تمهيد

«كتابٌ عن عالمات الكيمياء، يا له من مشروع غريب! كيف يتأتَّى أن يستطيع مثل هذا العدد الضئيل جدًّا من النساء تقديم شيء ذي قيمة للكيمياء؟» أتوقَّع أن تكون هذه العبارة هي رد الفعل الطبيعي على نشر هذا الكتاب. حقيقةً ليس ثمة عدد كبير من عالمات الكيمياء الشهيرات على مستوى العالم. وحتى نتعرف على المكانة التي حظيت بها النساء في العلم، دعونا نُلْقِ نظرة على الحائزين على جائزة نوبل، ممن هم بين العلماء البارزين: بين عامي ١٩٠١ و٢٠١٠، حصل على جائزة نوبل في العلوم وجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية ٦١٢ عالمًا، من بينهم ١٧ فقط من النساء. أما إذا تطرَّقنا إلى الحائزين على جائزة نوبل في الكيمياء تحديدًا، فسنجد أنها قد مُنحت ﻟ ١٥٩ عالمًا، من بينهم ٤ نساء فقط (في عام ١٩١١، لماري كوري، في مجال الكيمياء النووية؛ «تقديرًا لمساهمتها في تقدُّم الكيمياء باكتشاف عنصرَي الراديوم والبولونيوم، عن طريق عزل الراديوم ودراسة طبيعة ومركبات هذا العنصر المتميز»؛ وفي عام ١٩٣٥، لإيرين جوليو-كوري، في مجال الكيمياء النووية؛ «تقديرًا لتخليقها عناصر إشعاعية جديدة»؛ وفي عام ١٩٦٤، لدوروثي كروفوت هودجكين، في مجال الكيمياء الحيوية، والكيمياء التركيبية «من أجل تحديدها لتركيبات مواد كيميائية حيوية مهمة باستخدام تقنيات الأشعة السينية»؛ وفي عام ٢٠٠٩، لعادا يونات، في مجال الكيمياء الحيوية، والكيمياء التركيبية؛ «من أجل دراسات تركيب الريبوسوم ووظيفته».)

لماذا هذا العدد الضئيل جدًّا؟ أولًا، لأن الناس كانوا مقتنعين أن العلم شيء يصلح للأقوياء العقلانيين، والنساء من المفترض أن يَكُنَّ ضعيفات وغير عقلانيات؛ ومن ثَمَّ استُبعِدت النساء على نحو منهجي من دراسة العلم الجاد، وبشكل عام كانت عائلاتهن — آباؤهن في الغالب — تقاوم دراستهن. «أخبروهن أن نوعهن ينبغي أن يمتلك حِسَّ الحياء من العلم بنفس قدر امتلاكه لحِسِّ الخوف من الرذيلة» (فينيلون، سمات تعليم البنات، ١٦٨٧). علاوة على ذلك؛ ونظرًا لحرمان النساء من الالتحاق بالمدارس الثانوية التي تؤهِّل للجامعة، فإنهن كُنَّ يضطررن للاستعانة بمدرسين خصوصيين إذا رغبن في تعلم العلوم. ويفسر هذا سبب انتماء العالمات القليلات في الأساس للطبقات الثرية والمثقفة من المجتمع، لزمن طويل.

على أية حال، فيما يخص الكيمياء، يستطيع الرجال دراسة الكيمياء، أما النساء فعليهن الاهتمام بالطبخ. وفيما يتعلق بالأنشطة الشبيهة بالكيمياء التي تقوم بها النساء، فكانت غالبًا ما ترتبط بتحضير العطور والمراهم والسموم؛ ومن ثَمَّ بالسحر والعرافة. بناءً على ذلك، بإمكاننا أن نتفهَّم وقوع الكثير من النساء اللائي عرفن خصائص النباتات (أُوليات العالمات في كيمياء المنتجات الطبيعية)، ضحايا للظلامية والحرق في كثير من الأحيان باعتبارهن ساحرات.

إن إلقاء نظرة واحدة على مصير عالمات الكيمياء كفيلٌ بأن يُظهر لنا أنهن نادرًا ما عِشْنَ حياة بسيطة عادية، وأن معظمهن قد عانَيْنَ من مصائر قاسية أو غير عادية. ولعل هذا في الغالب أحد أسباب التأثير العظيم الذي كان وسيظل لهؤلاء النسوة؛ على سبيل المثال، كقدوة للشباب وليس فقط للفتيات. في الواقع، إن محاولة التوحد مع شخص خارج عن نطاق المألوف أكثر إثارة بكثير من أن تتوحد مع شخص يعيش حياة خالية من الأحداث؛ ونظرًا لأن معظم عالمات الكيمياء تمتعن بقصص غير مألوفة، فإننا لا نندهش إذ نرى كيف أن الطلاب يعتبرونهن نماذج أفضل من علماء الكيمياء من الرجال، على الأقل منذ سنوات. لقد دعت عالمات كيمياء لحصول المرأة على المزيد من الفرص المهنية، مثل: حق التصويت والحق في الحصول على تعليم ثانوي وجامعي مدعم من الدولة. ونجحن بالتأكيد في القضية الثانية، وبفضل كفاحهن وتصميمهن، قُبِل التحاق المرأة بالجامعات بحلول بداية القرن العشرين في الكثير من البلدان. والآن، حتى لو كان ثمة بعض التمييز ضد المرأة في العلوم، فإن على الكيميائيات أن يتأقلمن مع ذلك، ويفهمن أن مستقبلهن يعتمد بدرجة أكبر على ما يُرِدْنَ هنَّ عمله بأنفسهن، وليس على ما يريده الآخرون. وبقيامهن بهذا، سوف يُثْبِتْنَ للجميع مرة أخرى عزمهن وقوة إرادتهن.

نيكول مورو
شارنتون، فرنسا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠