الشيطان في خطر
(حجرة مكتب بسيطة الرِّياش … الفيلسوف جالس بين أكداس الكتب والمُجلَّدات، يقرأ ويُفكِّر في هدوء الليل … وفجأةً يدقُّ جرس «التليفون» على مقربة منه!)
الفيلسوف
(يتناول السماعة)
:
ألو! … ألو! … تطلب مقابلتي؟ الآن؟ … الأمر
هام؟ … مَن حضرتك؟ … ماذا تقول؟ … الشيطان؟ …
أهذا وقت مزاح يا حضرة الفاضل؟! … في منتصف
الليل تطلبون الناس لتُمازحوهم؟ … اقفل السكة
من فضلك! … (يضع السماعة) صفاقة وقلة
ذوق!
(يُسمَع نَقْرٌ على باب الحجرة، ثم يفتح الباب، ويظهر «الشيطان» بثيابه الحمراء.)
الشيطان
(برقَّة وأدب)
:
لا تؤاخذني! … إنها حقًّا صفاقة وقلة ذوق! …
فالوقت غير مناسب للزيارة … ولكنَّ الأمر
هام!
الفيلسوف
(مذهولًا مأخوذًا)
:
حضرتك … ؟!
الشيطان
(ينحني بظُرف
وتواضع)
:
نعم! … أنا هو!
الفيلسوف
(في هَمْسٍ)
:
الشيطان؟!
الشيطان
:
أخشى أن يكون منظري قد خيَّب ظنَّك!
الفيلسوف
:
بالعكس! … منظرك لا يختلف مطلقًا عمَّا
اعتدنا أن نراه في الصور! … ثيابك الحمراء! …
وقرناك الصغيران، وعيناك اللامعتان! … وأنفك
الطويل! … وقوامك النحيل!
الشيطان
:
لستُ أدري كيف صُنِعت لي هذه الصورة! … ولكن
ما دُمتُ قد عُرِفتُ بها، فلا بد أن أرتديها …
كذبة مشهورة أَجْدى من حقيقة مستورة!
الفيلسوف
(دَهِشًا)
:
الشيطان! … حضرتك إذن الشيطان! … الشيطان
الذي نقرأ عنه في الكتب … ونسمع عن أعماله
العجب؟!
الشيطان
(متواضعًا)
:
هو أنا ولا فخر! … ذلك الذي تذكرونه كل يوم
بالخير! … فيما تكتبون وتقولون! … إني، بالطبع،
لا أُتابِع كل ما يُنشَر عني ولا ما يُنسَب
إليَّ … ولو أني فعلتُ لقضيتُ أغلب وقتي في
تصحيح كثير من الوقائع، وتكذيب كثير من
الاتهامات! … إني قليل الاطلاع على ما في الكتب
والأحاديث! … وقد يُدهِشك أنْ تعلم أني شديد
الميل إلى العُزلة! … بعيد كل البُعد عن
الاختلاط بالناس … وهذا سرُّ احتفاظي بمظاهر
الشباب، وبراحة الأعصاب!
الفيلسوف
(يُقدِّم إليه علبة
التبغ)
:
سيجارة؟
الشيطان
:
لا بأس! … إذا كانت من النوع الهادئ!
الفيلسوف
:
اطمئن! … إني لا أُدخِّن إلا أهدأ
الأنواع!
الشيطان
(يتناول سيجارةً)
:
شكرًا!
الفيلسوف
(وهو يشعل له
السيجارة)
:
ذلك أني لا أبغي من التدخين سوى مساعدتي على
أن أفكِّر!
الشيطان
:
تفكِّر في ماذا؟
الفيلسوف
:
في عملي … إنك تعرف بالطبع أن مهنتي هي
التفكير!
الشيطان
:
بدون شك! … فيلسوف من أهم الفلاسفة … هكذا
قيل لي … ولهذا جئتُ إليك الليلة كي تفكر
لي!
الفيلسوف
:
أفكر لك؟! … أنت؟!
الشيطان
:
نعم! … يجب أن تفكر لي أنا! … في حلٍّ
يُخرِجني من هذه المصيبة التي توشك أن تقع على
رأسي!
الفيلسوف
(دَهِشًا)
:
مصيبة؟! … ستقع على رأسك أنت؟!
الشيطان
:
نعم! … أنقِذني … لن يُنقِذ رأسي غيرُ رأسك
هذا المملوء بالأفكار! … أرشِدني إلى فكرة …
إلى حلٍّ يُبعِد عني الخطر!
الفيلسوف
:
أنت في خطر؟!
الشيطان
:
داهِم … يُنذِر بالنهاية! … ترتعد منه
فرائصي!
الفيلسوف
:
يا للهول!
الشيطان
:
أسرِع وفكِّر لي … كيف الخلاص منه؟
الفيلسوف
:
الخلاص مِن ماذا؟!
الشيطان
:
مِن الخطر الذي يُهدِّدني … فكِّر لي … فكِّر
لي أيها الفيلسوف! … ألستَ فيلسوفًا؟ … أليست
مهمتك التفكير؟ … فكِّر لي إذن في الحال …
فكِّر لي سريعًا … فكِّر … فکِّر.
الفيلسوف
(يفكر في الحالة)
:
ها أنا ذا أفكِّر! … ها أنا ذا
أفكِّر!
الشيطان
(وهو يتأمَّل الفيلسوف، وقد
أطرق حاصرًا فكره)
:
نعم! ها أنت ذا تحصر فكرك جيدًا! … أرجو أن
يتمخَّض ذهنك الجبار عن فكرة فعَّالة!
الفيلسوف
(يرفع رأسه فجأةً
ويَصيح)
:
يا للعجب!
الشيطان
(فَرِحًا)
:
وجدتَها؟ … وجدتَها؟
الفيلسوف
:
نعم … وجدتُ أنك لم تكشف لي ما هو الخطر الذي
يُهدِّدك، وتريد له حلًّا!
الشيطان
:
إنك لم تسألني عنه!
الفيلسوف
:
وهنا وجه العجب! … كان يجب أن أسألك قبل أن
أفكِّر!
الشيطان
:
إنك فكَّرتَ قبل أن تسأل!
الفيلسوف
:
لا تؤاخذني! … غلبت عليَّ العادة … نحن —
معشرَ الفلاسفة — نفكِّر أحيانًا طويلًا، ثم
ينتهي تفكيرنا، في أغلب الأحيان، إلى
سؤال!
الشيطان
:
لا يا سيدي! … أرجوك! … لا تُضيِّع لي وقتي!
… إني جئتُ إليك في هذه الساعة من الليل كي
تُفكِّر لي تفكيرًا ينتهي إلى حل!
الفيلسوف
:
نبدأ إذن بالسؤال: ما هو الخطر الذي
يهددك؟
الشيطان
:
الحرب!
الفيلسوف
(في دهشة)
:
الحرب تُهدِّدك أنت؟!
الشيطان
:
طبعًا تُهدِّدني أنا … أيُّ وجهٍ للدهشة في
هذا؟! … إن الحرب القادمة فظيعة! … وأظنك لا
تجهل ذلك … قنابل ذرية وصاروخية ستُحطِّم
الدنيا وتفتك بالناس!
الفيلسوف
:
وهل أنت إلى هذا الحد شديد الرحمة
بالناس؟!
الشيطان
:
شديد الرحمة بنفسي!
الفيلسوف
:
وما دَخلُك؟!
الشيطان
:
حياتي مرتبطة بالناس … حيث يكون الناس أكون
أنا … فإذا قامت القيامة، وجاءت النهاية، فأنا
مع الجميع في المقدمة إلى حيث ألقى مصيري
المكتوب ونهايتي المحتومة!
الفيلسوف
(بدهشة)
:
إذن، الحرب القادمة المبيدة هي شيء ليس في
مصلحتك!
الشيطان
:
أبدًا!
الفيلسوف
:
ومن الذي يُثيرها إذن بين الأمم؟!
الشيطان
:
وهل أدري؟
الفيلسوف
:
عجيبة! … الدنيا كلها تظن الشيطان هو الذي
يوسوس لزعماء الدول الكبرى کي تشعل نيران الحرب
القادمة! … وها هو ذا الشيطان بنفسه يتنصَّل
ويُنكر!
الشيطان
:
أجُنِنْتُ أنا، يا سيدي الفاضل، حتى أُحرِق
العالم كلَّه وأُحرِق نفسي معه؟!
الفيلسوف
:
معقول!
الشيطان
:
أأنا مغفل؟! … أأنا أريد الانتحار؟! … إني،
كما قلتُ لك الآن، قد صِرتُ أميل إلى الهدوء
والعزلة … ولكن بعض الناس، فيما يظهر، يريدون
الصخب والجلَبة! … وتُطرِبهم أصوات المفرقعات!
… وهذا شأنهم إلى حدٍّ ما … وكان في استطاعتي
من قبل أن أضع أصابعي في أذني! … ولكن المسألة،
فيما أرى، تتطوَّر وتتدحرج، ولم تَعُد
المفرقعات، بالنسبة إليَّ أنا، مجرد
أصوات!
الفيلسوف
:
أنت إذن تريد …؟
الشيطان
:
منْع الحرب!
الفيلسوف
:
شيء غريب! … وهل من المُتعذَّر عليك أن تهمس
في آذان زعماء الدول الكبرى؟!
الشيطان
:
فعلتُ وهمستُ بكلمات السلام … وقامت في كل
معسكر جماعات تطبع المنشورات، وتقوم بالدعايات،
مناديةً بالسلام … ولكن ماذا كان من أمر هذا
كله؟ … إن كلمة «السلام» نفسها قد انقلبت
مرادفةً «للحرب» … ولم أجد في القواميس كلمةً
أخرى أهمس بها في الآذان لمنع الحرب.
الفيلسوف
:
والعمل؟!
الشيطان
:
هذا ما جئتُ ألتمسه عندك.
الفيلسوف
:
عندي أنا؟!
الشيطان
:
نعم! … خطر ببالي أخيرًا أن أذهب إلى فيلسوف
… أبحث عنده عن فكرة يمكن أن تُبعِد خطر الحرب
… وقد جئتُ إليك!
الفيلسوف
(متأملًا)
:
فكرة لمنع الحرب؟! … نعم! … هذا ليس بمستحيل
على أمثالنا نحن الفلاسفة! … إن صناعتنا هي
توليد الأفكار! … ما من شك في أني أستطيع أن
أعطيك ما تطلب!
الشيطان
(هاتفًا)
:
مرحی! … مرحی! … إن البشرية قد
أُنقِذت!
الفيلسوف
:
مهلًا يا عزيزي الشيطان مهلًا … يجب أن نتفق
أولًا على الثمن!
الشيطان
:
الثمن؟! … أيُّ ثمن؟!
الفيلسوف
:
ألم تأتِ إليَّ في هذا الوقت المتأخر من
الليل وتصرفني عن أعمالي كي أفكر لك، وأعصر
ذهني لحسابك؟!
الشيطان
:
بل لحساب الإنسانية!
الفيلسوف
:
إني دائمًا أعمل لحساب الإنسانية! … ولم يمنع
هذا من أن أتقاضى أجرًا على نشر مؤلفاتي
وأفكاري!
الشيطان
:
إنك تفكر الآن لتنقذ الإنسانية من
الدمار!
الفيلسوف
:
وأولئك العلماء الذين يصنعون الآن القنابل
الذرية والإيدروجينية، التي سوف تُدمِّرهم فيمن
تُدمِّر، هل يفعلون ذلك لوجه الله؟!
الشيطان
:
إنهم بالطبع يتناولون أجورًا!
الفيلسوف
:
لماذا إذن تريدني أن أفكر بالمجان لوجه
الشيطان؟!
الشيطان
:
حسبتُكَ تهتم فقط بالمُثل العليا!
الفيلسوف
:
مثلك؟!
الشيطان
:
أتسخر مني؟!
الفيلسوف
:
بالعكس! … إني أفهم ظروفك! … أنت لك الحق في
أن تهتم فقط بمُثُلك العليا؛ لأنك وحيد … ليست
لك زوجة!
الشيطان
:
وهل أنت متزوج؟
الفيلسوف
:
طبعًا … ولذلك أنا فيلسوف … كل زوج قضى في
الزوجية عشرة أعوام فما فوق هو فيلسوف، دون
حاجةٍ إلى أن يتعلم حرفًا في الفلسفة!
الشيطان
:
شيء عجيب! … إنك تتكلم عن أمر لم أُجرِّبه
قط: الزواج!
الفيلسوف
:
أَمَا خطر في بالك يومًا أن تتزوج؟!
الشيطان
:
أبدًا … ولستُ أدري لماذا؟ … ربما كانت
غلطة!
الفيلسوف
(يُحملِق فيه
بعينَيه)
:
غلطة أنك لم تتزوج؟!
الشيطان
:
في الوقت المناسب … لقد تركتُ بحماقةٍ كل هذا
العمر الطويل يمضي … منذ خُلق الناس حتى اليوم!
… دون أن أفكر في تغيير طريقة حياتي! … وها هي
ذي النهاية تقترب … وقد ينجح هؤلاء العابثون في
تدمير الدنيا!
الفيلسوف
:
وأنت لم تدخل بعدُ دنيا!
الشيطان
(لم يفهم)
:
ماذا تقول؟!
الفيلسوف
:
أقصد لم تدخل — بعدُ — دنيا الزوجية!
الشيطان
:
فات الوقت!
الفيلسوف
(ينظر إليه مليًّا)
:
لا يبدو عليك أنك قد شِخْتَ!
الشيطان
:
إنك تغريني!
الفيلسوف
:
أنا الذي أُغرِيك؟!
الشيطان
:
إني على كل حالٍ سئمتُ الوحدة والعزوبة …
ويُخيَّل إليَّ أن دنيا الزواج المغلقة على …
(يُفتَح فجأةً باب مغلق في الحجرة … وتندفع منه
امرأة في ثياب المنزل … هي زوجة
الفيلسوف.)
الزوجة
(صائحةً)
:
أَمَا كفى قراءةً وكتابةً؟ … هذا النور
الكهربائي الذي تُبقيه طول الليل، أهو بنقود أم
بغير نقود؟! … ومَن الذي يدفع حسابه كل شهر؟ …
أهو أنت من جيبك أم أنا من المصروف؟!
الشيطان
(هامسًا)
:
مَن حضرتها؟!
الفيلسوف
:
زوجتي!
الشيطان
:
خذ راحتك في الحديث معها؛ إنها لم تبصرني،
ولن تسمعني!
الزوجة
(لزوجها)
:
كلِّمني! … ما لك تُحرِّك شفتَيك، وتنظر إلى
الفضاء؟!
الفيلسوف
(يلتفت إليها)
:
نظرتُ إليكِ أنتِ! … طلباتكِ؟!
الزوجة
:
طلباتي؟! … أنت تعرفها جيدًا وتُتقِن
تجاهلها! … ولكني أقسمتُ أن أحقِّقها كاملةً …
شئتَ أم كرهتَ!
الفيلسوف
:
بالقوة؟!
الزوجة
:
أنت لا تريد أن نُسوِّي أمورنا بالوسائل
الودية!
الفيلسوف
:
أنا؟! … أنا الرجل المسالم؟!
الزوجة
:
في الظاهر! … ولكنك في الباطن رجل عنيد
مشاكس! … تريد أن يسير كل شيء في البيت بأمركَ
وحدَكَ! … وعلى هواكَ! … ووَفق أفكاركَ!
الفيلسوف
:
ألا يجب أن يكون لي في البيت رأي؟!
الزوجة
:
لا يا سيدي! … رأيك تضعه في كتبك … أما البيت
فتضع فيه نقودك!
الفيلسوف
:
تريدين إذن أن تكوني أنتِ المتصرفةَ في شئون
البيت؟
الزوجة
:
طبعًا.
الفيلسوف
:
وماذا تُسمِّين هذا؟
الزوجة
:
الأصول.
الفيلسوف
:
وما وضعي أنا في البيت؟
الزوجة
:
على مكتبك هادئًا كما أنت موضوع!
الفيلسوف
:
غير ذي موضوع!
الزوجة
:
لا أفهم كلامك الفلسفي!
الفيلسوف
:
كل ما تفهمين هو أن تأخذي النقود مني،
وتسيطري أنتِ عليَّ؟!
الزوجة
:
أسيطر عليك؟ … ما هذه الكلمات التي تجيد
اختراعها؟! … ولكنها صناعتكَ! … تستخدمها ضدي،
أنا المسكينة التي لا تُحسِن الدفاع عن نفسها
بالكلمات!
الفيلسوف
:
ولكنك تُحسنين الهجوم بالأفعال!
الزوجة
:
إني لم أهجم بعدُ.
الفيلسوف
:
بدأتِ المناوشات! … ألستِ أنتِ التي خطفت من
يدي محفظة النقود هذا الصباح؟ … بعد أن
خَدَشْتِني بأظافركِ الطويلة، وذهبتِ إلى
الحوانيت، فاشتريتِ لنفسك الجوارب والعطور،
وعُدتِ دون أن تشتريَ لزوجك قميصًا واحدًا،
يُعوِّضه عن قمصانه القديمة البالية؟!
الزوجة
:
ولماذا أشتري لك، وأنت تُخفِي عني ما يصل إلى
يدك من مال؟!
الفيلسوف
:
يا للتهمة الزور التي تلصقينها بي دائمًا! …
أنا أستطيع أُخفي عنك شيئًا … ولكِ أنف يشمُّ
رائحة القرش كما يشمُّ الحاوي رائحة
الثعبان؟!
الزوجة
:
ليس هنا ثعبان غيرُ لسانك الذي يقطر
السم!
الفيلسوف
:
سُمِّي لا يؤثر فيكِ على كل حال!
الزوجة
:
أرأيتَ؟! … كل ما تتمنَّاه أنت هو أن تُسمِّم
حياتي!
الفيلسوف
:
وأنتِ؟! … هل قررتِ الإضراب يومًا واحدًا عن
تنغيص حیاتي؟!
الشيطان
(هامسًا للفيلسوف)
:
أهذا هو الزواج؟!
الفيلسوف
:
نعم … لطيف جدًّا … أليس كذلك؟!
الزوجة
:
عُدْتَ تُحرِّك شفتَيكَ، وتحملق في
الفضاء!
الفيلسوف
:
أتريدين أيضًا التحكم في شفتي، والتدخل في
عيني؟! … أليس لي الحق أن أُكلِّم من أشاء
وأنظر إلى من أشاء؟!
الزوجة
:
ليس في الحجرة غيري!
الفيلسوف
:
مَن أدراكِ؟
الزوجة
:
تقصد أن هنا الآن شخصًا آخر غيري، تنظر إليه
وتُخاطِبه؟
الفيلسوف
:
غيركِ؟! … طبعًا هنا غيركِ! … أتظنين أنه ليس
في الكون غيركِ؟!
الزوجة
:
وما دَخلُ الكون؟! … إني أتكلَّم عن هذه
الحجرة … أفيها أحد ثالث؟!
الفيلسوف
:
بدون شك!
الزوجة
:
مَن هو؟! … مِن فضلك؟!
الفيلسوف
:
لا أقول.
الزوجة
:
أحد ثالث تراه أنت الآن هنا؟!
الفيلسوف
:
طبعًا!
الزوجة
:
ولماذا تُبصِره أنت ولا أُبصِره أنا؟!
الفيلسوف
:
وهل ذنبي أن أُبصِر ما لا تستطيعين أنتِ أن
تبصري؟!
الزوجة
:
قلتُ لكَ ألف مرة خاطِب بفلسفتك هذه الناس في
الخارج. أمَّا هنا في البيت فخاطبني بمنتهى
العقل!
الفيلسوف
:
وما هو العقل عندكِ أيَّتها المرأة؟!
الزوجة
:
أرأيتَ؟ … كلُّ همِّك أن تُشعِرني دائمًا أنك
من طينة غير طينتي … وأن تفكيركَ هو في مستوًى
أرفع من تفكيري. تريد أن تُفهِمني أني صغيرة
إلى جانبك! … وأنك ترى ما لا أرى … وتُدرِك ما
لا أُدرِك … تريد أن تسيطر عليَّ بفكرك … ولكنك
لن تسيطر عليَّ! … إني أصلب عودًا مما تظن! …
إن لي شخصيةً لا يمكن أن تنطويَ تحت
شخصيتكَ!
الفيلسوف
:
أهذه الفكرة هي التي تُثِيركِ؟!
الزوجة
:
لا يمكن بأيِّ حال أن أكون تابعةً
لكَ!
الفيلسوف
:
وماذا تريدين أن تكوني؟!
الزوجة
:
سيدة هذا البيت!
الفيلسوف
:
وأنا … ألستُ هنا سيدًا؟
الزوجة
:
كُن ما شئتَ! … ولكن كلمتي في البيت هي
العليا!
الفيلسوف
:
وكلمتي أنا هي السفلى!
الزوجة
:
لا ينبغي أن يكون في البيت كلمتان وحاكمان! …
بل أمر واحد ومسيطر فرد!
الفيلسوف
:
هو أنا بالطبع!
الزوجة
:
بل هي أنا بالضرورة!
الفيلسوف
:
أهذا معقول؟!
الزوجة
:
المسألة ليست بالعقل!
الفيلسوف
:
بالقوة؟!
الزوجة
:
بكل أسف، نعم! … وسترى الآن مَن منَّا الذي
سيُخضِع الآخر! … لقد قلتَ منذ لحظةٍ إنك
تُبصِر ما لا أستطيع أن أُبصِره! … خسئتَ
وكذبتَ! … إني أُبصِر الآن أكثر منك … ذلك
الشخص الذي معنا في هذه الحجرة!
الفيلسوف
:
تُبصِرينه؟! … مَن هو؟
الزوجة
:
هو الشيطان!
الشيطان
(هامسًا)
:
يا للعجب! … کیف شمَّتْ رائحتي؟!
الفيلسوف
(دَهِشًا)
:
أترينه الآن معنا؟!
الزوجة
(دون أن تلتفت أو تفطن لوجود الشيطان الفعلي)
:
نعم! … ولْتَكُنْ على حَذرٍ! … فهو الآن بيني
وبينك … ألا تعلم — وأنت الفيلسوف — ذلك المثل
الذي يقول: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان
ثالثهما الشيطان»؟!
الشيطان
(هَمْسًا للفيلسوف)
:
ليس دائمًا! … إني هنا الليلة بينكما بمحض
المصادَفة … كما تعلم!
الفيلسوف
(للشيطان)
:
نعم! … أعلم!
الزوجة
(وقد ظنَّت الكلام موجَّهًا
إليها)
:
تعلم؟ … نعم، هذا المثل حقيقي، والدليل على
وجود الشيطان بيننا الآن، أنه يوسوس لي أن
أختطف هذه المِحبَرة التي أمامك هكذا (وتشرع
باختطاف مِحبَرة المكتب) … وأن أقذف بما فيها
على رأسك، وثيابك، وكُتبك!
الشيطان
(هامسًا للفيلسوف)
:
يا للظلم! … أتُصدِّق أني أقول لها أن تفعل
ذلك؟!
الفيلسوف
:
لا … لا أُصدِّق طبعًا!
الزوجة
(رافعةً في يدها
المِحبَرة)
:
لا تُصدِّق؟ … بل صَدِّقْ .. إني أفعلها إذا
لم تُبادِر وتُسلِّم لي بلا قيد ولا
شرط!
الفيلسوف
(صائحًا)
:
أَجُنِنْتِ؟! … تُلقِين عليَّ هذه المِحبَرة
بما فيها من حبر؟!
الزوجة
:
الحبر أحمر كالدم … سَلِّم في الحال، وأَعلِن
خضوعكَ التام!
الفيلسوف
:
خضوعي التام؟!
الزوجة
:
بدون قيد ولا شرط … وإلَّا ألقيتُ عليك هذه
(تهزُّ في يدها) المِحبَرة!
الفيلسوف
(صائحًا)
:
هذه؟! … هذه قنبلة … قنبلة ذرية!
الزوجة
(مهددةً بالمِحبَرة)
:
فلْتَكُنْ ما تكون! … اخضع وإلَّا …
الفيلسوف
(ملتفتًا إلى الشيطان
مستنجِدًا)
:
ما رأيك؟
الشيطان
(هامسًا له)
:
رأيي؟ … تسألني رأيي، وأنا الذي جئتُ ألتمس
رأيكَ؟! … أَرَأْسُكَ هذا هو الذي سيُفكِّر لي
في منع الحرب؟
الفيلسوف
:
الحرب في حجرتي! (يُشِير إلى زوجته) وهي التي
أعلنَتْها!
الشيطان
(منصرفًا)
:
يا خيبة أملي في حضرتك!
الفيلسوف
:
تنصرف؟! … وتتركني مهددًا؟! …
أنقِذني!
الشيطان
:
دعني أنقذ نفسي أولًا من هنا … قبل أن تُلقى
في الحجرة قنبلتكم الذرية! (يهرول هاربًا من
الباب مشيرًا بيده إشارة الوداع.)