هيلجا روبسامن-شيف (١٩٤٩–…)

سوزان بارتل

كانت الأستاذة الدكتورة هيلجا روبسامن-شيف نائب الرئيس والرئيس الدولي لأبحاث مكافحة العدوى في باير للرعاية الصحية (ألمانيا) وهي الآن الرئيس التنفيذي لشركة باير، وهي شركة منبثقة عن شركة إيه آي كيورز جي إم بي إتش التي كانت ترأسها منذ تأسيسها. كان اهتمامها البحثي كعالمة في الكيمياء الحيوية منصبًّا على أبحاث السرطان حيث كانت رائدة في دراسة الفيروسات القهقرية. فيما بعد، بدأت البحث في الإيدز وقامت بتطوير اختبارات، وأثبتت وجود عدة صور مختلفة من فيروس نقص المناعة البشري. وقامت بتطوير عقاقير جديدة داخل باير إيه جي، ولاحقًا داخل إيه آي كيورز جي إم بي إتش. ومن بين الجوائز الكثيرة التي حصلت عليها البروفيسور روبسامن-شيف جائزة ماسترماشر «أفضل مدير لعام ٢٠٠٤».

•••

تقول الأستاذة الدكتورة هيلجا روبسامن-شيف: «ينبغي أن تفهم النساء أن العلوم الطبيعية ليست كتابًا مغلقًا.»

وهي ترى أن «العلوم الطبيعية مسلِّية للغاية.» بشكل خاص، يقدم مجال الكيمياء احتمالات متنوعة للغاية لحياة المرء المهنية؛ ونظرًا لكونها عالمة ناجحة جدًّا لأكثر من ٢٥ عامًا، فهي بالتأكيد تعرف تمامًا ما تتحدث عنه.

على أية حال، عندما بدأت هيلجا دراسة الكيمياء في جامعة مونستر كان عدد الطالبات في هذه المنطقة قليلًا للغاية، حيث كان هناك ١٠٪ من الطلاب من البنات بالمقارنة ﺑ ٩٠٪ من البنين. وفي أواخر ستينيات القرن العشرين كانت الفتيات اللائي يلتحقن بالجامعات يُتَّهمن بأنهن يسعين للبحث عن أزواج ولسن مهتمات بالفعل بدراستهن. لم تكن الكيمياء هي اختيار بروفيسور روبسامن-شيف الأول؛ إذ كانت في البداية مهتمة بالعلوم الطبية، ولكن في عمر الثامنة عشرة، كانت تخاف جدًّا من أن ترتكب أخطاءً إذا عملت ممارسًا عامًّا، وتقول عن ذلك: «لم أكن لأسامح نفسي مطلقًا إذا ارتكبت أي خطأ.» واختارت أن تجرب دراسة الكيمياء؛ تأثرًا بأمها التي كانت دائمًا مهتمة بالروابط الحيوية والبيئية. وتعترف الأستاذة روبسامن-شيف ضاحكة: «لم أكن أعرف عن هذه المادة أي شيء.» بالإضافة إلى ذلك، لم تكن المهارات المكتسبة في المدرسة من مستلزمات دراسة هذه المادة. كانت مدرسة البنات التي التحقت بها تركز بشكل أساسي على الفلسفة والفن واللغات البائدة مثل اللاتينية، وكانت الكيمياء تُعدُّ مادة ذات أهمية ثانوية فحسب، ومن ثمَّ كانت تُدرس لمدة سنة على الأكثر، وحتى لو كان زملاؤها الطلاب لم يعبِّروا صراحة عن قبولهم لدراسة البنات للكيمياء؛ فقد تمكنت من العثور على أصدقاء ساعدوها على الحد من الفجوات في تعليمها. وبعد أن نجحت في اجتياز الاختبار التمهيدي، حصلت روبسامن-شيف على منحة من المؤسسة الأكاديمية القومية الألمانية.

figure
هيلجا روبسامن-شيف.

مع ذلك، كانت لا تزال تشكُّ فيما إذا كانت الكيمياء هي الاختيار الأمثل لها، أم أن عليها أن تتخذ مسارًا آخر. بعد ذلك أتت على تطوير الخلايا السرطانية وطريقة عملها في منتدى مدرسة صيفية؛ ومن ثم قررت الطالبة الشابة أن تتخصص في الكيمياء الحيوية، وتقول روبسامن-شيف: «كان هدفي ماثلًا أمامي، ومن هذه اللحظة كنت أعرف ما أريد أن أفعله.»

في سن الرابعة والعشرين كانت قد حصلت بالفعل على الدكتوراه مع مرتبة الشرف، ثم قادها عملها باحثة فيما بعد الدكتوراه للعمل بالخارج في جامعة كورنيل، بإيثاكا (نيويورك)، إحدى جامعات رابطة اللبلاب في الولايات المتحدة الأمريكية. في هذه الأثناء عمقت معرفتها في مجال الكيمياء الحيوية. وعلى الرغم من أن روبسامن-شيف قد حققت الكثير من الإنجازات في سن صغيرة، فإن عملها لم ينَلِ التقدير قبل ذهابها إلى الولايات المتحدة. وقد ذكرت أن ظروف العمل بالنسبة للنساء كانت مختلفة تمامًا هناك بالمقارنة بالظروف في وطنها، وتتذكر روبسامن-شيف: «في ألمانيا لم يكن هناك من يعوقني ولكن لم أكن أتمتع بسمعة طيبة.» في ألمانيا كانت تركز تركيزًا كاملًا على أبحاث السرطان عن طريق البحث عن نظام مناسب لدراسة تنمية خلايا سليمة في الخلايا المسرطِنة. وقد ثبت أن فيروس آر إس في الذي يحتوي على جين واحد فقط لا غير هو أنسب نموذج، وفي السنوات التالية ركزت انتباهها على بحث هذا الفيروس. والآن أصبحت دراسة الفيروس القهقري (فيروس الرنا) معيارية في أبحاث السرطان المعروفة ولكن روبسامن-شيف هي مبتكرة هذه الطريقة.

أثناء انشغالها التام بمجال بحث السرطان في الثمانينيات، دخلت روبسامن-شيف في مجال بحث الإيدز. وبسبب تنوع أعراض المرض، كانت على يقين من أن الإيدز يتسبب فيه أكثر من فيروس واحد، وثبت صدق حدسها، واكتشفت مع زملائها العديد من مزارع فيروس نقص المناعة البشرية. في ذلك الوقت كانت قد أصبحت مؤهلة للعمل محاضِرةً جامعيَّة في مجال الكيمياء الحيوية، وعملت في معهد جيورج سباير هاوس لأبحاث العلاج الكيميائي في فرانكفورت. كان البروفيسور بريد المدير الإداري هو من اقترح على روبسامن-شيف أن تصبح المدير العلمي والإداري للمعهد. وتعترف روبسامن-شيف بأنها لم تكن على ثقة من قدرتها على تولي هذا المنصب. ولكن البروفيسور بريد لم يكن لديه أي شك في قدرتها، وببساطة طلب منها «تجربة العمل وحسب». ترى الآن أن شكوكها هذه كانت مجرد رد فعل أنثوي تقليدي. ولكن خلال مسيرتها المهنية تعلمت روبسامن-شيف أن الآباء الذين أنجبوا بناتًا، مثل البروفيسور بريد، أكثر استعدادًا لمنح فرص للشابات الطموحات المدربات.

خلال سنوات قليلة من تعيينها مديرًا جديدًا للمعهد، تمكنت من تحويل معهد جيورج سباير هاوس من مؤسسة محدودة الإمكانيات بميزانية سنوية تبلغ ٢٠ ألف مارك ألماني إلى معهد بحثي ممتاز تبلغ ميزانيته الآن أكثر من ١٠٠ ألف مارك ألماني سنويًّا. صممت روبسامن-شيف اختبارات فيروس نقص المناعة البشري وتقدمت للحصول على براءة اختراع عن هذه الاختبارات. علاوة على ذلك عملت على تطوير علاجات تكافح الفيروس وتعاونت مع أوشست وباير.

وفي الوقت نفسه الذي بدأت فيه العمل مديرًا إداريًّا، أصبحت روبسامن-شيف أمًّا لطفل، ولكن الأمومة لم تمنع الباحثة الطموحة من العمل. وكما تقول روبسامن-شيف، كان طفلها طفلًا مخطَّطًا له. وبمساعدة مربيةٍ وزوجها تمكنت من التعامل مع الوظيفتين. إن وجود شريك حياة متفهم ومتعاون — وأيضًا أقارب — هو أساس أي حياة أسرية ناجحة ومنظمة، ولكن الأبوين يجب أن يكونا على استعداد لإدارة الأسرة بطريقة تجعلها لا تعوق الحياة المهنية. وتشعر روبسامن-شيف أن من الضروري للأبوين أن يكونا على أهبة الاستعداد في حالة افتقاد الدعم الحكومي في حضانات الأطفال.

في ١٩٩٤ انتقلت البروفيسور روبسامن-شيف إلى الصناعة، وعرض عليها باير إيه جي منصب مدير قسم أبحاث مكافحة الفيروسات، وبهذا أصبح لديها فرصة ليس فقط لإجراء الأبحاث ولكن أيضًا لتطوير عقاقير جديدة. وهكذا دخلت عالمًا جديدًا، فمن ناحية مرت بتجربة النطاق الزمني الطويل لإطلاق عقار جديد، من التطوير إلى الاستخدام الفعلي للعقار. ومن ناحية أخرى، كان عليها أن تتعامل مع ميزانية سنوية تبلغ حوالي ١٧٫٥ مليون يورو بالمقارنة بميزانية معهد جيورج سباير هاوس التي كانت تبلغ بضع مئات الآلاف فحسب. بعد سبع سنوات، في ٢٠٠١، قبلت منصب نائب رئيس والرئيس الدولي لأبحاث مكافحة العدوى في باير للرعاية الصحية (ألمانيا). عندما انتوت شركة باير فصل القسم وتحويله إلى شركة مستقلة، مرة أخرى كانت البروفيسور روبسامن-شيف هي مَن طُلب منها أن تصبح الرئيس التنفيذي للشركة الجديدة.

تقول روبسامن-شيف: «هذا القرار جعل الكوابيس تراودني. كان وقتًا عصيبًا في مسيرتي المهنية.» أخذت الخطوة الجديدة بشجاعة، رغم أن ترك زملائها وشركتها لم يكن شيئًا بسيطًا. علاوة على ذلك، كانت رئاسة شركة إيه آي كيورز جي إم بي إتش حديثة الإنشاء التنفيذية تعني أيضًا إعادة تحديد موضع حياتها العملية. وهي تقول عن ذلك: «كان خلق ظروف ممتازة لزملائي وللشركة الجديدة مع الاستمرار في العمل في شركتي القديمة أمرًا معقدًا جدًّا.»

ترى روبسامن-شيف أن نجاحها كان نتيجة استعدادها للمجازفة، والسير وراء ميولها، وعملها الدائب وتخليها عن الطرق القديمة. وتستطيع النساء تحقيق النجاح إذا كنَّ مهيئات لفعل ذلك، كما أن نقص الخبراء في العلوم الطبيعية يمنح فرصًا جيدة للشابات. مع ذلك تعترف روبسامن-شيف بأن ظروف المعيشة الأساسية مهمة للغاية، وتتضمن هذه الظروف على سبيل المثال حضانات الأطفال جيدة التنظيم، وكذلك استعداد المجتمع لتقبل النساء العاملات الناجحات، ويجب على المرأة نفسها أن تتخذ الخطوات اللازمة. ومن وجهة نظرها فإن الأطفال لا يمنعون المرأة من العمل، ولكنها تعتبر الفترات الطويلة بين الولادة والعودة للعمل «سامة»، فمن المهم أن تظل المرأة على اتصال دائم بمكان عملها أثناء إجازة الوضع، وأن تعود للعمل في أسرع وقت ممكن.

ما زالت الأكاديمية الناجحة التي حصلت على وسام استحقاق الصليب الفيدرالي من الدرجة الأولى وعلى جائزة ماسترماشر «أفضل مدير لعام ٢٠٠٤» لديها أحلام خاصة بمهنتها: «أتمنى في يوم من الأيام أن يباع أحد العقاقير التي ابتكرناها في إيه آي كيورز في الصيدليات في جميع أنحاء العالم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠