لينا سولومونوفنا شتيرن (١٨٧٨–١٩٦٨)

أنيتا بي فوجت

كانت لينا سولومونوفنا شتيرن عالمة كيمياء حيوية يهودية روسية سوفييتية، وكانت من مؤسسي الفسيولوجيا الكيميائية الحديثة في الاتحاد السوفييتي، وكانت لها أعمال رائدة في الحائل الدموي الدماغي، أي السطح البيني بين الدم والسائل الدماغي النخاعي المحيط بالمخ. أثناء فترة حياتها الطويلة نشرت أكثر من ٥٠٠ مقال علميٍّ، وكانت (في ١٩٣٦) مؤسِّسة ورئيسة تحرير — لحين القبض عليها — ﻟ «بوليتن أوف إكسبريمنتال بيولوجي آند ميديسن»، وكانت عضوًا في مجلس تحرير العديد من المجلات العلمية الأخرى.

•••

ولدت لينا سولومونوفنا شتيرن (أيضًا ستيرن) في ١٤ أغسطس (التقويم اليولياني) (٢٦ أغسطس بالتقويم الجريجوري) في ١٨٧٨ في مدينة ليبافا في لاتفيا، بروسيا. ولدت في كنف أسرة يهودية في الإمبراطورية الروسية، وحصلت على تعليمها ووظيفتها في سويسرا، وأصبحت فيما بعد أستاذة في الاتحاد السوفييتي. وكانت لينا شتيرن كوزموبوليتانية قبل أن يتهم محرِّضو معاداة اليهودية في الاتحاد السوفييتي أمثالها بأنهم يهود (سيئون) مستخدمين كلمة «كوزموبوليتاني» بدلًا من «يهودي».

ولدت شتيرن في كنف أسرة تاجر ناجح، وكان أحد أجدادها حاخامًا. تربى في الأسرة سبعة أطفال. وحصلت على تعليم جيد والتحقت بمدرسة ثانوية في ليبافا، وبسبب التمييز ضد اليهود في الإمبراطورية الروسية، كان الطلاب اليهود يضطرون للدراسة في بلدان أجنبية معظم الوقت، من بين آخرين في ألمانيا. ومثلها مثل الكثير من اليهوديات الروسيات، ذهبت لينا شتيرن إلى سويسرا حيث أصبحت واحدة من الطالبات الروسيات في جامعة جنيف. درست الطب من ١٨٩٨ حتى ١٩٠٣، وفي ١٩٠٣ حصلت على شهادة الدكتوراه الخاصة بها. ونظرًا للوضع الوظيفي اليائس للعالمات واليهوديات في روسيا، ظلت شتيرن مقيمة في سويسرا. بعد الانتهاء من رسالتها حصلت على منصب مساعد، وفي ١٩٠٦ حصلت على ترخيص للتدريس في الجامعة، وأخيرًا في ١٩١٧ أصبحت أستاذًا للكيمياء الفسيولوجية في جامعة جنيف. كانت من مريدي جان لوي بريفو الأصغر (١٨٣٨–١٩٢٧) وعملت إلى جانب خليفته فيديريكو باتيلي (١٨٦٧–١٩٤١). حتى عام ١٩٢٥ صنعت حياة مهنية علمية مميزة باعتبارها من أُوليات العالمات السيدات المشهورات في أوروبا، وقد وصفت شتيرن نفسها في سيرة ذاتية قصيرة بأنها كانت من دعاة نصرة المرأة.

figure
لينا شتيرن (١٩٣٠ تقريبًا).

نتيجة انجذابها إلى التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، قررت شتيرن في منتصف العشرينيات من القرن العشرين أن تنتقل إلى الاتحاد السوفييتي. ومن ١٩٢٥ فصاعدًا عاشت وعملت في موسكو. أصبحت أستاذ فسيولوجيا في جامعة موسكو الثانية (جامعة الطب)، وفي ١٩٢٩ أصبحت مدير معهد الأبحاث العلمية الخاص بها، معهد الفسيولوجيا. كان معهدها ينتمي في البداية إلى وزارة التعليم العالي، وبعد ذلك أصبح واحدًا من المعاهد الأكاديمية التابعة لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي. وقد وصفت الهدف من معهدها في بعض الرسائل إلى عالِمَيِ الأعصاب سيسيلي (١٨٧٥–١٩٦٢) وأوسكار فوجت (١٨٧٠–١٩٥٩) في برلين كما يلي: أرادت أن تضع برنامجًا بحثيًّا لدراسة الفسيولوجيا من وجهات النظر المختلفة للطب والبيولوجيا والكيمياء، كذلك أرادت إنشاء معهد بحوث دولي، يستطيع العلماء من جميع أنحاء العالم العمل والنشر فيه معًا. ولم تستطع تحقيق هذا الهدف بسبب السياسة الستالينية. ولأكثر من ١٠ سنوات، عملت هي وفريقها بنجاح. في ١٩٣٩ انتخبت شتيرن عضوًا في أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي، وبذلك كانت أول امرأة في الاتحاد السوفييتي تحظى بهذا التكريم. علاوة على ذلك، في ١٩٤٤ أصبحت عضوًا في أكاديمية العلوم الطبية للاتحاد السوفييتي حديثة الإنشاء. وكانت قد أصبحت بالفعل عضوًا في أقدم أكاديمية ألمانية للعلوم في ١٩٣٢، الليوبولدينا؛ وبسبب النظام النازي والسياسة العنصرية، حُذفت من قائمة الأعضاء بعد ترشيحها بفترة قصيرة. بعد ١٩٤٥ عُينت مرة أخرى عضوًا في الليوبولدينا.

على الرغم من أنها كانت عضوًا في الحزب الشيوعي منذ ١٩٣٩، بدأت شتيرن تعمل بالسياسة عندما احتلت القوات الألمانية الاتحاد السوفييتي في يونيو ١٩٤١. طُلب من شتيرن المشاركة في لجان معاداة الفاشية، فقُبلت شتيرن وأصبحت عضوًا في تلك اللجان، وفي ١٩٤١-١٩٤٢ التحقت بأهمها: مجلس السوفييت الأعلى للجنة اليهودية المعادية للفاشية، التي رأسها الناشط الييدي سولومون ميخائيل في ١٨٩٠، الذي قُتل في ١٩٤٨. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية («الحرب الوطنية العظمى»، كما سميت في الاتحاد السوفييتي)، عملت شتيرن في طب الحروب.

في ١٩٤٨ بدأ الجزء المأساوي من حياتها؛ فبسبب السياسة المعادية للسامية التي انتهجتها الدولة السوفييتية والحكومة وقادة الحزب الشيوعي، شُنت حملة ضد «الكوزموبوليتانية» والتي سرعان ما أدت إلى اعتقالات ووفيات، وترسخت تمييزات جديدة ضد اليهود في جميع مناحي الحياة. وعلى الرغم من أنها انتهت رسميًّا في ١٩٥٣ (بعد وفاة ستالين)، فإن سياسة التمييز ضد اليهود في الحقيقة لم تَنْتَهِ على الإطلاق في الاتحاد السوفييتي؛ إذ استمرت الاعتقالات ولكنها كانت أقل عددًا، وظلت هناك عقبات قوية أمام اليهود في العديد من المهن، ومن بينها المهن العلمية.

في ٢٧ يناير ١٩٤٩، اعتقلت شتيرن بواسطة إدارة المخابرات السرية (وزارة الشئون الداخلية)، وسيقت إلى معتقل لوبجانكا سيئ السمعة في موسكو، ثم إلى معتقل ليفورتوفو المريع، وتم التحقيق معها، وضُربت وعُذِّبت عدة مرات. وظلت من ١٩٤٩ إلى ١٩٥٢ حبيسة المعتقل، مع ١٤ رفيقًا آخرين من اللجنة اليهودية المعادية للفاشية، وكانت المحاكمة صورية وسابقة الإعداد على أعلى مستوى من الدولة وتحت قيادة ستالين، وكانت النهاية معروفة؛ حكم الإعدام. ونظرًا لأن بعض المعتقلين، ومن بينهم لينا شتيرن، قاتلوا ببسالة حقيقية، فإن المحاكمة قد عُقدت سرًّا، من ٨ مايو إلى ١٨ يوليو ١٩٥٢. وعلى الرغم من أن المعتقلين المتهمين دافعوا عن أنفسهم في المحاكمة لعدة أسابيع وتحدثوا بصراحة عن التعذيب وعن تزوير المدعين، فإن ستالين ودائرته القريبة منه قرروا قتلهم. وفي أغسطس ١٩٥٢ في موسكو، قُتل ١٣ رفيقًا (ومات واحد في المعتقل). ولكن حدثت معجزة للينا شتيرن؛ فقد قام الديكتاتور ستالين بنفسه بشطب اسمها من لائحة المحكوم عليهم بالإعدام، وحتى الآن غير معروف سبب قيامه بذلك، ويبدو أن أرجح التفسيرات هو أن ستالين كان مؤمنًا بإمكانياتها كعالمة، وتمنى أن تصل إلى نتائج طبية جديدة تمكِّنه من أن يعيش فترة أطول.

وهكذا، نجت شتيرن من المحاكمة، وأُرسلت في ١٩٥٢ من قِبل المخابرات السرية إلى المنفى في جامبول (وسط آسيا)، ولحسن الحظ، كانت لا تزال عضوًا في أكاديمية العلوم بالاتحاد السوفييتي؛ ومن ثم ساعدها راتبها في البقاء على قيد الحياة رغم ظروف المعيشة القاسية في منفاها في قرية صغيرة. بعد وفاة ستالين وأول «إطلاق سراح» لضحاياه، سُمح لشتيرن بالرجوع إلى موسكو في يونيو ١٩٥٣. لم تستَعِدْ معهدها الخاص على الإطلاق، الذي كان قد أغلق في ١٩٤٨، وحصلت فقط على منصب رئيس قسم الفسيولوجيا بمعهد الفيزياء الحيوية للأكاديمية، وأصبح هذا المعهد المهم ملجأً للكثير من الضحايا السياسيين للنظام، وكان مهدًا للبيولوجيا الجزيئية الحديثة في الاتحاد السوفييتي بعد ١٩٥٥. وفي هذا المعهد عملت مرة أخرى، وكُرِّمت مرة أخرى. ولكن حتى نهاية الاتحاد السوفييتي، لم ينشر شيء عن مصيرها ومصير اللجنة اليهودية المعادية للفاشية. وكان نعي أكاديمية العلوم (١٩٦٨) مختصرًا دون أي تفاصيل عن حياتها، حتى إنهم «نسوا» أعمالها الناجحة في سويسرا. لشتيرن مدخل في الموسوعة السوفييتية العظمى، ولكن السنوات ما بين ١٩٤٨ و١٩٥٥ «مفقودة»، وهذه «الفجوة» تخبر القراء واسعي الاطلاع أن «شيئًا ما حدث» لها في هذه السنوات، وفي ١٩٨٧ نشرت ترجمة لحياتها في موسكو وكان فيها نفس «الفجوة».

عملت لينا شتيرن في مجالين مهمين، أولًا الكيمياء الحيوية، وخاصة الكيمياء الفسيولوجية، حتى ١٩١٧ تقريبًا. ودرست الأيض، ودرست التنفس في المختبر في الأنسجة الخاصة. وعلاوة على ذلك، عملت في تشخيص الإنزيمات المشتركة في الأيض الركيزي. ما بين ١٩٠٤ و١٩١٤، نشرت شتيرن مع باتيلي نحو ٣٠ مقالًا عن الأكسدة، أغلبها في جريدة الكيمياء الحيوية الشهيرة «بيوكيميش تسيتشريفت» الخاصة بكارل نيوبيرج (١٨٧٧–١٩٥٦). في ١٩١٢، نشر باتيلي وشتيرن نتائجهما الرئيسية حول الأكسدة والتخمير في مقال طويل. وبداية من ١٩١٧، درست شتيرن آثار بعض العقاقير ومستخلصات الأعضاء في الكائنات الحية، وأصبح مجالها العلمي الجديد هو الحائل الدموي الدماغي. ومنذ عام ١٩١٩ إلى ١٩٢٣ — وهي لا تزال في جنيف — درست نفاذية الحائل الدموي الدماغي؛ وبسبب عملها، أصبحت على علاقة وثيقة بباحثي الدماغ سيسيلي وأوسكار فوجت في معهد القيصر فيلهلم لأبحاث الدماغ في برلين. في السنوات ما بين ١٩٢٥ و١٩٢٩، بعد أن انتقلت للاتحاد السوفييتي واضطرت للكفاح من أجل معهدها البحثي، لم تستطع نشر أي شيء. بعد ذلك بدأ عقد جديد من الأبحاث المهمة، فما بين ١٩٣٠ و١٩٤٠، أجرت دراسات جديدة عن الحائل الدموي الدماغي ونشرت بعض الأوراق البحثية المهمة مع مؤلفين سوفييت وأجانب. وأثناء الحرب العالمية الثانية، عملت شتيرن في طب الحروب؛ لمساعدة آلاف الجنود المصابين؛ وفي ١٩٤٣ حصلت على جائزة ستالين من أجل التطبيقات العملية لدراساتها الطبية.

في ١٩٤٧، أجريت مناقشات ضد عملها العلمي والبرنامج البحثي لمعهدها، واتُّهمت علنًا لأنها كانت تتعاون «أكثر من اللازم» مع الأجانب وتوظف «أكثر من اللازم» من اليهود في معهدها وكذلك في الجريدة الطبية التي كانت تحررها. أثناء سنوات اعتقالها ومنفاها، من ١٩٤٩ إلى ١٩٥٣–١٩٥٥، لم تتمكن من إجراء أي أبحاث علمية. ربما تمكنت (وكان ذلك مسموحًا) من قراءة بعض الكتب العلمية أثناء منفاها. ولا يُعرف الكثير عن عملها العلمي في معهد الفيزياء الحيوية. وتوفيت في ٧ مارس ١٩٦٨ في موسكو (الاتحاد السوفييتي).

كانت لينا شتيرن من أُوليات العالمات في سويسرا (أستاذًا في ١٩١٧) وفي الاتحاد السوفييتي (أول امرأة عضو في أكاديمية العلوم في ١٩٣٩). وكانت من مؤسسي الفسيولوجيا الكيميائية الحديثة في الاتحاد السوفييتي.

المراجع

  • Archive of Cécile and Oskar Vogt, Düsseldorf (address: Medizinische Einrichtungen der Heinrich-Heine-Universität Düsseldorf), correspondence between Lina Shtern (Lina Stern) and Cécile and Oskar Vogt.
  • Archive of the Academy Leopoldina, Halle/S., related to her membership since 1932.
  • Archive of the Russian Academy of Science, Moscow.
  • BSE (Bol’shaja Sovetskaja Encyclopedia), 2oe izd. (2nd edn), (1957) vol. 48, p. 196, and BSE, 3oe izd. (3rd edn.), (1978) vol. 29, p. 495.
  • Lina & the Brain, in Time Magazine, March 3, 1947.
  • Obituary in Vestnik AN SSSR 5 (1968), p. 118 (very brief, with photo).
  • Stern, L. (1930) Stern, Lina (Selbstdarstellung (autobiographical sketch)) in Führende Frauen Europas (ed E. Kern), Neue Folge, Ernst Reinhardt Verlag, München, pp. 137–140 (with a nice photo); newly published: Conrad/Leuschner (1999), pp. 206–210 + remarks. pp. 270–271 (with great mistakes).
  • About the JAC and the fate of the 15 comrades:
  • Hoffer, G. (1999) Lina Stern, Mitglied der sowjetischen Akademie der Wissenschaften (1878–1968) in Zeit der Heldinnen. Lebensbilder Außergewöhnlicher Jüdischer Frauen (ed G. Hoffer), dtv, München, pp. 159–184.
  • Lustiger, A. (1998) Rotbuch: Stalin und die Juden. Die tragische Geschichte des Jüdischen Antifaschistischen Komitees und der sowjetischen Juden, Aufbau Verlag, Berlin, especially pp. 371-372.
  • Lustiger, A. (1994) Die Geschichte des Jüdischen Antifaschistischen Komitees der Sowjetunion. (Nachwort) in Das Schwarzbuch. Der Genozid an den Sowjetischen Juden (eds W. Grossman, I. Ehrenburg, German ed. A. Lustiger) Reinbek, Rowohlt, pp. 1093–1101.
  • Naumov, V. p. (Ed.) (1994) Nepravednyj sud. Poslednij stalinskij rasstrel. Stenogramma sudebnogo processa nad chlenami Evrejskogo Antifashistskogo Komiteta, Nauka, Moskva, especially pp. 311–321 and 332-333.
  • Rubinstein, J. and Naumov, V. p. (Ed.) Stalin’s Secret Pogrom. The Postwar Inquisition of the Jewish Anti-Fascist Committee, Yale University Press, New Haven and London, (2 photos of Lina Shtern in 1946, the photocopy of the order to arrest Lina Shtern from January 27th, 1949, and a photo of her in the prison), especially pp. 400–416 and 469.
  • About the scientist Lina Shtern:
  • Dreifuss, J. J. and Tikhonov, N. (2005), Lina Stern (1878–1968): Physiologin und Biochemikerin, erste Professorin an der Universität Genf und Opfer stalinistischer Prozesse, Schweizerische Ärztezeitung, 86 (26),1594–1597.
  • Grigorian, N. A., Lina Solomonovna Stern (Shtern) in Jewish Women Encyclopedia, online.
  • Jaenicke, L. (2002) Lina Stern (1878–1968). Die biologische Oxydation. Die Schranken und die Erstickung der Forschung, BIOspektrum, 8 (4), 374–377.
  • Ogilvie M. and Harvey, J. (Eds) (2000) Shtern, Lina S. in The Biographical Dictionary of Women in Science, Routledge, New York and London, vol. 2, pp. 1189-1190.
  • Rapoport, Y. (1991) Lina Stern. Persecution of an Academician, in The Doctors’ Plot of 1953, Harvard University Press, Cambridge, MA, pp. 234–253 (the book is dedicated to his wife, Sophia Rapoport, who was a student and associate of Lina Shtern; in Russian it was published in Moscow in 1988).
  • Vein, A. A. (2008) Science and Fate: Lina Stern (1878–1968), A neurophysiologist and biochemist, Journal of the History of Neuroscience, 17, 195–206.
  • Vogt, A. B. (2007) Lina Shtern (1878–1968), in DSB, N. S. (New Series).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠