إيفيت كوشوا (١٩٠٨–١٩٩٩)

كريستيان بونيل

بدأت شهرة إيفيت كوشوا الدولية بعملها البحثي الأول، وأثناء تحضيرها لرسالة الدكتوراه الخاصة بها (في ١٩٣٣)، صنعت مطيافًا عالي الدقة للأشعة السينية ذا درجة سطوع عالية، يُعرف باسم «مطياف كوشوا»، وما زال هذا الجهاز يُعتبر الأفضل أداءً لنطاقات أشعة جاما والأشعة السينية العالية، وبفضل هذا المطياف، تمكنت من قياس العديد من خطوط انبعاث أشعة سينية منخفضة الكثافة خاصة بعناصر ثقيلة ونادرة. وأسهمت إسهامًا عظيمًا في تقدم علم قياس طيف الأشعة السينية وفهم تركيبات مستويات الطاقة الإلكترونية.

ومن ١٩٥٣، أطلقت إيفيت، بوصفها مدير معمل الكيمياء الفيزيائية بجامعة السوربون — ولاحقًا في جامعة بيير وماري كوري، وكلاهما في باريس — العديد من البرامج البحثية، ومن بينها تطوير مناظير طيف الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية لدراسة العناصر الخفيفة والروابط الكيميائية في المواد الصلبة وميكروسكوب الأشعة السينية، وتفاعلات الإلكترون-المادة واستخدام إشعاع السينكروترون كمصدر ضوئي في نطاق طاقة متسع يتراوح من الأشعة السينية إلى الأشعة فوق البنفسجية، وقد حققت هذه الدراسات إنجازات مهمة وأساسية في مجالات متعددة من الكيمياء الفيزيائية.

•••

ولدت إيفيت كوشوا في ديسمبر ١٩٠٨ في باريس، حيث عاشت كل حياتها، وحصلت على درجتها العلمية الأولى في السوربون في يونيو عام ١٩٢٨، وفي يوليو قُبلت في معمل البروفيسور جان بيرين، وكانت وقتها في التاسعة عشرة من عمرها ولكنها انجذبت للعلم في هذه السن الصغيرة. وبدأت تحت إشراف فرانسيس بيرين البحث في التألق الإشعاعي، وحصلت على دبلومة الدراسات العليا في ١٩٣٠. ثم اتجهت للتحليل الطيفي للأشعة السينية، وناقشت أطروحتها المعنونة: «التوسع في التحليل الطيفي للأشعة السينية باستخدام مطياف يقوم بتركيز الأشعة باستخدام لوح بلوري مقوس؛ طيف انبعاث الأشعة السينية من الغازات» في يوليو ١٩٣٣، وكانت وقتها في الرابعة والعشرين من عمرها، وسرعان ما جلب عملها الأنظار إليها على المستوى الدولي.

استخدم مخطاط الطيف الأول انعكاس براج على الألواح البلورية المستوية، وتم التحكم في قدرة التحليل باستخدام شق، والحصول على درجة دقة جيدة على حساب التألق فحسب. ومن بين محاولات عديدة أجريت لتحسين جودة هذه الأجهزة، لفت اقتراح إتش إتش يوهان باستخدام الانعكاس من سطح مقعر للوح بلوري مقوس انتباه كوشوا. وفي هذه التجربة، كان من الممكن تركيز الإشعاع المنعكس من حزمة أشعة سينية كبيرة، ولكن درجة الدقة كانت منخفضة جدًّا في نطاق الأشعة السينية الصعب؛ بسبب صغر زوايا براج؛ لذلك لم تكن هذه الوسيلة مجدية إلا في نطاقات الأشعة السينية اللينة.

figure
إيفيت كوشوا (الصورة مقدمة من المؤلفة).

كانت فكرة كوشوا وقتها هي استخدام الانعكاس من الألواح البلورية الموجهة إما عموديًّا، أو بشكل مائل، بالنسبة لسطح اللوح البلوري المقوس. تصطدم الأشعة بالوجه المحدب للوح البلوري، ويترك الإشعاع المنعكس الوجه المقعر حسب زاوية النقل ويصطدم بالكاشف في المنطقة المقابلة لزوايا براج الكبيرة. يتجمع الإشعاع المنعكس على منطقة ضيقة؛ الأمر الذي يزيد من الإضاءة. كان الجهاز يتميز بقدرته التحليلية العالية وإضاءته العالية بالمقارنة، بالأجهزة الأخرى. توصلت إيفيت كوشوا إلى فكرة هذا الجهاز (١) ووضحت اهتمامه بالتحليل الطيفي عالي الدقة وكذلك كموحد لون لدراسة حيود الأشعة السينية (٢). واستخدمت تقنية اللوح البلوري المقوس لعمل أول نظام لتركيز الأشعة لتكوين صور أشعة سينية للأجسام الحقيقية الشفافة أو المعتمة (٣).

بفضل الجودة العالية لهذا المطياف، تمكنت من ملاحظة طيف الأشعة السينية المنبعث من الغازات النادرة الثقيلة للمرة الأولى، وكان هذا الطيف غير معروف حتى ذلك الوقت لأنه كان يتطلب جهازًا قادرًا على قياس انبعاث مصادر الأشعة السينية منخفض الكثافة. كانت ملاحظاتها مهمة جدًّا للمجتمع العلمي، وانتشر استخدام هذا المطياف بسرعة شديدة في جميع مراكز الأبحاث التي تستخدم التحليل الطيفي للأشعة السينية وتطبيقها؛ على سبيل المثال في معامل البروفيسور مان سيجبان (أوبسالا) والبروفيسور كرامرز (لايدن) والبروفيسور زيمان (أمستردام) وفي بلدان أوروبية عديدة أخرى، وفي الاتحاد السوفييتي واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا.

نظرًا لزيادة الإضاءة، قاست كوشوا بدقة عالية طيف كيه المنبعث من الأرجون والزينون بالكامل، بما في ذلك الخطوط ذات الكثافة المنخفضة جدًّا، ثم قامت بدراسة الخطوط الضعيفة، التي يطلق عليها الخطوط التابعة، المصاحبة لخطوط الأشعة السينية الطبيعية والتي تقابل الانتقالات في الذرات المتأينة المتزايدة، وكانت معظم هذه الخطوط مجهولة وقتها، ولاحظت مجموعة جديدة من الخطوط التابعة، وحددت للمرة الأولى طاقات المستوى الأساسي للذرات الثقيلة المتأينة متعددة المستويات.

بعد ذلك تولت إيفيت كوشوا، بالتعاون مع إتش إتش هولوبي، مهمة اكتشاف عناصر نادرة: أولًا، أثبتا وجود عنصر رقمه الذري ٩٣ (نبتونيوم) في معادن اليورانيوم، ولاحظا طيف إل الخاص بالبولونيوم من عينات تزن ميكروجرامات قليلة، موضحين خطوطًا كثيرة من هذا العنصر ومؤكدين أن رقمه الذري ٨٤ فعلًا، ثم حللا الانبعاثات الطبيعية للعناصر الوليدة للرادون، وعرفا عناصر معروفة بالفعل هي ٨٢ و٨٣ و٨٤. علاوة على ذلك، قاما باكتشاف عنصر غير معروف، هو العنصر ٨٥، من ملاحظة خطوطه الأساسية الثلاثة التي قيست أطوالها الموجية بدقة عالية بسبب حدتها (٤). جدير بالملاحظة أن الأطوال الموجية المقاسة لهذه الخطوط الثلاثة والتي يعزوها هولوبي وكوشوا للعنصر ٨٥ تتوافق تمامًا مع الحسابات الحالية باستخدام برنامج ديراك-فوك متعدد التكوين، والتي تشمل تفاعل بريت وتعديلات الديناميكا الكهربية الكمية، التي لم تكن متاحة وقتها؛ مما يدل على انعدام الشك في هذه الخطوط مصدرها هو العنصر ٨٥. وقد أثير نقاش مؤخرًا من قِبل ثورنتون وبورديت (٤) حول هذه المشاهدات القديمة التي يتضح منها أن هولوبي وكوشوا كانا أول من أثبت وجود العنصر ٨٥.

figure
طيف انبعاث إل الخاص بالبلوتونيوم: مشاهدة انتقالات مغناطيسية ثنائية القطب، وبعض الانتقالات رباعية الأقطاب، وبعض الخطوط التابعة والانتقالات من إلكترونات التكافؤ للمرة الأولى. العينة عبارة عن شاشة أكسيد البلوتونيوم المثارة بواسطة التألق بمساعدة أنبوب أشعة سينية. اللوح البلوري العاكس عبارة عن لوح مصنوع من مادة الميكا موازٍ لمائة مستوًى. نطاق الطيف من ٠٫٥ إلى ١ أنجستروم. الخطوط المعتمة ناتجة عن الانعكاسات على مستويات بلورية أخرى (٥).

لا نستطيع أن نسرد الاهتمامات البحثية المختلفة الكثيرة التي شغلتْها طوال مسيرتها العلمية الطويلة. ومن بين الأعمال البارزة جدًّا، نذكر دراسات الرابط الكيميائي من طيف امتصاص الأشعة السينية (٦)، وأول مشاهدة لانعكاس الأشعة السينية من البلورات في منطقة انحرافها (٧)، وتحليلًا ممتازًا لتفاعلات الإلكترون مع المادة بما في ذلك فصل عن إشعاع السنكروترون (٨).

في ١٩٣٢، حصلت على واحدة من أُوليات المنح البحثية من المركز القومي الفرنسي الجديد للعلوم، الذي أسسه بيرين في ١٩٣٠، وأصبحت لاحقًا عضوًا دائمًا في هذا المركز (١٩٣٧) ثم في المركز التالي، وهو المركز القومي للأبحاث العلمية الذي أُسس في ١٩٣٩. بوصفها باحثة شابة في معمل الكيمياء الفيزيائية، الذي يرأسه جان بيرين، أقامت علاقات كثيرة مع العلماء الأجانب المعروفين الذين زاروا المعمل، وكانت حفلات شاي الإثنين هي مكان التقاء الشخصيات المهمة للمجتمع العلمي والثقافي في باريس في تلك الفترة، وكانت دائمًا ما تتحدث بحماس عن سنوات ما قبل الحرب التي جمعت بين جان بيرين وماري كوري وإيرين جوليو-كوري وفريدريك جوليو وبول لانجفان، والباحثين الشباب مثل فرانسيس بيرين وبيير أوجر ولوي لوبرينس-رينجيه وغيرهم الكثير.

أثناء سنوات الحرب، من ١٩٤٠ إلى ١٩٤٥، عندما اضطر جان بيرين للسفر للولايات المتحدة، كانت مسئولة عن استمرار الأبحاث في معمل الفيزياء الكيميائية، وظلت هناك عندما أصبحت أستاذًا مساعدًا في السوربون في ١٩٤٥ ثم أستاذًا كاملًا في ١٩٥١. وفي ١٩٥٣ أصبحت مديرة المعمل ورُشحت لمنصب رئيس قسم الكيمياء الفيزيائية. وأصبح مبنى معمل الفيزياء الكيميائية صغيرًا جدًّا على مجموعة باحثي الكيمياء الفيزيائية الباريسيين الذين نجحت في جذبهم حولها؛ ولذلك؛ فقد أسست في ١٩٦٠ مركز الكيمياء الفيزيائية في أورساي، بالقرب من باريس، وأدارت كليهما لمدة عشر سنوات. وكانت رئيس الجمعية الفرنسية للكيمياء الفيزيائية من ١٩٧٥ حتى ١٩٧٨. وبعد أن تقاعدت في ١٩٧٨، استمرت في العمل في المعمل حتى ١٩٩٠، وكانت تقدس هذا المكان الذي وهبته الجزء الأفضل من حياتها. ومن ١٩٩٠ أصبحت طريحة الفراش من جرَّاء إصابتها بالتهاب حادٍّ في المفاصل. وفي نهاية أغسطس ١٩٩٩، ذهبت في رحلة إلى رومانيا وتوفيت هناك، عن عمر يناهز التسعين، في ١٩ نوفمبر ١٩٩٩.

حصلت إيفيت كوشوا على وسام جوقة الشرف، وعلى وسام السعفات الأكاديمية (وهو وسام فرنسي يُمنح لمن يقدمون خدمات للتعليم)، وعلى وسام الاستحقاق الوطني، ومُنحت دكتوراه شرفية من جامعة بوخارست عام ١٩٩٣. ونالت العديد من الجوائز على عملها البحثي، منها جائزة الجمعية الفرنسية للفيزياء (١٩٣٣)، وثلاث جوائز من أكاديمية العلوم (١٩٣٥ و١٩٣٦ و١٩٤٦)، ووسام الجمعية التشيكوسلوفاكية للتحليل الطيفي (١٩٧٤)، والميدالية الذهبية لجامعة باريس (١٩٨٧).

المراجع

  • Cauchois, Y. (1932) Spectrographie des rayons X par transmission d’un faisceau non canalisé à travers un crystal courbé (1). J. Phys., série VII, III, 320; Cauchois, Y. (1933) Spectrographie des rayons X par transmission d’un faisceau non canalisé à travers un crystal courbé (2). J. Phys., série VII, IV, 61.
  • Cauchois, Y. (1932) Une nouvelle méthode d’analyse des poudres cristallines par les rayons X, utilisant un monochromateur à crystal courbé. Compt. Rend. Acad. Sci., 195, 228.
  • Cauchois, Y. (1950) Sur la formation d’images avec les rayons X. Rev. Opt., 29 (3) 151.
  • Thornton, B. F. and Burdette, S. C. (2010) Finding eka-ionine: discovery priority in modern times”, Bull. His. Chem., 35 (2), D76.
  • Cauchois, Y. and Manescu, I. (1956) Spectres de fluorescence L du plutonium, Compt. Rend. Acad. Sci. 242, 1433.
  • Cauchois, Y. (1954) Spectres X et liaison chimique, J. Chim. Phys., 51, D76.
  • Cauchois, Y. (1956) Distribution spectrale dans les régions d’absorption propre de divers cristaux, Compt. Rend. Ac. Sc. 242, 100.
  • Cauchois, Y. and Heno, Y. (1964) Introduction à l’Emploi de Rayonnements en Chimie Physique. Cheminement des Particules Chargées, Gauthier-Villars, Paris.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤