ما هي الحقيقة؟

لم يكن في نيتي أن أعود سريعًا إلى مغارة المقطم لأُحادِث مرة أخرى ذلك الصوت المنبعث من أعماق الأرض أو من أعماقي، ولكن حدث ما دفعني إلى الإسراع بالعودة إلى هناك … فقد شاءت الظروف أن ألتقي بزميل قديم كان يعمل مُساعدًا لي في أيام اشتغالي بالقضاء منذ أكثر من أربعين عامًا … كان شابًّا على خُلُق قويم، نقي الضمير، يُقدِّس الواجب ولا يتهاون فيه، وكنا نثق فيه كل الثقة، ونعتمد عليه كل الاعتماد … ما من قضية تناولها بالتحقيق إلا وغاص في أغوار أسرارها، لا يستريح له بال حتى يكشف عن حقيقتها … كنا نجد فيه المحقق المثالي … وجاءنا ذات يوم وهو فرِح سعيد بعد إجازة قصيرة قضاها في القاهرة؛ فلقد كنا نعمل في إقليم من أقاليم الريف … قال لنا إنه مُوشِك على الزواج؛ فقد خَطَبت له أسرته فتاة جميلة مُهذَّبة من أسرة طيبة تعرفها والدته، فاغتبطنا له، وصرنا نُشجِّعه على أن يذهب إلى القاهرة كل أسبوع، وننزل له عن بعض حقنا في الإجازات وهو يتعفَّف ويرفض ويُصر على القيام بواجبه كاملًا وعدم ترك عمله إلا في إجازته المستحقَّة، وكنا نستحثُّه على الحديث عن خطيبته فكان يُجيب بالكلام اللائق المناسب ولا يزيد، وعرفنا أنه يراها الرؤية المسموح بها في ذلك الوقت، وفي حضور مَحرَم، ولم يخرج بها قط لنُزهة؛ لا بمفردهما ولا بمصاحبة أحد من أهلها … واقترب موعد الزفاف فقال أحد الزملاء الماجنين إنه يخشى عليه من عواقب تلك الليلة … فهو شاب مُهذَّب وعروسه فتاة مُهذَّبة … وهذا التهذيب كله لا بد أن يذوب دفعة واحدة في هذه الليلة الخطيرة: ليلة الدخلة … فماذا هو فاعل؟ … وهو فيما يبدو لم يمارس قط تجربة تدعو إلى الاطمئنان … واقترح عليه هذا الزميل الماجِن أن يذهب به إلى مكان سري يلتقي فيه بامرأة من النساء العابرات المُتردِّدات على تلك الأمكنة لمثل هذه الأغراض، فاستنكر الشاب المُهذَّب هذا الاقتراح، ولكن الزميل المُجرِّب ظل به يُقنعه ويُزيِّن له فوائد هذه التجربة البسيطة في هذا الظرف الدقيق من حياته، ويؤكد له أنه لن يخسر شيئًا بهذه الزيارة القصيرة؛ فالمكان مأمون، ولن يكون فيه غيرهما وغير امرأتَين تُستجلَبان خصوصًا لهذا الموعد، حسب التدبير الذي سيتولاه بنفسه مع صاحبة المكان، وهي خيَّاطة رومية أعدَّت شقة مُجاورة لعملها تُباشر فيها المواعيد مع زبائن محدودين في إطار الحفظ والصون. واستجاب الشاب أخيرًا، وذهب مع الزميل المُجرِّب إلى شقة الخيَّاطة، ودخل إلى قاعة جانبية فيها فراش وثير، وعلى نوافذها ستائر مسدولة من المخمل الأحمر السميك، وعلى أريكة في الصدر جلست امرأة عارية الكتفَين، ما كاد يراها حتى صُعِق … إنها خطيبته المهذَّبة! وخرج هائمًا على وجهه في الطرقات، يكاد من هول الصدمة أن تدوسه العربات، ولم يتزوج بعدها أبدًا … ولم نرَه نحن بعد ذلك أبدًا … فقد طلب نقله إلى أقصى الصعيد، ولم ألتقِ به إلا أخيرًا، وقد شاخ وتقاعد بعد حياة طويلة في وظائف القضاء. اعترضني وأنا سائر في الطريق كما أفعل كل صباح، وحيَّاني وذكَّرني بنفسه، ثم استأذن بأسلوبه المُهذَّب الذي عرفناه منه قديمًا في أن يُلقي عليَّ سؤالًا.

قلت له: تفضَّل … ما هو السؤال؟

قال: ما هي الحقيقة؟

دُهِشت لسؤاله ولم أتوقعه … ولاحَظ دهشتي، ولعله لاحَظ أيضًا شيئًا من التبرُّم الخفي، فمثل هذه الأسئلة المطلقة في موضوعات فكرية مُجرَّدة، ليس مما يُغري بالحديث إلا في نِطاق المُحاورات والمُناقشات داخل جلسات الأدب والفكر، وليس مما يُتحدَّث به في مقابلة عابرة في الشوارع والطرقات … وأدرك هو ذلك فبادر يقول: أتسمح لي أن أقص عليك الدافع إلى هذا السؤال؟

قلت: بالطبع … لا بد أن يكون له من دافع.

قال: إنها قصة قديمة … أو على الأصح هو سِرٌّ لم أَبُح به لأحد منذ نحو ثُلث قرن، وهو يُثقِل صدري. وعلى مدى هذه الأعوام الطويلة وأنا أعيش مع هذا السر الدفين، وليس في المقدور أن أفعل معه شيئًا سوى أن أُردِّد دائمًا بين جدران نفسي هذه العبارة: ما هي الحقيقة؟ ما هي الحقيقة؟ هل يتسع صبرك ووقتك لسماع سرِّي؟!

واشتقت إلى معرفة هذا السر الذي عاش معه هذه الأعوام الطويلة ولم أُطِق صبرًا على تأجيل الحديث حتى نتخذ لنا مجلسًا … وكنا نمشي على كورنيش النيل، فأخذت أتمهَّل في المسير معه حينًا وأتوقف به في السير حينًا، وقد دعوته إلى الكلام، فروى لي هذه القصة العجيبة: إنه في ذات يوم منذ نحو ثلاثين عامًا، وكان قد نُقِل إلى القاهرة وكيلًا للنيابة فيها، تُوفِّيت والدته، ولم يكن يقطن معها … كانت تعيش في بيتها … بيت الأسرة الكبيرة مع زوجها الأخير؛ فوالده كان قد تُوفِّي منذ وقت مُبكِّر وهو طالب في الحقوق، وقبل أن يلتحق بالوظيفة؛ أي قبل أن أعرفه مُساعدًا لي … في ذلك الوقت كانت والدته قد تزوجت بعد أبيه … فهي لم تترمل إلا لمدة عام واحد … ولَبِثت مع زوجها الثاني خمسة أعوام … كان من أعيان الريف المُوسِرين، رجلًا قويًّا مَهيبًا … ولكنه أصيب في آخر الأمر بمَرض عُضال، فلم تُطِق صبرًا على تمريضه طويلًا، فتغيَّرت نحوه، وانتهى بها الحال إلى أن طلبت منه الطلاق فطلَّقها … وأُبرِئ من مرضه بعد ذلك، ولكنها لم تَعُد إليه، وعاشت مع ابنها في بيت الأسرة، وكانت أعماله تقتضي أن يتردَّد عليه في البيت كاتب التحقيق يحمل إليه ملفات القضايا، وكان شابًّا وسيمًا متأنِّقًا لَبِق الحديث، ممن يُطلق عليهم بين عامة الناس وصف «الداير الملحلح» … فما يشعر الابن ذات يوم إلا وقد اتفقت أمه مع كاتب تحقيقه على الزواج، ولمَّا ناقشها الابن في مظهر هذا الزواج وبيَّن لها ما فيه من عدم لياقة، فزواجها من مرءوسه الذي يعمل تحت سلطته فيه إحراج له، كما أن فارق السن بينهما كبير؛ فهو يكاد يُماثل ابنها سِنًّا إن لم يكن أصغر، فلم تستمع إلى هذه الاعتبارات، وأصرَّت على هذا الزواج، وقامت بإتمامه فعلًا، ولم يجد الابن أمامه إلا أن يترك هذا البيت ويقيم بمفرده في بنسيون … ولو كان أخوه الأكبر في القاهرة لأقام معه، ولكن الأخ الأكبر الوحيد الذي له كان طبيبًا مستقرًّا في أسيوط، تزوج هناك منذ كان مُفتشًا للصحة في مركز من مراكز الريف في الصعيد، وخرج من خدمة الحكومة وأنشأ عيادة خاصة وأنجب أطفالًا أدخلهم مدارس تلك المدينة، ولم تَعُد له بالقاهرة صلة تُذكر، ولم يكن يرى أخاه هذا وأسرته إلا في الأعياد والإجازات. أما والدته فكان يتصل بها عن طريق التليفون، وفي أحيان كثيرة كانت تزوره هي في البنسيون، تحاشيًا من اللقاء في البيت. أما زوجها الشاب فلم يره منذ عقد القران؛ فقد طلب نقله إلى نيابة أخرى، وفَهِم رئيسه النائب العام ظرفه الخاص وحرجه مع كاتب نيابته، فنقله في دائرة القاهرة نفسها، ولكن في حي بعيد عن عمل زوج أمه، ولم يدخل بيتها إلا يوم وفاتها … تلقى الخبر بالتليفون من زوجها، فذهب على الفور إلى ذلك البيت؛ بيت الأسرة الذي نشأ فيه صغيرًا هو وأخوه الأكبر، في كنف والد كثير الأسفار يعمل في المقاولات، ووالدة مُتبرِّمة على الدوام بغيابه، فاعتاد هو وأخوه على أن يعتمد كلٌّ منهما على نفسه … لم يجد في ذلك البيت شيئًا تغيَّر، إلا بعض ملابس ذلك الزوج الثالث مُعلَّقة على شمَّاعة في حجرة النوم … ولمح فوق السرير جثمان والدته وقد غُطِّي بملاءة بيضاء … وسأل عن أخيه الأكبر، فقيل له إنه قد أُرسِلت إليه برقية في أسيوط، ولم يلبث أن وجد البيت قد امتلأ بنساء لا يدري من أين جئن، وبين وقت وآخَر ينطلق صوت عويل حاد، ثم صوت ندَّابة، يتبعه صوات متقطع لمجموعة كأنها بِطانة نَدْب مُحترفة … أما الزوج، فكان يسير هنا وهناك والدموع تجري على خدَّيه، منديله في يده يجفِّف به العَبَرات مع الزَّفَرات، وعجائز النسوة من حوله يقلن له: «شد حيلك يا بني» … أما ابن المتوفاة، فكان كالغريب في ذلك المكان … فقد كان مسيطرًا على مشاعره، غير مستطيع أن يُكيِّف وضعه، وبدا كأنه في حاجة إلى وجود أخيه ليُعيد إليه الإحساس بكيان الأسرة. ولم يلبث الأخ الأكبر أن وصل، وجعل يسأل أسئلة سريعة مُتلاحقة عن وقت الوفاة وموعد الجنازة ونشْر النَّعي ومكان تقبُّل العزاء ومدفن الأسرة ونحو ذلك من الإجراءات، وكان الزوج يُجيب على ذلك كله وهو يشهق بالبكاء، قائلًا: إن كل ذلك قد تم إنجازه، ما عدا النشر في الصحف؛ فإنه انتظرهما لبيان أسماء الأسرة كاملةً، وجعل الابن الأكبر يُملِي عليه، ويتبادلان الرأي في كل شيء، دون أن يبدو عليهما أي حرج كَذلك الحرج القائم بين وكيل النيابة وكاتبه … وقد أراح ذلك الابن الأصغر، فترك كل شيء لأخيه الطبيب … وتمت الترتيبات بسرعة، ونُصِب الصوان أمام البيت، وظهر النعي في الصحف، وأقبل المُعزُّون واصطفُّوا في الكراسي، ودار الفرَّاشون بالقهوة السادة، وجعل الحانوتية يُعِدون الخشبة، بينما الجُثمان المُسجَّى على الفراش لم يزل مغطًّى بالملاءة البيضاء، في انتظار نقله للغُسل. وجاء من النسوة مَن يسأل الأخوَين إذا كانا يريدان إلقاء نظرة على أمهما … فأقبل الابن الأكبر الطبيب ورفع الغطاء عن الجُثمان بتُؤدَة، ونظر في وجه والدته، ثم عاود النظر في اقتراب مدقِّقًا فاحصًا، وأخيرًا أعاد الغطاء إلى أصله، ورجع مُطرِقًا وأمسك بيد أخيه وكيل النيابة، وانتحى به جانبًا وأسرَّ في أذنه: أُمُّنا ماتت مقتولة!

– مقتولة؟!

لَفَظَها وكيل النيابة في همسة مرتاعة.

وأردف أخوه الطبيب قائلًا: مخنوقة.

– مخنوقة؟! … أنت متأكد؟!

– طبعًا … أنت نسيت أني كنت مفتِّش صحة؟! … من اختصاصي فحص الجُثَث … حتى قبل نظام الطب الشرعي!

– والعمل؟!

– والله … شيء يُحيِّر.

– نُبلِّغ.

– معنى التبليغ أولًا تشريح الجثة … وثانيًا التحقيق … والتحقيق ربما جَرَّ للفضيحة.

– الفضيحة؟!

– أُمُّنا كانت مِزواجَة بشكل ربما يكون محل …

– وخصوصًا زواجها الأخير.

– فعلًا، زواجها الأخير!

– لكن … القاتل؟!

– يَحسُن أن نكتم هذا الموضوع، وندفن الجثة وقاتلها معها؛ صِيانةً لسمعة أُمِّنا وسمعة الأسرة، والله يرحمها ويغفر لها ويطهر روحها.

واتفق الأخوان على كتمان السر، وعدم إثارة هذا الموضوع؛ لا من بعيد ولا من قريب … وذهب كلٌّ منهما في طريقه وانصرفا إلى شئون حياتهما، ونسيا الموضوع أو تناسياه … على أن الأخ الأصغر وكيل النيابة لم يكفَّ لحظةً عن التفكير بينه وبين نفسه في هذا الأمر: مَن الذي خنقها؟ ولماذا؟ … وجعل طوال الأعوام يُدير التحقيق داخل فكره، ويستعرض مَن تَحُوم حوله الشبهات … أتُراه ذلك الزوج الأخير؟ … فعل ذلك بدافع الطمع في ميراثها؟ … ولكن ميراثها لم يكن بذي بال؛ فقد كانت مُسرِفة مِتلافة، وإذا كان قد بقي لها القليل الذي تُورِّثه، فقد زهد الزوج فيه، وأقبل على الأخوَين الوارثَين عند توزيع التركة وفي عينَيه أسًى، وفي صوته تهدُّج، يُعلن إليهما أنه نزل لهما عن نصيبه، ولن يسمح لنفسه، وهو الدخيل، أن يرث شيئًا من تركة أمهما، وكان موقفًا كريمًا في نظر الأخ الطبيب … ثم ما هي مصلحته في قتلها وقد كانت تغدق عليه من مالها إغداقًا، وتُئويه في بيتها، وكان هو الآمر الناهي في البيت، يتصرف في كل ما لديها التصرف المطلق … أتُراه قد ملَّ عِشرة هذه العجوز وأراد التخلص منها؟ ولكن هذا ليس الحل … فباب الطلاق مفتوح … أو الهرب … أو طلب النقل إلى وظيفة في أقصى البلاد … وتعب من هذا التحقيق، وبدأ يسأل نفسه عن جدواه … وافترض أنه اهتدى إلى القاتل، فهل يُسلِّمه إلى العدالة؟ … لا بالطبع … فقد انتهى الرأي من سنوات إلى كتمان هذه الجريمة؛ تَلافيًا للفضيحة، وصيانةً للسمعة … إذن، وعلى فرض أنه عرف القاتل، هل يتولى هو بنفسه عقابه سرًّا بغير ضجة؟! … هذا أيضًا لا يمكن أن يخطر بباله … فهو من رجال القضاء، وعلى قدر كبير من الثقافة والتهذيب والتحضر، كيف يتصرَّف تصرُّف الجُهَلاء الذين يسلكون طريق الأخذ بالثأر في المجتمعات البدائية … وهو الذي من عمله وواجبه أن يُفهِّم الناس احترام القانون؟! … ثم هناك أكثر من ذلك: هناك شُعوره الداخلي الذي لا يحمل ضِغنًا ولا حِقدًا على القاتل؛ لأن الجريمة أصبحت قديمة وبردت العواطف، ولا بد أن لسلوك أُمِّهما الشخصي نصيبًا فيما حدث … وهو لا ينسى لها أنها أوقعته، فيما مضى بسوء اختيارها، في تلك العروس التي ضبطها في المكان المشبوه … ثم شيء آخر، هو أن الجريمة نفسها لم يَعُد لها وجود في نظر القانون، بعد أن مضى عليها نحو ثلاثين عامًا … ومَن يُدريه أن القاتل نفسه حي؟! … لعله أصبح هو الآخر من الأموات، وأنه مدفون الساعة في مقبرة، ويزورها أهله وذووه ويترحمون عليه وينثرون الزهور … ما معنى إذن هذا التفكير المستمر، وهذا التشوُّق الدائم إلى كشف السر؟ … إنه لا يتصوَّر أن يموت ذات يوم دون أن يعرف حقيقة هذا الأمر … لماذا؟ لماذا يريد ذلك وهو يُوقن أنه لن يجني شيئًا من ورائه؟! أتُرى معرفة الحقيقة ضرورة في ذاتها؟ لكن ما هي الحقيقة؟!

وعندما انتهى زميلي القديم من قصته إلى هذا السؤال، كنت أنا قد بدأت التفكير معه والبحث عن الجواب … ولكن التسرُّع والإسراع بأي إجابة ليس مما ينبغي، وخاصةً في أمر كهذا، ومع رجل كهذا … واستمهلتُه ورجوتُه أن يمر عليَّ في مكتبي بعد أيام … وانصرفنا … وخلوتُ إلى نفسي … وعندئذٍ تذكرت مغارة المقطم، وقلت لعل حديثي مع ذلك الصوت المنبعث هناك؛ صوت الكوكب، ومحاورتي معه مما قد يُنير لنا السبيل.

ما هي الحقيقة؟

دخلت المغارة، واتجهت قُدمًا إلى وَسَطها؛ حيث البئر العميقة، ومِلت برأسي أُطِلُّ وأصيح: ها أنا ذا قد جئت.

– أهلًا وسهلًا … كنت أتوقَّع عودتك (قالها الصوت بنبرته التي عرفتها).

وسألته في شيء من الدهشة: كنت تتوقع عودتي؟!

– طبعًا … من حديثنا السابق أدركت أن مُشكلاتكم لن تنتهي!

– هذا صحيح … ما دمنا ذلك النوع العجيب المُسمَّى الإنسان، فنحن نفرز مشكلاتنا كما تفرز العقارب سمومها.

– ولماذا العقارب؟!

– لأن العقرب تُؤذي نفسها أحيانًا بالسم الذي تفرزه.

– نعم … ولكن العقرب تُولَد وسُمُّها فيها … أما أنت أيها الإنسان، فتُولَد نقيًّا صافيًا، ثم تصنع أنت بيدك سُمومك، ثم تعيش حياتك تبحث عن الترياق!

– حقًّا … وهذه مصيبتنا.

– ما هي مشكلتك اليوم؟

– أريد أن أطرح عليك سؤالًا.

– تفضل!

– ما هي الحقيقة؟

– أي حقيقة؟ … حقيقة ماذا؟

– الحقيقة … ألا تعرف كلمة الحقيقة؟

– حدِّد معنى الكلمة … أكثر الضلال يأتي عندكم من إطلاق كلمات كبيرة في الهواء، فارغة من المعاني المحددة … إن الحيوان مشكلاته أقل تعقيدًا؛ لأن لغته أكثر تحديدًا … إنه يحدد طلباته، ويحدد قدراته … يلائم بين الطلبات والقدرات، ولا يطلب القفز أكثر مما تستطيع عضلاته … تلك هي لغته … كل شيء عنده محكوم بقانون السليقة، مدروس بدقة الغريزة … لا لغو فيها ولا هزل … قفزته محسوبة، وقلَّما تُخطئ … ألم تنظر إلى قِطٍّ وهو يريد القفز من حائط إلى حائط … إنه يدرس المسافة بينهما بعناية تامة، وكأنه يقيس قدرته قبل أن يَهُم بالقفز، ولا يُقدِم إلا وهو على ثقة من أنه سينجح … وهو قَلَّما يُخطئ أو تَزِل قدمُه عنده بعد حاسَّة الحساب.

– الواقع أني لاحظت ذلك في القِطط.

– ليس في القِطط فقط … في كل أنواع الحيوان والحشرات هذا التحديد الدقيق للقُدرة والرغبة … وهو ما أُسمِّيه اللغة المحددة.

– ولماذا لا نَملك نحن مثل هذه اللغة؟

– لأنكم تصنعون لغتكم بأنفسكم من كلمات … وهذه الكلمات مُختلفة الدلالات والمَدلولات … وكل نوع من الناس يستعملها استعمالًا مختلفًا … هل تعرف مثلًا معنى كلمة الخير وكلمة الشر؟

– الخير والشر؟ … طبعًا هذا شيء معروف.

– لا … ليس معروفًا بمعنًى واحد … إنه عند الفلاسفة بمعنًى، وعند الأخلاقيين بمعنًى، وعند الشعراء بمعنًى … وهَلُمَّ جَرًّا.

– كيف ذلك؟ … إن الخير والشر هما الخير والشر.

– أنت إذن لم تقرأ فيلسوفكم ابن سينا.

– وهل قرأته أنت؟

– بالطبع … لا بد أن أعرفه ما دمتُ قد عرفتُك وعرفتُ صِنف الموضوعات التي تحادثني فيها … وأنت، ألا تفعل ذلك لو جاء بُرغوث على جسمك يُحادثك في موضوعات فكرية؟ … ألا تحاول أن تعرف شيئًا عن فلاسفة البراغيث؟

– فلاسفة البراغيث؟!

– مثلًا … مثلًا.

– ما علينا … ماذا كنت تُريد أن تقول عن فيلسوفنا ابن سينا؟

– أردت أن أقول إنه يتحدث عن الخير والشر في الإلهيات، فتتخذ عنده كلمة الخير وكلمة الشر معاني وأبعادًا ليست مما يُطلَق في المجال العام، ولا مما يُستعمَل في الأخلاقيات أو المعاملات بين الناس … وانظر إليه في كتابه «الشفاء»؛ حيث يقول: «فالخير بالجملة هو ما يتشوَّقه كل شيء في حدِّه، ويتم به وجوده، والشر لا ذات له، بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر … فالوجود خيريَّة، وكما للوجود خيريَّة الوجود … فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب بذاته.»

– وما هو الضرر في أن تُستعمَل نفس الكلمات فيما هو أعلى، وفيما هو عام … ما دام للإنسان ميزة الحياة في عالمَين: عالم السُّمُو في الإلهيات، وعالم الواقع في المعاملات؟

– لا ضرر … ولكن على الإنسان أن يحدد المعنى عندما يستعمل الكلمات، وأن يتذكر دائمًا أن إطلاق الكلمات بغير تحديد هو الذي يؤدي إلى سوء الفهم بين الناس، وعندئذٍ لا يستطيع الناس أن يتفقوا على رأي، ما دامت لغة الكلمات بينهم قد اختلفت معانيها ومدلولاتها.

– فلنعد إلى معنى الحقيقة، حتى أستطيع أن أجيب ذلك الذي سألني عنها … ويظهر من كلامك أن الصعوبة هي في تحديد مدلول الكلمة.

– فعلًا … الصعوبة هي في اعتباركم الكلمة الواحدة مِثل الجوهر الفرد … ولقد كنتم تعتقدون أن الذرَّة هي الجوهر الفرد، فإذا هي قابلة للتفتيت … وعندما فُتِّتت الذرة كشفت عن عوالم خفية أثارت دهشتكم … كذلك الكلمة الواحدة؛ قابلة للتفتيت والانقسام، وعندئذٍ تَكشِف عن مدلولات بعيدة الأثر.

– تقصِد أن الحقيقة قابلة للتفتيت والانقسام؟

– بدون شك.

– مثل الذرَّة إذن؟

– نعم … والظاهر أن كل شيء في الوجود ينبع من نفس القانون … التركيب هو نفس التركيب.

تركيب أجزاء الحقيقة

– فلنحاول إذن تفتيت هذا التركيب لما نُطلق عليه «الحقيقة».

– فلنتفق أولًا على أن المقصود بالحقيقة هو الحقيقة المحددة بعالم الإنسان … أي الحقيقة في نظر البشر، وفي محيط حياتهم وحواسهم وقدرات أفهامهم وعقولهم وأرواحهم.

– طبعًا … طبعًا … لأن الحقيقة خارج مدارك البشر لا يدركها البشر.

– عندئذٍ ستجد أن كلمة الحقيقة، وكلمة السعادة، وكلمة الشقاء، وكل هذه الكلمات الكبيرة التي تُطلقها الأفواه، وتسطرها الأقلام بغير تحديد؛ إنما هي تركيبات عامة كتركيبات المجموعات الشمسية، وتركيبات الذرات … فكلمة الحقيقة — مثلًا — هي مجموعة شمسية تَحتوي على شمس هي النواة وكواكب تدور حولها، وهي ذرة تحتوي على نواة وإلكترونات تدور حولها … كذلك تركيب كلمة الحقيقة، تحتوي على نواة هي روح الحقيقة، وتدور حولها جملة حقائق، مثل: الحقيقة الدينية، والحقيقة العلمية، والحقيقة الفنية والأدبية، والحقيقة السياسية والاقتصادية … وهكذا.

– فهمت … ولذلك لا يمكن أن نَستغني بحقيقة واحدة من هذه الحقائق عن الأخرى، أو نرى وجودنا من خلال واحدة دون غيرها … وإلَّا انطبق علينا المثَل المعروف عن أولئك العُميان الذين أرادوا معرفة فيل ضخم، فوقعت يد أحدهم على ذيله، فقال لأصحابه: إن هذا الفيل هو شيء رفيع قصير، ووقعت يد الثاني على أذنه، فقال: بل هو شيء كالمروحة، ولمس الثالث ساقه فأعلن أنه شيء كالعمود. أما الرابع فاصطدم ببطنه وصاح: لا، بل هو كالحائط … وهَلُمَّ جرًّا.

– ولم يَزَل أكثر الناس مِثل هؤلاء العُميان؟

– نعم، مع الأسف.

– ولذلك كانت كلمة الحقيقة عند أكثر الناس هي أبعد الأشياء عن الحقيقة.

– هذا صحيح، ولكن هل الحقيقة في اكتمالها شيء بعيد دائمًا عن الإنسان؟ أو أن الإنسان المُبصِر يستطيع إدراكها كما يستطيع إدراك الفيل بكل حجمه؟

– وما قولك إذا كانت الحقيقة في اكتمالها أكبر حجمًا من الفيل، والإنسان أصغر حجمًا من النملة؟! في هذه الحالة لن يستطيع الإنسان أن يدرك سوى جزء ضئيل من قَدم الفيل.

– وماذا تقول في إدراك الإنسان لمجموعته الشمسية ولمجرَّته ولمجرَّات أخرى تبعد عنه ملايين السنين الضوئية؟

– ومَن أدراك أن كل هذا ليس أكثر من ذلك الجزء الضئيل من قَدَم الفيل؟!

– إذن، فلنحدد الحقيقة بما قلناه من أنها تلك التي يمكن أن تدخل في إطار المَدارك البشرية. وعلينا نحن البشر أن نعمل دائمًا بكل جُهدنا على توسيع هذا الإطار.

– وهذه هي رسالة وجودكم على الأرض … أي فوق سطحي.

– نعم، ولكن توسيع إطار المعرفة لإدراك الحقيقة ليس بالأمر السهل. إنه يقتضي منا، كما ذكرنا، تفتيت جوهر الحقيقة إلى عناصرها، ثم استخدام المقياس الخاص بكل عنصر.

– وهذا ما قمتم به فعلًا؛ فالحقيقة العلمية تستخدمون لها مقياس الرؤية التجريبية، والحقيقة الفلسفية مقياس الرؤية الذهنية، والحقيقة الدينية مقياس الرؤية الروحية … وهكذا، ولن يُعيدكم إلى رؤية العُميان للفيل إلا استخدام مقياس واحد لكل هذه الحقائق؛ لأن هذه الحقائق مختلفة في طبيعتها؛ فالحقيقة الدينية مثلًا كاملة بذاتها لأن العقيدة تُولَد تامَّة التكوين، والإيمان هو الإيمان، لا يقبل الزيادة أو النقصان. أما الحقيقة العلمية فهي مفتوحة دائمًا للإضافات الجديدة، وقابلة دائمًا للتعديل والتبديل، والتصحيح والتنقيح؛ فهي تُولَد غير مُكتملة التكوين، وتنمو باستمرار إلى غير حد معروف.

تصادم أجزاء الحقيقة

– ألا يمكن أن تتصادم أجزاء الحقيقة فيما بينها؟

– هذا أمر قليل الاحتمال. إن الكواكب في المجموعات الشمسية والمجرات والإلكترونات، كلٌّ منها يدور في فلَكه، ويعمل في تناسق وتعاون مع غيره، ولا يصطدم به ما دام يتحرك في نطاق فلَكه، ولا يدخل في فلَك غيره. وهذا هو الجوهر الأصيل فيه، ولكنَّ هناك نوعًا طفيليًّا بطبعه، يتسلَّق على الأنواع الأخرى، كما يحدث في عالم النبات، ويعيش عليها، ويمدُّ أطرافه من نوع إلى نوع، ويلفُّ سيقانه حول شجرة وشجرة أخرى، وهي أيضًا مثل المذنَّبات في عالم الأجرام … مثال ذلك بعض أنواع الدراسات والفقهيات التي تنسج نشاطها العقلي حول الحقائق الأصيلة، وتمعن في شرحها وتفسيرها، وتُكبِّلها بحواشيها وذيولها، إلى أن تصبح هي الأخرى حقيقة مستقلة، لها مدارها الخاص، مثل المذنَّبات، تمسُّ الكواكب، وفي فهمها أو زعمها أنها تلقي عليها الضوء من تخريجاتها وتفصيلات بُحُوثها، ولكن غبار ذيولها الطويلة يحجب الحقيقة أحيانًا، ويُشوِّش بساطتها وصفاءها.

– معنى هذا أن الحقيقة يمكن أن تتولَّد عنها حقيقة أخرى صغيرة، تتعلق بها وتدور حولها كما يدور القمر حول الأرض؛ أي حولك؟!

– هذا أيضًا يحدث.

– إذن، التصادم بين أجزاء الحقيقة هو أمر خارج عن نظامها الطبيعي، وإذا حدث فإنه يحدث من جزء دخيل ومن حدث خارجي عن جوهرها الأصيل.

– بدون شك.

– وهل يمكن اعتبار هذا الجزء الخارجي مضادًّا للحقيقة؟

– إنه ليس كذلك، ولكن يمكن اعتباره شيئًا قائمًا بذاته، له شخصيته … إنه بناء متين التكوين أحيانًا، رائع التركيب، أصبح هو نفسه حقيقة، مثل الحقيقة الفنية، أو الحقيقة الاقتصادية أو السياسية.

– الواقع أننا نرى أحيانًا في شرح بعض الشرَّاح لنصٍّ من النصوص، مسالك تطول وتتلوَّى وتتعرَّج وتتوه بنا عن روح النص الذي بدأت منه، كما نجد في نظريات بعض المتفقِّهين ما لا يمكن الاعتماد عليه كليةً في إدراك الحقيقة.

– إن الحقيقة أوسع وأعمق وأعظم من شرح الشرَّاح، ونقد النقَّاد، وأصحاب الدراسات، وواضعي النظريات.

– وما فائدتها إذن ما دمنا لا نستطيع رؤية الحقيقة كاملةً من خلال عيونها ونظراتها وحدها، وهي جميعًا متشابكة فيما بينها، ومتناقضة في أكثر الأحيان؟!

إنها — كما قلتُ لك — قد استطاعت بالعقول المتوقِّدة والمهارة الذكية والبراعة الجدلية، أن تصبح كيانًا منفصلًا وبناءً مستقلًّا ولونًا من ألوان المعرفة، وفرعًا من فروع الحقيقة الأصلية.

– أليس البُعد عن الحقيقة هو الكذب؟

– لا، مطلقًا … لا يمكن اعتبار كل بُعد عن الحقيقة كذبًا. إن كلمة الكذب تحتاج هي الأخرى إلى تحديد دقيق، مثل تحديد كلمة الحقيقة.

– ولكننا نعرف لأول وهلة أن الكذب هو ضد الحقيقة … أليس هذا من البديهيات؟

الكذب والحقيقة

– نعم، ليس كل ما يخالف الحقيقة هو من قبيل الكذب … قد يكون من قبيل الجهل … والكذب لا يكون عن جهلٍ بالحقيقة، بل عن علمٍ بها وتعمُّد إخفائها بإظهار ما يخالفها.

– لا بد إذن للكاذب من أن يكون عالِمًا بالحقيقة ويريد إخفاءها؟

– وحتى هذا لا يكون كافيًا لوصف الفعل بالكذب؛ فهناك من يعرف الحقيقة ويخفيها في صدره … إنه ليس بالكاذب إلا إذا أعلنها متعمدًا بقول أو فعل يخالفها؛ أي أن يُظهر خلاف ما يُبطِن، ويقصد إبلاغ الآخرين ما يعرف أنه غير صحيح بدلًا من إبلاغهم ما يعرف أنه صحيح.

– إذن، المعرفة أساس الكذب؟

– بالضبط؛ لأن الجهل بالحقيقة وإظهار غيرها في صورة حقيقة لا يسمى بالكذب، ولكن يسمى بالاختلاق؛ أي خلق حقيقة وهمية لعدم معرفة الحقيقة الأصلية.

– وهل في هذا ضرر؟

– الأمر يختلف. هناك نوع من الاختلاق ضار، عندما يسيء إلى الآخرين، ويؤذيهم في مصالحهم ومعاملاتهم، ولكنَّ هناك نوعًا من الاختلاق فيه نفع كثير، وخاصةً في ميدان العلوم والفنون؛ فاختلاق أو اختراع فروض وهمية في العلم وصور وهمية في الفن، هي من الوسائل المشروعة للكشف عن الحقيقة الأصلية.

– عجيبٌ أن تكون المعرفة هي أساس الكذب، وهو ضرر، وأن يكون الجهل هو أساس الاختراع، وهو نفع!

– هذا مظهر من مظاهر عدم التحديد لمعاني الكلمات. أما العجب فلا عجب؛ لأن العلم يحدث فيه ذلك. وإذا افترضنا أن المعرفة موجَبة والجهل سالب، فإن الموجَب والسالب متعاونان في إحداث النتائج.

– لكأنك تريد أن تقول إن النفع والضرر متعاونان!

– أحيانًا، كما يتعاون النور والظلام.

– وهل يمكن أن تتوقع من الكذب غير الظلام؟!

– ألم تسمع عن الكذب الأبيض والكذب الأسود؟!

– أعرف ذلك، ولكن الاختلاف في اللون هو اختلافٌ في درجة الضرر.

– صدقت … والخطورة دائمًا هي في خطأ التقدير وسوء المفاجأة؛ فقد تبدأ الكذبة بيضاء وتنتهي إلى نهاية سوداء.

– حقًّا … هنا الخطورة … وأولئك الذين يلعبون بالكذب وهم يريدون الاعتقاد بأنه أبيض يخدعون الناس، عندما يفاجأ الجميع بأن الأبيض انقلب إلى أسود!

– لكن ألا يمكن أن يكون الكذب مشروعًا في بعض الأحوال؟

– نعم، لا يمكن بأي حال أن يكون الكذب مشروعًا، ولكنه يحدث دائمًا، وعلى من يمارسه أن يتحمل مسئولية نتائجه.

– أظنك توافقني على أن هناك بعض حالات يُغتفَر فيها كتمان الحقيقة.

– أعطني مثلًا.

– هذا الزميل الذي حدَّثتك عنه، عندما عرف أن أمه قد خُنِقت، وكتم هذه الحقيقة.

– ألم تخبرني أيضًا أنه تحمَّل نتائج هذا الكتمان، وأنه يعاني من القلق طوال الأعوام؟!

– فعلًا، إنه يعاني … ويسائل نفسه دائمًا: ما هي الحقيقة؟ ولذلك جئت أُلقي عليك هذا السؤال.

– وهل أجبتك؟

– لست أدري … هل كل هذا الذي تكلمنا فيه كان هو الإجابة عن السؤال؟!

– إنك لم تحدد لي دافعه إلى هذا السؤال تحديدًا كافيًا؛ أهو دافع شخصي أو دافع عام؟

– أظنه الدافع الشخصي.

– تقصد أن الجريمة التي كتمها هي دافعه إلى السؤال؟

– بالطبع … إن الحقيقة التي …

– التي خنقها طوال الأعوام.

– خنقها؟!

– نعم، خنقها ولكنها تتكلم … دائمًا … إن الحقيقة المخنوقة لها صوت قوي خفي.

كلما خُنِقت تكلَّمت

– كيف ذلك؟ ميتة تستطيع الكلام؟! ألم تسمع عن المثَل الذي يقول: الأموات لا يتكلمون؟!

– هذا خطأ. إن الأموات يتكلمون أيضًا، وخاصةً من يموت بالقتل عمدًا. حتى القاتل نفسه يتكلم عن جريمته دون أن يريد أو يشعر.

– ما هي تلك القوة التي تكمن في «الحقيقة»؟

– إنها قوة عجيبة فعلًا، مثل قوة الراديوم في إشعاعه الذي يخترق الجدران السميكة.

– نعم، حتى الشاعر العربي القديم عرف هذه القوة يوم قال:

ومهما تَكُن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تَخفَى على الناس تُعلَم

– إن الصحيح هو الصحيح، دائمًا وفي كل زمان ومكان … وما يصدق في العلم يصدق في الفن.

– حقًّا، ليس في مجال الشعر وحده. هناك أسطورة معروفة، تحكي عن الإسكندر ذي القرنَين، رُوي عنه أنه كان بغير أذنَين، ويُخفي ذلك بغطاء للرأس مُحكَم الإغلاق، ولا يخلعه أبدًا … ومرِض ذات يوم بصداع شديد، وجاء بطبيب طلب منه الكشف عن رأسه فرفض الملك. ولمَّا أصر الطبيب وألحَّ، حذَّره الإسكندر وهدَّده بالموت فورًا إذا أفضى لمخلوق بالسر الذي سيطلع عليه ولا يعرفه سواه … وكشف له رأسه، وعرَف الطبيبُ السرَّ، وعالجه وانصرف، وظل يحمل هذا السر في صدره زمنًا وهو لا يجرؤ على الإفضاء به خشيةَ عقاب الملِك، وناء بحمل هذه الحقيقة المخبوءة، وثقُل عليه حملُها وحده، وشعر بحاجة مُلحَّة إلى التخفف منها، فذهب إلى بئر منعزلة، وأطلَّ على أعماقها هامسًا: «الإسكندر ذو القرنَين بغير أذنَين!» … وسرعان ما ردَّد الصدى جملته، وإذا شجرة بقرب البئر ممتدة الجذور إلى مائها، قد اهتزَّت فيها الأغصان تُردِّد هي الأخرى ما ردَّده الصدى، ثم قامت الريح تُداعِب هذه الأغصان، فنقلت عنها ما تُردِّده، وإذا هي الأخرى تصفر هامسةً: «الإسكندر ذو القرنَين بغير أذنَين»، وانتقلت الريح إلى السواقي، فأخذت هي أيضًا تدور، وفي كل دورةٍ يُسمع لها أزيزٌ ونُوَاحٌ يقول ويُردِّد: «الإسكندر ذو القرنَين بغير أذنَين.»

وهكذا انتشرت الحقيقة المكبوتة.

– أرأيت؟ حتى الأساطير تشهد بقوة الحقيقة المخنوقة!

– هناك أيضًا من الأمثال ما يقول: كل سرٍّ جاوز الاثنَين شاع!

– الأصحُّ أن يُقال: كلُّ سرٍّ، ولو في صدر صاحبه، يشيع!

– إذن، وصلنا إلى سؤال هام: ما هو تعليل ذلك؟

– تريد تعليلًا علميًّا؟

– هذا أقرب إلى الموضوعية.

– إنه قانون الفعل ورد الفعل.

كل فعل لا بد أن يقابله رد فعل … وفعل الإخفاء يقابله رد فعله، وهو الإظهار.

– إذن، هذا القانون الذي يُطبَّق في المجال الميكانيكي، يمكن أن يُطبَّق في المجال النفسي.

– بالتأكيد.

– وإذا لم يكن هناك إخفاء ولا خنق ولا كتمان …؟

– لن يكون هناك دافع إلى الكشف والإظهار والإعلان.

– وهل يمكن القول بأن الصراحة والإعلان فعل هو الآخَر يدفع إلى رد فعلٍ هو الإخفاء والكتمان؟!

– لا، لأن ما هو طبيعي وعادي لا يُعتبر فعلًا يدعو إلى رد الفعل؛ فالعطش مثلًا حدث عارض، ليس بالعادي ولا الطبيعي للأحياء؛ ولذلك يدعو إلى ارتواء، ولكن حالة الارتواء لا تدعو إلى العطش؛ لأن الارتواء هو الأصل عند الأحياء. كذلك الصراحة؛ هي الأصل عند الإنسان، فلا يمكن أن يكون لها رد فعل وهو الإخفاء.

– الصراحة هي إذن الأصل في الإنسان؟

– بالطبع … ولذلك يحرص عليها حرصه على الهواء الطلق.

– حقًّا، وإذا حيل بينه وبينها فإنه يشعر بالاختناق، ويظل يكافح حتى يظفر بها، ويمزِّق ستارها الذي يحجبها. إن من يحجب الحقيقة والصراحة بستارٍ، يُحرِّك في الآخرين الرغبة في تمزيق هذا الستار!

– هذا قانون.

– ولكن الطبيعة التي نعيش نحن وتعيش أنت في كنَفها، لها أسرار تخفى عنا.

– لذلك نبتت عندكم من قديمٍ الرغبة في هتك هذه الأستار، والكشف عن هذه الأسرار.

وهكذا وُلد عندكم العلم.

– إذن، نشوء العلم عندنا هو رد فعل لذلك الخفاء المسدول على سر الطبيعة.

– فعلًا.

– ولو فرضنا أنه لم يكن هناك سر في الطبيعة حجبته عن عيوننا، هل كان يُولِّد ذلك القلقَ والظمأ إلى المعرفة، والسؤال الدائم، والطمع في الجواب الشافي، والرغبة الملحَّة في كشف الأسرار؟

– لا طبعًا.

– لماذا إذن تُعذِّبنا الطبيعة بإخفاء أسرارها عنا؟

– لأنكم معشر الإنسان قد كُتِب عليكم الكفاح في سبيل الحقيقة.

– نحن وحدنا دون بقية الأحياء؟

– نعم، أنتم وحدكم.

– أهو عقاب؟!

– وربَّما تشريف!

– لا أظن أن الطبيعة تُعنَى بتشريفنا!

– صدقت، إنها لا تعرف معنى التشريف أو العقاب … هذه كلمات في قاموسكم أنتم.

– ولعلها لا تعرف أيضًا معنًى لكلمة الحقيقة!

– بالضبط؛ لأنها لا تبحث عن شيء.

– وأسرارها التي تخفيها؟

– إنها لا تخفي سرًّا … أنتم الذين تطلقون كلمة سر على كل مجهول لكم، محجوب عن وعيكم، غير مجيب على أسئلتكم.

– ولماذا نحن دائمًا نبحث ودائمًا نسأل؟!

– سَل نفسك!

– حقًّا إن هذا الأمر عجيب! … ما إن نُولد ونُوجد على الأرض حتى ننظر في المهد حولنا، وعيوننا الصغيرة تكاد تسأل عن كل شيء؛ فإذا صرنا أطفالًا واستطعنا الكلام، فإن ألسنتنا المتلعثمة تنهال بالأسئلة على ذوينا إلى أن يضيقوا بنا وبثرثرتنا وإلحاحنا.

– إنها إذن فطرة … كفطرة القِط الصغير عندما يرى فأرًا صغيرًا … إنه يجري خلفه ليصيده.

– نعم، وربما لا يكون في حاجةٍ إلى أكله.

– وربما أيضًا لصِغَره لا تكون له بعدُ الأسنان والأنياب التي يُطبِق بها على صيده.

– ومع ذلك كلِّه يجري خلف هذا الصيد!

– فعلًا، ولا يستطيع أن يمنع نفسه من ذلك.

– نعم، نعم … وأخيرًا، ألا ترى أننا قد بَعُدنا كثيرًا عما جئتُ هنا من أجله، وأخذنا نَهيم في كل وادٍ، حتى وصلنا إلى القطط والفيران؟! ماذا عساي أقول لذلك الزميل القديم الذي يعذب نفسه بذلك السؤال … عن الحقيقة؟

– قل له إن الإنسان صيَّاد الحقيقة!

– ماذا تعني؟

– ألم تفهم ما أعني؟

– أوضح قليلًا.

الإنسان صيَّاد الحقيقة

– إذا كان الإنسان هو القط فإن الحقيقة هي الفأر.

– تقصد بذلك أنه يجري دائمًا خلف الحقيقة؟

– بالفطرة كما قلنا … منذ الصغر … وقبل أن تنبت له أسنان العقل وأنياب التفكير.

– ما يُدهشني في أمر الزميل القديم أنه — كما قلتُ لك — لا ينوي الانتفاع بالحقيقة التي يجري خلفها؛ فهو لا يريد عقاب القاتل لو اكتشفه؛ لأن الجريمة ذاتها لم يُعلَن عنها، وقد سقط كل حق في إقامة دعوى بشأنها، ولكنه مع ذلك لا يكفُّ عن السؤال.

– هذا طبيعي، ولا يدعو إلى الدهشة إذا تذكرت الأطفال الذين قلت عنهم الآن إنهم لا يكفُّون عن سؤال ذويهم … إنهم — ولا شك — لا ينوون الانتفاع بالحقيقة التي يريدون أن يعرفوها.

– إذن معرفة الحقيقة شيء والانتفاع بهذه المعرفة شيء آخر.

– بدون شك.

– ولكن العذاب الحقيقي هو في محاولة معرفتها. إن الأسئلة التي لا تجد الإجابة عنها تظلُّ هائمةً في النفس كالأرواح المُعذَّبة.

– أو كحال الصيَّاد الذي أفلت منه الصيد!

– إذن لن ينتهي عذاب الزميل القديم إلا إذا عرف من هو قاتل أمه.

– أظن ذلك.

– وكيف السبيل الآن لمعرفة هذا القاتل؟

– لست أدري.

– أليس عندك ما يُنير لنا السبيل؟

– لا أظنك تريد أيضًا أن تُشغِّلني ضابط مباحث أو بوليس!

– عفوًا، ليس القصد … إن ما أريد هو أن أعود إلى زميلي القديم بما يريح باله ويخفف عنه بعض ما هو فيه من حيرة وقلق.

– عندي اقتراح، ربَّما بدا مضحكًا، ولكنه قد يؤدي إلى شيء.

– ما هو؟

– فلينشر إعلانًا في الصحف.

– إعلان في الصحف؟!

– في باب الإعلانات المبوَّبة، عن القاتل أو من يعرف شيئًا عن جريمة الخنق لسيدةٍ في تاريخ كذا وشارع كذا … أن يقدم نفسه وله مكافأة مُجزِية.

– أتمزح؟!

– بل أقول الجِد … إن القاتل يعلم أنه لم يَعُد هناك من حرج أو ضرر في الظهور، وربما أغرته المكافأة السخية أو الفضول أو الرغبة في الاعتراف أو التوبة والندم، أو غير ذلك من الدوافع النفسية الخفية التي تلازم أحيانًا مرتكبي الجرائم … مَن يدري؟

– هذه أول مرة — ولا شك — يُنشر فيها شيء مثل هذا في باب الإعلانات المبوَّبة!

– وما المانع؟! فليكن من قبيل التجديد! أتظلُّ هذه الإعلانات مقصورة على طلبات الوظائف، وبيع السيارات، وتأجير الشقق المفروشة، وشراء أفران البوتاجاز والغسَّالات الكهربائية والحاسبات الإلكترونية؟

– وكذلك توريد المجرمين في الحوادث الجنائية!

– ولِمَ لا؟!

– على كل حال، سأعرض عليه الفكرة، وأرجو أن يتقبلها بروح طيبة، ولا يرى فيها مدعاة للسخرية.

– سخرية! إن الحقيقة نفسها في بعض الأزمنة والأمكنة ليست سوى ضحكة سخرية، ولو كُشِف عن وجهها لظهر ملطَّخًا بالأصباغ، كوجه مُهرِّج السيرك، ولَبَادرتكم بإخراج اللسان وتلعيب الحواجب.

– إذا كانت الحقيقة تسخر منا وتُخرج لنا لسانها وتُلعِّب حواجبها، فنحن أيضًا نُخرج لها عقولنا ونُلعِّب تفكيرنا!

– لا بأس بهذه الألعاب، تشغلون بها وقتكم على الأرض؛ أي على سطحي!

– مهما يَكُن من أمرٍ، فهذه هي الحقيقة!

– اذهب بها إذن إلى زميلك القديم.

– بماذا أذهب إليه؟ وبماذا أجيبه عن سؤاله؟

– وهذا الحديث كلُّه الذي تحدَّثنا به عن الحقيقة، ماذا كان؟!

– الحديث عن الحقيقة ماءٌ في غربال، ورمال بين أصابع!

– لا بد مع ذلك أن تكون قد علِقت بيدك قطرة ماء وحبَّة رمل … شيء خير من لا شيء.

– صدقت، وإلى اللقاء، وشكرًا لك!

– مع السلامة … وأنا دائمًا في انتظارك وخدمتك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦