بيرتا كارليك (١٩٠٤–١٩٩٠)

ماريا رينتيتسي

تشتهر بيرتا كارليك باكتشاف الحدوث الطبيعي لنظائر الأستاتين عن طريق ملاحظة عمليات تحلل جسيم الألفا المشع في ١٩٤٣، بالتعاون مع ترود كليس-بيرنارت. وبعد عامين استأنفت واجباتها بوصفها مديرًا لمعهد أبحاث الراديوم في فيينا. بالإضافة إلى ذلك، في ١٩٥٦، تمت ترقيتها إلى منصب أستاذ كامل، وكانت أول امرأة في النمسا تترقى إلى هذا المنصب. كُرمت كارليك على مدار حياتها المهنية بالعديد من الجوائز، ففي عام ١٩٧٣ انتخبتها الأكاديمية النمساوية للعلوم عضوًا فيها؛ لتكون بذلك ثاني امرأة تنضم إلى الأكاديمية بعد ليزا مايتنر. كانت عضوًا مؤسسًا في الجمعية النمساوية للفيزياء، وكانت من بين هؤلاء الذين شجعوا انضمام النمسا إلى عضوية المركز الأوروبي للأبحاث النووية. دعمت كارليك، عن دراية سياسية، زملاءها اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد أثناء فترة النازية بعد الحرب، وأصبحت نشطة في الجمعية النمساوية للنساء الجامعيات.

•••

ولدت كارليك في ١٩٠٤ في كنف أسرة أرستقراطية في فيينا. كان والدها، كارل كارليك، مديرًا لمؤسسة الرهون العقارية الوطنية للنمسا السفلى وبورجنلاند. كانت تعيش في قلعة صغيرة في ضاحية ماور بفيينا. ووفقًا لما هو متبع في طبقتها، تلقَّت تعليمها الابتدائي في المنزل، وتعلمت عزف البيانو، وتعلمت العديد من اللغات، في حين كانت تأخذ دروسًا في الرسم. ومن ١٩١٩ حتى ١٩٢٣ التحقت بالمدرسة الثانوية الإصلاحية في الضاحية الثالثة عشرة في فيينا، وخلال السنة الأكاديمية ١٩٢٣ / ١٩٢٤ سُجِّلت كطالبة منتظمة في كلية الفلسفة بجامعة فيينا. وفي ١٩٢٧ قدمت كارليك أطروحتها أمام استيفان ماير مدير معهد أبحاث الراديوم في فيينا، وهانز تيرينج مدير معهد الفيزياء النظرية. وفي الوقت نفسه أصبحت عضوًا رئيسيًّا في مجموعة هانز بيترسون البحثية بمعهد الراديوم، مركِّزة جهودها بشكل خاص على عداد الوميض. وفي العام نفسه أكملت كارليك الاختبار المؤهِّل لمهنة التدريس، وقبلت وظيفة في مدرسة ثانوية في فيينا.

أتاحت زمالة الاتحاد الدولي للنساء الجامعيات لكارليك قضاء بعض الوقت بعيدًا عن معهد الراديوم بفيينا؛ ففي خلال العام الأكاديمي ١٩٣٠ / ١٩٣١، انتقلت إلى معمل ويليام براج في لندن، وتركزت اهتماماتها البحثية على علم البلورات واستخدام الأشعة السينية في دراسة تركيب البلورات. وكانت معرفتها بالفيزياء الإشعاعية هي الشيء الذي ميزها في معمل براج، وشكلت فريقًا مع عالمتي البلورات إيلي ناجز وهيلين جيكرايست. وفي العام نفسه زارت معمل ماري كوري في باريس، وعندما عادت إلى النمسا شكلت فريقًا مع الفيزيائية إليزابيت رونا حول دراسة نطاقات جسيمات الألفا التي يطلقها الأكتينيوم والبولونيوم.

figure
بيرتا كارليك تعمل على منهج الوميض بمعهد الراديوم (المصدر: الأرشيف الخاص لأجنيس رودا).

في ذلك الوقت تقريبًا انضمت كارليك إلى مجموعة تعمل على أبحاث مياه البحر، شكَّلها عالم الفيزياء السويدي هانز بيترسون. أثارت كارليك في المنطقة التي تفصل بين علم المحيطات والنشاط الإشعاعي بالتعاون مع فريدريش هيرنيجر — وهو طالب بحثي في معهد الراديوم في فيينا — شكوكًا حول موضوعات بيولوجية متعلقة بمحتوى مياه البحر من اليورانيوم. أثناء الحرب العالمية الثانية وصلت كارليك إلى ذروة بحثها، وبالتعاون مع تراود كليس-بيرنارت، الطالب البحثي في معهد الراديوم بفيينا، أثبتت وجود عنصر بالرقم الذري ٨٥ في الطبيعة، وهو عنصر الأستاتين. وحصلت كارليك على جائزة هايتنجر في الكيمياء من الأكاديمية النمساوية للعلوم في ١٩٤٧.

بدأت مسيرة كارليك المهنية في الجامعة في ١٩٣٧ عندما حصلت على ترخيص بالتدريس في الجامعة وأصبحت محاضِرة. وبعد ثلاث سنوات مُنحت لقب مساعد، وفي ١٩٤٢ حصلت على لقب أستاذ تغذية. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة استأنفت كارليك إدارة معهد أبحاث الراديوم وبدأت إعادة هيكلته وتجديده. ورتبت لبناء معجِّل كوكروفت-والتون، الأمر الذي أدى لتطوير أبحاث الفيزياء من المغناطيس الكهربائي والبطاريات المختزنة الخاصة بالعشرينيات إلى المعجلات الضخمة الخاصة بالستينيات. وفي عام ١٩٥٠ أصبحت أستاذًا مساعدًا في جامعة فيينا، وأول امرأة تحصل على لقب أستاذ في عام ١٩٥٦. وتقاعدت في ١٩٧٤ بعد أن أسهمت بالكثير في تقدم أبحاث الفيزياء النووية في النمسا. واستمرت في العمل حتى وفاتها في ٤ فبراير عام ١٩٩٠ في فيينا عن عمر يناهز السادسة والثمانين.

كان موضوع رسالة كارليك عن تبعية الومضات التي تطلقها الجسيمات المشحونة عند اصطدامها بكبريتيد الزنك وطبيعة عملية الوميض، وهو موضوع حديث جدًّا في ذلك الوقت في أبحاث النشاط الإشعاعي. تكمن تقنية الوميض المستخدمة لاكتشاف الجسيمات النووية في قلب جدل علمي كبير بين فريقين بحثيين هما فريق إرنست رذرفورد في معمل كافنديش بكامبريدج وفريق هانز بيترسون في معهد أبحاث الراديوم بفيينا، ولعبت كارليك دورًا أساسيًّا طوال هذا النقاش الذي احتدم في العشرينيات.

بشكل عام كان عداد الوميض أداة غاية في البساطة، تتكون من شاشة وطبق زجاجي رقيق مفروش بطبقة رقيقة أيضًا من كبريتيد الزنك، وعند صدمه بجسيمات مشحونة، تُنتِج الشاشة ومضات ضوئية، وتتم مراقبة الومضات من خلال ميكروسكوب مصمم خصوصًا لزيادة سطوع الومضات. وعن طريق ضبط الميكروسكوب وقدرته على جمع الضوء، يستطيع القائم على التجربة العمل بمصادر إشعاعية ضعيفة، ويظل يرى عددًا معقولًا من الجسيمات. كانت المشاهدات التي تتم في غرفة مظلمة متعبة ومرهقة والعد ضعيفًا، وكانت تعتمد بشدة على خبرة الشخص الذي يجري التجربة.

ومن أجل تقليل الضوء الذي يدخل العين من خلال الميكروسكوب وضعت رقاقات فوتوغرافية بين الهدف والعدسة. وبالتعاون مع عالمة فيزياء أخرى، وهي العالمة إليزابيت كارا-ميخايلوفا، قاست كارليك الوميض الناتج عن جسيمات الألفا التي تصدر من البولونيوم بواسطة التيار الكهروضوئي لخلية الروبيديوم. كان إنتاج الخلية ابتكارًا جديدًا يمهد الطريق نحو إيجاد وسيلة مميكنة وأكثر موضوعية لتسجيل الومضات. وفي أعمالهما التالية، قامت السيدتان، إلى جانب مناقشة التفاصيل التجريبية للعلاقة بين إضاءة الوميض والطاقة التي تصدر من جسيمات الألفا الخاصة بالمصدر، باقتراح فرضية نظرية لشرح ميكانيكية عملية الوميض. كانتا مهتمتين بأكثر من ضبط الأداة وإعداد ومعايرة شاشات الوميض، وإجراء التجربة مع عناصر مختلفة عديدة. لقد تقدمتا بخطوة عن كل ذلك، فاقترحتا أن كبريتيد الزنك يحتوي على نقاط مميزة موجودة بالفعل في حالة نشطة قبل أن تصدمها الجسيمات.

مع ذلك، كانت هناك فروق كبيرة بين النتائج التي حققتها كارليك والتجارب المشابهة التي أجريت في كامبريدج، فيما يتعلق بمسألة تأثير كمية الضوء التي تدخل إلى العين من ومضة واحدة على إجمالي عدد الومضات الملحوظة في عملية تحلل عناصر الضوء. ولحل هذه الفروق زار جيمس شادويك، شريك رذرفورد، فيينا في ١٩٢٧. وهناك تمكَّن من أن يبيِّن تجريبيًّا أن فريق البحث الفييني كان مخطئًا في عدد الومضات الذي زعم أنه شاهده عن طريق تكرار التجربة محل الخلاف ودعوة النساء المشاركات في الفريق إلى عد الومضات. وكما وصف شادويك زيارته بنفسه قائلًا: «رتبت أن تَعُدَّ الفتياتُ وأن أحدد أنا بنفسي ترتيب العدد. ولم أُجْرِ أي تغيير في الجهاز، ولكنني حددت لهن (الفتيات القائمات على العد) أماكن فوق وتحت المقياس مثل قطة على بيانو …» لم تكن كارليك واحدة ممن قمن بالعد ولكنها كانت من الجمهور. وأكد شادويك: «وقفت الفتيات الأصغر سنًّا بسيقان متيبسة وشعر منتصب.» إلا أن كل هؤلاء النساء اللائي قمن بالعد في تجربة شادويك قطعن شوطًا بعيدًا في تصميم أدواتهن وتجاربهن، ولعبن دورًا مهمًّا في فريق بيترسون البحثي.

بمثل هذا التقدير لعمل المرأة في العلم، تركت كارليك، التي لعبت دورًا رئيسيًّا في تحسين العداد، التقنية باعتبارها بؤرة تركيز بحثها. وبدلًا منها قبلت منحة كروسبي-هول من الاتحاد الدولي للنساء الجامعيات في ١٩٣٠ وانتقلت إلى بريطانيا لمدة عام. وتمكنت من زيارة معمل ماري كوري في باريس إلى جانب معهد باستير ومعمل لوي دي برولي. ووفقًا لما قاله أوتو هان: «في زمننا كانت ميزة عظيمة لكارليك أنها عملت جنبًا إلى جنب مع علماء بارزين سواء في إنجلترا أو في فرنسا وفيما بعد في السويد، وبسبب هذا تمكنت من أن توسع أفقها أكثر مما أتيح لباقي العلماء في الحياة الطبيعية.» وكما أثبتت لنا مسيرة كارليك المهنية، كان هان على حق.

انتمت كارليك لجيل من علماء الفيزياء الذين انغمسوا في الحياة اليومية، وكانوا نشطاء اجتماعيًّا ومشاركين سياسيًّا ومستنيرين ثقافيًّا، ففي أثناء الفترة بين الحربين العالميتين كانت عضوًا في فريق مكون من بعض النمساويين الشباب المهتمين بالموسيقى والسياسة الديمقراطية. وكما اعترفت لاحقًا في حديث للراديو: «كل ما أملك قوله هو أن لدي اهتمامات فكرية متنوعة جدًّا … متنوعة جدًّا؛ لذلك أنا لا أكرس كل اهتمامي للفيزياء والعلوم؛ فأنا أهتم بقضايا متعلقة بالفن والتاريخ … كما أهتم بالموسيقى.» إلا أن الفيزياء لعبت دورًا أساسيًّا في حياتها. أثناء الفترة النازية تدهور وضع كارليك في معهد الراديوم، وكافحت للحفاظ على منصبها البحثي، وتملَّكها شعور قوي بالازدواجية والتشتت، وقررت أن تظل في فيينا رغم أنها قد واتتها فرصة مغادرة البلاد، وكما اعترفت لهيلين جليديتش: «أعتقد أن بعض أصدقائي الإنجليز ربما يتساءلون لماذا لا أغادر ألمانيا احتجاجًا؛ لقد صرت مقتنعة بأن الاحتجاج من جانب الفرد الألماني ليس له أي جدوى في الوقت الحالي، وأن البقاء في البلد ومحاولة تحسين الأوضاع قد يحقق أكثر من تركها.» على المدى البعيد، تمكنت كارليك بالفعل من تحسين البلد، ليس فقط بتحسين أبحاث الفيزياء النووية في النمسا، ولكن أيضًا بالوقوف إلى جانب أصدقائها وزملائها اليهود أثناء الاضطرابات السياسية في وقت الحرب.

المراجع

  • Bischof, B. (2004) “Junge Wienerinnen Zertrümmern Atome …” Physikerinnen am Wiener Institut für Radiumforschung, Talhheimer Verlag.
  • Lintner, K. (1990) Berta Karlik, Nachruf, Ősterreichischen Academie der Wissenschaften, Wien.
  • Rentetzi, M. (2008) Trafficking Materials and Gendered Experimental Practices: Radium Research in Early Twentieth Century Vienna, Columbia University Press, New York.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠