كاثلين لونزديل (١٩٠٣–١٩٧١)

سالي هوروكس

تدربت كاثلين لونزديل (الاسم الذي ولدت به ياردلي) في البداية على الرياضيات والفيزياء قبل أن تنتقل إلى الكيمياء من خلال بحثها في علم تصوير البلورات بالأشعة السينية، الذي كان مجالًا جديدًا في ذلك الوقت في بريطانيا، وجذب عددًا كبيرًا من العالمات الموهوبات جدًّا واحتفظ بهن. كان أستاذ لونزديل هو دبليو إتش براج، الذي تكفل بتمويل أبحاثها بعد أن تخرجت، وظل يدعم مسيرتها المهنية عندما بدا أن الزواج والأمومة يهددان قدرتها على الاستمرار في العمل العلمي. وكان ثمة شخصية محورية أخرى في حياتها، وهي زوجها، توماس لونزديل، الذي كان استعداده للقيام بالمهام المنزلية، التي كانت وقتها من اختصاص النساء بالكامل، شيئًا حاسم الأهمية في حياتها. ولا يدهشنا أن لونزديل نصحت النساء اللائي يرغبن في اتخاذ مهنة في العلم أن يخترن أزواجهن بعناية، فلو أنها لم تختَرْ زوجها بعناية، لما كانت في الغالب تمكنت من تحقيق سوى جزء ضئيل مما حققته. كان توماس أيضًا شريكها في مسيرتها الأخرى بوصفها مناصرة لحركة إصلاح السجون وناشطة للسلام.

•••

ولدت كاثلين ياردلي في نيوبريدج، بأيرلندا في ٢٨ يناير ١٩٠٣، وكانت أصغر الأبناء العشرة لهاري فريدريك ياردلي، الذي كان وكيل مكتب البريد المحلي وزوجته جيسي كاميرون التي تمتعت بشخصية قوية رغم ضآلة جسمها. عندما بلغت كاثلين الخامسة من عمرها قررت أمها، التي كانت من لندن أصلًا، أن تغادر الأسرة أيرلندا وتتجه إلى بيئة إسيكس الأكثر استقرارًا. وبعد الالتحاق بمدرسة داونشول الابتدائية بين عامي ١٩٠٨ و١٩١٤ حصلت كاثلين على منحة للدراسة في مدرسة مقاطعة إلفورد الثانوية للبنات، وهناك ظلت حتى عام ١٩١٩، مع أخذ دروس في الفيزياء والكيمياء والرياضيات العليا في مدرسة المقاطعة الثانوية للبنين. ومكنها ذلك من ضمان منحة للدراسة في كلية بدفورد للفتيات في لندن عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، وفيها درست في البداية الرياضيات، ثم غيرت توجهها إلى الفيزياء بسبب حماسها للعمل المعملي والآفاق التي تفتحها الفيزياء لمسيرة مهنية في البحث التجريبي بدلًا من التدريس الذي كان هو المهنة التي يسهل للفتيات خريجات العلوم الوصول إليها أثناء السنوات بين الحربين العالميتين. وفي ١٩٢٢ حققت أعلى درجات في اختبارات البكالوريوس في جامعة لندن. وقد أثار هذا الإنجاز الذي حققته انتباه دبليو إتش براج الذي كان وقتها أحد ممتحنيها؛ فقدم لها منصبًا بحثيًّا في تصوير البلورات بالأشعة السينية بكلية لندن الجامعية حيث حصلت على منحة قسم البحث العلمي والصناعي التي تبلغ ١٨٠ جنيهًا إسترلينيًّا في السنة. وعندما انتقل براج إلى المعهد الملكي في ١٩٢٣، انتقل معه فريقه البحثي، الذي تضمن ياردلي، وفي العام التالي نشرت أولى ورقاتها البحثية.

في ١٩٢٧ تزوجت ياردلي من توماس جاكسون لونزديل، وهو مهندس قابلته في الفترة التي قضتها بكلية لندن الجامعية، وانتقلا إلى ليدز حيث عمل توماس مساعدًا في رابطة أبحاث الحرير، الموجودة في قسم النسيج بجامعة ليدز. وعلى الرغم من أنه كان من المعتاد أن تتقاعد النساء عن العمل العلمي بمجرد الزواج، فإن كاثلين استمرت في أبحاثها بدعم من زوجها، الذي قيل إن وجهة نظره هي أنه لم يتزوج ليحصل على خادمة مجانية. كانا يحرصان فيما بينهما على تقليل المهام المنزلية ومشاركتها؛ ليتمكن كلاهما من الاستمرار في عمله العلمي في المنزل في الأمسيات. عملت كاثلين في قسم الفيزياء حيث حصلت على وظيفة مساعد مدرس بدوام جزئي لتكمل منحة إيمي ليدي تيت التي حصلت عليها من كلية بدفورد من ١٩٢٧ إلى ١٩٢٩. ومكنتها منحة من الجمعية الملكية من شراء معدات جديدة، ووفر لها البروفيسور سي كيه إنجولد من قسم الكيمياء بليدز بلَّورات سداسي ميثيل البنزين، الذي عملت على توضيح تركيبه.

ولدت ابنة كاثلين وتوماس، جين، في ١٩٢٩، وعادوا بعدها بفترة قصيرة إلى لندن حيث عمل توماس في معمل أبحاث رود. واصلت كاثلين أبحاثها طوال فترة حملها، وعندما كانت ابنتها صغيرة مكنتها منحة مديري المعهد الملكي التي تبلغ ٥٠ جنيهًا إسترلينيًّا من الاستعانة بخادمة تعمل بأجرة يومية؛ مما أتاح لها الوقت للعمل على حساباتها. ومع ذلك، فإن العودة إلى لندن أخلَّت بعملها التجريبي، وظلت لمدة عامين تعمل في المنزل لحل مسائل رياضية وأكثر نظرية. ولدت طفلتها الثانية، نانسي، في ١٩٣١ وفي العام نفسه تمكَّن براج من توفير تمويل كافٍ من سير روبرت موند لدفع ما يكفي من المال للونزديل لحثها على العودة إلى معمله، حيث بقيت طوال الخمسة عشر عامًا التالية. في البداية كانت المساعد البحثي لبراج ولكن لاحقًا حصلت على منح وزمالات لعملها. وولد طفلها الثالث، ستيفن، في ١٩٣٤. وفي ١٩٣٦ حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن. وعندما توفي براج في ١٩٤٢ واصلت العمل في المعهد الملكي تحت إشراف سير هنري ديل، وكانت زميل ديوار من ١٩٤٤ إلى ١٩٤٦. كان دور ديل، باعتباره رئيس الجمعية الملكية، مهمًّا في تمهيد الطريق للنساء لترشيحهن للزمالة، وفي ١٩٤٤ تم ترشيح لونزديل، بالإضافة إلى مارجوري ستيفنسون. في ٢٢ مارس ١٩٤٥ كانتا أول امرأتين تُنتخبان لزمالة الجمعية الملكية.

في ١٩٤٦ انتقلت لونزديل إلى أحد أقسام الجامعة عندما قبلت منصب مراجع في علم البلورات بكلية لندن الجامعية. كانت قد انسحبت من عملية الاختيار لكرسي الفيزياء في كلية بدفورد عندما اكتشفت قَدْر التدريس المطلوب في هذا المنصب. كذلك أصبحت محررة للجداول الدولية الخاصة بعلم تصوير البلورات بالأشعة السينية، وهو مشروع أخذ قدرًا كبيرًا من وقتها، وربما يكون قد نقص من قدرتها على متابعة أبحاثها الخاصة. في ١٩٤٩ رقِّيت إلى منصب أستاذ ورئيس قسم؛ مما مكنها من تطوير مدرستها البحثية الخاصة. وأسست دورة ناجحة في تصوير البلورات بالأشعة السينية لطلاب الكيمياء ودورة ماجستير بين الكليات بالتعاون مع جيه دي برنال في كلية بيركبيك. واستمرت في خطوطها البحثية وطورت لاحقًا اهتمامات جديدة، ولا سيما في الماس والحصوات البولية، وقد موَّل مجلس الأبحاث الطبية هذا المشروع الأخير وحوَّل اهتماماتها نحو العلوم الطبية.

منذ منتصف الخمسينيات فازت لونزديل بالكثير من الأوسمة الشرفية، على الصعيدين القومي والعلمي. في ١٩٥٦ مُنحت وسام الإمبراطورية البريطانية، وفي العام الذي يليه حصلت على وسام ديفي من الجمعية الملكية، التي كانت عضوًا في مجلس إدارتها ونائب رئيس لها من ١٩٦٠ إلى ١٩٦١. ومن ١٩٥٩ إلى ١٩٦٤ كانت السكرتير العام للجمعية البريطانية لتقدم العلوم وعملت رئيسًا لقسم الفيزياء خلال عام ١٩٦٧. وفي ١٩٦٨ كانت أول امرأة ترأس الجمعية البريطانية لتقدم العلوم. منحها ثماني جامعات بريطانية شهادات شرفية. أما خارج المملكة المتحدة فقد كانت نائب رئيس الاتحاد الدولي لعلم البلورات من ١٩٦٠ حتى ١٩٦٦، وبذلك كانت أول امرأة تشغل هذا المنصب، وقد كرِّمت أيضًا بتسمية شكل نادر من أشكال الماس يوجد في النيازك على اسمها.

كُرمت لونزديل أيضًا على أنشطتها خارج مجال العلم، بوصفها مناصرة قوية لتحسين الأوضاع في السجون وعضوًا نشطًا لحركة السلام، وقد انبثق كلاهما من معتقداتها الدينية القوية. كان كلٌّ من كاثلين وزوجها توماس قد أصبحا عضوين في جماعة بروتستانتية في ١٩٣٥، وكانت كاثلين تنظر لأدوارها كعالمة وبروتستانتية وأم كأدوار مرتبط بعضها ببعض. وقد ارتبطت هذه الأنشطة ببعضها أثناء سجنها في معتقل هولواي لرفضها دفع غرامة قيمتها جنيهان إسترلينيان فُرضت عليها لعدم تسجيلها في واجبات الدفاع المدني. لم يكن ثمة بند قانوني لرافضي الخدمة العسكرية، ومن ثمَّ أُودعت في السجن لمدة شهر. وقد زعم زوجها لاحقًا أن هذه التجربة كانت التجربة الأهم التي شكلت حياتها، ومن بعدها أصبحت منشغلة بتفقُّد السجون والعمل عضوًا في مجلس تفتيش سجن إيلزبري للنساء، ولاحقًا نائب رئيس مجلس التفتيش بمؤسسة بولوود هول بورستال للفتيات. بالإضافة إلى ذلك كانت عضوًا نشطًا في حركة السلام، وانضمت إلى رابطة علماء الذرَّة عند بداية تأسيسها، ثم أصبحت فيما بعد نائب رئيس لها. حضرت العديد من اجتماعات باجوش، وكانت رئيس القسم البريطاني لرابطة المرأة الدولية للسلام والحرية وعضوًا في لجنة الشرق-الغرب لجمعية الأصدقاء. وكانت كثيرة السفر، وفي بعض الأحيان تمكنت من الجمع بين تفقُّد السجون والمناقشات حول الأمن العالمي والاجتماعات العلمية. وقد كانت زيارات الولايات المتحدة الأمريكية في بعض الأحيان تنطوي على صعوبات، وقد أشار أحد مسئولي السفارة إلى أن ذلك كان نتيجة زيارتها «لروسيا والصين والسجون».

في ١٩٦١ تقاعد توماس وحمل على عاتقه بعض الأعباء ذات الصلة بأعمال السلام والسجون التي كانت تقوم بها. وانتقلا إلى بكسهيل في ساسيكس وأضافت كاثلين تغييرًا أساسيًّا لعملها اليومي. تقاعدت في ١٩٦٨ وأصبحت أستاذًا شرفيًّا في كلية لندن الجامعية، وواصلت الكتابة في نطاق واسع من الموضوعات، ومن بينها الحصوات البولية والماس، إلى أن وافتها المنيَّة.

العمل العلمي

كان أول الأعمال الكبرى التي قامت بها لونزديل، بالتعاون مع دبليو تي أستبري، عن العلاقة بين أنماط حيود الأشعة السينية والمجموعات الفضائية التي انبثقت منها. كان هذا بداية الاهتمام طويل الأمد بإنتاج جداول لمساعدة علماء البلورات في تحديد تركيب البلورات، وهو عمل كانت تستطيع الاستمرار فيه أثناء عملها في المنزل بعد عودتها من ليدز إلى لندن. وفي ١٩٤٨ اختارها الاتحاد الدولي لعلم البلورات لترأس لجنته الجديدة المعنية بالجداول، وتحت إشراف لونزديل ظهرت طبعتان جديدتان من الجداول الدولية في ١٩٥١ و١٩٥٩، وكانت هناك طبعة أخرى قيد الإعداد عندما تخلت عن منصبها في ١٩٦٣.

أما عن مشروعها الثاني الذي أثمر أثناء وقت عملها في ليدز، فكان يتعلق بتركيب سداسي ميثيل البنزين، وهو أول تركيب لمركَّب عطري يُعرَّف باستخدام حيود الأشعة السينية. بينت نتائجها أن حلقة البنزين توجد في الجزيء كشكل سداسي مسطح، وتأكدت هذه النتائج فيما بعد بدراسات لاحقة. كان هذا البحث أيضًا مهمًّا من الناحية المنهجية بسبب تطبيقها الناجح لمناهج فورييه لتحليل أنماط حيود الأشعة السينية.

عندما عادت إلى العمل التجريبي في المعهد الملكي تحولت اهتماماتها إلى اتجاهية الخواص المغناطيسية والضوئية كأداة مساعِدة للتحليل التركيبي. وأثناء ثلاثينيات القرن العشرين اهتمت بالحركة الحرارية للذرات في البلورات. وانطوى ذلك على تطوير مناهج تجريبية جديدة من أجل إجراء قياسات عند درجات حرارة منخفضة. أثار الماس مشاكل محددة للونزديل وزملائها من الباحثين، وواصلت عملها بعد انتقالها إلى كلية لندن الجامعية، حيث عملت على الماس مع إتش جيه ميليدج الذي أتى للعمل معها في ١٩٤٩ وأصبح شريكًا مهمًّا لها فيما تبقَّى من مسيرتها المهنية. استمرت لونزديل في العمل على الديناميكيات الشبيكة فيما بقي من حياتها، وتركت خلفها نصًّا غير مكتمل عن التوسع الحراري للبلورات عندما توفيت.

حولت لونزديل انتباهها في سنواتها الأخيرة إلى مسائل ذات طبيعة طبية وبيولوجية، وكان أول دخول لها في هذا المجال في ١٩٥٤ عندما أدركت إمكانية الربط بين النشاط الدوائي والتركيب الهندسي لمركبات ن-ميثونيوم، وتبع ذلك في أوائل الستينيات العمل على الحصوات البولية، فبدراسة تركيب وتكوين هذه الحصوات كان من المرجو معرفة أي شيء عن تكونها، واستخدام هذه المعرفة لتحديد آلية تمنع تكونها ونموها.

كانت أبحاث لونزديل مترابطة بفضل أسلوبها المبتكر والمنهجي في التجريب، وقدرتها على تطبيق علم الرياضيات على بياناتها. لقد عملت عن قرب مع فنيي المعمل سواء في المعهد الملكي أو في كلية لندن الجامعية، كما ضمنت أسماءهم كشركاء في تأليف الكثير من منشوراتها. واستفاد طلابها من ملاحظتها الناقدة لأعمالهم، وأتى الباحثون من شتى بقاع العالم للعمل معها.

كانت كاثلين لونزديل عالمة متميزة لها أيضًا نشاط واضح في إصلاح السجون وحركة السلام. وجلب لها عملها العلمي في مجال علم البلورات الكثير من الأوسمة الشرفية، وكانت من أُوليات النساء اللائي رُشحوا للجمعية الملكية، كما كانت أول امرأة تعمل رئيسًا للجمعية البريطانية لتقدُّم العلوم. وكان عملها المعني بإصلاح السجون وكواحدة من نشطاء السلام نابعًا من معتقداتها الدينية القوية. وعلى غير المعتاد للعالمات من النساء في جيلها، كانت قادرة على الجمع بين عملها العلمي والأمومة. ولم يكن هذا ممكنًا إلا بمساندة زوجها القوية لها. فدون استعداده لقبول الترتيبات المنزلية غير المعتادة التي يقتضيها عمل زوجته كان من الصعب جدًّا على كاثلين أن تستمر في عملها العلمي أثناء صغر أطفالها، ولكانت مسيرتها المهنية الطويلة والناجحة قد انتهت بعد فترة قصيرة جدًّا.

المراجع

  • Baldwin, M. (2009) Where are your intelligent mothers to come from?: marriage and family in the scientific career of Dame Kathleen Lonsdale (1903–71). Notes and Records of the Royal Society 63, 81–94.
  • Childs, p. (2003) Woman of Substance at http://www.rsc.org/chemistryworld/Issues/2003/January/substance.asp (accessed 28 July 2010).
  • Hodgkin, D. M. C. (1975) Kathleen Lonsdale. Biographical Memoirs of Fellows of the Royal Society, 21, 447–484.
  • Hudson, G. (2004) Lonsdale, Dame Kathleen (1903–1971). Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, Sept 2004; online edn, Oct 2009 http://www.oxforddnb.com/view/article/31376 (accessed 2 Aug 2010).
  • Julian, M. M. (1995) Kathleen and Thomas Lonsdale: forty-three years of spiritual and scientific life together. in Creative Couples in the Sciences (eds H. M. Pycior, N. G. Slack and p. G. Abir-Am), Rutgers University Press, New Brunswick, pp. 170–181.
  • Lonsdale, K. (1970) Women in science: reminiscences and reflections. Impact of Science on Society, 20, pp. 54-55.
  • Lonsdale, K. (1964) I believe … Cambridge University Press, Cambridge.
  • Rayner-Canham, M and Rayner-Canham, G. (2008) Chemistry Was Their Life: Pioneer British Women Chemists, 1880–1949, Imperial College Press, London.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠