ماريا دي تلكس (١٩٠٠–١٩٩٥)

إيفا فاموس

كانت ماريا دي تلكس شخصية معروفة جدًّا في الولايات المتحدة الأمريكية التي عاشت فيها من الرابعة والعشرين من عمرها ولأكثر من سبعين عامًا، بينما كانت مجهولة تمامًا في المجر، وطنها الأم. كانت واحدة من رواد استغلال الطاقة الشمسية في التسخين، حيث اخترعت عملية لحفظ الطاقة عن طريق استغلال حرارة التصلب الخاصة بمركب كبريتات الصوديوم اللامائية المعروف بشكل عام والرخيص الثمن (الذي يعرف أيضًا باسم ملح جلاوبر ويُستخدم كذلك كمُلَيِّن).

ابتكرت ماريا عملية لإنتاج موقد يعمل بالطاقة الشمسية، وأيضًا طريقة لتحلية مياه البحر باستخدام الطاقة الشمسية، وقد أنقذت هذه العملية حياة البحارين المغرقين بقذائف والطيارين الذين سقطوا في البحر أثناء الحرب العالمية الثانية، أما في وقت السلم فيمكن استخدامها لضمان توفير المياه للمناطق الفقيرة والقاحلة.

•••

ولدت ماريا دي تلكس في بودابست، وكانت الابنة الكبرى بين ثمانية أبناء لأب ثري يعمل مدير بنك. بعد إتمام الدراسة الابتدائية والثانوية التحقت بكلية الفلسفة في جامعة بودابست للعلوم، ودرست الرياضيات والفيزياء، وبعد التخرج عملت مساعِدة لبروفيسور الفيزياء إشتفان ريبار، وحصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية عام ١٩٢٤. وفي العام نفسه دعاها عمها إرنو لودفيك، الذي كان يعمل قنصلًا مجريًّا في كليفلاند، وكان متزوجًا من سيدة أمريكية، للحضور إلى الولايات المتحدة، وقبلت الدعوة، وانتقلت إلى أمريكا وبقيت فيها لأكثر من سبعين عامًا، أو على الأحرى ما بقي لها من عمر، ولم تَعُدْ إلى المجر إلا لتموت في وطنها الأصلي.

بدأت مسيرتها المهنية في المعمل البحثي لمعهد الفيزياء الحيوية بكليفلاند تحت قيادة بروفيسور جي دبليو كريل، وفي المعهد كان يدرس إشعاع خلايا المخ، وتمكنوا من قياس الأشعة تحت الحمراء التي تصدرها خلايا المخ باستخدام كاميرا كهربائية اخترعتها ماريا تلكس. كذلك درسوا فرق الجهد في الأنسجة الحيوانية ووجدوا، من بين أشياء أخرى، أن حياة الكائن لا تستمر إلا بالحفاظ على فرق الجهد داخل الكائن.

figure
ماريا دي تلكس. هذه الصورة موجودة في قسم المطبوعات والصور الفوتوغرافية بمكتبة الكونجرس بالولايات المتحدة تحت الرقم التعريفي cph.3c13268.

في ١٩٣٤ نشرت صحيفة نيويورك تايمز لائحة بأشهر ١١ سيدة في الولايات المتحدة: إلى جانب نجوم السينما والرياضيات وغيرهن من نجوم المجتمع، وكانت ماريا هي العالمة الوحيدة التي ذُكرت في هذه اللائحة.

وفي ١٩٣٩ انتقلت ماريا إلى بوسطن، حيث بدأت مسيرتها الحقيقية، والتي كانت منصبة على استغلال الطاقة الشمسية، بوصفها باحثة وأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وفي ١٩٣٨ بدأ مشروع ممول برأس مال خاص، وكان يهدف في المقام الأول إلى استعمال/تحويل الطاقة الشمسية. وغطى تمويل المشروع البالغ ٦٥٠ ألف دولار البحث وتنفيذ النتائج حتى عام ١٩٨٨، وكان الممول هو رجل الأعمال المعروف جودفري لويل كابوت، ودُعيت ماريا للمشاركة في المشروع الذي أصبحت قائدة له في ١٩٤٠.

استخدام الطاقة الشمسية للتسخين بدلًا من الوقود الحفري يعني توفير الكثير من الأموال. وكانت أكبر مشكلة تواجه استخدام الطاقة الشمسية للتسخين هي تخزين حرارة الشمس، ومن أجل التغلب على هذه العقبة، استخدمت ماريا تلكس عملية تخزين الطاقة كيميائيًّا. اكتشفت أن أفضل مركب يصلح لهذا الغرض هو مركب كيميائي منتشر ورخيص الثمن وهو ملح كبريتات الصوديوم اللامائية، الذي يُعرف باسم ملح جلاوبر. تزيد ذوبانية المركب أكثر من عشرة أضعاف بين ٠ و٣٢٫٤° مئوية، ويظل ساكنًا تقريبًا مع ارتفاع درجات الحرارة حتى ٢٠٠° مئوية، فيما كانت الحرارة الناجمة عن انصهاره عالية وتبلغ ٣٢٫٤° مئوية. يستطيع المركب المصهور الاحتفاظ بالطاقة الشمسية الممتصة لمدة تصل إلى ١٠ أيام، ويحررها عند التبريد. وتُعتبر حرارة الانتقال الطوري التي تنبعث عند تصلب كبريتات الصوديوم أعلى ٨٢ مرة من تلك الخاصة بالماء.

وقد تم بناء ستة منازل شمسية في إطار المشروع. استخدم المنزل الأول المصمم للتسخين بالطاقة الشمسية في ١٩٤٨ مبدأ الاحتفاظ بالحرارة الموضح أعلاه. صُمم المبنى نفسه على يد المهندسة المعمارية إليانور ريموند، وصمم نظام التسخين على يد ماريا تلكس. وكان أقاربها، أسرة نيميتي، هم قاطنو المنزل التجريبي. وركبت خزانات المحلول الملحي في أعلى المنزل وعلى جوانبه، في حين تم توفير التسخين الداخلي بواسطة نظام مواسير تدور فيه المياه والهواء. إلا أن هذا النظام فشل في وقت الشتاء القارس، عندما تم تجريبه بمجرد قدوم شتاء ١٩٤٨؛ إذ كانت الحرارة التي يولدها النظام غير كافية لضمان درجة الحرارة المطلوبة داخل المنزل. بالنسبة للطقس في المناطق الشمالية من الولايات المتحدة كان من المستحب إنشاء نظام تسخين (تقليدي) مساعد لمثل هذه الحالات. وأخيرًا فُكِّك نظام التسخين الشمسي في ١٩٥٣ ولكن سرعان ما قلده آخرون، وأصبح اسم ماريا دي تلكس ذائع الصيت في أنحاء الولايات المتحدة.

نشرت ماريا دي تلكس أكثر من مائة ورقة بحثية، وسجَّلت أكثر من ٢٠ براءة اختراع.

من أهم الاختراعات الخاصة بها اختراع بخصوص تحلية مياه البحر بواسطة الطاقة الشمسية، وهي عملية تُستخدم على نحو أساسي في المناطق الاستوائية.

حلت ماريا مشكلة تخزين البرودة بنفس مبدأ تخزين الحرارة، وبهذه الطريقة أصبح من الممكن تكييف هواء المنازل باستخدام الطاقة الشمسية. كذلك تم تسجيل اختراع آخر لها عندما كانت في التسعين من عمرها، وكان هذا الاختراع متعلقًا بتخزين البرودة.

انتشر الموقد الذي يعمل بالطاقة الشمسية الذي ابتكرته ماريا في الهند؛ نظرًا لسهولة استخدامه ورخص ثمنه، وتوافر أشعة الشمس.

بالإضافة إلى كونها أستاذة في الجامعة ومخترعة ناجحة، كانت ماريا أيضًا مستشارة لعدد من الشركات الصناعية، كما شاركت في أبحاث الفضاء.

حصلت على ١٢ وسامًا على عملها، ومع ذلك كان الوسام الأول الذي حصلت عليه في ١٩٢٧ تكريمًا لها على إنقاذ حياة إنسان؛ فأثناء قضائها إجازتها على شاطئ بحيرة إيري، لاحظت ماريا منزلًا خشبيًّا تضطرم فيه النيران وامرأة تركض خارجة منه وتتعالى صرخاتها لأن ابنتها الصغيرة ما زالت حبيسة المنزل. جرت ماريا، مخاطرة بحياتها، إلى داخل المنزل المستعِر وأنقذت حياة الطفلة.

ثمة وسام آخر يجدر بنا ذكره، وهو ذلك الوسام الذي منحته لها جمعية المهندسات بواشنطن، وكانت الأسباب التي دفعت الجمعية لمنحها ذلك الوسام كما يلي: «تتشرف جمعية المهندسات بمنح ماريا تلكس وسامها تقديرًا لإسهامها العظيم في مجال استخدام الطاقة الشمسية.» وربما يبدو غريبًا أنها لم تُذكر في وطنها الأم إلا في مقالات قصيرة في الصحف وقبل الحرب العالمية الثانية.

لم يكن لها عائلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من الواضح — على عكس الكثير من المهاجرين — أنها لم تعذَّب يومًا من الإحساس بالغربة والشوق للوطن. ولم تعُدْ إلى المجر سوى مرة واحدة في عمر الخامسة والتسعين عام ١٩٩٥، وتوفيت في العام نفسه في الثاني من ديسمبر. وعلى ما يبدو لم يكن هذا خبرًا مهمًّا في نظر بلدها؛ لأن الخبر تأخر وصوله للولايات المتحدة بشكل كبير؛ ولذا لم يُنشر نعي تفصيلي في جريدة «روكي ماونتن نيوز» إلا في ١٩ أغسطس عام ١٩٩٦، أي بعد تسعة أشهر تقريبًا من وفاتها.

كانت ماريا تلكس عالمة موهوبة جدًّا ومخترعة عظيمة متعددة المهارات، كما كانت تتمتع بموهبة اكتشاف الفوائد التي يمكن الحصول عليها من أفكارها والطرق التي يمكن تطبيقها بها. وليس أدل على تعدد مهاراتها من أنها عندما كانت تعمل في فريق علماء الفيزياء الحيوية طورت عملهم بإعطائهم أداة — كاميرا كهربائية — من تصميمها؛ لتمكينهم من الوصول للهدف الذي حددوه لأنفسهم. وعندما انتقلت، بعد أن عملت لأكثر من عقد من الزمن في مجال واحد، لمدينة أخرى، تمكنت من الانتقال إلى مجال بحثي جديد تمامًا في نفس الوقت. لطالما كان استغلال الطاقة الشمسية مسار انتباه الناس على مر العصور، ومع ذلك، لم يتم الوصول من قبلها لحل يسمح بالاستخدام الاقتصادي للشمس كمصدر طاقة لا ينضب أبدًا. وقد تعاملت ماريا مع المشكلة كعالمة حقيقية، وبدلًا من أن تدخل مسار المحاولة والخطأ وضحت الجذور النظرية للمشكلة، ووجدت حلًّا (استخدام كبريتات الصوديوم) لم يخطر على بال أي شخص قبلها رغم بساطته. وشكلت هذه الفكرة وحدها أساس جميع اختراعاتها، بداية من المنازل الشمسية حتى تحلية مياه البحر والمواقد التي تعمل بالطاقة الشمسية.

عند النظر إلى الأعمال التي أنجزتها طوال حياتها لا نملك إلا أن نُعجب بثراء أفكارها وتصميمها على تطبيق هذه الأفكار عمليًّا من أجل منفعة الناس، وجعل حياتهم أكثر سهولة وراحة، وفي بعض الأحيان من أجل إنقاذ حياتهم. وكانت بلا شك واحدة من أبرز وأنجح العلماء — وليس فقط العالمات — في القرن العشرين. وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أننا اليوم ما زلنا نبحث عن مصادر طاقة جديدة وقابلة للتجدد ولا تنضب في المستقبل المنظور، فلا بد أن نعترف أن بحثها كان سابقًا لعصرها بكثير، وربما يكون ذا قيمة أكبر بالنسبة لمن هم في القرن الحادي والعشرين من هؤلاء الذين عاشوا في القرن العشرين.

المراجع

  • Crile, G. W., Rowland, A. F. and Telkes, M. (1928) An interpretation of excitation, exhaustion and death in terms of physical constants. Proceedings of the National Academy of Sciences, 532–538.
  • Cattell, J. (ed.) American Men & Women of Science. Physical and Biological Sciences. 16th edn, vol. VII. T–Z, R. R. Bowker Co., New York, p. 57.
  • Fields, S. (1964) Harnessing the Sun. Daily News Florida, June 19, 1964.
  • Pap, J. (1997) A napenergia magyar tudósnöje, a szolártechnika nagyja, dr. Telkes Mária. (Hungarian scholar of solar energy, great personage of solar technology, Dr. Maria Telkes) in Tanulmányok a Természettudományok, a Technika és az Orvoslás Történetéböl (Studies in Sciences, Technology and Medicine). MTESZ and OMM, Budapest, pp. 43–45.
  • Pap, J. (2000) A napenergia magyar tudósnöje, a szolártechnika nagyja, dr. Telkes Mária. (Hungarian scholar of solar energy, great personage of solar technology, Maria Telkes), in Asszonysorsok a 20. Században. (Fates of women in the 20th century). (eds M. Balogh, and K. Nagy) BME Szociológia és Kommunikáció Tanszék, Szociális és Családvédelmi Minisztérium Nöképviseleti Titkársága, Budapest, pp. 79–83.
  • Rédey, S. Telkes Mária, Az ismeretlen Napkirálynö. (Maria Telkes—The Unknown Sun Queen), Természet Világa, Budapest. http://www.termeszetvilaga.hu/szamok/tv2009/tv0903/redey.html. 2010/07/07, 5 p.
  • Saxon, W. (1996) Maria Telkes, 95, An Innovator of Varied Uses for Solar Power. New York Times, August 13, 1996.
  • Saxon, W. (1996) Maria Telkes, Hungarian-American Solar-Energy Advocate and Pioneer. Rocky Mountain News, August 19, 1996.
  • Society of Women (1952) Engineers, Award Committee: Date of Award: March 15, 1952; S. W. E. Convention, New York, NY.
  • Ujfaludi, L. (2003) A napenergia-hasznosítás roved története. (Short history of solar energy utilization.) Fizikai Szemle. (Review of Physics), 3, 99–114. http://www.kfki.hu/fszemle/archivum/fsz0303/ujfal0303.html.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠