كاثرين بور بلودجيت (١٨٩٨–١٩٧٩)

سالي هوروكس

كانت كاثرين بور بلودجيت الأمريكية أول امرأة تحصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كامبريدج، وكانت قبل ذلك من أوائل العلماء الذين عملوا في معمل أبحاث شركة جنرال إلكتريك، في اسكينيكتادي بنيويورك، وعادت إليه مرة أخرى بعد حصولها على الدكتوراه. قدمت في جنرال إلكتريك إسهامات بارزة للكيمياء الصناعية، ولا سيما كيمياء السطوح، حيث كان تخصصها في الأغشية الرقيقة. يعود إليها الفضل في اختراع الزجاج غير العاكس، وقد سجَّلت عدة اختراعات في مجال عملها، كما أن لها منشورات عديدة في الجرائد الأكاديمية. كانت إنجازاتها في مجال العلوم الصناعية محل تقدير بين عالمات جيلها من النساء اللائي كثيرًا ما ذهبت جهودهن لمواصلة العمل في الصناعة أدراج الرياح، ولكن مثلها مثل معظم العلماء الصناعيين لم تَحْظَ بشهرة كبيرة ولم يكن اسمها معروفًا خارج نطاق مجالها.

•••

ولدت كاثرين بور بلودجيت في ١٠ يناير ١٨٩٨ في اسكينيكتادي بنيويورك، وكانت الطفلة الثانية لجورج بدينجتون بلودجيت محامي براءات اختراع في شركة جنرال إلكتريك وزوجته كاثرين بوكانان بور. لم ترَ بلودجيت أباها على الإطلاق؛ فقد مات متأثرًا بجراحه إثر إصابته في عملية سطو حدثت قبل أسابيع قليلة من ولادتها. وقضت معظم طفولتها في مدينة نيويورك، وتخلل ذلك زيارات ممتدة لكلٍّ من فرنسا وألمانيا. بعد التحاقها بمدرسة رايسون في نيويورك — الأمر الذي كان غير معتاد للفتيات في ذلك الوقت؛ إذ كانت توفر تعليمًا قويًّا في الرياضيات والعلوم — كوفئت بمنحة لكلية برين ماور، وتخرجت فيها في ١٩١٧ بعد أن حصلت على البكالوريوس في الفيزياء كمادة أساسية، ثم بعد ذلك حصلت على درجة الماجيستير في الكيمياء من جامعة شيكاجو عام ١٩١٨.

figure
كاثرين بور بلودجيت (أرشيف مؤسسة سميثسونيان).

بعد إكمال دراساتها تمكنت بلودجيت من الحصول على وظيفة فني ومساعد باحث في معمل أبحاث جنرال إلكتريك في اسكينيكتادي، وعملت مع الدكتور إرفينج لانجموير وكان راتبها ١٢٥ دولارًا في الشهر. وعلى الرغم من أنها لم تكن أول امرأة باحثة تعيِّنها جنرال إلكتريك؛ فقد كان حصول النساء على وظائف بحثية في الصناعة لا يزال غير معتاد، وربما كان استعداد الشركة لتعيينها يرجع في جزء منه إلى نقص فريق العمل العلمي والفني الذي تسببت فيه الحرب العالمية الأولى. وفي ١٩٢٤، بتشجيع من لانجموير، انتقلت إلى معمل كافنديش بجامعة كامبريدج كطالبة دراسات عليا مرتبطة بكلية نيونهام. بعد عامين أنهت بحثها، وكانت أول امرأة تحصل على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كامبريدج، وهناك أدلة على أنها وجدت التدريب الذي تلقته على يد لانجموير أساسيًّا لتأهيلها لإكمال بحث الدكتوراه الخاص بها، وأنها رأت أن بيئة معمل كافنديش لم تكن بيئة داعمة.

بعد أن أكملت بلودجيت دراستها عادت إلى جنرال إلكتريك وواصلت العمل مع لانجموير، في البداية في أسلاك المصباح الكهربي. في ١٩٣٣ انتقل تركيزها إلى الأغشية الرقيقة، وهو المجال الذي قامت فيه بمعظم عملها المهم. أدى هذا البحث إلى تقديم العديد من الأوراق الأكاديمية ومعظم الاختراعات التي سجِّلت باسمها، ويعرف هذا الإسهام باسم غشاء لانجموير-بلودجيت للإشارة إلى طبقات المادة العضوية التي يبلغ سمكها جزيئًا واحدًا، وترتكز على ركيزة صلبة؛ وهي التقنيات التي كانت رائدة فيها. بعد الابتكار المبدئي، عملت بلودجيت على إيجاد المزيد من الاستخدامات لهذه الأغشية حتى عام ١٩٤١ عندما كان بحثها موجهًا نحو المشاكل المتعلقة بالدفاع القومي. تضمَّن ذلك الاستفادة من خبرتها في كيمياء السطوح لمواجهة مشكلة تجمُّد أجنحة الطائرات والعمل على ابتكار ستائر دخانية محسَّنة، كذلك عملت في فيزياء السُّحُب، وكانت رائدة في استخدام المحاكاة الحاسوبية.

على الرغم من أن بلودجيت لم تكن شخصية مشهورة لعموم الناس، فإن عملها قد لاقى تكريمًا وتقديرًا من عدد من الجهات، بداية من أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين. حصلت على شهادات شرفية من أربع مؤسسات: كلية إلميرا (١٩٣٩) وجامعة براون (١٩٤٢) وكلية راسل سيدج (١٩٤٤)، وفي ١٩٤٥ حصلت على جائزة الإنجاز السنوية للرابطة الأمريكية للمرأة الجامعية. وفي عام ١٩٥١ حصلت على ميدالية جارفان من الجمعية الأمريكية الكيميائية، وفي العام نفسه كانت العالمة الوحيدة التي تدرج في المجلس الأول للنساء الأمريكيات صاحبات الإنجازات في بوسطن، واختيرت من قِبل الغرفة التجارية الأمريكية لتكون من بين اﻟ ١٥ امرأة صاحبات الإنجازات. وقد منحتها جمعية أمريكا الفوتوغرافية ميدالية التقدم الخاصة بها في ١٩٧٢، وفي عام ٢٠٠٨ أُنشئت مدرسة ابتدائية تحمل اسمها في اسكينيكتادي.

توفيت بلودجيت في منزلها في اسكينيكتادي في ١٢ أكتوبر ١٩٧٩. وفي سنوات عمرها الأخيرة شاركت في المجتمع المحلي، ومارست هواياتها في البَسْتَنة والفلك وجمع الأنتيكات.

العمل العلمي

كانت أبحاث بلودجيت الأولى في جنرال إلكتريك مع لانجموير حول خصائص المصابيح المتوهجة والصمامات المفرغة. عبرت هذه الدراسات الحدود ما بين الفيزياء والكيمياء، ونتج عنها عدد من المنشورات التي شارك في كتابتها آخرون. تصف رسالة الدكتوراه الخاصة بها تحديد المسار الحر المتوسط للإلكترونات في بخار الزئبق، وهو موضوع له عدة تطبيقات كان من الممكن أن تفيد جنرال إلكتريك. اشتهرت بلودجيت بالتصميم الحريص لتجاربها، وهي المهارة التي استغلَّتها في إجراء تجاربها، كما اشتهرت بدقة تحليل نتائجها.

كانت هذه السمات مهمة في نجاح عملها في الأغشية الرقيقة الذي ابتكرت خلاله تقنية لنقل سلسلة من الأغشية أحادية الجزيء من الزيت من سطح الماء إلى سطح صلب، وكان اكتشافها يعني أن سُمك هذه الأغشية يمكن التحكم به بدقة بالغة، ويفتح مجالًا جديدًا للأبحاث يتيح إمكانية ظهور الكثير من التطبيقات العملية التي عملت هي وآخرون لاستغلالها عبر عقود متتالية. أُعلن هذا البحث عن الأغشية الرقيقة في البداية على نحو مختصر في «جورنال أوف ذا أمريكان كيميكال سوسايتي» في ١٩٣٤ ثم شُرح بالتفصيل في ورقة بحثية أطول بعنوان: «الأغشية المتكونة عن طريق ترسيب طبقات أحادية الجزيء على سطح صلب» نُشرت في الجريدة نفسها في العام التالي. وهنا شرحت بلودجيت كيف أمكنها ترسيب أكثر من ٢٠٠ طبقة على الزجاج وعلى معادن متعددة، ووضحت تجارب تم فيها قياس سُمك هذه الأغشية عن طريق تداخل الضوء أحادي اللون الذي تعكسه. أدت هذه الملاحظة إلى تطوير مقياس بلودجيت للون. مكَّن هذا المقياس الباحثين من قياس سمك الغشاء الذي يبلغ بضعة أجزاء من المليون من البوصة عن طريق مقارنة الألوان في المقياس مع لون غشائها. سوقت شركة جنرال إلكتريك هذا المقياس ليُستخدم في المعامل بدلًا من الأجهزة الضوئية الأكثر تعقيدًا والأغلى ثمنًا.

كانت طبيعة هذه الأغشية تعني أن من الممكن التحكم فيها في نطاق جزء من الطول الموجي المعتاد للضوء المرئي، وتقترح أنه قد يكون من الممكن استغلال هذا لإنتاج زجاج «غير مرئي»، وهو التطبيق الثاني والأكثر أهمية لهذا البحث. ويمكن تحقيق هذا إذا كان الضوء المنعكس من الطبقة الزجاجية التحتية يمكن إلغاؤه بالضوء المنعكس من أعلى الغشاء، وقد أعلن هذا المبدأ الأساسي في جريدة «فيزيكال ريفيو» في ١٩٣٩ في ورقة بحثية بعنوان «استخدام التداخل لإلغاء انعكاس الضوء من الزجاج». قدم هذا العمل الأساس لتطوير الطلاءات غير العاكسة التي تستخدم في المواقف التي يعوق فيها انعكاس الضوء الأداء، مثلًا عند استخدام الكاميرات والتليسكوبات، كما استخدم الزجاج غير العاكس في المعارض الفنية لعرض اللوحات والصور الفوتوغرافية، وقد أتيح استغلال هذا الزجاج تجاريًّا عندما تم تطوير أغشية أكثر دوامًا من الأغشية التي استخدمتها بلودجيت في بحثها.

تبع أبحاثَ بلودجيت في وقت الحرب المزيدُ من التعاون مع الجيش الأمريكي في أواخر الأربعينيات، ولا سيما تطوير أداة يمكن حملها بواسطة مناطيد الطقس لقياس الرطوبة في طبقات الجو العليا من أجل سلاح الإشارة في الجيش. وكان استخدامها لبرامج المحاكاة الحاسوبية لدراسة مسار الجسيمات الدقيقة بالقرب من الألياف مثالًا مبكرًا على استخدام الكمبيوتر في الأبحاث، كما ساهم في تطوير مرشح رذاذ فعال. كان آخر عمل نُشر لها عملًا مشتركًا مع الدكتور تي إيه فاندرسلايس عن إزالة الغازات في مقاييس التأين.

تمتعت كاثرين بور بلودجت بمسيرة مهنية طويلة ومنتِجة كعالمة صناعية، في وقت قلَّت فيه النساء اللائي نجحن في هذا المجال. وعلى عكس أغلبية العلماء الصناعيين قُدِّر عملها تقديرًا تخطى حدود الشركة التي عملت فيها، وقد نبع هذا التقدير في الأساس من عملها على أغشية لانجموير-بلودجيت التي فتحت مجالًا مهمًّا للدراسة وأدت إلى العديد من التطبيقات العملية. وقد ارتبطت إنجازاتها ارتباطًا وثيقًا بإرفينج لانجموير، الذي كان بمنزلة المرشد لها، وكانت ثقتها بقدراتها التجريبية مهمة في إعطائها فرصًا لم يتمتع بها سوى القليل من النساء. وتضمنت هذه الفرص ليس فقط مسيرتها المهنية الناجحة في العلوم الصناعية ولكن أيضًا قبول دراستها في معمل كافنديش بجامعة كامبريدج، حيث كانت أول امرأة تحصل على الدكتوراه.

المراجع

  • Blodgett, K. B. (1935) Films built by depositing successive monomolecular layers on a solid surface, Journal of the American Chemical Society, 57 (6), 1007–1022.
  • Blodgett, K. B.(1939) Use of interference to extinguish reflection of light from glass. Physical Review 55 (4), 391–404.
  • Gaines, G. Jr. (1980) In memoriam: Katherine Burr Blodgett, 1898–1979 Thin Solid Films, 68 (1), vii–viii.
  • Wise, G. (1999) Katharine Burr Blodgett, in American National Biography, vol. 3, Oxford University Press, New York.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠