ما هي القوة؟
مضت أيام دون أن أرى ذلك الزميل القديم، وكنت أتوقَّع زيارته بين حين وحين حسب الاتفاق … وبالفعل، لم ألبث أن رأيته يدخل عليَّ في مكتبي ذات يوم، وفي يده مظروف عليه آثار ختم بالشمع الأحمر، كأنه تقرير من تقارير النيابة العمومية التي كنا نعمل فيها، وقدَّم إليَّ هذا المظروف، وكان مفتوحًا، وهو يقول: «أخيرًا اتضحت الحقيقة.»
ومددت يدي، وتناولت المظروف وهممت باستخراج ما فيه، ولكنه بادرني قائلًا: «سأتركه معك تقرأ ما فيه على مهل، وأعود إليك بعد أيام»، وودَّعني وانصرف. وما كدت أخلو إلى نفسي حتى أسرعت إلى المظروف. اسْتَلْفَتَ نظري العنوان قبل كل شيء … إنه موجَّه إلى زميلي القديم المستشار المتقاعد الآن، باسمه وصفته، ثم بعد ذلك عبارة وُضِع تحتها خط أحمر مزدوج للتأكيد، هي: «يُسلَّم إليه بعد وفاتي» … وفي الحال، استخرجت المحتوى … إنها رسالة طويلة نصُّها الآتي:
«سيدي المستشار، لم أشأ أن يطويني الموت ويطوي معي صفحة من حياتي يجب أن تطَّلع عليها، ولا أقصد من ذلك دفاعًا عن نفسي؛ فما فائدة الدفاع وأنا راقد الآن في قبري؟!
ربما كان الأفضل لي أن أذهب في صمت، وأن أدع جثماني يُوضَع مع سرِّي في كفن واحد، ولكن لست أدري أي دافع يدفعني إلى كشف حقيقةٍ كتمتُها في صدري أعوامًا طويلة؟ لن أجني من ذلك، في أغلب الظن، إلا لعناتك. ومع ذلك، لا بد لي من أن أُطلِعك عليها … وأنت بالذات؛ لأنك — ولا شك — كنت تفكر طيلة تلك الأعوام فيمن يمكن أن يكون قاتل والدتك. أما كونها قُتِلت ولم تَمُت موتًا طبيعيًّا، فهذا ما لم يكن من الممكن أن يخفى عليك وأنت في ذلك الوقت وكيل نيابة، وأخوك طبيب صحة سابق، وقد لمحت عن بُعدٍ طريقة نظرته الفاحصة إلى وجه المتوفاة وهي مُمدَّدة على فراش الموت، ثم تهامُسه معك عقب ذلك، أدركت في تلك اللحظة أنكما قد كشفتما الأمر، وأدهشني قليلًا عندئذٍ أن الأمور قد سارت في مجراها العادي، كما لو كانت الوفاة عادية … تنفَّست الصُّعَداء، وقلت في نفسي إنكما تصرَّفتما بمنتهى العقل والحكمة، ولو فعلتما غير ذلك ووجدت أن إصبع الاتهام تتجه نحوي، لتدفَّقتُ بكلام جهَّزته لمثل ذلك الموقف، فيه بالطبع إساءة لك، وخدش جارح للمرحومة، ولكن الله سلَّم. وأنا أُكِنُّ لك دائمًا الاحترام والتقدير، وربما الحسد، لما تتمتع به من مزايا حرمني القدر منها؛ فأنا منذ كنتُ مرءوسًا لك، كنت أتطلَّع إلى كفاءتك وإلى امتيازك وإلى أحاديث الثناء عليك، فأشعر بضآلتي وتفاهة قدري إلى جانبك؛ فأنت في عُلُوٍّ دائمًا، وأنا في سُفلٍ دائمًا؛ فأنا لم أحصل على مثل شهادتك العالية التي تمنحك الحق في الترقية إلى المناصب العليا، ولن يكون لي الحق أبدًا حتى في شرف الجلوس معك في مجلس أصدقائك وزملائك؛ فأنتم من طينة أخرى. هذا الشعور بالمهانة والضعف هو الذي جعلني أستجيب إلى نظرات والدتك يومَ كنتُ أدخل بيتك حاملًا بعض ملفات القضايا. قالت لي في أول مرة: «اسم الله على شبابك … طبعًا لك زوجة وأولاد.» فلما أجبتها بالنفي وأني أعيش وحيدًا، بدأت تلاحظني وتهتم بأمري، وتكثر من الابتسام ومن التزيُّن على نحوٍ أشعرني بغرضها. وكان من الممكن عندئذٍ أن أنقطع عن دخول البيت، وأن أُكلِّف الساعي بحمل القضايا بدلًا مني؛ مراعاةً لك، وخشيةً من التَّمادي في هذا الطريق. هذا ما كان يقضي به الخُلُق السليم، ولكني على العكس، كنت أحسُّ في نفسي الرضا والراحة والتلذُّذ أن استطعت غزو قلب هذه السيدة العظيمة والدة رئيسي، وصرت أشجِّعها وأُكثِر من زياراتي بحجة وبغير حجة، وأتخيَّر الأوقات التي أعلم أنك فيها متغيِّب عن البيت … وتوثَّقت العلاقة بيننا، ورُفعت الكُلفة إلى حد أن جذبتني من يدي ذات مساء، وأدخلتني حجرة نومها لتُطلِعني على بعض ثيابها الجديدة، كما زعمت، وتسألني الرأي فيها، وأرتني بالفعل بعض ثياب داخلية شفافة. ولم يَبْقَ هناك شك في رغبتها الحقيقية، وكادت تَهُمُّ بي على نحوٍ صريح، وقد لمعت عيناها بذلك البريق الذي نعرفه عندما تريد المرأة … ورأيت الفرصة مواتيةً، فتمنَّعت عليها وأنا أُظهِر الشغف، وقلت لها إن شرطي هو الحلال، وإن علاقتنا يجب أن تقوم على أساس الشرع، وليس على حرام، وتصوَّرت في تلك اللحظة ارتفاع قدري في نظر نفسي ونظرك ونظر زملائي ومعارفي يوم أُصبِح زوجًا لوالدتك. وتم لي ذلك بالفعل، ودخلت بيتك زوجًا وسيدًا مطاعًا، وخرجتَ أنت منه. وكان هذا طبيعيًّا؛ إذ ليس من المعقول توقُّع غير ذلك، وإنَّ حَرَجنا أنا ووالدتك من سُكناك معنا لم يكن يقلُّ عن حرجك.
فما أظنك كنت تُطيق أن ترى بعينَيك كيف استطعتُ السيطرة بقوة شبابي وفتوتي على أمك التي عليك احترامها وتقديسها. هذا الشعور عندي، بأنَّ من تحترمه أنت أعلوه أنا، كان يملؤني زهوًا وخيلاء، ويُعوِّضني كل شعور بالنقص والضعف، ويمدُّني بقوة كنت أفتقدها في نفسي: قوة السيطرة التي كنت أراها في رؤسائي، وأنت منهم … سيطرة إصدار الأوامر؛ تلك التي طالما تمنَّيتُها. إنها لم تكن منكم — ولا سيما أنت الدمث المهذب — نابعةً من قوة مادية، بل هي من قوة معنوية. أما سيطرتي على والدتك فقد كانت صادرة عن قوة مادية جسدية بحتة، وكنت أعرف أن اليوم الذي تتراخى فيه قوتي البدنية هو اليوم الذي تتراخى فيه قبضتي على أمك، وكانت هي تعرف ذلك، ولم تكن تَضِيق بسيطرتي، بل كانت تَستَنِيم لها باستمتاع، مُرتشِفةً عصارة هذه القوة إلى آخر قطرة فيها، إلى أن جاء اليوم الذي خشيتُه، فقد أفرطتُ في استنزاف قوتي مرضاةً لها، وتأكيدًا لسيطرتي … كانت مصارَعة جسدية أقابلها دائمًا بالتحدي، وخارت قوتي في النهاية، ولم أستطع أن أُشبع رغبتها، فانهالت عليَّ تقريعًا، وصارت تقول لي كل ليلة: «يا خيبتك، يا خيبتك!»
… وعاد إلى نفسي الشعور بالمهانة، وأصبح موقفي حرِجًا، وكاد مقامي في البيت يهبط إلى مقام الخدم … وبعد أن كنتُ أنا الآمر الناهي، صرتُ أنا الذي أتلقَّى الأوامر … وتعاطَيتُ بعض الوصفات، ثم حاولت معها محاولة أخيرة باءت أيضًا بالفشل … وضحِكت هي ضحكتها المستهزئة، وردَّدت كلماتها الساخرة: «يا خيبتك القوية!»
فما تمالكت، وصِحتُ بها: «اخرسي، اخرسي!» ولكنها انفجرت بالسباب الفاحش والطعن في رجولتي، فطار صوابي، ووضعت كفِّي على فمها لأُسكِت صوتها الذي يرنُّ في أذني بأفظع ما يُذِلُّ الرجل، وعضَّت هي بأسنانها إصبعي، فأطبقتُ بكل قوتي على ذلك الفم الذي لا يريد السكوت، إلى أن سكت فعلًا، ووقفت معه كل حركة في جسمها. وعندما ثُبْتُ إلى رشدي، كانت إحدى يديَّ لم تزل على فمها، والأخرى قابضة على عنقها … لقد فارقت الحياة … ما هذا الذي فعلتُ؟ ما هذا الذي فعلتُ؟ … جعلتُ أكرِّر هذه العبارة كالمجنون، وصرت أبكي كالطفل، وقد رأيتَني أنت وأخوك الطبيب على هذه الحال من الجزع والأسى … لم يكن ذلك تمثيلًا أو تظاهرًا، بل كان ذلك حقيقيًّا؛ لأني لم أتصور أن أكون قاتلًا؛ ولذلك رفضت نصيبي — كما تعلم — في ميراث المرحومة، وذهبت إلى حال سبيلي. ومضت الأيام، واستقر بي المقام في مدينة صغيرة من مدن الأقاليم، وهناك تزوجت زوجة صالحة تصغرني ببضع سنوات؛ مُدرِّسة أطفال شاركتني حياتي على أحسن ما تكون المشاركة، وكنا نتعاون معًا في كل شيء، حتى في تصحيح الكراريس لتلاميذها، وأنجبت لي بنتًا وولدَين، عكفنا على تربيتهم وتنشئتهم إلى أن دخلوا الجامعة، وتخرَّجت البنت طبيبةً تعمل في أحد المستشفيات، وتزوَّجت بدورها طبيبًا. أما الولدان فأحدهما اليوم مهندس يعمل في إحدى الشركات، والآخَر — ويا للمصادفات! — وكيل نيابة، وكلَّما تصورتُ أنه يحقق مع القتَلة وهو يجهل أن أباه قاتل، تملَّكتني الرعدة … وإني لا أكفُّ عن تأمُّل ما حدث لي، وما وُفِّقت فيه من زوجة طيبة وأولاد ناجحين … إنها سعادة ما كنتُ لأستحقها. أترى الله قد غفر لي؟ أترى عقابي ينتظرني في الآخرة؟ … هذا ما أسائل فيه نفسي وأنا موشك على لقاء ربي. وأنت … يا من كنت خير رئيس لي يومَ كان العمل في النيابة يجمعنا أيام الشباب، ماذا فعلتُ بك؟! وأي ضيق سببته لك؟! ليس من المعقول أن أفكر في صَفْحٍ؛ فإن أقل ما أنا جدير به عندك هو الاحتقار … لعلك تسائل نفسك وأنت تقرأ رسالتي هذه عن فائدتها الآن … أهو الاعتراف بالجريمة والندم عليها؟! … إذن، أمَا كان الأفضل أن أقدِّم نفسي إلى العدالة في الوقت المناسب؟! لماذا أحجمتُ؟! … من السهل أن أجيب بأنه نفس السبب الذي جعلك تُحجِم عن كشف الجريمة والإبلاغ عنها في وقتها: صيانة سمعة المرحومة، ولكن قد يكون الأصح أن أضيف شيئًا آخر هو: جُبني ونذالتي! … وبعدُ … ها أنا ذا قد قلتُ لك كل شيء، وأزحت عن صدري ما كان يُعذِّبني وأُخفيه طوال الأعوام (مرءوسك المجرم).»
طويتُ هذه الرسالة وانتظرت مجيء زميلي القديم إلى أن عاد بعد أيام كما وعد وبادرني قائلًا: قرأتَها؟
قلت له وأنا أردُّها إليه: نعم.
– وما رأيك؟
– ها هي ذي الحقيقة قد انطلقت من منبعها، كالبخار المكتوم حين يُرفع عنه الغطاء.
– ألم يَستَلفِت نظرك شيء آخر؟ باعثه على ما فعل.
– شعوره بالمذلة.
– وهذا الشعور بالمذلة هو الذي أدى إلى رغبته في السيطرة.
– والسيطرة لا بد لها من القوة.
– وما هي القوة؟
– علميًّا، ربما كانت هي الطاقة.
– وما هي الطاقة؟
– ربما كانت القوةَ أو مصدرًا لها، وربَّما كانت القوة هي الطاقة أو مصدرًا لها.
– أرجوك، كلِّمني بكلام مفهوم لي!
– صدقت … فلنترك هذه التعاريف المعتمدة على الألفاظ؛ لأن الألفاظ خدَّاعة.
– إذن، لا سبيل إلى معرفة معنى القوة التي تؤدي إلى السيطرة؟
– ليس من الضروري أن تؤدي القوة إلى السيطرة.
– وهل يمكن أن تؤدي إلى شيء آخر؟
– هذا يتوقف على نوعها، وعلى توجيهها.
– وما هي أنواعها؟
– لا بد أولًا أن نعرف ما هي.
– حيَّرتَني يا أخي!
– اسمع … هذه مسائل تحتاج إلى تفكير … عُد إليَّ بعد أيام، حتى أُقلِّب الأمر على وجوهه.
– وهو كذلك.
ونهض منصرفًا، وأسرعت أنا بالذهاب إلى مغارة المقطم؛ لأنادي وأُحاوِر ذلك الصوت المنبعث هناك؛ صوت الكوكب الذي اعتدت مناجاته ومحاورته في هذه المسائل. وكما فعلتُ من قبل، اتجهت إلى وسط المغارة، واقتربت من البئر العميقة، ومددت رأسي، وسعلت قليلًا قبل أن أهمَّ بالكلام، وإذا بالصوت من البئر قد بادرني هو قائلًا: خيرًا!
فقلتُ له متعجبًا: كيف عرفتَ أني أنا؟
– وهل هناك غيرك؟! ما من أحد سواك يزورني. وما هي مشكلتك اليوم؟
– بسيطة … إنه مجرد سؤال.
– نعم، كالعادة … تفضل!
– ما هي القوة؟
– سؤال بسيط فعلًا، ولكنه — كالعادة أيضًا — يتفرَّع ويتشعَّب حتى يتعذَّر عليك الإمساك به.
– ألا يمكنك تلخيص الإجابة في عبارة؟
– إذا شئت، ولكن هذا لن يُغني شيئًا.
– قل على أي حال.
حُسن استخدام الوسائل
– ربما كان من الممكن تعريف القوة بأنها حُسن استخدام الوسائل للغايات.
– إنك لم تَزِدني علمًا بشيء … أرجو منك إيضاحًا.
– ألم تطلب الإجابة في عبارة؟! هذه هي العبارة، ولكنك الآن تريد الإيضاح، وهذا شيء آخر.
– نعم، أريد الشيء الآخر … إن كل كلمة في هذه العبارة تحتاج إلى تحليل؛ فمثلًا هل لا بد للقوة من غاية؟
– طبعًا، وإلَّا فكيف نعرفها؟ نحن لا نعرف القوة إلا بتوجيهها إلى غاية أو هدف، وبدون ذلك تصبح مجرد طاقة.
– وما الفرق بين الطاقة والقوة؟
– الطاقة قوة غير مُوظَّفة … قوة خاملة نائمة؛ فالراديوم مثلًا له طاقة إشعاع ضخمة موجودة فيه دائمًا، ولكنها تصبح قوة فعَّالة حارقة مُدمِّرة إذا وُجِّهت إلى الأجسام أو إلى خلايا الأورام. والشخص النائم طاقاته معه نائمة؛ فإذا استيقظ وسار في الحياة استيقظت معه طاقاته، وعندما يُوجِّهها إلى أغراض حياته فإنها تصبح ما نُسمِّيه قوته، وكذلك المسجون والمجنون؛ طاقات بلا غايات، وقطارات بلا عجلات.
– إذن نقول: طاقة الشمس، ولا نقول: قوة الشمس؛ لأن أشعَّتها غير موجهة إلى هدف بعينه.
– بالضبط، وهذا يحدث في الطاقة الكهربائية؛ فإنها إذا وُجِّهت إلى الإضاءة، تَحدَّد لها هدف، وقلتم: المصباح الكهربائي إنه قوة كذا شمعة، وإذا وُجِّهت إلى مُحرِّك آلة أو سيارة قلتم: قوة كذا حصانًا.
– إذن، القوة لا تكون إلا إذا وُجِّهت إلى هدف وغاية.
– نعم.
– وأنت أيها الكوكب … هل أنت طاقة أو قوة؟
– أظن أني قوة؛ لأني أتحرَّك لأتفادى جاذبية الشمس.
– وهل هذا هدف؟
– طبعًا … الجاذبية هدف مُحدَّد؛ لأنه فعل مُوجَّه إلى غاية محددة؛ ولذلك تقولون قوة الجاذبية للشمس، ولا تقولون طاقة الجاذبية … كذلك القوة العكسية، وهي تفادي الجاذبية؛ فإنها فعل مُحدَّد لغاية محددة. أما إذا لم يُحدَّد لهذه الجاذبية فعل، فإنها تكون كقطعة الحديد الممغنط التي لا تُوجَّه إلى جذب شيء، وتُترك مُلقاة في مكان مهمل؛ فإذا وُضِع على مقربة منها دبوس صغير، فإنها تنشط لجذبه في الحال.
– إذن، لا فائدة من الطاقة إذا لم تتحول إلى قوة، والقوة لا تكون إلا بتحديد العمل والتوجيه إلى غاية.
– نعم … عرفنا الغاية، فما هي الوسيلة؟
– أظن أن هذا شيء واضح. إذا حددت هدفك، فلا بد أن تُحدِّد الوسيلة التي توصلك إليه؛ فإذا كانت غايتك الذهاب إلى مكان ما، فإن وسيلتك تتحدَّد بِقُرب المكان أو بُعده. وإذا كانت غايتك الانتصار على عدو، فإن وسيلتك تتحدَّد بما يملك وما تملك من سلاح.
– ولكنك قلت إن القوة هي في حُسن استخدام الوسائل للغايات.
– هذا صحيح؛ إذ لا يكفي تحديد الوسيلة، بل لا بد أيضًا من حُسن استخدامها؛ إذ ما فائدة سيارة لا تُحسن قيادتها، وسلاح لا تُحسن استعماله؟!
القوة المادية
– كلامنا هذا محصور — فيما يبدو — في القوة المادية، فهل هذه القوة المادية هي كل شيء؟
– لا بالطبع، ولكنها مع ذلك إذا أُحسِن استخدامها فإنها تُحدث آثارًا خطيرة. خذ مثلًا المغول والتتار؛ تلك القبائل والجماعات، كيف استطاعت الإغارة على أُمَم عظيمة والإطاحة بحضارات كبيرة؟ إنها ركزت تركيزًا شديدًا على حُسن استخدام ما بيدها من سلاح، وكان السلاح في عهدها واحدًا في أيدي الجميع، لا يخرج عن السيف والرمح والدرع ثم الحصان، في الدولة المتحضرة والبدائية على السواء، ولكن مشاكل الدولة المتحضرة متعددة، ومشاغلها الروحية والعقلية مُعقَّدة، في حين لم يكن لتلك القبائل والجماعات من شاغل سوى التدريب المستمر على استخدام السلاح. ومن كان يذهب إلى قرية من قرى التتار أو المغول، كان يُدهَش لما يراه هناك من اللعب طول النهار بالسيف وامتطاء الخيول وتربيتها في المراعي الواسعة لإنتاج أحسنها وأسرعها … خلايا من الآدميين، كل همِّهم وعملهم السيف والخيل، وعندما شعروا أنهم بلغوا الذروة في هذه القوة المادية، اندفعوا بها إلى الإغارة والغزو … ولم يشعر أهل الحضارة المستقرة إلا وسيول من الخيول، وبُروق من السيوف، قد اجتاحتهم اجتياحًا.
– وحتى عند الأفراد، نجد مثل ذلك؛ فهناك الرجل المتزن في صحته البدنية والروحية والعقلية، وهناك آخر قد انقطع إلى تقوية عضلات ذراعَيه، وأخذ يتدرَّب على استخدام يدَيه؛ فإذا هو مُلاكِم، وبلطمة واحدة يستطيع القضاء على رجل يفوقه عقلًا وروحًا وثقافةً.
– إذن، ها أنت ذا ترى أن تنمية عضلة والتدريب على حُسن استخدامها يُولِّد قوةً تُحدِث نتائج خطيرة.
– نعم، ولكن الملاحَظ هو أن هذه النتائج الخطيرة التي تُحدثها القوة البدنية، هي دائمًا من قبيل الإغارة والاجتياح والسيطرة.
– طبعًا، وكيف تُريد للقوة البدنية أن تظهر بغير التغلُّب على طرفٍ آخَر؟!
– هذا صحيح، ولكن القوة البدنية سريعة الزوال؛ فهي تنتهي بهبوط الغالب ونهوض المغلوب.
– فعلًا، كما حدث لإغارة قبائل الهكسوس على مصر.
– وكما يحدث لسيطرة الرجل على المرأة بالقوة البدنية!
– نعم؛ لأن القوة البدنية تستهلك نفسها إذا وُجِّهت لمثل هذا الهدف.
– هل القوة البدنية دائمًا عدوانية؟
– يجب أن تُفسِّر لي أولًا كلمة العدوان … لا شك أنك تقصد به التغلب على طرف آخر للاستحواذ عليه وعلى إرادته وممتلكاته.
– نعم، هذا ما أقصد.
– في هذه الحالة، هي فعلًا عدوانية، ولكن عندما طرد أحمس بجيوشه الهكسوس من مصر لم يكن عمله عدوانيًّا.
– حقًّا، لكن هل يمكن القول إن القوة البدنية هي قوة غير خلَّاقة؛ فهي تُستخدَم إما في الهجوم أو في الدفاع … في الإغارة أو في طرد المُغير … وفي الحالتَين، لا تُضيف شيئًا ولا تخلق شيئًا.
– ربما كان الأمر كذلك … إنها بالطبع ليست مثل القوة الروحية أو القوة العقلية في الخلق والإضافة إلى رصيد البشرية.
القوة الروحية
– وهل القوة الروحية يمكن أن تعمل بذاتها؟ … دون سند من قوة مادية؟
– هذا حدث بالفعل في المسيحية. لقد انتشرت في أول عهدها بقوة العقيدة وحدها، وكان المسيحيون الأوائل يُلقَى بهم إلى الوحوش وهم يُنشِدون ويُغنُّون، وكما حدث أيضًا في الإسلام قبل الهجرة من مكة، يومَ كان المسلمون يُعذَّبون وهم يتلقَّون التعذيب من أجل العقيدة، ثابتين صابرين. إن القوة الروحية هنا هي التي تُعطي البدن قوة الاحتمال، وليست قوة البدن هي التي تسند قوة الروح.
– ولكن بعض الأديان استند بعد ذلك إلى القوة المادية ليضمن سرعة انتشاره.
– والعكس صحيح؛ فالقوة المادية تعتمد أحيانًا على القوة الروحية لتدعم صلابتها؛ فقد أدرك الغزاة والفاتحون ما للعقيدة من سحر خفي لا يُقاوَم؛ وذلك منذ عرفوا كيف يتلقى المؤمنون التعذيب بالصمود، وفهموا أن الإيمان ليس هو في الشعائر فقط والمظاهر، ولا حتى فيما يدعو إليه من إصلاح، ولا ما يُبشِّر به من منافع، أو ما يَعِد به من ثواب؛ إذ ليس الفقراء وحدهم والمحتاجون هم الذين آمنوا، بل أيضًا بعض الأغنياء والأقوياء ممن لا يبتغون من الدين منفعة. إنما هي شيء في جوهر الدين وفي داخله هو الأعظم … إنه شعاع عجيب يملأ الصدور نورًا، والنفوس راحةً واطمئنانًا … إنه شعور لا يمكن وصفه، ويحار العقل فيه؛ لأنه فوق العقل؛ فإذا وُضِع في يد هذا الشيء سيف فإن قوته تصبح هائلة.
– وهذا يفسِّر لنا الحروب الدينية القديمة.
– بل الحروب الحديثة أيضًا … قلَّما تقوم حروب اليوم دون أن تستند إلى قوة روحية، وليس من الضروري أن تكون دينية بالمعنى القديم، بل هي أديان أخرى في صورة قِيَم ومذاهب، مثل الحرية والديموقراطية والاشتراكية ونحو ذلك. وحتى الحروب العدوانية، لا بد أن تُغلِّف نفسها بغلاف مذهب مزيَّف من المعاني المقبولة والقيم البرَّاقة.
– وهل تُعتبَر الحرية والديموقراطية والاشتراكية من المذاهب الروحية، أو هي نابعة من القوة العقلية؟
– هي في الأصل نابعة من القوة العقلية؛ لأنها جاءت نتيجة تفكير وتمحيص، ونَمَت وتطوَّرت، ولكنها بعد أن استقرت في الوجدان حقيقةً لا تقبل المناقشة عند المؤمنين بها، فإنها تصبح عندئذٍ قوة روحية.
– إن ما يفصل بين القوتَين العقلية والروحية هو أحيانًا دقيق كالخيط الرقيق … ألا ترى ذلك؟
– إن الفصل بينهما هو ما يقبل المناقشة … وما لا يقبل المناقشة …
– لقد قلنا الآن إن القوة الروحية تقترن أحيانًا بالقوة المادية، فهل تقترن كذلك القوة الروحية بالقوة العقلية؟
– بالطبع، وباقترانهما يخرج الفن.
– هل تريد أن تقول إن الفن هو وليد هاتَين القوتَين؟
– أظن ذلك … وإلَّا فكيف نَصِف الفن؟ أهو ينتمي إلى القوة العقلية وحدها؟ إن العقل بدون شك ضرورة من ضروراته، ولكن هذا ليس كل شيء … هناك الإحساس والشعور. إن الفن ليس مجرد عملية حسابية، ولا هو مجرد تفكير خالص؛ بل هو شيء يتلقاه القلب إلى جانب العقل. وما دمنا نقول القلب، فقد دخلنا في منطقة الروحية.
– قلت الآن إن العقل يقبل المناقشة، والروح لا تقبل ذلك، فما موقف الفن هنا؟
– الواقع أن موقف الفن مما يدعو إلى الحيرة والعجب، كموقف الابن بين والدَين متناقضَين، غير أنه ما دام ينتمي إلى الاثنَين، فلا بد أن يأخذ شيئًا من كلٍّ منهما؛ فنحن عندما نتأمل عملًا فنيًّا جيدًا، فإنه يقع في قلوبنا في الحال موقعًا حسنًا، ثم يأتي العقل في صورة باحثين ودارسين، فيُحلِّلون عناصره، ويناقشون ما فيها من صواب أو خطأ … وكلُّ ذلك بمعزل عن حُكم القلب والإحساس، الذي يحب ويُعجَب بالعمل الفني دون اعتبار لأحكام المناقشين بأساليب العقل.
القوة العقلية
– لقد تكلمتَ عن اقتران القوة المادية بالقوة الروحية، وعن اقتران القوة الروحية بالقوة العقلية، فهل يمكن اقتران القوة العقلية بالقوة المادية؟
– بدون شك، ولعل هذا الاقتران هو من أبرز سمات عصورنا الحديثة. وإذا حدَّدنا القوة العقلية بأنها قوة العلم، وتركنا الفلسفة جانبًا — مع كونها هي أيضًا من نتاج العقل — فإن العلم هو الابن الذي ولدته الفلسفة كما ولدت المذاهب المختلفة. والفلسفة — وهي الأم الجالسة المتأملة — ليست قوة في ذاتها، ولكن القوة المباشرة هي في أبنائها من علوم ومذاهب … واقتران القوة العلمية بالقوة المادية هو الذي جعل لعصرنا الحاضر هذه السيطرة على الطبيعة، وعلى مَن لا يملك العلم.
– حقًّا … وإذا تذكرنا حروب التتار والمغول، فإنه لا يمكن أن نتصور اليوم أقوامًا من هذا الطراز يستطيعون أن يجتاحوا حضارة من الحضارات.
– طبعًا؛ لأن أسلحة اليوم لم تَعُد هي السيف والرمح والدرع، بل هي أسلحة تخرج من قوة العقل والعلم … والحرب اليوم لم تَعُد بين سيف وسيف، بل بين علم وعلم … وسلاح اليوم يُديره العقل أكثر مما تُديره اليد.
– يظهر أن القوة المادية ليست بذات قيمة باقية إذا لبثت وحدها ولم تقترن بقوة أخرى. حتى في أيام المغول والتتار، فإن نجاحهم السريع الداهم كان كالريح العاصفة التي تهب ثم تمضي، ولا تترك شيئًا بعدها غير بعض النوافذ المُحطَّمة. ولو أن المغول والتتار أيام غاراتهم على غيرهم بالقوة المادية، كانت في أيديهم قوة روحية أو عقلية، لمَا تلاشَوا هكذا سريعًا.
– هذا صحيح … ولذلك لا يمكن أن نتصور اليوم تفوقًا أو نجاحًا للقوة المادية بمفردها.
– حتى القوة المادية، فيما أظن، قد تغير مفهومها في عصر العلم، وإذا وُجِد اليوم تتار ومغول وأرادوا حربًا، فسلاحهم لا بد أن يكون طائرات قاذفات.
– ومن أين لهم هذه الطائرات القاذفات؟!
– يشترونها من البلاد التي صنعتها.
– تقصد من البلاد التي تملك القوة العقلية؟
– طبعًا.
– وهل ستكون هذه الحرب من قوم لا يملكون القوة العقلية ضد من يملك هذه القوة؟!
– أغلب الظن أن هذا مستحيل … ولا بد أن تكون مثل هذه الحرب بين بلدَين في نفس الوضع ونفس المستوى العقلي.
– إذن، لو وُجِد التتار والمغول اليوم لكانت حروبهم فيما بينهم، ولا يمكن أن يفكروا في اجتياح حضارة تُنتِج المخترعات الحربية القائمة على القوة العقلية العصرية.
– حقًّا … ولكن ألا يمكن أيضًا لهؤلاء الأقوام أن يفكروا في تغيير حالهم، وأن ينقلوا أنفسهم من البداوة إلى الحضارة؟
– لا بد لهم إذن من تغيير تفكيرهم القديم، والعمل على اكتساب القوة العقلية. والقوة العقلية، التي تُنتِج في عصرنا القوة المادية الرهيبة، لا يمكن اكتسابها إلا بالعقلية العلمية. والعقلية العلمية لا تكون ولا تقوم إلا على أساس المناقشة الحرة والبحث والفحص والتمحيص لكل الحقائق والعناصر والقيم والمُسلَّمات وتركيب الكائنات.
وما المانع من ذلك؟
في المجتمعات البدائية، هناك دائمًا موانع.
– ولكن هناك مجتمعات حضارية تنهزم أيضًا … أمام مجتمعات حضارية أخرى.
– هزيمة البلد المتحضر لا قيمة لها، ولا يُعتَدُّ بها؛ لأن القوة العقلية لا تنهزم، وهي سرعان ما تُنتِج تفوُّقًا في ناحية أخرى، كاليابان؛ انهزمت حربيًّا وانتصرت اقتصاديًّا. وكذلك ألمانيا وإيطاليا. أما فرنسا فهي كلَّما انهزمت تألَّقت.
– فعلًا، الحضارات لا تموت … الحضارة تُنتِج الحضارة، كالشجرة المثمرة؛ إذا هرِمت خرج من بذورها أشجار أخرى.
– إن الفكر هو القوة الدائمة المتجددة … من التفكير خرجت الفلسفة، ومن الفلسفة خرجت — كما قلنا — القوة الروحية والمذهبية، ثم القوة العلمية … وكلُّ هذا يُسمَّى الحضارة.
– لكن بماذا تُفسِّر حياة مصر هذه الآلاف من السنين على الرغم من هزائمها؟
– لأنها في أيام هزائمها كانت تتغذَّى بحضارات المُغيرين، وتهضمها وتُحيلها دماءً جديدةً في شرايينها، تقوى بها على طردهم، وهي يومَ يُغلَق فمها عن الابتلاع، وتضعف مَعِدتها على الهضم، فإنها تتدهور، ولا أقول: تموت.
– ألا يمكن أن تموت يومًا؟
– لا يمكن وآثار حضارتها مع الحضارات كلها على أرضها … إنها تنام أحيانًا، ولكنها تنهض … تركيبها الطبيعي هو خَلْق الحضارة ثم امتصاص الحضارات الأخرى.
– ولكنها تجترُّ أحيانًا العلف الجاف.
– تقصد الماضي العتيق الذي لا عُصارة فيه؟ إن في خزائن الماضي، مع ذلك، أوراقًا خضراء … ربما قِصَر النظر، وضَعف الوعي هو السبب في سوء الاختيار.
– حقًّا … إنها عندما يستيقظ فيها الوعي وتُحسِن الاختيار وتُلائِم في غذائها بين الجيد الحي في تراثها، والجديد الناضج في الحضارات المعاصرة، فإنها تعود إلى قوتها الخلَّاقة، لتُضيف بشخصيتها المتميزة ما يُبهِر البشرية.
– نعم، القوة العقلية خلَّاقة دائمًا.
القوة الاقتصادية
– ولكن هناك قوة لا ندري أين موضعها؟ أهي تنتمي إلى القوة المادية أو القوة الروحية أو القوة العقلية؟ … تلك هي القوة الاقتصادية.
– من الصعب تحديد الخانات بهذا الشكل؛ فإن كل هذه القوى متداخلة بعضها في بعض بنسب متفاوتة … وعندما عرَّفنا القوة تعريفًا عامًّا، بأنها حُسن استخدام الوسائل للغايات، لم نُحدِّد تمامًا الفواصل بين ما هي وسيلة وما هي غاية؛ فالطعام مثلًا إذا اعتبرناه غاية نبحث للوصول إليه عن وسيلة، فإن هذا الطعام نفسه عندما نحصل عليه، ونتغذى به، ويمدُّنا بالحيوية والقوة، فإنه عندئذٍ يصبح وسيلة للوصول إلى غاية روحية أو عقلية.
– ولكن الطعام، فيما أعتقد، هو الأمل والغاية.
– بدون شك … من أضأل الكائنات إلى أرقاها؛ من الجراثيم إلى الإنسان. كل الكائنات الحية تبحث، أولَ ما تبحث، عن غذائها. والمعرفة الأولى لكل كائن حي هي أن يجد غذاءه. إن أولى الغايات كانت هي الغذاء، وأولى الوسائل هي كيفية الحصول عليه. وعندما فكَّر الإنسان الأول في وسيلة لصيده، بدأ العلم … وعندما اكتشف الوسيلة بصنع سكين من الحجر، بدأ العلم التطبيقي أو التكنولوجيا … وعندما رسم على جدران كهفه صورة الحيوان الذي يصيده، بدأ الفن … وعندما رفع عينَيه إلى السماء يستنزل المطر لزرعه، بدأ الدين.
– إذن، كل الأشياء العظيمة التي يفخر بها الإنسان قد بدأت من أجل الطعام؛ أي لأغراض اقتصادية.
– ليس عند الإنسان فقط … عند النملة أيضًا. إن النظام الاقتصادي في عالم النمل، وطريقة تخزين غذائه، وادِّخاره لوقت الحاجة، لَممَّا يدعو إلى العجب … ولعل له طريقة في التوزيع أيضًا قد تتمشَّى مع أحدث المذاهب والنظريات.
– إذن، القوة الاقتصادية هي أولى القوى، ومن أجلها ظهرت كل القوى الأخرى، في صورة وسائل.
– هذا صحيح، وإن كانت القوى الأخرى تطوَّرت بعد ذلك إلى أن أصبحت لا مُجرَّد وسائل للطعام، بل غايات مستقلة، أو وسائل لغايات أرقى من مُجرَّد الطعام.
– حقًّا … إن الدين والفن والعلم كلها اليوم وسائل للكشف عن حقائق أسمى وأعلى.
– نعم، ولكن يبقى مع ذلك أن القوة الاقتصادية قد تطورت هي أيضًا مع الإنسان، كما تطوَّرت وسائلها، وأصبحت بالنسبة إلى الفرد وإلى الدولة مقياس قوة وسيطرة.
– فعلًا … لقد تغير مفهوم هذه القوة … لقد كانت في الأصل هي ضرورة حياة للكائنات الحية … هي الغذاء الضروري لحياة كل كائن. وما كان كل كائن يأخذ من غذائه إلَّا على قدر حاجته … لم يكن من الطبيعي أن يأخذ كائن على قدر قوَّته؛ فالأسد — مثلًا — ما كان يفترس القطعان من الماشية ليُكَدِّس جُثَثَها قناطير مُقنطَرةً للاعتزاز بقوته، بل كان يفترس منها ما يفي بحاجته.
– حقًّا … إن متاعبكم بدأت منذ اتخاذ القوة الاقتصادية مظهر عزة وسيطرة. لقد كان أحد رجال الاقتصاد في القرن الماضي يُعرِّف الدولة القوية بأنها الدولة المتفوِّقة في الزراعة والتجارة والصناعة وتملك المستعمرات؛ وذلك قياسًا على الرجل القوي، وهو الأصيل المَنْبَت، الخطير المَنصِب، الوافر التعليم، ويملك عزبة من العِزَب. وظلَّت هذه الصورة للفرد القوي والدولة القوية زمنًا طويلًا، وأدت إلى كثير من المنافسات والحروب، ونتج عن الحروب زوال الكثير من المستعمَرات بتمرُّدها واستقلالها.
– ونتج أيضًا عن استقلال المستعمرات أنها تطلَّعت إلى هذه الصورة المعروفة عن الدولة القوية، وأهم ما فيها الصناعة، وأرادت أن يكون لديها هي الأخرى صناعة قوية؛ حتى لا تكون مجرد عزبة … وإذا نجحت في إقامة صناعات كبرى تُنافِس بها الدول الكبرى، كما تُنافِس بها بعضها بعضًا، فإن المُصادَمات لن تنتهي.
– لا بد إذن من عملية تنظيم على هذا الكوكب.
– هذا الكوكب الذي هو أنت، إلى متى ستسيل الدماء على جبينك؟
– إلى أن ينتهي جنونكم.
– جنوننا ينبع من الرغبة في السيطرة.
– إذا استطعتم أن تُحوِّلوا، بحُسن التصرُّف، هذه السيطرة إلى تعاون، فقد نَجَوتُم.
– نعم، ولكن كيف؟
– يبدو في الأفق أنَّ هذا ممكن، مع التعقُّل والصبر والمثابَرة … انظر إلى الدول القوية في أوروبا، التي كانت تتنافس فيما بينها على الأسواق، حتى أكلتها الحروب، ها هي ذي في سبيل التعاون بدلًا من التنازع، وفكَّرت في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة.
– أظن أننا مُقبِلون على عصر لن تكون فيه السيطرة ممكنة الوجود.
– هذا صحيح، ويبدو أن الدول الكبرى قد فَهِمَتْ ذلك، وأدركت أن السيطرة بالقوة وفرض الإرادة بالعنف أشياء في طريقها إلى الزوال؛ لأن العنف يُولِّد العنف، وقد أصبح مُكلِّفًا غير مُربح … بل إن الخسائر التي تنتج عنه، من الجسامة بحيث لن يُعوِّضها أي مُكتسَب.
– نعم، إن التعاون الاقتصادي — سواء كان في صورة تكامل أو تبادل كما يحدث بين دول أوروبا، وكما هو في سبيل أن يحدث بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وبين هذه الأخيرة والصين — هو خير حَلٍّ لإبعاد فكرة السيطرة المُدمِّرة، والاقتراب من التنفيذ الحقيقي للتعايش في ظل السلام والرخاء العام واحترام كل دولة لنظام الدولة الأخرى، ومذاهبها ومبادئها وعقائدها.
– لعل هذا هو الذي سيُضطَرُّ إليه الجميع غدًا، وهو ترك الحرية لكل شعب يختار بنفسه الطريق الملائم له، المُحقِّق لآماله، والنابع من صميم إرادته وحاجته وظروف حياته وتطوُّره الاجتماعي.
– كل هذا ممكن بالنسبة إلى الدول القوية، ولكن الدول الضعيفة والمستقلة حديثًا، هل تُترَك لها الحرية فتنمو اقتصاديًّا وصناعيًّا؟
– فعلًا، هذه هي مشكلة اليوم … الدول الصغرى هي المشكلة الآن.
– هل قُدِّر لها أن تبقى دائمًا سجينة وضعها الاقتصادي، مُصَدِّرة للمواد الخام، مستقلة سياسيًّا، ولكنها لم تزل عزبة اقتصادية، يتحكم في أسعار منتجاتها الاحتكاريون من سادة الصناعة الكبرى؟!
– هذا وضعٌ لا بد أن يتغير يومًا … بكفاح هذه الدول الصغرى، وتطوُّرها العلمي والاجتماعي … وعندئذٍ تستطيع أن تتخصَّص في نوع من الصناعات ملائم لبيئتها، تَسُدُّ به، على الأقل، حاجة سوقها المحلية … وإذا بلغ إتقانها لهذه الصناعة درجة ممتازة، فإنها قد تشقُّ لها طريقًا في الأسواق العالمية.
– وهل تتركها الصناعات الكبرى في الدول القوية تشقُّ هذا الطريق دون أن تخنقها؟
– أحيانًا يحدث العكس؛ فإن هذه الصناعات الكبرى تجد من مصلحتها شراء المنتجات في الدول الصغيرة إذا كانت أرخص وأحسن، وتتخفَّف هي من هذه الصناعة لتُكرِّس جهدها وتتفرَّغ لصناعات أخرى أثقل وأعقد وأربح … إنها قد لا تجد بأسًا في حصول الدول الصغيرة على الآلات والمصانع منها بأسعارها الباهظة، وتأخذ هي منتجات هذه الصناعة بأسعار متواضعة.
– معنى هذا أن الدول الكبرى بعد أن كانت تأخذ من الدول الصغرى المواد الخام والمنتجات الزراعية، أصبحت تأخذ أيضًا المنتجات الصناعية؟
– إنه تقدُّم على كل حال، وانتقال من مرحلة الزراعة أو المواد الخام إلى مرحلة الصناعة والمواد المُصنَّعة … إنها خطوة أولى، قد تعقبها — إذا تقدمت الدول الصغرى وتطوَّرت — خطوات أخرى نحو الصناعة الكبرى، وإنتاج الآلات نفسها، والمصانع ذاتها، والمُحرِّكات الدقيقة، والقطارات، والطائرات، ونحو ذلك مما لا يستطيع إنتاجه غير الصناعة المتقدمة في بلاد العلم والحضارة الحديثة.
– وما الذي سوف يحدث عندئذٍ … يومَ تتقدَّم الدول الصغرى إلى هذا المستوى العالي من الصناعة الكبرى؟ ألن يقع ذلك التنافس الذي ذكرناه، ويَعقُبه التصادم الذي تحدثنا عنه؟
– إنها حلقة مُفرَغة، ولا حل وقتئذٍ إلا ما ذكرتُه لك الآن، وهو التخطيط الشامل للاقتصاد العالمي كله على أساس التعاون، واستبعاد فكرة السيطرة.
– نعم، السيطرة … هذه القوة المُدمِّرة!
– ولا يُقابلها إلا التعاون … هذه القوة المُثمِرة!
– تذكَّر أني حدَّثتك عن ذلك الشخص الذي أراد السيطرة، فتزوج امرأة في سن أمه، وانتهى إلى قتلها، ثم تزوج مرة أخرى على أساس التعاون، فاستقامت حياته معها وكانت حياة مُثمرة، وأنجبا ذرية صالحة، وقد اعترف بذلك في آخر حياته، وندِم أشدَّ الندم على سوء فهمه لمعنى القوة.
– هذا شيء طبيعي … وإنَّ جهلنا بمعنى القوة هو الذي يؤدي بنا إلى الضعف. إن قوة التعاون تنتج من إضافة قوة إلى قوة. أما قوة السيطرة فتأتي من تضخُّم قوة على حساب قوة. إن قوة جسم الإنسان لا تنبع من طُغيان خلايا، بل من التناسق والتعاون والتعادل بينها جميعًا.
– فعلًا … طُغيان خلايا على خلايا هو مَرَض … إنه السرطان.
– نعم، والإنسان يعرف ذلك في جسمه، ومع ذلك يمارسه في سلوكه العام.
– أهي نزعة في الإنسان تدفعه إلى التدمير؟
– المُلاحَظ أن الطفل ينزع إلى التدمير قبل أن يعرف البناء، وكذلك الإنسانية؛ عندما تقدَّمت في العلم، واهتدت إلى الأسرار النووية الرهيبة؛ فإنها اتجهت بها إلى اختراع القنابل التي تُهلِك وتُدمِّر وتُبيد.
– إذن، الإنسانية لم تزل في طفولتها على الرغم من هذا التقدُّم العلمي الخطير.
– بالطبع … هي لم تزل في طور الطفولة الأولى. وإذا كان عمرها مليون سنة، فما قيمة هذا المليون الواحد إلى جانب الملايين السبعين التي عاشها حيوان مثل الدينوصور قبل أن ينقرض؟! … ولعله انقرض لأن جسمه كان أضخم من عقله، وربما ينقرض الإنسان أسرع منه؛ لأن عقله أضخم من قلبه.
– ماذا تقصد بقلبه؟
– أقصد نزعة العدالة والإنصاف والسلام … ولو أن هذه النزعة الخيِّرة نَمَت بمقدار نمو عقله، لاستطاع أن ينقذ نفسه من الانقراض السريع؛ فهو مَقضيٌّ عليه بالهلاك جوعًا إذا لم يستطع أن يَقرِن القوة العلمية بالقوة الاقتصادية … إنه حتى اليوم يَقرِن القوة العلمية بالقوة المادية لصنع أسلحة التدمير؛ فإذا كرَّس اهتمامه بصورة فعَّالة ورغبة صادقة لجعل القوة العلمية تقترن بالقوة الاقتصادية، لِصُنع طعام يَسُدُّ حاجة البشرية كلها، فإن تاريخ الإنسان يتغير، ويكون الإنسان قد خرج من مرحلة الطفولة، ليدخل مرحلة جديدة لا تعرف التدمير، ولكن تعرف البناء.
– ومتى يمكن، في تقديرك، الدخول في هذه المرحلة الجديدة؟
– إذا زال خوف الإنسان من الإنسان!
– وما الذي يدعو إلى هذا الخوف؟
– الطغيان.
– وكيف يأتي الطغيان؟
– من الرغبة في السيطرة.
– وكيف نقتلع هذه الرغبة في السيطرة؟!
– لست أدري … هذا شيء يخصُّكم؛ فابحثوا فيه.
– ربما كانت ضرورة الحياة تدعونا إلى ذلك يومًا.
– ربما … إن قوة الحياة تدعو إلى التكيُّف … وما لا يتكيَّف يَنقرِض.
– يُقال، أيها الكوكب، إن بعض الحيوانات، ومنها الدينوصور، قد انقرض لأنه لم يستطع التكيُّف مع التغيُّرات التي حدثت لك.
– طبيعي.
– أتظن أنه قد تحدث لك تغيُّرات لن نستطيع — نحن بني الإنسان — أن نتكيَّف معها؟
– عِلمي عِلمك!
– ألا تعرف ما سوف يحدث لك؟
– وهل تعرف أنت ما ينتظرك من مصير؟
– لا أعرف بالضبط، ولكن مصيري مرتبط بمصيرك أنت يا كوكبنا.
– مصيرك مرتبط بعقلك أكثر مما هو مرتبط بي؛ لأن ما يمكن أن يحدث لي من تغيُّرات تؤثر فيك لا يكون قبل مليون سنة، وربما في خلال هذا المليون سنة القادمة تكون أنت قد صرت شيئًا آخر.
– ماذا تعني؟
– ربما تضخَّمت القوة العقلية عندك تضخُّمًا يَطغى على بقية أعضائك؛ فإما أن تَنُوء تحت وطأة هذه القوة وتنهار وتنقرض، وإما أن تُعادِل هذه القوة العقلية قوة روحية، وعندئذٍ قد ينتج من تعاون هاتَين القوتَين قوة هائلة تُحدِث تغييرات في وظائف أعضائك وفي شكلك نفسه.
– شكلي نفسه؟ … يصبح غير ما أنا عليه الآن؟
– محتمل جدًّا أن تكون شيئًا آخر غدًا.
– مثل ماذا؟ هل عندك فكرة؟!
– عجبًا لك! أتريد مني أيضًا أن أتخيَّل لك! أين عقلك أنت وخيالك؟!
– في تخيُّلي أن القوة العقلية والقوة الروحية إذا لم تقم عقبات في طريق تطوُّرهما، وتَمَّ بينهما التكافؤ في النمو والتعاون في الخَلْق والنشاط، فإن القوة المادية والبدنية لا بد أن تتكيَّف معهما، وهذا يقتضي منها تغييرًا في وظائفها وفي أحجامها … ولعل هذا ما تقصده من تغير شكل الإنسان.
– ربما كان الأمر أكثر من ذلك … في المدى البعيد.
– هناك سؤال هام: ما مدى حدود القوة؟ … عندنا طبعًا … هل تستطيع القوة العقلية أو الروحية أو المادية، أو حتى الاقتصادية، أن تنمو إلى غير حد؟!
– ما هذا الهراء؟! أيوجَد شيء لا يُحَد؟ كل شيء له حدٌّ أقصى في القوة، يتحتَّم الوقوف عنده. إن الخيط إذا شَدَدْتَه إلى أكثر من احتماله انقطع، وإن الشجرة لا تظل تنمو بغير حدٍّ حتى تبلغ السماء. إن القوة هي القدرة الكامنة في الأداة والوسيلة … قدرةٌ طاقتُها محسوبة؛ فإذا استُخدِمت هذه القدرة بأكثر مما تتجه له طبيعتها أو شحنتها، فإنها تنكسر أو تنقلب إلى عجْز. وهنا نعود من حيث بدأنا، عندما قلنا: «إن القوة هي حُسن استخدام الوسيلة للغاية.»
– حقًّا … لقد عُدنا إلى نقطة البداية!
– هذا حالنا جميعًا.
– وخاصة أنت، الذي تدور حول نفسك وحول الشمس، وتعود دائمًا من حيث بدأت … كم مرةً، يا تُرى، عُدت إلى نفس الدورة في رحلتك الطويلة حول الشمس؟ أظن أكثر من أربعة آلاف مليون مرة … أَيْ دورة!
– تقريبًا.
– ألم يخطر لك ذات مرة أن تقف قليلًا لتستريح؟
– أمجنون أنت؟!
– مجرد فكرة.
– ولماذا لا يقف قلبك لحظةً وهو لا يكفُّ عن الحركة طوال حياتك؟!
– صدقت … إن في هذا موتي.
– وموتي أيضًا.
– نعم، الوقوف عن الحركة موت!
– ووراء الحركة القوة الدافعة … قوة الحياة … أمُّ القُوى!
– حقًّا.
– وأخيرًا، هل وجدت الإجابة عن سؤالي؟
– يعني!
– ثِقْ أنه لا إجابة كاملة عن سؤال في هذا الوجود … والمهم هو إيقاظ التفكير … إن في حركة الفكر القوة الدافعة إلى التقدُّم.
– شكرًا لك يا كوكبنا العزيز!