى نفس النتيجة، ويصلان إلى نفس التحليل إن تم تطبيقهما معًا وليس كلًّا منهما على انفراد، فلا الواقع يستنبط من الفكر، ولا الفكر يأتي من الواقع المسطح الجزئي وإن كان يأتي من الواقع العريض، وذلك راجع إلى واقعة الوحي الذي هو مصدر التراث، وكيف أنه جاء تلبيةً لنداء الواقع، وتكيف على أساسه.

١  «الجمهور» لفظ مستعمل في تراثنا القديم على نحو معرفي خالص ويعني العامة، ويقابل العقلاء أو الفلاسفة وهم الخاصة. «الجمهور» له معنى سلبي يرادف السطحية أو البلاهة أو عدم القدرة على فهم الحقائق النظرية المجردة ولا يقدر إلا على التشبيه والتجسيم، والجمهور أيضًا غير قادر على التحقق من صدق ما يقال له لأنه أقرب إلى الطاعة العمياء أو التقليدي، وهذا المعنى غير مقصود هنا، بل نعني بالجماهير المعنى العملي الخالص، كما نعني أيضًا الصدق في التعبير والحدس في الإدراك والحس الشعبي التلقائي، فالجمهور هو التاريخ، عملًا ونظرًا؛ ومن ثَم فاللفظ له مدلول إيجابي.
أما لفظ «نفسي» فهو لا يدل على مدلوله في علم النفس، بل يدل على الوعي أو الشعور، وهو عالم البواعث والدوافع والموجهات دون الوقوع في أي من نظريات علم النفس من حيث هو علم، بل يكفي المعنى الشائع من اللفظ.
٢  انظر مقالنا «العرب والفكر التاريخي»: قضايا معاصرة، ج٣ «في الثقافة الوطنية» (تحت الطبع).
٣  يتضح هذا في أعمال ماو تسي تونج المبكرة لإعادة تفسير الكونفوثيوسية تفسيرًا ثوريًّا، وكذلك في إعادة تفسير البوذية في فيتنام، والكاثوليكية الرومانية في أمريكا اللاتينية، والديانات الثورية الأفريقية مثل «أنبياء بانتو» و«الإسلام الأسود» في حركة «أمة الإسلام» في أمريكا التي أسسها إليجا محمد وانضم إليها مالكوم إكس، والأمثلة كثيرة من «دين التحرر» في بلدان العالم الثالث خاصةً عند جواتيريز وتوريز.
انظر مقالنا «كاميلو توريز، القديس الثائر»: قضايا معاصرة، ج١ «في فكرنا العربي المعاصر»، ص٢٨١–٣١٨، وأيضًا كتابنا: Religionus Dialogue and Revolution, part. II PP. 125–243.
٤  الغربة عن الماضي مثلًا في تركيا وألمانيا والجمهوريات السوفيتية في وسط آسيا، والغربة عن الحاضر في المجتمعات التقليدية كالحجاز ودويلات الخليج، ووضع طبقتين متجاورتين كما هو الحال في المجتمعات النامية في العالم العربي في مصر والعراق وسوريا والجزائر، والتحليل هنا على مستوى الشعوب وليس على مستوى الأنظمة الاجتماعية.
٥  انظر مقالنا «العرب والفكر التاريخي»: قضايا معاصرة، ج٣.
٦  هذا هو موضوع القسم الثاني من التراث «التراث والتجديد» بعنوان «موقفنا من التراث الغربي».
٧  هو مذهب أصحاب الطبائع عند الجاحظ، والنظَّام، ومعمر بن عباد، وثمامة بن الأشرس.
٨  وهذا هو معنى حديث المجددين المشهور: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها».
٩  لذلك يكون من السخف البحث عن هوية فرعونية أو قبطية أو عربية أو إسلامية.
١٠  لذلك نأسف كل الأسف لغياب هذا الطابع الوطني من معظم دراسات معاصرينا في التراث، وكأنهم لا يعيشون عصرهم أو أي عصر بالمرة، وربما يرجع ذلك إلى أن الدافع على التأليف هو الكتاب الجامعي المقرر، أو على أكثر تقدير الحصول على درجة علمية دون الالتزام بأي هدف، أو مجرد الشهرة والتشدق بقضية يتاجر بها المشاهير على صفحات الجرائد بغية التصدر والزعامة، وهم أقرب الناس إلى الارتزاق والعهر الفكري.
١١  لذلك نعيب على معظم دراسات باحثينا في التراث عدم أخذ قضاياه كقضايا شخصية، والاكتفاء بعرض المادة القديمة كما هي إلى حد التبسيط الرخيص المخل بأهمية مثل هذه القضايا للقدماء، وقد تطايرت من أجلها الرقاب حينذاك، في حين أن المعاصرين وقد ضاعت أرضهم وثرواتهم لم يهتزوا ولم يلتزموا، وظل التراث بالنسبة لهم قضية ميتة لأنهم ميتون؛ لذلك استعملنا ضمير المتكلم الجمع مثل «تراثنا»، «موقفنا»، «جيلنا» للدلالة على الطابع الشخصي للقضية، وهو الأسلوب الذي يعبر عن الطابع الحضاري والانتماء الشخصي؛ ولذلك أيضًا كان «التراث والتجديد» تعبيرًا عن الحياة الشخصية للباحث، والمشاكل التي عرضت له إبان العشرين سنة الماضية، وحرصه على التراث على تغيير الواقع في آن واحد، وهي قضية المثقفين الثوريين لهذا الجيل.
١٢  الأيديولوجية والعلم ضدان في التراث الغربي وفي مصطلحات الماركسية، ولكن في الشعور القومي لبلدان العالم الثالث يحرك كلا اللفظين أشواق الجماهير نحو هدف واحد، هو الالتزام بالثقافة الوطنية التي يتحد فيها الأيديولوجية والعلم.
١٣  استُعمل هذا الأسلوب وما زال يُستعمل في الحضارة الغربية، ولكن للدلالة على موقف عنصري قومي شوفيني متمركز حول الذات.
١٤  انظر مقالنا «موقفنا من التراث الغربي» في: قضايا معاصرة، ج٢ «في الفكر الغربي المعاصر»، ص٣–٣٣.
١٥  معظم الداعين من المفكرين المسيحيين مثل سلامة موسى، شبلي شميل، فرح أنطون، يعقوب صروف، نقولا حداد، لويس عوض، وليم سليمان، مراد وهبة وأقلهم من المسلمين مثل إسماعيل مظهر.
١٦  انظر مقالنا «موقفنا الحضاري» في: قضايا معاصرة، ج١، ص٤٦–٥٠.
١٧  انظر مقالنا «رسالة الفكر» في: «قضايا معاصرة»، ج١، ص٣–١٦.
١٨  نظرًا لأهمية هذه الدراسات فإننا نكتفي هنا بإعطاء نماذج منها إلى حين عرضها عرضًا مستقلًّا وإيفائها حقها من التحليل والنقد كما قمنا بذلك من قبل مع أعمال د. عبد الله العروي في مقالنا «العرب والفكر التاريخي».
  • د. زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، دار الشروق، ١٩٧١م.

  • د. زكي نجيب محمود: المعقول واللامعقول، دار الشروق.

  • د. زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، دار الشروق، ١٩٧٦م.

  • د. عبد الله العروي: الأيديولوجية العربية المعاصرة (بالفرنسية)، ماسبيرو، ١٩٧٠م.

  • د. عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي، دار الحقيقة، ١٩٧٣م.

  • د. محمد عزيز الأحبابي: الشخصانية الإسلامية، دار المعارف، ١٩٦٩م.

  • أدونيس: الثابت والمتحول ثلاثة أجزاء، دار العودة، ١٩٧٤م / ١٩٧٧م / ١٩٧٩م.

  • صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني.

  • الطيب تيزيتي: مشروع رؤية جديد للفكر العربي من العصر الجاهلي حتى المرحلة المعاصرة من التراث إلى الثورة، حول نظرية مقترحة في التراث العربي، الجزء الأول، دار ابن خلدون، ١٩٧٦م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١