كاترينا لاندفستر (١٩٦٩–…)

كاترينا الشمري

الأستاذة الدكتورة كاترينا لاندفستر هي أول مدير من النساء لمعهد أبحاث ماكس-بلانك في الكيمياء (وثاني مدير من النساء على مستوى ١٢٨ معهدًا مماثلًا) وعُينت عام ٢٠٠٨ كأحد مديري معهد أبحاث البوليمرات في ماينتس. وهي كيميائية متخصصة في مجال البوليمرات وكانت رائدة في استخدام المستحلبات المصغرة في تخليق مواد جديدة باستخدامات واسعة تمتد من الحافزات متباينة الخواص إلى تسليم العقار.

«نعم، أنت تستطيع، إذا أقنعت نفسك أنك تستطيع عملها.»

هذا هو شعار كاترينا لاندفستر.

ولدت كاترينا لاندفستر، الابنة الكبرى بين ثلاثة أبناء، في ١٩٦٩ في بوخوم، وهي مدينة كبيرة في منطقة وادي نهر رور، حيث عاشت إلى أن بلغت الثانية عشرة من عمرها. كان والدها أستاذًا جامعيًّا لِلُّغة الإغريقية، وكان أول شخص مهم في حياة لاندفستر، ولم يتخَلَّ قطُّ عن تشجيعها في كل مرحلة من مراحل حياتها العلمية. أما والدتها فقد عملت في دراسة الثقافة السلافية لمدة عشر سنوات إلى أن قررت أن تصبح فنانة وتعطي كذلك دروس رسم للأطفال.

انتقلت الأسرة إلى جيسن، وهي مدينة في قلب ألمانيا، عندما حصل والدها على منصب جديد في الجامعة المحلية. وجيسن هي مدينة يوستوس فون ليبيج التي تحتوي على واحد من أهم عشرة متاحف كيمياء في العالم، وتضم المعمل الأصلي وقاعة محاضرات العالم فون ليبيج؛ لذلك ربما كان طبيعيًّا أن تهتم لاندفستر بالكيمياء عندما كانت في الصف التاسع. كان التعليق الذي تسمعه عندما تحاول التعبير عن خططها المستقبلية: «الكيمياء ليست للنساء.» لذلك غيرت رأيها في البداية وفكرت أن تصبح مدرسة للغة اللاتينية والإغريقية والتاريخ، ولكن قبل حصولها على شهادة الثانوية بيوم واحد قررت أنها لن تكون على استعداد لأقلمة نفسها مع أفكار المجتمع المحيط وكرست نفسها لأن تثبت للعالم أنها ستنجح في الكيمياء.

قررت، ربما كنوع من العناد، أن تتخصص في الكيمياء التقنية؛ ومن ثم اختارت جامعة دارمشتادت التقنية، وعندما بدأت الدراسة كان الإناث يمثلن حوالي ٢٠٪ من الطلاب الجدد (في الكيمياء)، وربما كان ذلك لأنها جامعة تقنية. وكان أول ما سمعته في قاعة المحاضرات: «انظري يمينًا ويسارًا على زميلاتك البنات؛ فقريبًا سيتزوجن ويتوقفن عن الدراسة.» أثبتت لاندفستر أنهم كانوا على خطأ. وكانت تكره التعليقات من نوعية «هل لي أن أساعدك؟» عندما كانت تستشعر التفكير الكامن وراءها «لأنك فتاة ومن ثمَّ لا تستطيعين القيام بهذا.» وبالنسبة لها كان هذا سببًا في أن تضاعف مجهودها للنجاح بمفردها. من أجل الجزء التجريبي من أطروحة الدبلومة انتقلت إلى كلية تطبيقات البوليمرات العليا في استراسبورج حيث عملت مع البروفيسور إم لامبلا لمدة اثني عشر شهرًا، من بينها إقامة مطولة بعد اختبارها النهائي. وعلى الرغم من أنها كانت تدرس الفرنسية في المدرسة كلغة رابعة؛ فقد أخذت دورات مكثفة لتتمكن من التواصل على نحو أفضل. وقد انبهرت في فرنسا بالنظام الاجتماعي الذي يتيح للنساء العودة للعمل بعد الولادة بفترة قصيرة لأن حضانات رعاية الأطفال متوفرة بسهولة.

figure
كاترينا لاندفستر (صورة مقدمة من المؤلفة).

من أجل أطروحة الدكتوراه الخاصة بها، قررت أن تعود إلى ألمانيا إلى جامعة يوهان جوتنبرج في ماينتس، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية في ١٩٩٥. وكان عملها مع البروفيسور هانز فولفجانج سبايس في معهد ماكس بلانك لأبحاث البوليمرات يتضمن تخليق وتصوير عصارات لبنية من نمط النواة-القوقعة، والتي قامت بتصويرها باستخدام المجهر الإلكتروني العاكس والرنين المغناطيسي النووي للحالة الصلبة. أصبح سبايس أستاذًا مهمًّا ساند لاندفستر في مسيرتها العلمية. وبعد أن قضت سنة أخرى كقائد مجموعة في المعهد قررت لاندفستر الذهاب إلى جامعة ليهاي بيت لحم (بنسلفانيا) في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى البروفيسور محمود العاسر كزميل ما بعد الدكتوراه. وقد تبين أن هذه الخطوة كانت بمثابة مرحلة أساسية في حياتها لأنها شاهدت تقنيات المستحلبات الصغيرة عن قرب، ولم تكن الطريقة واضحة حتى ذلك الوقت ولكن لاندفستر سرعان ما اكتشفت إمكانياتها الهائلة.

أثناء إقامتها استمتعت بالذهاب إلى الحفلات الموسيقية في فيلادلفيا وفي الأوبرا في نيويورك. وكانت معجبة على نحو خاص بديان ويتري، المايسترو الشهيرة التي كانت تحب مشاهدتها عندما تقود أوركسترا ضخمة. وبدأت لاندفستر ترى في ويتري واحدة من البطلات النساء إلى جانب يوتا ليمباخ، رئيسة المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية.

انتقلت لاندفستر مرة أخرى إلى ألمانيا في ١٩٩٨ حيث بدأت استكشاف تقنيات المستحلبات الصغيرة داخل مجموعة البروفيسور إم أنتونيتي في معهد ماكس بلانك للمواد الغروية والوسائط في جولم بإعانة ليبيج الخاصة بصندوق الصناعات الكيميائية. كان البروفيسور أنتونيتي ثاني شخص يساندها في مسيرتها المهنية، وكان تركيزها آنذاك منصبًّا على الإمكانيات الجديدة لتصنيع جزيئات نانوية معقدة.

في عام ٢٠٠٠ قابلت لاندفستر زوجها المستقبلي وكان طبيبًا. وكان عام ٢٠٠١ عام نجاح بشكل خاص بالنسبة لها لأنها حصلت فيه على جائزة ريموند ستادلر من الجمعية الكيميائية الألمانية وجائزة الدكتور هرمان شنيل شتيفتونج. في عام ٢٠٠٢، حصلت لاندفستر على شهادة تؤهلها للدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من جامعة بوتسدام، وبعد ذلك بفترة قصيرة أصبحت عضوًا في الأكاديمية الصغيرة أكاديمية برلين-براندنبورج للعلوم، وفي ليوبولدينا الألمانية من ٢٠٠٢ إلى ٢٠٠٧، وعملت هناك بمنزلة المتحدث الرسمي لها في ٢٠٠٣-٢٠٠٤.

بعد تأهيلها لدراسة الدكتوراه، في ٢٠٠٣، قبلت كرسي الكيمياء الجزيئية الضخمة في جامعة أولم، وعلى الرغم من أن زوجها لم يكن يرحب بالانتقال من جولم (القريبة من برلين) إلى أولم، محل ميلاده على الحدود مع بافاريا، فإنه ساند زوجته. كان يدرك تمامًا وضعه وما هو بصدده لأنها أوضحت له من بداية علاقتهما أنها لن تتنازل مطلقًا عن مسيرتها العلمية، وأقنعت لاندفستر الجامعة أن تساعد في منح زوجها منصبًا على الرغم من أن مشكلة ازدواج الوظيفة لم تكن حتى ذلك الوقت محل مناقشة في ألمانيا.

في أولم، بالقرب من العيادات وكلية الطب الضخمة، بدأت لاندفستر أنشطتها في مجال التطبيقات الحيوية الطبية للمستحلبات الصغيرة بالتعاون مع عدة مجموعات طبية. وفحصوا معًا تفاعل الجزيئات النانوية مع الأقسام الخلوية المختلفة، وتسمية الخلايا وتوصيل المواد إلى مواقع محددة. في ٢٠٠٦ وضعت لاندفستر طفلتها الأولى، وبعد أسبوعين عادت للعمل، ولكنها ظلت تصطحب ابنتها طوال السنة الأولى. وبالتأكيد كان لاصطحاب ابنتها في الاجتماعات مع رئيس الجامعة أثر في تعجيل عملية بناء حضانة لرعاية الأطفال. وعندما كانت تضطر لإلقاء محاضرة، كان زوجها يرعى الطفلة، أو كانت ببساطة تأخذها معها لقاعة المحاضرات. وألهمتها الأمومة أن تنشئ معملًا، تحت اسم إي إم يو (المستحلبات والجزيئات الضخمة في أولم)، للحضانات والمدارس، حيث تستطيع المجموعات إجراء تجارب كل أسبوع على المستحلبات واللبن والصابون والبوليمرات وإعادة التدوير وما إلى ذلك.

أخيرًا، في ٢٠٠٨، انضمت إلى جمعية ماكس بلانك كواحدة من مديري معهد ماكس بلانك لأبحاث البوليمرات في ماينتس؛ ومن ثم كانت أول مدير من النساء في الكيمياء في جمعية ماكس بلانك وثاني مدير من النساء في المعاهد المماثلة. وفي ٢٠٠٩ ولدت ابنتها الثانية وأيضًا ظلت معها طوال الوقت.

«السلطة نتيجة للكفاءة» هي الإجابة التي ترد بها لاندفستر عندما تُسأل عن أسلوبها في الإدارة. ورغم أنها حققت على الصعيد المهني كل ما يمكن تحقيقه في ألمانيا، فإنها لا تزال تملك الدافع لأن توسع عملها البحثي ولأن تدخل بمجالها في نطاق الرؤية أكثر مما هو الآن.

نعم، إنها تستطيع …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠