ما هي البشرية؟
في جبل المقطم مغارة كان يسكنها جماعة من الدراويش أصحاب القلانس البُنِّية الطويلة … يعيشون هناك عيشة النسك والعزلة، وإن كانوا في بعض الليالي يقيمون حفلات للذكر، يحضرها بعض الزوار، وتُسمع فيها الترانيم الدينية الجميلة، بمصاحبة الناي والدفوف … ذهبت إلى هناك مرة برفقة بعض الأصدقاء؛ حيث استقبلنا هؤلاء الدراويش بالترحاب … وأعجبني المكان، وهذا النوع من الحياة. كان ذلك منذ زمن طويل، ربما قبيل الحرب العالمية الثانية.
ولا أدري بعد ذلك ماذا حدث لهؤلاء الدراويش … لم أَعُد أسمع عنهم خبرًا، وأغلب الظن أنهم رحلوا عن هذه المنطقة … ونسيتُ أمرهم … إلى أن قادتني قدمي أخيرًا إلى جبل المقطم … فتذكرت تلك المغارة، واشتقت أن أراها … وجعلت أبحث عنها … ولم يكن الأمر سهلًا … فقد تغيرت المعالم هناك … ولكن ذلك لم يُضعِف مني العزم … بل ضاعف من هِمَّتي وإصراري … وجعلت أُوغِل في الجبل بحثًا عن المغارة … حتى بعدت عن كل سكة مطروقة … وأخيرًا صادفتني مغارة، ربما لم تكن هي بالذات تلك المغارة القديمة … لكنها على كل حال اجتذبت اهتمامي، وأغرتني بدخولها والنظر في أرجائها … كانت خالية خاوية موحشة … والضوء فيها قليل … لم أتبيَّن فيها ما يسترعي الانتباه، ما عدا حفرة في وسطها تكاد تشبه البئر، فتقدمت إليها لأُطل برأسي على ما بداخلها … كانت بالفعل بئرًا عميقة، لا يُرى لها قرار، ولم يكن من الميسور التحقُّق مما إذا كانت تحوي ماءً بمجرد النظر … كان لا بد أن أُلقي فيها حجرًا لأعرف … ولكن الحجر سقط دون أن يُنبئ عن شيء، كأنما أُلقي في الهواء … إنه إذن جُبٌّ عميق يبتلع الأشياء ابتلاعًا … ومع ذلك خُيِّل إليَّ أني أسمع صوتًا ينبعث من الأغوار … إنه صوت ليس مميزًا ولا محددًا … إنه أشبه بالتنفس … تنفس طويل مستمر غير منقطع … إنه ليس تنفس إنسان … ولا يمكن أن يكون كذلك … إذن، لمن يكون؟ … ووجدت نفسي أصيح في البئر على الرغم مني: من أنت؟!
فسمعت صوتًا يرتفع من البئر: من أنت؟!
إنه إذن رجع الصدى … صدى صوتي أنا … وقد أعجبني هذا الصوت … فقلَّما يُتاح للإنسان أن يستمع إلى صوته … وهو عندما يتاح له ذلك فإنه يبدو له كأنه صوت شخص آخر … وما تمالكت أن أبديت إعجابي قائلًا بصوت مرتفع: صوت جميل!
فجاءني الصوت من أعماق البئر يقول: شكرًا!
فارتعدت رعدة شديدة … إنه ليس رجع الصدى بكلامي … هذا كائن آخر موجود معي في هذا المكان … وازداد خوفي لمجرد الفكرة … وهممت أن أقفز خارج المغارة هربًا بجلدي، ولكن شيئًا جمَّدني في موقفي … ومرَّت الخواطر سريعة في رأسي … واستعدت الصوت الذي سمعته منذ قليل … لقد قال «شكرًا»!
إنه إذن لا يريد بي شرًّا … ولكن، هل خوفي هو من شر يمكن أن يلحقني؟ … لا، إن الخوف هنا مختلف … إنه ليس الشر ولا الضرر؛ فأنا عندما يواجهني عدو بمسدس أو بسكين، فإني بالطبع أخاف، ولكنه خوف للحظة، ثم لا ألبث أن يتركز اهتمامي في البحث عن الطريقة التي أدرأ بها الخطر. أما هذا الخوف فليس مصدره الخطر؛ فقد نخاف عندما نشعر بوجود امرأة رائعة الجمال لا تحمل لنا غير الابتسام والسلام، تظهر لنا بصورتها أو بصوتها أو بتنهُّداتها، أو بمجرد الإحساس بحضورها دون أن نعرف من أين جاءت، ويعجز عقلنا البشري عن تعليل سر وجودها واختفائها؛ فإن عجز العقل عن تعليل ما لا يتمشَّى مع منطقه كفيلٌ بأن يُحدث فينا هزَّة الخوف … قلَّة من الناس من يستطيع العقل فيهم أن يستعيد ثباته بسرعة ويواصل التفكير الهادئ، ويُكيِّف منطقه مع الموقف غير المنطقي … حاولت هذا الأمر العسير، وجمعت كل شجاعتي، وقلت بصوت لم أنجح في ستر الرعدة التي تهزُّ نبراته: هل أنت … عفريت؟!
فجاء الصوت من البئر يقول: ما معنى عفريت؟!
قيلت في لهجة من البراءة والصدق توحي بالثقة والاطمئنان، فبادرت أقول: إذن فأنت روح من الأرواح!
فقال: فسِّر لي ماذا تقصد؟!
فقلت مفسرًا: روح أحد الموتى، أو جِنيٌّ من الجن، أو عفريت من العفاريت … هذا كل ما نفسِّر به الكائنات الخفية.
فقال الصوت: لست كائنًا خفيًّا.
فصِحتُ به: إذن، فأنت آدمي.
– مع الأسف … لست آدميًّا (جاءت في لهجة هادئة لا تخلو من سخرية طفيفة، ولكنها جعلتني أرتعد مرة أخرى … ليس آدميًّا، وليس روحًا، ولا جنيًّا، ولا عفريتًا … ماذا يكون إذن؟) وهل يهمك كثيرًا أن تعرف من أكون؟!
– بالطبع يهمني … أليس من الضروري أن أعرف من الذي أُحادثه ويُحادثني؟!
– ربما كنت تحادث نفسك!
– نفسي؟! (بدا لي الأمر مستحيلًا … إلا إذا كنت نائمًا أحلم أو مخمورًا أهذي … وأنا واثق أني في تمام اليقظة وكامل الوعي.)
قال الصوت: إذن فليكن الأمر كما ترى أنت … إذن، أنت تتحدث الآن مع غيرك.
– بكل تأكيد.
– ألم تستمع إلى بُرغوث يتحدث إليك؟
– بُرغوث؟!
– نعم، بُرغوث من البراغيث التي تسير وتقفز على جسمك.
– بُرغوث يتحدث إليَّ أنا؟!
– ويسألك من تكون.
– هذا شيء مُضحك!
– أجب … إنه يسألك من تكون … ماذا يكون جوابك؟
– جوابي لن يفيده … لأنه لن يُدرك له معنًى.
– إذن كُفَّ عن سؤالي من أكون.
– ولكني لست بُرغوثًا!
الإنسان والبُرغوث
– أنت أضعف من البُرغوث قدرةً … فهو بالنسبة إلى حجمه يستطيع أن يقفز قفزة تُعادِل قفزتك من الأرض إلى سطح عمارة من عشرين طابقًا … فهل تستطيع أنت ذلك؟
– إني لا أقفز بجسمي … بل بفكري.
– جواب مُقنع … إذن، يمكن أن تُدرك بفكْرك ما لا يمكن أن تُدركه بجسمك … وعلى ذلك، فمن الممكن أن أقول لك من أكون.
– وثِقْ أني سأفهمك.
– لنعد مرة أخرى إلى البُرغوث … ما الذي يفعله البُرغوث؟ … إنه يعيش على جسمك … يستمد منه مادة حياته وغذائه … يجد فيه الدفء والطعام، ويغرس في بشَرتك إبرته ويستخرج منها الدم … أنت أيضًا تعيش على الأرض، وتجد فيها مادة حياتك وغذائك، وتغرس برِّيمتك في بشَرتها لتستخرج منها البترول.
– ما معنى ذلك؟!
– ألم تفهم بعد؟
– زِدْني فهمًا.
– إذا كنت أنت البُرغوث، فهناك الجسم الذي تعيش عليه … أتعرف هذا الجسم؟
– بالطبع … إنه كوكب الأرض.
– أنا كوكب الأرض.
– أنت؟!
– نعم أنا … هل في هذا ما يُدهش؟!
– ولكنك تتكلم … هل الكوكب يتكلم؟!
– ولِمَ لا؟ … إنه كائن حي … أتُنكِر أن الكوكب كائن حي؟ … إنه يتحرك ويسير، وينجذب ويقاوم القوة الجاذبة التي تريد ابتلاعه … ربما كان استغرابك هو لحديثي معك بلغتك البشرية، كما يستغرب البُرغوث لو حادثته أنت بلغته البُرغوثية … ولكن دعك من مسألة اللغات المختلفة بين الكائنات … هناك لغة واحدة مشتركة بين الموجودات جميعًا: هي الحياة؛ ذلك الجوهر والمظهر واللغة التي تجمع بين أكبر الكائنات من مجرات وسُدُم وأجرام، إلى أصغر الحشرات والفيروسات، إلى أضأل الجزيئات والإلكترونات … الحياة واستمرارها هي لغة الجميع … وكلٌّ يستخدم في التعبير عنها لهجته الخاصة النابعة من طبيعة تركيبه.
– إذن، لغتك الحقيقية باعتبارك كوكبًا ليست هي هذه اللغة التي أسمعها منك الآن.
– بالطبع لغتي شيء آخر … إنها لا تقوم على الكلمة، ولكنها تقوم على الحركة … لغتك أقوال ولغتي أفعال … وإذا كنتُ أُخاطِبك الآن بلغتك الكلامية، فذلك لكي تستطيع أن تفهم عني، وأن يدور بيننا حديث … ولكن الحديث الذي يدور عادةً بين كوكب وكوكب في محيطنا — نحن معشر الكواكب والأجرام — إنما يقوم على سياسة تحركاتنا، وحساب المسافات التي بيننا، والأفلاك التي نسير فيها، والجاذبيات التي نتعرض لها، والإشعاعات التي تصل إلينا أو تصدر عنا، وغير ذلك من دقائق وتفصيلات قد لا يُدرك عقلك الآن أسرارها.
– إذن، أنت وغيرك من الكواكب أصحاب عقول ذكية، تفكر وتحسب.
– لا، إن العقل عندنا ليس مثل العقل عندكم … عقول البشر هي عقول خاصة بهم وحدهم؛ لتلائم تركيبهم المادي والمعنوي، وظروف وجودهم بين كائنات أخرى أقوى منهم.
حيوان ضعيف الأسلحة
– ماذا تقصد؟
– أقصد أن الإنسان هو حيوان ضعيف جدًّا بالقياس إلى غيره من الحيوانات والحشرات التي يعيش بينها؛ فليست له الأنياب والمخالب التي للضواري والكواسر، ولا السموم التي عند الحيَّات والعقارب، ولا الجناح القوي الذي للطير المهاجر من قارة إلى قارة، ولا القدرة المُعجِزة التي للسمك العابر من محيط إلى محيط … إنه مُجرَّدٌ من القوة الذاتية التي تُبقيه حيًّا بين هذه المخلوقات بأسلحتها المُركَّبة فيها، وعندما أراد أن يعتمد على أعضائه، كغيره من الحيوان، للحصول على غذائه، لم تُسعفه هذه الأعضاء القاصرة؛ فليس له سيقان تلحق بالغزال، ولا عضلات تفتك بالجاموس، فهَدَتْه ضرورة الحياة إلى البحث عن بديل لأعضائه الضعيفة، ففكَّر في استخدام ناب ومخلب من قطع العظام والأحجار … وكان هذا مبدأ اكتشاف قدرة جديدة عند هذا الحيوان الأعزل؛ قدرة التفكير الخلَّاق، الذي يبتكر له الأدوات البديلة التي تمكِّنه مما تعجز عنه أدواته العضوية الطبيعية. وبهذا الاكتشاف الخطير، أخذت تنمو في مخه خلايا معينة نموًّا مُطَّردًا، حتى أصبحت شبه عضلة جديدة، يمكن تسميتها عضلة التفكير، اعتمد عليها في صنع ما يحتاج إليه، وفي خلق ما حُرم منه … وبها صنع بيدَيه الآلات التي تمدُّه بغذائه، والأسلحة التي تحميه من أعدائه، وخلق بنفسه أجنحة الطائر التي جُرِّد منها، وزعانف السمك السابح والغائص في الأعماق … وهكذا استطاع هذا الحيوان الضعيف أن يعيش بين الأقوياء، بما أمكن لفكره النامي أن يُنتج له ما يحميه وما يُقوِّيه، وما يُغنيه عن عطاء الطبيعة … وبانتقال هذا الحيوان من الطبيعي إلى الصناعي، انتقل إلى النوع الذي تُسمُّونه «الإنسان».
سلاحه العقل الخلَّاق
– إذن التفكير هو سلاح الإنسان الوحيد.
– نعم، التفكير الخلَّاق الذي يصنع له قوته.
– التفكير إذن قوة.
– بدون شك … والقوة الوحيدة للإنسان.
– ولماذا الإنسان فقط؟!
– لأن الكائنات الأخرى لا تحتاج إليه … إن طائرًا صغيرًا مثل السمانة، لها من قوة العضلات ما تُحرِّك به جناحًا يطير عبر قارتين وبحر واسع دون توقف … قوة أكبر من قوة مُحرِّك طائرة صنعها الإنسان حتى الآن.
– إذن، التفكير الخلَّاق هو شيء خاص بالإنسان وحده.
– أعتقد ذلك … إنه شيء إنساني بحت … خلايا نَمَت في مخ الإنسان، كما قلت لك، لظروف خاصة به، حتى يستطيع أن يعيش … قوة الحياة تدفع كل كائن إلى إيجاد وسيلته الضرورية لحياته … والتفكير الخلَّاق هو الوسيلة الضرورية لحياة الإنسان، ولكنه لا ضرورة له عند الكائنات الأخرى.
– لقد كنت أظن التفكير هو نعمة الإنسان الكبرى!
– الحياة لا تعرف النعمة أو النقمة … هذه ألفاظ إنسانية … إن الحياة لا تعرف غير ضرورة الحياة. إن التفكير الخلَّاق قد خلق لكم فيما خلق لغات وتصورات … ذلك تصوُّركم أن كل شيء على الأرض قد وُجِد من أجلكم.
– أوَليس هذا صحيحًا؟!
– لو كان البُرغوث يتصوَّر الأشياء مثل تصوُّركم، لظنَّ أن القميص الذي ترتديه إنما وُجِد ليحميه … إن جسمك العاري المُعرَّض للشمس والهواء يَحُول دون استقرار البُرغوث على سطحه ليستمتع بشرب دمك؛ ففي قميصك إذن وقاية له وحماية، وله عندئذٍ الحق أن يعتقد أنك تلبس القميص من أجله … أنا أيضًا لي قميص تسمونه أنتم «الغلاف الجوي»، وتتصوَّرون أنه وُجِد وقايةً لكم وحمايةً من الأشعة الكونية القاتلة.
– لماذا تحاول إقناعي بأن الفكر الذي أباهي به هو مجرد ضرورة حياة؟! ألم أستطع بالفكر والتفكير الخلَّاق أن أخرج عن جاذبيتك، أيها الكوكب، وأنت مصدر حياتي، لأكتشف الفضاء المجهول؟
– في هذا أيضًا ضرورة لحياتك … فما دام الفكر الخلَّاق هو سلاح حياتك، فلا بد من شحذ هذا السلاح باستمرار، ولا بد لجهاز فكرك من العمل والحركة الدائمة؛ لأنه إذا توقف جمد وصدِئ … وعندئذٍ يُخشَى من ارتداده إلى الوراء في اتجاه المرحلة الأولى المتاخمة للحيوانية … وبذلك يعود فيضعف عن مواجهة أقوياء الطبيعة. إن أقوى الضواري تقف صاغرةً أمام إنسان واحد يملك قوة الفكر … ألم تُشاهد مُروِّض الوحوش في السيرك، كيف يقف وحده بفكره أمام صفٍّ من الأسود والنمور؟!
– صدقت في هذا … حتى بين الإنسان وجنسه … إن دولة صغيرة مثل هولندا، تعدادها سبعة ملايين نسمة، استطاعت أن تحكم عبر بحار ومحيطات شعبًا ضخمًا، تعداده أكثر من سبعين مليونًا؛ وذلك بامتيازها الفكري وحده.
– هذا سلاحكم وحدكم معشر الإنسان: الفكر.
– نعم … والفكر الخلَّاق.
وأطرقت برأسي أتأمل في صمتٍ أشياء كثيرة طرأت على خاطري، وساد سكون في المكان … وخشيتُ أن أُنهي حديثي مع الكوكب الأرضي عند هذا الحد فيضيع مني صوته ولا أملك استعادته بعد ذلك، فلزمت مكاني، حرصًا على استمرار المحادثة … ثم جعلت أُرتِّب في رأسي ما أريد مناقشته فيه من مسائل.
المعرفة الإنسانية
وقطعت حبل الصمت قائلًا له: فهمت عنك أن كل موجود له طريقته الخاصة في الاحتفاظ بالحياة، تدفعه إليها قوة الحياة وضروراتها، وأن الإنسان كان حيوانًا ضعيفًا مَقضيًّا عليه بالفناء لو لم يوجه قوة الحياة إلى الوسائل التي يستطيع بها أن يقاوم ويعيش … وهي ليست وسائل مباشرة ذاتية عضوية كاملة فيه، شأن غيره من الحيوانات الأخرى، ولكنها وسائل غير مباشرة، خارجة عن ذاته، يُنتجها هو بنفسه، ويصنعها عن طريق الآلة المُفكِّرة، اكتشفها ونمَّاها واعتمد عليها. كل هذا مفهوم، ولكن الإنسان ليس مجرد آلة مفكرة تُنتج له ما يحتاج إليه، حتى وإن وصلت هذه الآلة المفكرة إلى ما نسميه اليوم العلم النظري والتكنولوجيا التطبيقية. هناك مقومات أخرى للإنسان، واهتمامات يختص بها وحده دون الحيوان، مثل الأديان والفنون … بماذا تفسر ذلك؟
فأجاب الكوكب بصوت عميق واضح: ولماذا تُفرِّق بين العلم والدين والفن؟ … هذه كلها منتجات الفكر عندما بدأ يتحرك ويكتشف؛ فالإنسان الأول القريب من الحيوان، عندما انطلقت في رأسه الشرارة الأولى تكشف له عن شكِّه في كفاية أعضائه وعضلاته الطبيعية للقيام بالمهام المطلوبة، كان هذا الشك هو مبدأ الفكر العلمي النظري، وهداه هذا الفكر العلمي الأول إلى فكرة الاستعانة بأدوات مصنوعة، ثم بدأ من هذه الفكرة إلى التطبيق العملي، وهو اختيار نوع من العظام أو الأحجار جعل ينحتها ويُهذِّبها بقطع أخرى صلبة حادة من الصخور ليصنع منها السكاكين والرماح، وبدأ هجومه وصيده للجاموس الوحشي الضخم والوعول الكبيرة، حتى إذا أوى إلى الكهف الذي يعيش فيه، خطر له أن يرسم على جدرانه بقطعة من الحجر شكل الجاموسة أو الوعل الذي طارده … لماذا؟ … ليزداد معرفةً به، عن طريق تحديد شكله، وخلق صورة له بيدَيه … إن عادة خلق الأشياء بيدَيه قد أمتعته واستحوذت عليه … وأصبحت صفة الخلْق من أميز صفات الإنسان، وأصبح يُوجِّه الآلة المفكرة إلى الخلْق الفني، ليُنمِّي مَلَكة التصور التي تُعِينه على الخلْق العلمي … فكلما تطور العلم احتاج إلى طاقة من التصور … وكلما تطور الفن استطاع أن يخلق ما لم تُوجِده الطبيعة من موجودات فيُثري الفكر بطاقات وإشعاعات من التصور والإيحاء والإلهام، وتصبح آلة الفكر البشري أقدر على الابتكار … إن العلم والفن فرعان في شجرة المعرفة الإنسانية.
– وهل شجرة المعرفة هذه خاصة بالإنسان وحده؟
– بالتأكيد.
– ألا توجد كائنات أخرى تشارك الإنسان في شجرة المعرفة هذه؟!
– ماذا تقصد بالمعرفة؟ … إذا كنت تقصد المعرفة العقلية الواعية التي يستوعبها عقل الإنسان وفكره، فهي إذن شيء خاص به؛ لأن طبيعة عقل الإنسان وظروف تركيب جهازه الفكري والضرورات التي دعت إليه وأدت إلى نموه وتطوره، لا يمكن أن توجد في كائن آخر، إلا إذا كانت له نفس الطبيعة، ومَرَّ بنفس الظروف.
– أوَلَا يوجد نوع آخر من المعرفة غير المعرفة الإنسانية؟
– بالطبع توجد أنواع أخرى … ولكن لماذا تسأل عنها وأنت لا يمكن أن تُدركها؟ … إن كل ما تُدركه لا بد أن يمر من خلال جهازك العقلي الإنساني … وهذا الجهاز لا يُدرك ولا يقتنص إلا نوعًا خاصًّا من المعرفة … وهو النوع الملائم لتركيب عقلك وفكرك.
– ولكني أستطيع أيضًا أن أدرك أشياء بدون أن تمر بجهاز عقلي وفكري … أدركها بالحدس والإحساس.
– هذا صحيح … وهذا ما يشاركك فيه الحيوان وبعض الحشرات … الإدراك بالحس الخفي لما سوف يقع من نوازل وعواصف وزلازل … ولكن هذا النوع من المعرفة كنت أكثر قدرةً عليه وامتلاكًا له في مرحلتك الأولى، يوم كنت أقرب إلى الحيوان.
– ولكني اليوم أُدرِك به الأسمى والأعظم … أُدرِك به الله.
– نعم، الدين … إنه أيضًا شيء إنساني.
– ماذا تعني؟
– أعني أن أي كائن آخر غير الإنسان لا يمكن أن يدرك شيئًا اسمه الدين … فالإنسان الذي مارس الخلْق فهِم أن كل شيء لا بد له من خالق … وهذا الفهم أراح عقله القَلِق المتسائل عن أصل وجوده … لأن حركة العقل الإنساني لا بد أن تدور في مساحة لها بداية ونهاية.
– وهل تنكر أن الإنسان باكتشافه الدين قد اكتشف شيئًا ذا نفع عظيم؟
– ومن يُنكر ذلك؟! … إن اكتشاف الدين قد حمى الإنسان من الرِّدَّة إلى الحيوانية … فالإنسان عندما يعيش في جماعات فإنه يشبه القطيع، تتصادم فيه المصالح، وتتنازع الأغراض، ويظهر الشر بألوانه؛ فإذا استشرى فقد أكل الناس بعضهم بعضًا، وفَنِي الإنسان، وكان لا بد للخير من أن يوازن الشر ويقاوم طغيانه، وكانت تلك هي مهمة الدين في المجتمع.
– إذن الدين والعلم والفن هي اكتشافات إنسانية، وهي تُكوِّن الفروع في شجرة المعرفة عند الإنسان.
– طبعًا … وبدونها يجهل الإنسان نفسه، ويغفل عن قدراته، ويَعمَى عن المحيط الذي يعيش فيه، والكائنات القوية التي حوله، وعندئذٍ يعود الحيوان الضعيف الذي لا يقوى على مواجهة الحياة، ولن يلبث حتى ينقرض.
– وهل تعتقد أن الإنسان يمكن أن ينقرض يومًا؟
– ممكن جدًّا … كل كائن يمكن أن ينقرض، وقد انقرض فعلًا، كما انقرض حيوان ضخم مثل الدينوصور يوم سقط سلاحه، وضعفت مقاومته أمام القوى التي حوله تريد ابتلاعه … وسلاح الإنسان الوحيد هو جهاز عقله المتحرك دائمًا بالفكر الخلَّاق.
– إذن، الخطر على الإنسان هو جمود عقله.
– بدون شك … وتاريخ البشرية يشهد بذلك … إن الحضارة وليدة العقل المتحرك المُبدع؛ فإذا تجمَّد هذا العقل وقفت الحضارة، وبوقوفها تأتي حضارة أخرى وليدة متحركة فتبتلعها.
– كل ما يجمد ويقف يتعرَّض إذن للابتلاع؟
– بالطبع … حتى أنا؛ ذلك الكوكب الذي تعيش أنت على سطحه، لو توقفت عن الحركة أتَدري ماذا يحدث؟ أفقد توازني ولا أستطيع أن أقاوم جاذبية الشمس القوية، وسرعان ما تبتلعني.
الوجود والعدم
– أنت تتحرك وتداوم الحركة منذ أكثر من أربعة آلاف مليون سنة … لماذا؟ ما هي الغاية؟ ما هو الهدف؟ ما آخرة ذلك؟
هذه أسئلة إنسانية لا معنى لها عندنا … الإنسان وحده بجهازه العقلي القائم على مقاييس وأبعاد زمنية ومكانية محددة، يتصور كل شيء، ويبني كل شيء على أساس السبب والنتيجة، والبداية والغاية، والأول والآخر … أما نحن فخارج كل ذلك … كل شيء عندنا يتلخَّص في أمر واحد: الحياة والوجود.
– والعدم.
– أي عدم؟ ماذا تقصد بالعدم؟
– العدم … انتهاء الوجود.
– الوجود لا ينتهي … كلمة النهاية عندكم أنتم، وفي لغتكم أنتم لأسباب تتعلق بتركيب جهاز عقلكم، كما قلت لك.
– إذن، لا يوجد عدم؟
– بالضبط … لأن وجود العدم معناه أنه دخل في الوجود … لغتكم نفسها تُفضي إلى هذا المعنى … قولكم إن العدم موجود يعني أنه داخل في نطاق الموجودات … وما دام العدم عندك داخلًا في نطاق الوجود، فكيف تتحدَّث عن انتهاء الوجود؟
– هذا تلاعب بالألفاظ!
– إنها نفس لغتكم التي اخترعت هذه الكلمات التي لا معنى لها … وعندما تريد هذه اللغة أن تفسِّر شيئًا عسيرًا، فإنها تقع في التناقض المضحك!
– نحن دائمًا نتحدث عن الوجود والعدم.
– خطأ … لا يوجد غير الوجود.
– والموت إذن؟
– أي موت؟!
– أتنكر أيضًا وجود الموت؟!
– لا أعرف هذه الكلمة.
– هذا شيء عجيب!
– وضِّح لي ماذا تقصد بالموت؟
– افرض أن التعادل قد اختلَّ بينك وبين الشمس، ولم تستطع مقاومة طغيان قوتها وابتلعتك، ماذا يكون حالك؟ … هل تعتبر نفسك حيًّا؟
– بالطبع … إني حي دائمًا.
– في جوف الشمس؟!
– نعم، في جوف الشمس … لن أكون بشكلي الحالي، ولكني بمادتي وطاقتي سأكون هناك … لا موت ولا فناء للمادة والطاقة، ولكنها تحوُّلات وتداخلات وتغيُّرات في الأشكال والأوضاع دائمة الحركة لا تنتهي … الحياة وجود دائم … وكل موجود يتحرك، حتى ما تُسمُّونه أنتم الجَمَاد … الحركة هي مظهر الحياة ومَخبرها … والحياة هي حقيقة الوجود … الحياة هي الحقيقة الوحيدة في الكون.
– تريد أن تُقنِعني أنه لا يوجد موت؟!
– في عُرْفي أنا لا أدري فيما تتحدث!
– نحن نعيش في كل يوم مع الموت … ونرى الناس من حولنا في كل لحظة يموتون؛ من نعرف منهم ومن لا نعرف … من نُحب ومن نكره.
– تقصد بالموت إذن تحوُّل الحياة من صورة إلى أخرى؟
– أقصد الموت بمعناه الذي أفهمه أنا.
– ما تقصده بالموت وما تفهمه هو الاختفاء الخارجي للحركة، والتغير الظاهري للأشكال التي اعتدتم أن تروا عليها الأحياء … أليس الأمر كذلك؟
– بلى، ولكن المهم عندنا هو أن نرى الأحياء على الشكل والوضع والصورة التي اعتدنا أن نراهم عليها؛ فإذا تحوَّلوا إلى شيء آخَر فقد فقدوا عندنا كل المعنى.
– حقًّا … تلك هي مشكلتكم!
– مشكلتنا؟!
– عالم المعاني الذي تُقيمه عقولكم!
– وكيف كنت تريد لجهازنا العقلي أن يعمل دون أن ينتج عالمًا للمعاني، يصنِّف فيه الأشياء، ويجعل لكل شيء اسمًا ومدلولًا ومعنًى؟!
– إذن دع هذا العالم المصنوع صُنْعًا في معملك العقلي يعمل في نطاق الأغراض البشرية المحدودة التي صُنِع من أجلها، ولا تحاول أن تُفسِّر به عالمًا أعظم وأكبر.
– أوَلم أفسِّر به وأكشف عن قوانين استطعت بها أن أخرج عن نطاق جاذبيتك وأنطلق إلى كوكب آخر؟!
– ما فعلتَه — أيها الإنسان — هو ما يفعله البُرغوث عندما يخرج من جسمك ويقفز مُنطلقًا إلى جسم شخص آخر على مقربة منك! ولكن البُرغوث لا يمكن أن ينطلق إلى جسم آخر في مدينة أخرى.
– لماذا تُشبِّهني دائمًا بالبرغوث؟
– لأنك أنت والبُرغوث سِيَّان، في نظر من ينظر إلى سطحي من عُلو شاهق … ألم تنظر إلى الأرض وأنت مُحلِّق في طائرة على ارتفاع كبير؟ … هل ترى الإنسان؟ … قد ترى الجبال والبحار، وإذا ارتفعت أكثر فلن ترى غير السحب … ويستوي عند ذلك في الرؤية البُرغوث والإنسان وجُحور الحيوان ومدن النمل ومدن القاهرة ولندن وباريس!
– هناك فرق بيني وبين البُرغوث … هو أني أعرف ما هو البُرغوث، وهو لا يعرف من أنا الإنسان!
– هذا صحيح، ولكنه هو ليس في حاجةٍ إلى أن يعرف من أنت. أما أنت فمحتاج أن تعرف من هو؛ لأنك إذا جهلته فلن تستطيع حماية نفسك منه ومن استنزافه لدمك … ولقد قلت لك منذ قليل، وحذارِ أن تنسى ما أقول … وهو أن ضعفك بالنسبة إلى جسمك لن يجعلك تقاوم أعداءك إلا بسلاح المعرفة.
الوعي والشخصية
وغرقت مرة أخرى في صمت مؤقت، ألتقط الأنفاس وأرتِّب في رأسي بعض أسئلة، طار منها ما طار، بحكم اللَّهْفة والخشية من أن أفقد هذا الصوت وينتهي الحديث فجأةً لسبب أو لآخر، وأنا حريص على هذه الفرصة النادرة؛ محادثة كوكبنا الأرضي، الذي نحسبه جسمًا جامدًا وهو كائن حيٌّ، يتحرك ويصدر عنه كلام بصوت لا تسمعه آذاننا، وبلغةٍ لا تَعِيها أفهامنا … ولكنه شاء اليوم أن يحادثني بلغتي التي أفهمها.
سألته: أريد الآن أن أعرف منك شيئًا يتعلق بك … بصلتك بزملائك الكواكب الأخرى القريبة إليك … لقد كنت تتحدث عن البُرغوث الذي يسير على جسمي … هذا البُرغوث لا يعرف بالطبع شيئًا عن زملائي القريبين مني، ولكني أنا أريد أن أعرف، ما دام الفرق بيني وبين البُرغوث، كما تقول، هو حاجتي الدائمة إلى المعرفة.
– ما الذي تستطيع أنت أن تفهمه من ذلك؟ … كل ما يمكنني قوله لك هو أن صلتي بزملائي الكواكب الأخرى محسوبة بدقة؛ حتى لا يحدث بيننا تصادم.
– عجبًا! … ولماذا يحدث بيننا نحن البشر في كثير من الأحيان تصادم؟
– أوَتُقارن عقولكم بعقولنا؟!
– وهل لكم عقول؟!
– لو كنا مجانين لوقع التصادم بيننا في كل لحظة، ولما استطعت الحياة أنت وغيرك من الأحياء.
– لا شك أن عقولكم من طراز آخر غير عقولنا البشرية؟
– طبيعي.
– وهل هي عقول واعية؟
– كيف تكون واعية وهي من طراز آخر غير طراز عقولكم؟!
– وهل الوعي خاص بنا؟!
– طبعًا خاص بكم … الوعي والعقل الواعي والشخصية الواعية المُدرِكة لذاتها، هذه مَلَكات إنسانية … كان لا بد أن تنشأ عند الإنسان وتنمو بنمو مَلَكة التفكير الإبداعي … وما دام الإنسان قد اضطُر إلى ممارسة الخلْق؛ لظروفه التي تحدَّثنا عنها، فلا بد أن يكون عقله واعيًا لما يخلق ويُبدع، وواعيًا بالضرورة لذاته المبدعة.
– هناك من الحيوان والحشرات ما يُبدع أيضًا … هناك النحل مثلًا، الذي يصنع العسل داخل أشكال هندسية غاية في الدقة والجمال، فهل هو يملك العقل الواعي والشخصية الواعية؟
– لا … لأن كل حيوان أو حشرة أو نبات يُبدع شيئًا أو شكلًا، إنما يصنع ذلك بأعضائه الطبيعية المغروزة فيه، وليس بواسطة أداة أو آلة يصنعها قبل ذلك في فكره … ولو كان الإنسان قد أُعطي مَلَكة غريزية، كالنحل أو النمل، أو سلاحًا عضويًّا قويًّا كالأسد أو النمر، لمَا احتاج إلى أن يخلق لنفسه الأدوات والآلات التي تُعينه على مواصلة الحياة، ولَمَا أدى ذلك إلى نمو العقل الواعي والشخصية الواعية.
– صدقت … هناك بالفعل فرق بين إبداع الغريزة وإبداع العقل الواعي. إن النحل عندما يُبدع الأشكال الهندسية لا يُعجَب بها، ولا يَعِي أنه أبدع شيئًا جميلًا … أليس كذلك؟
– حقًّا.
– إنه آلة غريزية حية، تُنتج الجمال، كآلة النسيج التي تُنتج قماشًا ذا رسوم جميلة … هل آلة النسيج تُعجَب أو تحكم على ما تُنتج؟! … لا بالطبع … أما نحن البشر فنتأمل ونُعجَب ونُقدِّر ونحكم … لأننا لسنا آلات، بل نحن نصنع الآلات.
– بالضبط … وهكذا وُجِد عندكم العقل الواعي، ووُلِدت الشخصية الواعية.
– وهذا أهم ما عندنا … وأثمن كنز للإنسان … هذا العقل الواعي الخلَّاق وهذه الشخصية الواعية المُدرِكة … وعندما نفقد ذلك، نفقد كل شيء، ونعتبر أنفسنا في غيبوبة الموت.
– ولكنكم تبالغون عندما تظنون أن كل الكائنات العُليا كائنات عاقلة … هذا النوع من العقل!
– أوَيمكن وجود كائنات عُليا راقية بدون العقل الواعي؟!
– ولِمَ لا؟
– هذا شيء لا يمكن تصوُّره.
– بالطبع … لأنك تتصوَّر بعقلك الواعي هذا … وخارج نطاقه لا تستطيع أن تتصور شيئًا.
الكائنات الخفية
– ولكننا نستطيع تصوُّر كائنات خفية، يُقال إنها تحوم حولنا ولا نراها، ونفزع إذا شعرنا بوجودها؛ لأنها تصدم منطق أجهزتنا العقلية … هل هي موجودة فعلًا؟ وهل هي تهتم بنا؟ وهل تتدخل في شئوننا؟
– لا عِلْم لي … وهل تعلم أنت ما يدور في رأس بُرغوث في جسمك من أحلام وتخيُّلات؟!
– ولكنك تعرف — ولا شك — ما يعيش في جسمك من كائنات مرئية وخفية.
– وهل تعرف أنت كل الفيروسات الخفية التي تعيش في جسمك؟
– إني أحاول أن أعرفها … أحاول أن أعرف كل شيء … ولقد قلتها أنت وقررتها: المعرفة وحب المعرفة هما سلاحنا الوحيد.
– سلاحكم أنتم معشر الإنسان، الضعيف بأعضائه، ولكنه ليس سلاحنا نحن … إن المعرفة عندنا مغروزة داخلنا، موضوعة في طاقة حركتنا ودقة مسارنا.
– إني لا أستبعد وجود فيروسات خفية في جسمي لم تُكتشف، فهل تستبعد أنت وجود كائنات خفية غير مرئية لنا نحن البشر؟ … لقد سمعت كثيرًا عن أناس يُقسمون أنهم يعيشون مع بعض هذه الكائنات … معيشة أخوة، أو معيشة زوجية.
– صدق … والأمر لا يخلو من أحد فرضين: إما أن تكون هذه الكائنات موجودة بالفعل، وليس كل موجود يمكن أن تراه حَدَقات عيونكم … ولا بد أن الكون زاخر بكائنات مختلفة قد لا تُرى بالعين البشرية ذات الطاقة المحدودة، وربما كان لبعضها نوع من العقل ليس خلَّاقًا، ولكنه مُدرِك ذكي، قد يتدخل بإرادة أو لا يتدخل في المصائر والمسارات والأفلاك الأخرى لبعض الأحياء … كل هذا مُحتمل … كل شيء مُحتمل في هذا الكون … والكون أكبر من أن يكتفي بكم وحدكم!
– هذا فرض … والفرض الآخر؟
– الفرض الآخر هو أن تكون هذه الكائنات الخفية، التي يُقسم لك البعض أنهم يعايشونها، ليست سوى كائنات مصنوعة صُنْعًا في مَعْمَل العقل البشري الخلَّاق … إن قوة الخلْق التصوُّري عند فئة من الناس، تبلغ أحيانًا حَدَّ التجسيد الفعلي أمام أنظارهم لما يتصوَّرونه؛ فإذا بها عندهم حقيقة واقعة يؤمنون بها.
الإيمان والتفكير
– نعم، الإيمان … وهذه مَلَكة أخرى من مَلَكات الإنسان، ينبغي ألَّا نُغفلها … إنه سلاح آخر يُقوِّيه في بعض المواقف والأحيان.
– أصبت … الإيمان قوة دَفْع وإصرار في مجال العمل ليس عند الإنسان وحده.
– أتريد أن تقول إن الحيوان يعرف الإيمان؟!
– الحيوان لا يعرف شيئًا بالمعنى لكلمة «المعرفة» … إن المعرفة الواعية هي من خصائص الإنسان وحده كما قلنا … وغير الإنسان، المعرفة عنده مغروزة في داخله، يمارسها دون حاجة إلى الوعي؛ فالأعمال الشاقة التي يقوم بها النمل في بناء بيوته وتخزين طعامه وتصفيف جيوشه ومثابرته العجيبة وإصراره العنيف … كل ذلك وراءه — ولا شك — قوة دافعة مُصِرَّة تشبه قوة الإيمان.
– ولكني أتكلم عن إيمان العقيدة.
– هذا إذن تجده عند الإنسان وحده … لأن العقيدة أساسها الفكرة، والفكر الواعي، وأكررها لك، مَلَكة بشرية بحتة … والإيمان بعقيدة في مجال العمل والممارسة الفعلية.
– تعني بذلك أن الإيمان مُقترن بالعمل؟
– طبعًا … لأنه قبل العمل لا يكون هناك غير التفكير.
– إذن، التفكير سابق على الإيمان؟
– بالضرورة … لأن التفكير سابق على العمل … إنك تفكر قبل أن تعمل … إن العمل هو مرحلة التنفيذ التي تمهِّد لها مرحلة التفكير … والتفكير مُتحرِّك … لأنك تُقلِّب فيه كل وجوه الرأي، وتتحرك في مجال التقليب والبحث والتنقيب والتردُّد والشك، إلى أن تهتدي إلى الرأي الأخير، والقرار النهائي الذي يجب أن يُعتنق، وعندئذٍ يُوضع مَوضع التنفيذ … فالتفكير هو حركة الشك، والعمل هو ثبات اليقين، والإيمان هو قوة الثبات والدفع والإصرار على التحقيق العملي ليقين العقيدة.
– هذا صحيح؛ فكل الأديان قد بدأت بمرحلة الشك في العقائد السابقة والتفكير في دِين جديد. وبعد مرحلة الشك والتفكير، جاءت مرحلة الاعتناق للعقيدة الجديدة والدعوة لها والعمل من أجلها؛ أي مرحلة الإيمان.
– لعلَّك تلاحظ أن الإيمان — أي قوة الإصرار على العمل — إذا كانت قد وُجِدت عند الحيوان والحشرات، فإن الشك — أي التفكير في التغيير — شيء خاص بالإنسان وحده؛ ولذلك لا توجد تغييرات في حياة الحيوان … فهو يعيش في مجتمعات ثابتة جامدة لا تعرف التطور.
– ولعل من رأيك أيضًا أن الحيوانات والحشرات ليست في حاجة إلى التطور الاجتماعي، وإلا كانت قوة الحياة دفعتها إليه.
– فعلًا … وأمامك مجتمع النمل ومملكة النحل … ما من تغييرات حدثت فيهما منذ الأزل … ولا أحسبك تتوقع أن تنقلب مملكة النحل إلى جمهورية ومجتمع النمل إلى مَلَكية!
– ربما ليست لديها مُشكلات اجتماعية تدعو إلى ذلك!
– إن قوة الحياة الكامنة فيها والمغروزة في تركيبها هي التي تحل لها مُشكلاتها … أما عند الإنسان فإن قوة الحياة تُلقِي مسئولية مشكلاته على عضلته الخاصة الجديدة، التي تُسمَّى العقل الواعي، وعلى جهاز فكره المتحرِّك.
مسئولية الفكر
– حقًّا … إن مسئولية الفكر الإنساني جسيمة!
– وحركة هذا الفكر المستمر هي فرصة الإنسان الوحيدة في الحياة.
–ولهذا تُقاس قيمة الأفراد والشعوب وقوتها بمقدار حركة الفكر فيها.
– هذا صحيح … ولهذا تختفي حضارات وتظهر حضارات، تبعًا لجمود الفكر أو تحرُّكه.
– تقول: تختفي؟ … أين تختفي؟
– أقصد تُبتلَع … لا شيء يختفي نهائيًّا أو يزول … ولكن كل شيء، ومنها الحضارات، إذا ضعفت وجمدت ابتلعتها حضارة أسرع حركةً وأقوى مَعِدةً، فتهضم ما عندها من كنوز، ولا تُبقيها إلا نُفاية، وتتقدم هي مُتورِّدة سمينة مُزدهرة لتحمل عنها مِشعل القوة الإنسانية.
– أليست كل حركة مقترنة بالاتجاه؟ … فما هو الاتجاه المطلوب لحركة التفكير؟
– الاتجاه إلى الأمام طبعًا … أي التقدم بالإنسان في طريق التطور إلى الأقوى والأفضل … لأن الاتجاه إلى الخلف هو رجعة إلى موضع سابق مرَّ به الإنسان وتركه، سائرًا مع الزمن المتغير والعصور المتلاحقة … ولا يمكن للغد أن يصبح الأمس، إلا إذا انقلبت دورة القمر من حولي ودورتي أنا أيضًا.
– ألا يمكن أن يكون في ماضي الإنسان شيء ذو قيمة يُرى من الأفضل له استعادته؟
– هذا شيء آخر … هناك فرق بين الإنسان الراكب في قطار الزمن والعصر، ويريد أن يرجع بقطاره كله إلى محطة سابقة يمكث فيها، وبين الإنسان الذي يستعيد من هذه المحطة الشيء ذا القيمة، وينفض عنه ترابه ويُصلحه وينتفع به وهو سائر بقطار الزمن والعصر في اتجاه المحطات التالية المتقدمة.
– ما دمت قد ذكرت القطار، فإلى أي مدًى يستطيع أن يسير إلى الأمام؟
– لا أدري … كل ما أعرف هو أنه سيظل يسير ويتحرك بحركة الفكر الخلَّاق؛ هذا الوقود الضروري لتشغيل عجلاته … فإذا نفِد هذا الوقود وقف.
– إنها لكارثة هذا الوقوف!
– ما دام هناك وقود يدفع العجلات، فلا خوف.
– وكيف نأتي بهذا الوقود؟!
– إنه يَنبت في البيئة الصالحة والمناخ الملائم.
– مثل كل نبات طيب.
– نعم، بالضبط … ومثل كل نبات طيب يحتاج في نموه وازدهاره إلى الهواء الطلق، وإلى ضوء الشمس.
الهواء والنور
– وهل هو يَنبت من تلقاء نفسه، أو يُزرع زرعًا؟
– قد يَنبت من تلقاء نفسه إذا تُرِك حرًّا … ويُزرع زرعًا إذا وُجد من يزرعه، ويأتي له بخير البذور ويُسمِّده بخير السماد، ويراعيه ويَسخو عليه في الإنفاق … وأهم من كل ذلك ألَّا يسد عليه منفذ الهواء والنور.
– البذور والهواء والنور؟ … أتظن هذه أشياء من السهل توفُّرها في كل حين؟!
– ولم لا؟
– هناك ظروف وموانع تمنع.
– تمنع ماذا؟!
– الهواء والنور!
– وما هي هذه الموانع؟
– أولًا …
– نعم، أولًا …؟
– لا … لا داعي.
– تكلَّم.
– كفاية … أظن أنك تعبت من طول الحديث … والوقت مُتأخر … ويَحسُن أن تسمح لي بالانصراف.
– على كل حال لقد سعدت بمعرفتك.
– بمعرفة بُرغوث على سطحك!
– أوَلا يُسعدك أنت أيضًا الحديث مع بُرغوث على جسمك؟!
– وأي سعادة! … لو وجدتُ البُرغوث الذي يحدِّثني عن همومه ومشكلاته بلغة أفهمها، لقدَّمت له دَمي وأنا مُغتبِط راضي النفس.
– أنا أيضًا أُقدِّم لكم، عن غير معرفة شخصية، دمي وكنوزي من بترول وذهب وماس وثمار … ولا أسألكم شيئًا غير توزيعها بينكم بالعدل، بلا ظلم ولا طغيان ولا عدوان!
– شكرًا على هذا الحديث … وأَمَلي أن أحضر هنا مرة أخرى، وأحظى بسماع صوتك، والانتفاع بآرائك.
– إني في انتظارك دائمًا.
– إلى اللقاء إذن.