الشيطان في خطر

(حجرة مكتب بسيطة الرِّياش … الفيلسوف جالس بين أكداس الكتب والمُجلَّدات، يقرأ ويُفكِّر في هدوء الليل … وفجأةً يدقُّ جرس «التليفون» على مقربة منه!)

الفيلسوف (يتناول السماعة) : ألو! … ألو! … تطلب مقابلتي؟ الآن؟ … الأمر هام؟ … مَن حضرتك؟ … ماذا تقول؟ … الشيطان؟ … أهذا وقت مزاح يا حضرة الفاضل؟! … في منتصف الليل تطلبون الناس لتُمازحوهم؟ … اقفل السكة من فضلك! … (يضع السماعة) صفاقة وقلة ذوق!

(يُسمَع نَقْرٌ على باب الحجرة، ثم يفتح الباب، ويظهر «الشيطان» بثيابه الحمراء.)

الشيطان (برقَّة وأدب) : لا تؤاخذني! … إنها حقًّا صفاقة وقلة ذوق! … فالوقت غير مناسب للزيارة … ولكنَّ الأمر هام!
الفيلسوف (مذهولًا مأخوذًا) : حضرتك … ؟!
الشيطان (ينحني بظُرف وتواضع) : نعم! … أنا هو!
الفيلسوف (في هَمْسٍ) : الشيطان؟!
الشيطان : أخشى أن يكون منظري قد خيَّب ظنَّك!
الفيلسوف : بالعكس! … منظرك لا يختلف مطلقًا عمَّا اعتدنا أن نراه في الصور! … ثيابك الحمراء! … وقرناك الصغيران، وعيناك اللامعتان! … وأنفك الطويل! … وقوامك النحيل!
الشيطان : لستُ أدري كيف صُنِعت لي هذه الصورة! … ولكن ما دُمتُ قد عُرِفتُ بها، فلا بد أن أرتديها … كذبة مشهورة أَجْدى من حقيقة مستورة!
الفيلسوف (دَهِشًا) : الشيطان! … حضرتك إذن الشيطان! … الشيطان الذي نقرأ عنه في الكتب … ونسمع عن أعماله العجب؟!
الشيطان (متواضعًا) : هو أنا ولا فخر! … ذلك الذي تذكرونه كل يوم بالخير! … فيما تكتبون وتقولون! … إني، بالطبع، لا أُتابِع كل ما يُنشَر عني ولا ما يُنسَب إليَّ … ولو أني فعلتُ لقضيتُ أغلب وقتي في تصحيح كثير من الوقائع، وتكذيب كثير من الاتهامات! … إني قليل الاطلاع على ما في الكتب والأحاديث! … وقد يُدهِشك أنْ تعلم أني شديد الميل إلى العُزلة! … بعيد كل البُعد عن الاختلاط بالناس … وهذا سرُّ احتفاظي بمظاهر الشباب، وبراحة الأعصاب!
الفيلسوف (يُقدِّم إليه علبة التبغ) : سيجارة؟
الشيطان : لا بأس! … إذا كانت من النوع الهادئ!
الفيلسوف : اطمئن! … إني لا أُدخِّن إلا أهدأ الأنواع!
الشيطان (يتناول سيجارةً) : شكرًا!
الفيلسوف (وهو يشعل له السيجارة) : ذلك أني لا أبغي من التدخين سوى مساعدتي على أن أفكِّر!
الشيطان : تفكِّر في ماذا؟
الفيلسوف : في عملي … إنك تعرف بالطبع أن مهنتي هي التفكير!
الشيطان : بدون شك! … فيلسوف من أهم الفلاسفة … هكذا قيل لي … ولهذا جئتُ إليك الليلة كي تفكر لي!
الفيلسوف : أفكر لك؟! … أنت؟!
الشيطان : نعم! … يجب أن تفكر لي أنا! … في حلٍّ يُخرِجني من هذه المصيبة التي توشك أن تقع على رأسي!
الفيلسوف (دَهِشًا) : مصيبة؟! … ستقع على رأسك أنت؟!
الشيطان : نعم! … أنقِذني … لن يُنقِذ رأسي غيرُ رأسك هذا المملوء بالأفكار! … أرشِدني إلى فكرة … إلى حلٍّ يُبعِد عني الخطر!
الفيلسوف : أنت في خطر؟!
الشيطان : داهِم … يُنذِر بالنهاية! … ترتعد منه فرائصي!
الفيلسوف : يا للهول!
الشيطان : أسرِع وفكِّر لي … كيف الخلاص منه؟
الفيلسوف : الخلاص مِن ماذا؟!
الشيطان : مِن الخطر الذي يُهدِّدني … فكِّر لي … فكِّر لي أيها الفيلسوف! … ألستَ فيلسوفًا؟ … أليست مهمتك التفكير؟ … فكِّر لي إذن في الحال … فكِّر لي سريعًا … فكِّر … فکِّر.
الفيلسوف (يفكر في الحالة) : ها أنا ذا أفكِّر! … ها أنا ذا أفكِّر!
الشيطان (وهو يتأمَّل الفيلسوف، وقد أطرق حاصرًا فكره) : نعم! ها أنت ذا تحصر فكرك جيدًا! … أرجو أن يتمخَّض ذهنك الجبار عن فكرة فعَّالة!
الفيلسوف (يرفع رأسه فجأةً ويَصيح) : يا للعجب!
الشيطان (فَرِحًا) : وجدتَها؟ … وجدتَها؟
الفيلسوف : نعم … وجدتُ أنك لم تكشف لي ما هو الخطر الذي يُهدِّدك، وتريد له حلًّا!
الشيطان : إنك لم تسألني عنه!
الفيلسوف : وهنا وجه العجب! … كان يجب أن أسألك قبل أن أفكِّر!
الشيطان : إنك فكَّرتَ قبل أن تسأل!
الفيلسوف : لا تؤاخذني! … غلبت عليَّ العادة … نحن — معشرَ الفلاسفة — نفكِّر أحيانًا طويلًا، ثم ينتهي تفكيرنا، في أغلب الأحيان، إلى سؤال!
الشيطان : لا يا سيدي! … أرجوك! … لا تُضيِّع لي وقتي! … إني جئتُ إليك في هذه الساعة من الليل كي تُفكِّر لي تفكيرًا ينتهي إلى حل!
الفيلسوف : نبدأ إذن بالسؤال: ما هو الخطر الذي يهددك؟
الشيطان : الحرب!
الفيلسوف (في دهشة) : الحرب تُهدِّدك أنت؟!
الشيطان : طبعًا تُهدِّدني أنا … أيُّ وجهٍ للدهشة في هذا؟! … إن الحرب القادمة فظيعة! … وأظنك لا تجهل ذلك … قنابل ذرية وصاروخية ستُحطِّم الدنيا وتفتك بالناس!
الفيلسوف : وهل أنت إلى هذا الحد شديد الرحمة بالناس؟!
الشيطان : شديد الرحمة بنفسي!
الفيلسوف : وما دَخلُك؟!
الشيطان : حياتي مرتبطة بالناس … حيث يكون الناس أكون أنا … فإذا قامت القيامة، وجاءت النهاية، فأنا مع الجميع في المقدمة إلى حيث ألقى مصيري المكتوب ونهايتي المحتومة!
الفيلسوف (بدهشة) : إذن، الحرب القادمة المبيدة هي شيء ليس في مصلحتك!
الشيطان : أبدًا!
الفيلسوف : ومن الذي يُثيرها إذن بين الأمم؟!
الشيطان : وهل أدري؟
الفيلسوف : عجيبة! … الدنيا كلها تظن الشيطان هو الذي يوسوس لزعماء الدول الكبرى کي تشعل نيران الحرب القادمة! … وها هو ذا الشيطان بنفسه يتنصَّل ويُنكر!
الشيطان : أجُنِنْتُ أنا، يا سيدي الفاضل، حتى أُحرِق العالم كلَّه وأُحرِق نفسي معه؟!
الفيلسوف : معقول!
الشيطان : أأنا مغفل؟! … أأنا أريد الانتحار؟! … إني، كما قلتُ لك الآن، قد صِرتُ أميل إلى الهدوء والعزلة … ولكن بعض الناس، فيما يظهر، يريدون الصخب والجلَبة! … وتُطرِبهم أصوات المفرقعات! … وهذا شأنهم إلى حدٍّ ما … وكان في استطاعتي من قبل أن أضع أصابعي في أذني! … ولكن المسألة، فيما أرى، تتطوَّر وتتدحرج، ولم تَعُد المفرقعات، بالنسبة إليَّ أنا، مجرد أصوات!
الفيلسوف : أنت إذن تريد …؟
الشيطان : منْع الحرب!
الفيلسوف : شيء غريب! … وهل من المُتعذَّر عليك أن تهمس في آذان زعماء الدول الكبرى؟!
الشيطان : فعلتُ وهمستُ بكلمات السلام … وقامت في كل معسكر جماعات تطبع المنشورات، وتقوم بالدعايات، مناديةً بالسلام … ولكن ماذا كان من أمر هذا كله؟ … إن كلمة «السلام» نفسها قد انقلبت مرادفةً «للحرب» … ولم أجد في القواميس كلمةً أخرى أهمس بها في الآذان لمنع الحرب.
الفيلسوف : والعمل؟!
الشيطان : هذا ما جئتُ ألتمسه عندك.
الفيلسوف : عندي أنا؟!
الشيطان : نعم! … خطر ببالي أخيرًا أن أذهب إلى فيلسوف … أبحث عنده عن فكرة يمكن أن تُبعِد خطر الحرب … وقد جئتُ إليك!
الفيلسوف (متأملًا) : فكرة لمنع الحرب؟! … نعم! … هذا ليس بمستحيل على أمثالنا نحن الفلاسفة! … إن صناعتنا هي توليد الأفكار! … ما من شك في أني أستطيع أن أعطيك ما تطلب!
الشيطان (هاتفًا) : مرحی! … مرحی! … إن البشرية قد أُنقِذت!
الفيلسوف : مهلًا يا عزيزي الشيطان مهلًا … يجب أن نتفق أولًا على الثمن!
الشيطان : الثمن؟! … أيُّ ثمن؟!
الفيلسوف : ألم تأتِ إليَّ في هذا الوقت المتأخر من الليل وتصرفني عن أعمالي كي أفكر لك، وأعصر ذهني لحسابك؟!
الشيطان : بل لحساب الإنسانية!
الفيلسوف : إني دائمًا أعمل لحساب الإنسانية! … ولم يمنع هذا من أن أتقاضى أجرًا على نشر مؤلفاتي وأفكاري!
الشيطان : إنك تفكر الآن لتنقذ الإنسانية من الدمار!
الفيلسوف : وأولئك العلماء الذين يصنعون الآن القنابل الذرية والإيدروجينية، التي سوف تُدمِّرهم فيمن تُدمِّر، هل يفعلون ذلك لوجه الله؟!
الشيطان : إنهم بالطبع يتناولون أجورًا!
الفيلسوف : لماذا إذن تريدني أن أفكر بالمجان لوجه الشيطان؟!
الشيطان : حسبتُكَ تهتم فقط بالمُثل العليا!
الفيلسوف : مثلك؟!
الشيطان : أتسخر مني؟!
الفيلسوف : بالعكس! … إني أفهم ظروفك! … أنت لك الحق في أن تهتم فقط بمُثُلك العليا؛ لأنك وحيد … ليست لك زوجة!
الشيطان : وهل أنت متزوج؟
الفيلسوف : طبعًا … ولذلك أنا فيلسوف … كل زوج قضى في الزوجية عشرة أعوام فما فوق هو فيلسوف، دون حاجةٍ إلى أن يتعلم حرفًا في الفلسفة!
الشيطان : شيء عجيب! … إنك تتكلم عن أمر لم أُجرِّبه قط: الزواج!
الفيلسوف : أَمَا خطر في بالك يومًا أن تتزوج؟!
الشيطان : أبدًا … ولستُ أدري لماذا؟ … ربما كانت غلطة!
الفيلسوف (يُحملِق فيه بعينَيه) : غلطة أنك لم تتزوج؟!
الشيطان : في الوقت المناسب … لقد تركتُ بحماقةٍ كل هذا العمر الطويل يمضي … منذ خُلق الناس حتى اليوم! … دون أن أفكر في تغيير طريقة حياتي! … وها هي ذي النهاية تقترب … وقد ينجح هؤلاء العابثون في تدمير الدنيا!
الفيلسوف : وأنت لم تدخل بعدُ دنيا!
الشيطان (لم يفهم) : ماذا تقول؟!
الفيلسوف : أقصد لم تدخل — بعدُ — دنيا الزوجية!
الشيطان : فات الوقت!
الفيلسوف (ينظر إليه مليًّا) : لا يبدو عليك أنك قد شِخْتَ!
الشيطان : إنك تغريني!
الفيلسوف : أنا الذي أُغرِيك؟!
الشيطان : إني على كل حالٍ سئمتُ الوحدة والعزوبة … ويُخيَّل إليَّ أن دنيا الزواج المغلقة على … (يُفتَح فجأةً باب مغلق في الحجرة … وتندفع منه امرأة في ثياب المنزل … هي زوجة الفيلسوف.)
الزوجة (صائحةً) : أَمَا كفى قراءةً وكتابةً؟ … هذا النور الكهربائي الذي تُبقيه طول الليل، أهو بنقود أم بغير نقود؟! … ومَن الذي يدفع حسابه كل شهر؟ … أهو أنت من جيبك أم أنا من المصروف؟!
الشيطان (هامسًا) : مَن حضرتها؟!
الفيلسوف : زوجتي!
الشيطان : خذ راحتك في الحديث معها؛ إنها لم تبصرني، ولن تسمعني!
الزوجة (لزوجها) : كلِّمني! … ما لك تُحرِّك شفتَيك، وتنظر إلى الفضاء؟!
الفيلسوف (يلتفت إليها) : نظرتُ إليكِ أنتِ! … طلباتكِ؟!
الزوجة : طلباتي؟! … أنت تعرفها جيدًا وتُتقِن تجاهلها! … ولكني أقسمتُ أن أحقِّقها كاملةً … شئتَ أم كرهتَ!
الفيلسوف : بالقوة؟!
الزوجة : أنت لا تريد أن نُسوِّي أمورنا بالوسائل الودية!
الفيلسوف : أنا؟! … أنا الرجل المسالم؟!
الزوجة : في الظاهر! … ولكنك في الباطن رجل عنيد مشاكس! … تريد أن يسير كل شيء في البيت بأمركَ وحدَكَ! … وعلى هواكَ! … ووَفق أفكاركَ!
الفيلسوف : ألا يجب أن يكون لي في البيت رأي؟!
الزوجة : لا يا سيدي! … رأيك تضعه في كتبك … أما البيت فتضع فيه نقودك!
الفيلسوف : تريدين إذن أن تكوني أنتِ المتصرفةَ في شئون البيت؟
الزوجة : طبعًا.
الفيلسوف : وماذا تُسمِّين هذا؟
الزوجة : الأصول.
الفيلسوف : وما وضعي أنا في البيت؟
الزوجة : على مكتبك هادئًا كما أنت موضوع!
الفيلسوف : غير ذي موضوع!
الزوجة : لا أفهم كلامك الفلسفي!
الفيلسوف : كل ما تفهمين هو أن تأخذي النقود مني، وتسيطري أنتِ عليَّ؟!
الزوجة : أسيطر عليك؟ … ما هذه الكلمات التي تجيد اختراعها؟! … ولكنها صناعتكَ! … تستخدمها ضدي، أنا المسكينة التي لا تُحسِن الدفاع عن نفسها بالكلمات!
الفيلسوف : ولكنك تُحسنين الهجوم بالأفعال!
الزوجة : إني لم أهجم بعدُ.
الفيلسوف : بدأتِ المناوشات! … ألستِ أنتِ التي خطفت من يدي محفظة النقود هذا الصباح؟ … بعد أن خَدَشْتِني بأظافركِ الطويلة، وذهبتِ إلى الحوانيت، فاشتريتِ لنفسك الجوارب والعطور، وعُدتِ دون أن تشتريَ لزوجك قميصًا واحدًا، يُعوِّضه عن قمصانه القديمة البالية؟!
الزوجة : ولماذا أشتري لك، وأنت تُخفِي عني ما يصل إلى يدك من مال؟!
الفيلسوف : يا للتهمة الزور التي تلصقينها بي دائمًا! … أنا أستطيع أُخفي عنك شيئًا … ولكِ أنف يشمُّ رائحة القرش كما يشمُّ الحاوي رائحة الثعبان؟!
الزوجة : ليس هنا ثعبان غيرُ لسانك الذي يقطر السم!
الفيلسوف : سُمِّي لا يؤثر فيكِ على كل حال!
الزوجة : أرأيتَ؟! … كل ما تتمنَّاه أنت هو أن تُسمِّم حياتي!
الفيلسوف : وأنتِ؟! … هل قررتِ الإضراب يومًا واحدًا عن تنغيص حیاتي؟!
الشيطان (هامسًا للفيلسوف) : أهذا هو الزواج؟!
الفيلسوف : نعم … لطيف جدًّا … أليس كذلك؟!
الزوجة : عُدْتَ تُحرِّك شفتَيكَ، وتحملق في الفضاء!
الفيلسوف : أتريدين أيضًا التحكم في شفتي، والتدخل في عيني؟! … أليس لي الحق أن أُكلِّم من أشاء وأنظر إلى من أشاء؟!
الزوجة : ليس في الحجرة غيري!
الفيلسوف : مَن أدراكِ؟
الزوجة : تقصد أن هنا الآن شخصًا آخر غيري، تنظر إليه وتُخاطِبه؟
الفيلسوف : غيركِ؟! … طبعًا هنا غيركِ! … أتظنين أنه ليس في الكون غيركِ؟!
الزوجة : وما دَخلُ الكون؟! … إني أتكلَّم عن هذه الحجرة … أفيها أحد ثالث؟!
الفيلسوف : بدون شك!
الزوجة : مَن هو؟! … مِن فضلك؟!
الفيلسوف : لا أقول.
الزوجة : أحد ثالث تراه أنت الآن هنا؟!
الفيلسوف : طبعًا!
الزوجة : ولماذا تُبصِره أنت ولا أُبصِره أنا؟!
الفيلسوف : وهل ذنبي أن أُبصِر ما لا تستطيعين أنتِ أن تبصري؟!
الزوجة : قلتُ لكَ ألف مرة خاطِب بفلسفتك هذه الناس في الخارج. أمَّا هنا في البيت فخاطبني بمنتهى العقل!
الفيلسوف : وما هو العقل عندكِ أيَّتها المرأة؟!
الزوجة : أرأيتَ؟ … كلُّ همِّك أن تُشعِرني دائمًا أنك من طينة غير طينتي … وأن تفكيركَ هو في مستوًى أرفع من تفكيري. تريد أن تُفهِمني أني صغيرة إلى جانبك! … وأنك ترى ما لا أرى … وتُدرِك ما لا أُدرِك … تريد أن تسيطر عليَّ بفكرك … ولكنك لن تسيطر عليَّ! … إني أصلب عودًا مما تظن! … إن لي شخصيةً لا يمكن أن تنطويَ تحت شخصيتكَ!
الفيلسوف : أهذه الفكرة هي التي تُثِيركِ؟!
الزوجة : لا يمكن بأيِّ حال أن أكون تابعةً لكَ!
الفيلسوف : وماذا تريدين أن تكوني؟!
الزوجة : سيدة هذا البيت!
الفيلسوف : وأنا … ألستُ هنا سيدًا؟
الزوجة : كُن ما شئتَ! … ولكن كلمتي في البيت هي العليا!
الفيلسوف : وكلمتي أنا هي السفلى!
الزوجة : لا ينبغي أن يكون في البيت كلمتان وحاكمان! … بل أمر واحد ومسيطر فرد!
الفيلسوف : هو أنا بالطبع!
الزوجة : بل هي أنا بالضرورة!
الفيلسوف : أهذا معقول؟!
الزوجة : المسألة ليست بالعقل!
الفيلسوف : بالقوة؟!
الزوجة : بكل أسف، نعم! … وسترى الآن مَن منَّا الذي سيُخضِع الآخر! … لقد قلتَ منذ لحظةٍ إنك تُبصِر ما لا أستطيع أن أُبصِره! … خسئتَ وكذبتَ! … إني أُبصِر الآن أكثر منك … ذلك الشخص الذي معنا في هذه الحجرة!
الفيلسوف : تُبصِرينه؟! … مَن هو؟
الزوجة : هو الشيطان!
الشيطان (هامسًا) : يا للعجب! … کیف شمَّتْ رائحتي؟!
الفيلسوف (دَهِشًا) : أترينه الآن معنا؟!
الزوجة (دون أن تلتفت أو تفطن لوجود الشيطان الفعلي) : نعم! … ولْتَكُنْ على حَذرٍ! … فهو الآن بيني وبينك … ألا تعلم — وأنت الفيلسوف — ذلك المثل الذي يقول: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»؟!
الشيطان (هَمْسًا للفيلسوف) : ليس دائمًا! … إني هنا الليلة بينكما بمحض المصادَفة … كما تعلم!
الفيلسوف (للشيطان) : نعم! … أعلم!
الزوجة (وقد ظنَّت الكلام موجَّهًا إليها) : تعلم؟ … نعم، هذا المثل حقيقي، والدليل على وجود الشيطان بيننا الآن، أنه يوسوس لي أن أختطف هذه المِحبَرة التي أمامك هكذا (وتشرع باختطاف مِحبَرة المكتب) … وأن أقذف بما فيها على رأسك، وثيابك، وكُتبك!
الشيطان (هامسًا للفيلسوف) : يا للظلم! … أتُصدِّق أني أقول لها أن تفعل ذلك؟!
الفيلسوف : لا … لا أُصدِّق طبعًا!
الزوجة (رافعةً في يدها المِحبَرة) : لا تُصدِّق؟ … بل صَدِّقْ .. إني أفعلها إذا لم تُبادِر وتُسلِّم لي بلا قيد ولا شرط!
الفيلسوف (صائحًا) : أَجُنِنْتِ؟! … تُلقِين عليَّ هذه المِحبَرة بما فيها من حبر؟!
الزوجة : الحبر أحمر كالدم … سَلِّم في الحال، وأَعلِن خضوعكَ التام!
الفيلسوف : خضوعي التام؟!
الزوجة : بدون قيد ولا شرط … وإلَّا ألقيتُ عليك هذه (تهزُّ في يدها) المِحبَرة!
الفيلسوف (صائحًا) : هذه؟! … هذه قنبلة … قنبلة ذرية!
الزوجة (مهددةً بالمِحبَرة) : فلْتَكُنْ ما تكون! … اخضع وإلَّا …
الفيلسوف (ملتفتًا إلى الشيطان مستنجِدًا) : ما رأيك؟
الشيطان (هامسًا له) : رأيي؟ … تسألني رأيي، وأنا الذي جئتُ ألتمس رأيكَ؟! … أَرَأْسُكَ هذا هو الذي سيُفكِّر لي في منع الحرب؟
الفيلسوف : الحرب في حجرتي! (يُشِير إلى زوجته) وهي التي أعلنَتْها!
الشيطان (منصرفًا) : يا خيبة أملي في حضرتك!
الفيلسوف : تنصرف؟! … وتتركني مهددًا؟! … أنقِذني!
الشيطان : دعني أنقذ نفسي أولًا من هنا … قبل أن تُلقى في الحجرة قنبلتكم الذرية! (يهرول هاربًا من الباب مشيرًا بيده إشارة الوداع.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦