فيلومينا نيتي بوفه (١٩٠٩–١٩٩٤)

ماركو شاردي ومريم فوكاشا

كانت فيلومينا نيتي عالمة تتصدر عملية تطوير علم الصيدلة والكيمياء العلاجية بعد الحرب العالمية الثانية. وتعاونت مع أخيها، فيديريكو، وزوجها، دانيال بوفه، في إجراء جزء كبير من الأبحاث المهمة التي أجريت في المجالات التي تتراوح بين علم الصيدلة العام والعلاج الكيميائي بعقاقير السلفا، وعلم صيدلة الجهاز العصبي النباتي، والعلاج المضاد للحساسية واستخدام عقار الكورار التخليقي في التخدير، ومحسنات التوازن الهرموني وعقاقير الجهاز العصبي المركزي. وحصل زوجها على جائزة نوبل عام ١٩٥٧، وشعر الكثير من الزملاء أن فيلومينا قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تحقيق هذا الإنجاز.

•••

ولدت فيلومينا في ١٠ يناير عام ١٩٠٩، وهي ابنة فرانشيسكو سافيريو نيتي — كان رئيس وزراء في ١٩١٩ و١٩٢٠ واقتصاديًّا مشهورًا — وأنتونيا بيرسيكو. كان لها أخت واحدة، هي ماريا لويجا، وثلاثة إخوة: فينشينزو وجيوسيبي وفيديريكو، الطبيب، الذي شاركها في جزء كبير من مسيرتها العلمية.

قضت طفولتها بين نابولي، حيث عاشت مع جديها لأبيها، وروما، حيث كان الإقامة الأساسية لوالديها، وكانت تجتمع مع الأخيرين في الغالب أثناء إجازات الصيف الطويلة التي تقضيها في منزلهما في أكوافريدا.

تغيرت حياة فيلومينا البالغة من العمر ثلاثة عشر عامًا على نحو جذري بعد عام ١٩٢٢، إثر أحداث متصلة بقدوم الفاشية. تعرض آل نيتي لهجمات متكررة من قِبل فِرَق الفاشيين، وهوجم منزلهم في روما، وتم نهبه وتدميره؛ ومن ثم عادوا إلى نابولي. ولكن حياتهم اليومية لم تتحسن كثيرًا، فحتى الذهاب للمدرسة كان مهمة صعبة، وأصبحت فيلومينا وأخوها فيديريكو هدفين لسلسلة من الهجمات. في ظل هذا المناخ الذي كثيرًا ما أُجبر فيه فرانشيسكو سافيريو نيتي على الاختباء، أخذ قرار الرحيل من إيطاليا، فغادر مع أسرته إلى زيورخ ثم انتقلوا إلى باريس.

التحقت فيلومينا بمدرسة أليانس فرانسيز المسائية لكي تتعلم الفرنسية عن ظهر قلب، ثم تمكنت بعد ذلك من الالتحاق بمدرسة سيفينيه «الشهيرة»، وبعد إنهاء المدرسة التحقت بكلية العلوم الطبيعية، وفي الوقت نفسه تقريبًا بدأت كفاحها السياسي، ففي عام ١٩٣٠ تقريبًا دخلت قطاع الشباب في الحزب الشيوعي، ثم سافرت إلى روسيا، حيث عملت في كلٍّ من «جورنال دي موسكو» وفي الصليب الأحمر، في الوقت الذي كان فيه تحت إدارة إيلينا ستاسوفا.

عند عودتها إلى فرنسا عملت محللة كيميائية لعدة سنوات، قبل أن تلتحق بمعهد باستير (١٩٣٨)، أولًا «كضيفة» ثم بمنحة.

كان معهد باستير يملك بيت زواحف رائعًا، استمتعت فيه الباحثة الشابة بإجراء دراسات قيِّمة من أجل رسالتها حول سم الكوبرا، وكانت مغرمة بهذه الكائنات التي تدرسها، وكانت ترفض أن ترتدي حقائب أو أحذية أو ملابس مصنوعة من جلد الزواحف. وكان أخوها يعمل بالفعل في المعهد منذ عدة سنوات في معمل الكيمياء العلاجية مع دانيال بوفه، وكان لقاء الباحثة الشابة بالأخير سببًا في تغيير مصيرها للأبد؛ حيث تزوجا في ١٩٣٩، وعاشا معًا حياة تتسم بالتفوق العلمي والولع بالبحث.

انتقل الزوجان إلى إيطاليا في ١٩٤٦، وهناك دعا دومينيكو ماروتا دانيال بوفه لأن يصبح رئيس معمل الكيمياء العلاجية في معهد الصحة الإيطالي الوطني.

بعد استقالته من منصبه في معهد الصحة الإيطالي الوطني، انضمت فيلومينا نيتي بالمجلس القومي الإيطالي للبحوث في ١٩٦٤ وظلت هناك حتى ١٩٧٥.

كانت فيلومينا نيتي واحدة من الرواد في العصر الذهبي لعلم الصيدلة وتطوير الكيمياء العلاجية، وقد دخلت في هذا الفرع البحثي نتيجة لدراسات الدكتوراه الخاصة بها، وكان تأثير سم الكوبرا على انحلال الدم هو نقطة البداية التي أدت بها إلى إجراء دراسات عميقة حول طريقة تأثير السموم الأخرى في الجسم، بهدف الوصول إلى سبل محتملة لعلاجها.

كوَّن الثلاثي فيديريكو وفيلومينا ودانيال فريقًا متضافرًا ملتحمًا، وفي فترة الاحتلال الألماني العصيبة استخدموا الجهاز الوحيد المتوفر لديهم — جهاز بث واستقبال لا سلكي — لمواكبة تطورات البحث في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، وكرسوا أنفسهم لزراعة سلالات من البنسيلين، وتمكنوا من إنتاج كميات بسيطة منها باستخدام معدات مصنوعة يدويًّا بالكامل لتوفيرها لقوات التحرير الفرنسية.

في باريس، كانت نيتي رائدة في تأسيس مسار جديد للدواء التجريبي. كانت هذه هي السنوات التي وَضَعت فيها الأبحاثُ المعمليةُ على المرضى، التي كثيرًا ما تمت في ظل ظروف صعبة، أُسُسَ اكتساب المعرفة، والتي لُخِّصَت لاحقًا في كتاب شارك في تأليفه فيلومينا ودانيال، ونُشر في ١٩٤٨ تحت عنوان «البنية الكيميائية والتأثير الديناميكي الدوائي للعقاقير على الجهاز العصبي الخامل». ويعدُّ هذا العمل نقطة انطلاق لتطوير العمل البحثي في العقود اللاحقة، سواء في فرنسا أو على الصعيد الدولي، وقد اكتسب هذا الكتاب شهرة واسعة في المجتمع العلمي.

يُعتبر وصول نيتي وبوفه إلى إيطاليا من اللحظات المهمة في عملية إحياء البلد في فترة ما بعد الحرب، وأصبح معملهما مركزًا للتفوق للبحث الإيطالي في علم الصيدلة. وأصبح قِبلَة للباحثين من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك عالم الكيمياء الحيوية بوريس تشين الحاصل على جائزة نوبل.

لعبت فيلومينا دورًا أساسيًّا في المعهد المقام في روما، حيث كانت تُرحب بالباحثين الجدد وتدربهم وتساعدهم في بدء العمل البحثي. كانت مسئولة عن إدارة ما يطلق عليه «المدرسة الابتدائية» في معمل الصيدلة، والإشراف على تمرين المواهب الشابة. وقد دربت فيلومينا أثناء قيامها بدورها «كمعلمة في المدرسة الابتدائية» غيرها من الشخصيات النسائية الرائدة في حياة معهد الصحة الإيطالي الوطني في ذلك الوقت من أمثال: ماريا ماروتا، وماريا أدا أيوريو، وواندا سكونياميليو، وماريسا بيتساري، وماريا أماليا تشاسكا.

لعبت دورًا حيويًّا في بحوث الكيمياء العلاجية في النصف الأول من القرن العشرين. ويعد الإخلاص الذي بينته خلال سنوات عملها في معهد باستير والسنوات اللاحقة عاملًا مؤثرًا في حصول زوجها دانيال بوفه على جائزة نوبل في عام ١٩٥٧. ولم يكن من قبيل الصدفة أن كتب عالم النفس الإيطالي أوجو تشيرليتي رسالة تهنئة للزوجين في نفس العام، وجهها إلى كليهما وهنأهما معًا على الفوز بتلك الجائزة التي ستساعد في تمويل مشروعهما البحثي المشترك.

المراجع

  • Bignami, G. (1993) Ricordo di Daniel Bovet, in Annali dell’Istituto Superiore di Sanità, 29, suppl. n. 1.
  • Bignami, G. and Carpi De Resmini, A. (2005) I Laboratori di Chimica Terapeutica dell’Istituto Superiore di Sanità, Istituto Superiore di Sanità, Roma.
  • Gobetti, C. (1986) Conversazione con Filomena Nitti, Mezzosecolo. Materiali di Ricerca Storica, pp. 397–430.
  • Passione, R. and Bovet, F. N. (2008) in Scienza a Due Voci. Le Donne Nella Scienza Italiana dal Settecento a Novecento, (eds V. Babini and R. Simili) (www.scienzaa2voci.unibo.it).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤