إيدا نوداك-تاكه (١٨٩٦–١٩٧٨)

ماريان أوفرينز

كانت إيدا نوداك-تاكه، وزوجها فالتر نوداك، من مكتشفي عنصر الرينيوم. فبالاستناد إلى حقيقة أن هناك مكانًا شاغرًا في الجدول الدوري، حسبا سمات الرينيوم، وبعد سنوات من البحث، عزلا العنصر في ١٩٢٥.

•••

في ٢٥ فبراير عام ١٨٩٦ ولدت إيدا تاكه، وكانت الابنة الثالثة لصانع الطلاء ألبرت تاكه وزوجته هيدفيج دانر في لاكهاوزن بالقرب من فيزيل في راينلاند.

في السادسة عشرة من عمرها قُبلت في مدرسة سانت أورزولا في آخن. بعد تجاوز الاختبار النهائي في هذه المدرسة درست إيدا الكيمياء في الجامعة التقنية ببرلين، وفي ١٩١٩ حصلت على دبلومة الهندسة.

في ١٩٢١ حصلت على شهادة الدكتوراه في معمل فاتفورشونج في نفس الجامعة التقنية، وكانت رسالتها بعنوان: أنهيدريدات الأحماض الدهنية الأليفاتية العليا. بعد ذلك حصلت على مناصب في برلين في شركة الكهرباء العامة ومصانع زيمنز أوند هايتسكه، وكانت أول امرأة تعمل في الأبحاث الصناعية في ألمانيا.

أثناء هذا العمل أصبحت إيدا متخصصة في التحليل الطيفي بالأشعة السينية، وكانت المناطق التي تخصصت فيها هي تحديد العناصر النادرة، وبحث أصل وتركيز العناصر في الطبيعة. علاوة على ذلك، بحثت إيدا التحديد الكمي لعناصر خاصة في المعادن والأحجار النيزكية، وأنتجت من أجل هذا طرقًا جديدة للفصل والإخصاب.

في ١٩٢٢ عُينت إيدا تاكه عالمة زائرة في المعهد الفيزيائي التقني في برلين.

وهناك بدأت — جنبًا إلى جنب مع رئيس المعمل، الكيميائي الدكتور فالتر نوداك — بحثًا في العناصر التي يمكن أن تملأ عددًا من الفراغات التي ما زالت موجودة في الجدول الدوري: الخانتان ٤٣ و٧٥ في المجموعة السابعة تحت المنجنيز. كان يشار إلى هذين العنصرين بأنهما عناصر «تحت المنجنيز»، وكانا شديدي الندرة ويوجدان في شكلين: شكل نقي، حوالي ١٪ في خام البلاتين، وشكل آخر أندر عشر مرات في أكسيدات الفلزات مثل الكولومبيت (النيوبيت).

أعطت إيدا تاكه وفالتر نوداك تخمينات دقيقة جدًّا عن الكتلة الذرية ونقطة الانصهار وحتى عن ألوان وأشكال بلورات والسلوك الكيميائي لكلا العنصرين. وبناء على هذه المعرفة اختارا الطرق الكيميائية اللازمة لعزل العنصرين اللذين يبحثان عنهما.

figure
إيدا نوداك (متحف نساء عاملات).

أخيرًا، نجحا في الحصول على ١ مجم من العنصر، لكنه فُقد أثناء إجراء المزيد من الأبحاث الكيميائية. كان ذلك في منتصف الكساد العظيم بعد انهيار البورصة، وقد وصل التضخم إلى عنان السماء، وكان البلاتين الجديد باهظ الثمن.

لذلك بحثا عن ١ كجم من الكولومبيت، وحصلا منه، بعد صعوبات أكثر بكثير من خام البلاتين، على ١ مجم من عنصر جديد.

ذهبت إيدا به إلى شركة زيمنز أوند هايتسكه حيث درست العينة باستخدام منظار التحليل الطيفي بالأشعة السينية، جنبًا إلى جنب مع أوتو برج. وأخيرًا، في ١١ يوليو تمكنا من ملاحظة الخطوط الطيفية للعنصرين ٤٣ و٧٥.

في ١٩٢٥، نشرا ورقة بحثية تزعم أنهما قاما بهذا، وأطلقا على العنصر ٧٥ اسم الرينيوم، المشتقة من الكلمة اللاتينية رينوس والتي تعني نهر الراين، وهي المنطقة التي جاءت منها إيدا؛ أما العنصر الثاني: ٤٣، فأطلقا عليه مازيوريوم؛ تيمنًا بمنطقة مازيوريا الموجودة في شرق بروسيا، وهي المنطقة التي جاء منها فالتر نوداك. وقد تم التصديق على عنصر الرينيوم فحسب.

لم يتمكنا من فصل العنصر ٤٣ ولم تكن نتائجهما قابلة لإعادة الإنتاج، وحتى الآن لم يتم العثور على العنصر ٤٣، الذي يطلق عليه الآن تكنيشيوم، في الطبيعة على الإطلاق. وفي ١٩٣٧ تم إنتاجه اصطناعيًّا؛ لذلك ففي أثناء مؤتمر الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية في (١٩٤٩) أطلق عليه تكنيشيوم. ومع ذلك، يشير العالمان أوتو هان وفريتز اشتراسمان في منشوراتهما بكثرة إلى عنصر المازيوريوم.

في السنوات التالية، قاما بمعالجة ٦٦٠ كجم من الموليبدينيت، بدعم مالي من زيمنز أوند هايتسكه. وفي ١٩٢٨ أنتجا أول جرام من الرينيوم الخالص.

figure
الرينيوم.

كانت تكلفة البحث ٥٠ ألف مارك ألماني. كان دور إيدا تاكه في هذا البحث غير قابل للجدل: إذ كانت تعمل في البحث الكيميائي مع فالتر نوداك وفي التحليل الطيفي مع أوتو برج، ومع ذلك، كانت إيدا في الحالتين هي العالمة الأساسية في البحث.

في ١٩٢٦ اتسع التعاون بين إيدا تاكه وفالتر نوداك أكثر وأكثر؛ فمنذ هذه اللحظة شارك كل منهما الآخر في حياته أيضًا: في ٢٠ مايو تزوج فالتر من إيدا، ولم يُرزقا أي أطفال، الأمر الذي قالت المصادر إنه كان صعبًا جدًّا على كليهما.

تضافرت مسيرة إيدا نوداك المهنية بشدة مع مسيرة زوجها ونشرا معًا نحو مائة ورقة علمية.

في ١٩٣٤، بعد أن قصف إنريكو فيرمي ومجموعته في إيطاليا اليورانيوم بالنيوترونات، واستنتجوا أنهم أنتجوا العناصر التالية لليورانيوم؛ وهي عناصر صناعية أثقل من اليورانيوم، اقترحت إيدا نوداك أن ما فعله إنريكو فيرمي هو تقسيم ذرات اليورانيوم إلى نظائر عناصر معروفة وليس بأي حال من الأحوال الإضافة لذرات اليورانيوم من أجل إنتاج عناصر أثقل غير معروفة. وكانت هذه الفكرة وقتها شديدة الجرأة.

قدمت إيدا وجهة نظرها هذه في سبتمبر عام ١٩٣٤ في مقال بعنوان «عن العنصر ٩٣» نشرته في مجلة الكيمياء العملية، ويمكننا الآن بعد سنوات طويلة القول إن هذه الفكرة كانت غاية في الذكاء والألمعية.

لم تكن الأفكار السائدة في ذلك الوقت عن تركيب النواة الذرية لتمنع إيدا من أن تنصح فيرمي بأن يفصل أولًا كل العناصر المعروفة — وليس فقط العناصر التي تتراوح أعدادها الذرية بين ٨٢ و٩٢ — قبل أن يزعم أنه وجد عناصر جديدة أوزانها ٩٣ و٩٤ … إلخ. وكتبت: «يمكن للمرء أن يتخيل أنه عند قصف نواة ثقيلة بالنيوترونات سوف تتفتت هذه النواة إلى أجزاء أكبر نسبيًّا هي نظائر لعناصر معروفة، وليس عناصر مجاورة للعناصر المشعة.» كان من الممكن أن تضع هذه الملاحظة قدم المجتمع الكيميائي الإشعاعي على الطريق الصحيح، ولكن — وكما علق أوتو هان فيما بعد في سيرته الذاتية على ذلك: «كان اقتراحها يتعارض بشدة مع الأفكار المقبولة وقتها حول النواة الذرية؛ ولذا لم يَحْظَ بمناقشة جدِّية على الإطلاق.» وفي ١٩٣٩، بعد إجراء الكثير من العلماء للمزيد من الأبحاث، اكتشف كلٌّ من أوتو هان وفريتز اشتراسمان وليزا مايتنر أن نوداك كانت على حق، وأطلقوا على هذه العملية الانشطار النووي.

في ١٩٣٨ تلقى فيرمي جائزة نوبل على خطئه.

في الوقت نفسه نشر الزوجان نوداك وتاكه المعادلات الكيميائية والفيزيائية للعناصر التالية لليورانيوم إلى العنصر ١١٨ الذي كان حتى ذلك الوقت مجهولًا، كما نجحا في اكتشاف نشاط إشعاعي طبيعي في خام البلاتين.

بدأ فالتر نوداك بعد الحرب دورة دراسية في الجيولوجيا في الجامعة الكاثوليكية في بامبرج.

عملت إيدا مع فالتر نوداك في المعهد الجيوكيميائي في بامبرج حتى وفاة الأخير في ٧ ديسمبر ١٩٦٠.

كان الزوجان نوداك مشهورين جدًّا بين طلابهما وزملائهما في العمل، وكانوا يعاملونهما كَنِدَّيْنِ (لا يمكن لأحد أن يفوقهما في الشرب وإن حدث العكس عدة مرات).

ظلت إيدا تعمل في المعهد حتى عام ١٩٦٨، عندما تقاعدت عن العمل عن عمر يناهز ٧٢ عامًا، وبعد تقاعدها واصلت أبحاثها، وأجرت أبحاثًا، مع آخرين، حول الذوبانية الكيميائية لحصوات الكُلَى.

توفيت إيدا نوداك-تاكه في ٢٤ سبتمبر عام ١٩٧٨ في دار للمسنين على نهر الراين حيث قضت آخر سنوات حياتها، وبناء على وصيتها الأخيرة تم إحراق جثتها ودفن رمادها في قبر فالتر نوداك في بامبرج.

•••

شكر خاص للأستاذ الدكتور بيتر فان آسكي، لوفن، ودكتور ريناتا شتروماير، فرانكفورت.

المراجع

  • Angermeyer, Dr. E. (1987) Grosse Frauen der Weltgeschichte. Tausend Biographien in Wort und Bild. Neuer Kaiser Verlag—Buch und Welt, Klagenfurt.
  • Assche, p. H. M. van (1989) De ontdekking van de Kernsplijting, een kettingreactie van gemiste kansen. Natuur en Techniek ’89, 57. 3, 170–183.
  • Assche, p. H. M. van (1988) Ignored priorities: first fission fragment (1925) and first mention of fission (1934). In: Nuclear Europe 6-7/1988.
  • Assche, p. H. M. van (1988) The ignored discovery of the element Z=43 in: Nuclear Physics A480 205–214.
  • Kass-Simon, G., & Farnes, p. (1990) Women of science; righting the record. Indiana University Press, Indiana.
  • Kerner, C. (1986) Lise, Atompysikerin. Beltz Verlag, Weinheim & Basel.
  • Noddack, W., Tacke, I. und Berg, O. (1988) Die Ekamangane. The Ekamanganese elements, Translated by G. Michiels and p. van Assche. Studiecentrum voor Kernenergie, Mol.
  • Pflaum, R. (1989) Grand Obsession. Madame Curie and her world. Doubleday, New York.
  • Sime, R. (1996) Lise Meitner, a life in physics. University of California Press, Berkeley, Los Angeles, London.
  • Tilgner, H. G. (1999) Forschen, Suche und Sucht. Kein Nobelpreis für das Deutsche Forscherehepaar das Rhenium entdeckt hat. Eine Biographie von Walter Noddack (1893–1960) und Ida Noddack-Tacke (1896–1978). Hans Georg Tilgner, Books on Demand GmbH, Mülheim an der Ruhr.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠