الوَطَنُ

[حبّ الوطن والتفاني في سبيله سجية كل نفس كبيرة. وقد أوحت هذه العاطفة بأعظم ما حفظه لنا التاريخ من المآثر وجليل الأعمال، وأبلغ ما جادت به القرائح من روائع الآيات والأقوال.]

ولقد طالما أشاد «المؤلف» في شعره بذكر الوطن وتغنى بوصف آثاره الخالدة بقصائد تضمن لها بلاغتها من الخلود ما لتلك الآثار. ولطالما استخلص من بيانه سحرًا أحيا مفاخر الآباءِ والأجداد، فبعثها من لحود الأجيال الغابرة تتمثل عظمتها ورَوْعتها للأبناءِ والأحفاد.

لم يقف «المؤلف» من آثار وطنه وقوف العرب على الطلول يبكيها ويرثيها، بل مسحها بدموع قلبه ليُحييها ويستوحيها. فجعل من تغنيه بما كان من المفاخر للوطن في الغابر من الزمن حُداءً منه للخلف لاحتذاءِ آثار السلف.

ولو جمع جامع ما قال المؤلف في مفاخر الوطن من يوم قال منذ ثلاثين سنة:

وبنينا فلم نُخَلِّ لبانٍ
وعلونا فلم يَجُزْنا علاءُ
لاجتمع لديه خير سِفْرٍ شامل للدروس الوطنية.
وهذه القطعة من الشعر المنثور أنشودة عذبة للوطن جمع فيها كاتبها جميع الأنغام التي يثيرها ضرب الوطنية الصادقة على أوتار القلوب كما سنبينه في ما نعلقه عليها من الحواشي: الوطن موضعُ الميلاد، ومجمعُ أوطارِ الفؤاد، ومضجعُ الآباءِ والأجداد،١ الدنيا الصُّغرى، وعتبةُ الدار الأُخْرى، الموروث الوارث، الزائلُ عن حارث إلى حارثٍ، مؤسِّسٌ لبانٍ، وغارسٌ لجانٍ، وحيٌّ من فانٍ، دَواليْكَ حتى يُكسَفَ القَمران، وتَسكنَ هذي الأرض من دوران.
أول هواءٍ حرَّك المْروحتين،٢ وأول تُرَاب مسَّ الرَّاحَتيْن، وشعاعِ شمس اغترق العين؛ مَجرى الصِّبا وملعبُه، وعُرسُ الشباب وموكِبُه، ومرادُ الرزقِ ومَطْلَبُه، وسماءُ النبوغِ وكوكبُه، وطريقُ المجد ومركَبُه؛ أبو الآباءِ مُدَّتْ له الحياةُ فخلَد، وقضى الله ألاَّ يبقى له ولد؛ فإن فاتك منه فائت فاذهب كما ذهب أبو العلاء عن ذكر لا يفوت، وحديثٍ لا يموت.
مدرسة الحقِّ والواجب، يقضي العمرَ فيها الطالب، ويقضي وشيء منهما عنه غائب؛ حقُّ الله وما أقدسَه وأقدَمَه، وحقُّ الوالدين وما أعْظَمَه، وحقُّ النفس وما ألْزَمَه؛ إلى أخ تُنصفُه، أو جار تسعفُه، أو رفيقٍ في رِحال الحياة تتألَّفُه، أو فضل للرجال تُزيِّنه، ولا تزيِّفه،٣ فما فوق ذلك من مصالح الوطن المقدَّمة، وأعباءِ أماناتِه المعظَّمَة؛ صيانةُ بِنائِه، والضنَّانةُ٤ بأشيائِه، والنصيحةُ لأبنائه، والموتُ دونَ لوائه؛ قيود في الحياة بلا عَدد. يكسِرُها الموتُ وهو قيدُ الأبد.

رأسُ مال الأُمم فيهِ من كلِّ ثَمَرٍ كريم، وأثرٍ ضئيل أو عظيم، ومُدَّخَرٍ حديثٍ أو قديم؛ ينمو على الدِّرهم كما ينمو على الدِّينار، ويَربو على الرَّذاذِ كما يَرْبُو على الوابِل المِدرار، بَحْرٌ يتقبَّلُ من السُّحُب ويتقبلُ من الأنهار.

فيا خادمَ الوطَن ماذا أعدّدْتَ للبناء من حَجَر، أو زِدْتَ في الغَنَّاءِ من شَجر؟ عليك أن تبلُغَ الجُهد، وليس عليك أن تَبْنَي السدّ؛ فإنما الوطن كالبُنيانِ فقيرٌ إلى الراسِ العاقلِ، والساعدِ العامل، وإلى العتَبِ الوضيعة، والسقوفِ الرََّفيعة، وكالروضِ محتاجٌ إلى رخيصِ الشَّجر وثمينِه، ونَجيبِ النباتِ وهجينِه، إذ كان ائتلافُه في اختلافِ رياحينه، فكلُّ ما كان منها لطيفًا مَوقِعُه، غير نابٍ به موضعُه، فهو من نوابغِ الزَّهرِ قريب، وإن لم يكنْ في البديعِ ولا الغريب.٥
حظيرة٦ الأعراض والعُروضِ، ومحرابُ السُّنَنِ والفُروض، سيدُ اأديم، صفحاته التاريخ الكريم، وبوغاؤه عِظَمُ الأُبُوَّةِ وإنه لعظيم، وعلى جوانبه الدولةُ وهي حَسَبُ الأُمَمِ الصميم؛ وثَمَّ كرائم الأَموالِ والأَنْفُسِ وهي غَوَال، وثم ثمراتُ الرِّجال وضنائنُهم اللاتي خَلْفَ الحِجال. فيا عجبَا كيفَ يَجْحَدُ الأوطانَ الجاحد، أو يزعمُ أن الأرضَ كلَّها وَطَنٌ واحد؛ قضيةٌ تُضحِكُ النمَ في قُراها، والنَّحلَ في خلاياها؛ وينبئُك عنها السَّمكُ إذِ اتخذَ من البحر وطنًا شائعًا، فوُلِدَ مهدورًا وعاشَ ضائعًا، صِغارُه طرائد، وكِبَارُه موائد، ويَتَصيَّدُ بعضُه بعضًا إن أبطأ الصَّائد.
والوطنُ شَركَةٌ٧ بينَ الأوَّلِ والآخِر، وبين الحضِرِ والغابر، لا يرِثُّ لها عَقْد، وإن تطاول العهد، مؤسَّسةٌ بالمهد حينًا وباللَّحد؛ يُدْخِلُك فيها الميلاد، ولا يخْرِجُك منها النفاد، فقد تُضرِمُ النارَ وأنت هامدٌ كالرَّماد، وقد تَحْيا بك الدِّيارُ وأنتَ بوادٍ والحياةُ بواد. والوطنُ مستودَعُ المفاخر وصِوَانُ المآثر، وَخِزَانَةُ الأعْلاَقِ والذَخائر، لكلِّ مُتقنٍ منها موقِعه، ولا يَنبو بصالحٍ فيها موضِعُه؛ الهرمان لديها معظَّمان، و«وشيخُ البلد» شيخ الصناعةِ على الزمان؛ وعندها سيفُ «عليٍّ» ومغارِسُه، وقناةُ «إسْمَاعيلَ» ومدارِسُه، وفيها القصائدُ الباروديَّة، وليس فيه الخُطب النَّديميَّة؛ تلك لقُرْبها من كلامِ الحكمة، وهذي لبُعدها عن الإتقان والحِشمة؛ فيا لكِ خِزانةً تُميَّزُ الصِّحاح من الزيوف، وتعرفُ الضَّيْفَنَ من الضيوف، وتحجُبُ العِصِيَّ وتأْذَنُ للسيوف.٨
صحيفةُ الأخبار، وكِتابُ الأبْرار، وسِجِلُّ الهِمَمِ الكِبار، أسماءُ المحسنين فيه مَرْفوعة، وأفعالُهم مَثلٌ للخَلَفِ منصوبة، وحروفٌ بماءِ الذهب مكْتوبَة؛ فإذا أتت السنون، ودارت على الرِّجال المنون، ولحِقَتْ بالمشايعِ الشِّيَع، وذهب المتبوعُ والتِّبَع؛ ونامت الحَرَابيُّ٩ عن الشموس، وحِيلّ بين النارِ وبينَ المَجوس؛ انفتح كتابُ الوطن من نفسهِ وإذا لحسناتُ ثَمَّ على الصدق مُحْصاة، فلا الحصاةُ دُرَّةٌ ولا الدُّرَّةُ حصاة؛ وإذا الرجالُ يُعظَّمُون على الأفْعال، وإذا الوقائعُ قد نُحِتَ منها الأبطال؛ على قدر العمل يأتي الجزاء، وبِقَدْر جمال الأثر يكونُ حسنُ الثناء.
وليس أحَدٌ أوْلى بالوطن مِنْ أحَد، فما «باستورُ»١٠ والشفاءُ في مَصْلِه، ولا «كمالُ» والحياةُ في نَصْلِه: أولى بأصل الوطن وفصلِه؛ من الأجير المحسن إلى عِيالِه، الكاسِبِ على أطفالِه، الفادي الوطنَ بأشبالِه، وهم رأسُ ماله؛ فلا تتَحَمَّدْ١١ على الأوطان بآثار كرم، وإن حَمَلْتَ عليها الهَرم أو نَفَلْتَ إليها إرم، فإنك لم تَزِدْ على أن أقمت جِدارَك؛ وحسَّنْتَ دارَك؛ ولا تنسَ أنها الآلةُ التي رفعتْك، والهالةُ التي أطلعتْك؛ ولا تحجُبْ ذات الوطن بذاتِك، أو تَطْرِف العيونَ عن وجههِ بقَذاتك؛ ولا تكنْ كالسَّرح العظيمِ إذ نسِيَ خلقَه إذا علا على الأرض وهي أمُّه، ماؤها عُصارةُ عودِه، وطينُها جُرثومة وُجودِه؛ حتى إذا ترعْرَعَ وكَبِر أخفاها وظهَر، وحجبَ عنها الشمسَ والقَمر؛ خلعَتْ عليه ما نضَرَ ورَفَّ، وألقى عليها ما يَبِسَ من الورق وجفَّ.
والوطنُ لا يَتِمُّ تمامُه. ولا يَخْلُص لأهله زِمَامُه؛ ولا يكونُ الدارَ المستِقلَّة، ولا الضَّيْعَةَ الخالصةَ الغَلَّة؛ ولا يقالُ له البلدُ السيد المالك، وإن تحلَّى بألقاب الدُّوَل والممالك؛ حتى يُجيل العلْمُ فيه يَدَ العمارة. ويجمع له بينَ دُولاب الصِّناعةِ وسوق التِّجارة.١٢
فيا جيل المستقبل، وقبيلَ الغد المؤمَّل؛ حاربوا الأُمِّيةَ فإنها كَسْحُ الأمم وسَرَطانُها؛ والثَّغرةُ التي تُؤتى منها أوطانُها، ظُلماتُ يُعَرْبدُ فيها خُفَّاشُ الاستبداد، وقبورٌ كلُّ ما فيها لَضَبُعِه غنيمةٌ وزاد؛ وتَذرَّعوا١٣ بذرائع العلْم الصحيح، اطْلبُوه في مدارس الزمان وحلَقَاته، وخذوهُ عن جهابذَتِه وثِقاتِه؛ واعلموا أنَّ أنصافَ الجُهَّال: لا الجهلَ دفعوا، ولا بقليل العلم انتفعوا؛ وبَنو الوطن الواحد إخوةٌ وإن ذَهَبَ كلُّ فريقٍ بكتاب، ووصلَتْ كلُّ طائفةٍ من باب؛ واتَّبَعَ أُناسٌ الإنجيل، وأُناسٌ اتَّبعوا التَّنزيل، وكلُ بلادٍ تسوسُها حكومةٌ فاضِلة، وتُقَيِّدُها القوانينُ العادِلة، وتَعْمُرُها جماعةٌ عاقِلةٌ عامِلة، إنما يُفْرَقُ فيها بين الوطن الذي هو الحياةُ وشُئونُها، والدُّنيا وشُجونُها، والحكومة نُظُمُها وقانونها، والممْلكة سُهولها وحزُونها، والدُّولة أطرافها وحُصونها، وبينَ الدِّن الذي هو السَّماءُ الرفيعة، والذَّرْوَة المنيعة؛ ولاية الضمائر، وسياسة السرائر.١٤
وما وطنُ المحسنينَ إلا الأُسْرة الكبرى، والسقفُ الواحد والمنزلُ الحاشد، القومُ في ظلالِه، على البِرِّ وخلالِه؛ إخوانٌ مُتصافُون، وأهلٌ مُتَناصفُون، وجيرانٌ مُتآلفون، قَصْدٌ في البَغضاء، وبُعدٌ عن الشَّحْناء؛ ألسنةٌ عفيفة العَذَبات،١٥ وصدورٌ نظيفة الجَنبات؛ تراهم كالنَّحْل إن سُولمتْ عَمِلَت العسل، أو حُورِبَتْ أعْمَلَتْ الأسَل؛ فاطْبَع اللهُمَّ كِنَانَتَك على هذا الغِرار، وأعِدْها كما بدأتها مَحِلَّةَ الأبرار، واجعل أبناءَنا أحرارًا ولا تجعلْهم أنصافَ أحرار.
رَبَّنَا وأنزِلْهُمْ على أحكام العقول وقضايا الأخلاق، ولا تُخْلِهمْ من العواطِف، وإن كنَّ عواصِف؛ ولا تَكِلْهُمْ للأهواء، فإنها هواءُ؛ وخُذْهُمْ بروحِ العصرِ وسُنَّةِ الزمان، واجعلْهُم حَفَظة العَرش وحَرَسَةَ البرلمان.١٦
١  جاء في مقدمة الجزء الأول من الشوقيات: «إنها «مصر» بلادي، وهي مَنْشَئِي ومهادي، ومقبرة أجدادي؛ ولد لي بها أبوان، ولي في ثراها أب وجدان، وببعض هذا تحبب إلى الرجال الأوطان». والوطر: الحاجة والغرض. والحارث: الزارع. ودواليك: أي مداولة بعد مداولة. تناول الكاتب في هاتين الفقرتين وصف الوطن عن طريق التحديد، وهو كما حدده ابن سينا في رسائله: الحد الجامع المانع، أي الوصف المحيط بمعنى المعرف المميز له عن غيره. فوصف الوطن بالمؤسس للباني، والغارس للجاني، وبمجرى الصبا وملعبه، وعرس الشباب وموكبه … إلى غير ذلك من الأوصاف، كما وصفه بموضع الميلاد. ومضجع الآباء والأجداد، وأول هواء حرك المروحتين، وأول تراب مس الراحتين. إلى غير ذلك من الأوصاف المانعة المميزة له عن سواه. وهكذا جاء بخواص المعرف وأوصافه وأعراضه التي من شأنها أن تبين حقيقته.
٢  المروحتان: الرئتان. والراحتان: الكفان. واغترق العين. أي شغلها عن النظر إلى غيره.
٣  زيف الرجل: صغر به وحقر.
٤  الضنانة بالشيء، كالضن به: البخل والحرص عليه. تناول الكاتب في هذه الفقرة حقوق الوطن على أبنائه أو واجبات الوطنيين نحو وطنهم ففصلها أجمل تفصيل، دون أن يفوته وصف كل حق بوصفه الملازم: من حق الله وحق الوالدين وحق النفس إلى حق الإخوان وسائر أبناء الوطن: مجموعة حقوق يتألف منها حق الوطن على كل إنسان، ولو أدى القيام بهذا الحق إلى التضحية بالنفس دفاعًا عن الوطن. ثم قال: إن هذه الواجبات ينبغي للإنسان القيام بها في جميع أدوار الحياة، فلا ينعتق منها إلا بالممات.
٥  الرذاذ: المطر الضعيف والمال القليل. والوابل المدرار: المطر الشديد الضخم القطر والنجيب: الكريم الحسيب من الإنسان والحيوان. والهجين: من أبوه خير من أمه، وناب: أي نافر. يريد: أن كل إنسان مهما ارتفع شأنه أو اتضع مكانه قادر على خدمة الوطن بل هو مطالب بتلك الخدمة. فعمد موفقًا إلى التشبيه والاستعارة فقال إن البناء محتاج إلى العتب الوضيعة والسقوف العالية وإن الروض لا يتم بهاؤه وجماله إلا بمختلف الأزاهير والرياحين. وقد انتقال من الأخبار إلى الخطاب فقال: فيا خادم الوطن ماذا أعددت … وهو التفات بليغ.
٦  الحظيرة — في الأصل — مأوى الإبل والغنم. والأعراض جمع عرض وهو المتاع. والعروض: جمع عرض وهو الشرف. البوغاء: ما يثور من الغبار ودقاق التراب. والضنائن: جمع ضنينة، وهو ما يضن به. والحجال: جمع حجلة، وهي ستر العروس داخل بيتها. يفند الكاتب مزاعم أصحاب مذهب اللاوطنية القائلين بأن الأرض جميعها وطن للناس جميعًا. وضرب السمك في البحر: مثلاً لضرر الشيوعية في الوطن. وقرى النمل. وخلايا النحل، وأوكار الطير، وأحجار السباع: أماكنها ومنازلها.
٧  كنى عن ارتباط حاضر الوطن بماضيه بشركة معقودة بين السلف والخلف. يرث: يبلي. ويرد بإضرامك النارو أنت هامد كالرماد، وبإحيائك الديار بعد خروجك من الحياة: أن الأموات كثيرًا ما يكونون بمثل حياتهم العالي أكبر حامل للأحياء على حميد الفعال. وبهذا المعنى قال أحد فلاسفة الفرنجة: يتألف الوطن من الأموات أكثر مما يتألف من الأحياء.
٨  صوان الشيء: وعاؤه؛ وأعلاق الأشياء: نفاسها. والزيوف: الدراهم المغشوشة. والضيفن: من يجيء مع الضيف متطفلاً. والمراد: أن الوطن يحفظ مآثر الرجال، وقد ضرب ما تراه في المتن من الأمثال عما يحفظه الوطن المصري للمصريين، ثم انتقال في الفقرة التالية من التخصيص إلى التعميم. وشيخ البلد: آية من آيات فن النحت عند قدماء المصريين، يجده الناظر في دار الآثار. وقناة إسماعيل: قناة السويس. والبارودية نسبة إلى محمود سامي باشا البارودي. والنديمية: نسبة إلى عبد الله نديم.
٩  الحرابي: جمع حرباء: حيوان معروف يستقبل الشمس ويدور معها كيفما دارت ويتلون ألوانها.
١٠  «باستور» عالم كيماوي فرنسي (١٨٢٢–١٨٩٥) صاحب مباحث نظرية الميكروبات في الأمراض المعدية، ومخترع المصل الواقي والشافي، وهو من أكبر الرجال الذين خدموا الإنسانية بعلمهم، «وكمال» هو الغازي مصطفى كمال باشا أسد أنقرة وبطل تركيا المشهور. والقذاة: ما يقع في العين ويوجعها. والسرح: شجر: وقد أبدع في تشبيه من يمن على الوطن بخدمته: بالشجرة التي ترتفع عن الأرض وتتعاظم عليها، وهي إنما تمص منها مادة الحياة.
١١  تتحمد: تمتن. وحمل عليه الشيء: ألحقه به. والهالة: دارة القمر. وطرف البصر عنه: صرفه.
١٢  رف النبات اهتز، والدولاب: الآلة. والكسح: داء في اليدين والرجلين يثقلهما عن الحركة. وقد انتقل الكاتب من الوصف والتحديد البياني إلى ذكر الدعائم التي تبنى عليها عظمة الوطن ويشاد عليها صرح استقلاله وهي العلم والتجارة والصناعة، وحذر بنوع خاص من أنصاف الجهال أو أنصاف المتعلمين كما حذر من الجهل. وبمناسبة ذكر «باستور» في الفقرة السابقة نذكر أن هذا الرجل العظيم كان يقول «قليل من العلم يبعد عن الله، وكثير من العلم يعيد إلى الله».
١٣  تذرعوا: أي توسلوا.
١٤  ألا يكون الدين داعية تفرقة في الوطن، ولله در المؤلف حيث يقول شعرًا كما يقول هنا نثرًا:
الدين لله من شاء الإله هدى
لكل نفس هدى في الدين يعنيها
التنزيل: القرآن. الحزن: من الأرض: ما غلظ.
١٥  العذبات: الأطراف. والأسل: الرماح، وهنا بمعنى الإبر.الغرار المثال الذي تضرب عليه النصال.
١٦  ونعم ما ختم به من الدعوة إلى الوئام والتصافي حتى تعود الكنانة إلى سابق مجدها. ولم يكن يسعه أن يختم نشيد الوطن هذا دون النقر على وتر الأخلاق، وهو الذي طالما دعا إلى الأخلاق، بل هو القائل ذلك البيت المشهور الذي لا نعرف بيتًا كان أكثر منه موضوع استشهاد للكتاب والأدباء في ربع القرن الماضي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤