سكان دمشق وخصائصهم

من الصعب تحديد المقدار الذي دخل في الدمشقيين من دم الآراميين أو الروم، أو دم الأنباط والعرب، أو من سائر العناصر الأخرى التي تديَّرت هذه الحاضرة، وامتزجت بسكانها الأصليين؛ ذلك لأن من العادة أن تدخل في الحواضر الكبرى أجناس مختلفة من الخلق في كل دور من أدوار الدول، وفي كل عصر من عصور التاريخ، فيتعذر وضع إحصاء لكثرة ما يدخل فيها ويخرج منها في كل عقد، فمال الحال بعشرات من العقود أو عشرات المئات من الأعوام.

اتصلت هجرة العرب قبل الإسلام وبعده إلى هذه الديار اتصالًا لم ينقطع، وكان من أكبر الحوافز إلى ذلك شئون اقتصادية وآفات سماوية، وربما جاءت القبيلة برمتها أو أكثرها، وتفرقت في أحشاء القطر، فأصاب حاضرته قسط غير قليل منها. لا جرم أن الكتلة الأولى من العرب الذين أووا إلى دمشق كانوا من غسان على كثرة، ومن التنوخيين والسبأيين والنبطيين على قلة، يقول اليعقوبي: وكانت دمشق منازل غسان وبطون من قيس وبها جماعة من قريش. وقال غيره: إذا جزت جبل عاملة تريد قصد دمشق وحمص وما يليها، فهي ديار غسان من آل جفنة وغيرهم، وإلى قيس ويمن يرجع مجموع أصول القبائل العربية المهاجرة، وهم الذين يُطلَق عليهم اسم العشران جمع عشير.

كثرت العناصر في الشام على عهد الإسلام، فنزل في بعض أرجائها جاليات من الفرس، وبعدها قبائل التركمان، نزلوها منذ عهد السلجوقيين، ثم انهال عليها الأكراد والقوقازيون من الجراكسة والطاغستانيين والكرج، ثم الهنود والأفغانيون والمغاربة والأرمن، يتكلمون بلغتهم أولًا ويتعلمون لغة البلاد حالًا، وفي هذا العصر انتشرت الفرنسية والإنكليزية وغيرهما من لغات الغرب، إلا أن العربية ما زالت تستغرق كل طارئ، وكل غريب نزل دمشق يلقف هو وأولاده هذه اللغة، ويندمج في أهلها، فتصيِّر منه البوتقة العربية رجلًا عربي اللسان، يصبح بعد بطنين عربيًّا بلسانه وعواطفه.

وانتفع الدمشقيون بهذا الاختلاط، وكان من تماذج الجنس الآري بالسامي خاصة نسل جميل متين فيه أجمل خصائص هذين الجنسين، أو الأجناس السائرة التي امتزج دمها بدماء أخرى.

وبهذا الاختلاط كثر الذكاء والمضاء، وتوفر في أهلها الحزم والعزم، على ما أشار إلى ذلك الباحثون في طبائعهم.

ورأينا الدماشقة يجدُّون ويهزلون، وجدُّهم جدٌّ وهزلهم هزل، ورأيناهم وقد جعلوا لبلدهم طابعًا خاصًّا في مرافقها ومصانعها ومساكنها، يكاد لا يجتمع مثله في عاصمة من عواصم الشرق القريب، وكان الدمشقيون على الأيام إذا عانَوا التجارة جاءوا في الصف الأول بين تجار الأقطار المجاورة، وإذا مارسوا الصناعة بذُّوا غيرهم وأتقنوا عملهم، وإذا انقطعوا إلى الزراعة قلبوا وعمروا وغرسوا، وإذا تولَّوا الأعمال الإدارية والحربية والدينية كانوا على الأغلب مثالًا صالحًا، وها نحن نرى رجالًا منهم استولوا في عهدنا على التجارة في شرق الأردن وفلسطين، وكانت امتدت أيديهم إلى قسم عظيم من تجارة بيروت، كما استولوا على جزء من تجارة مصر، فنازعوا فيها الرومي والإيطالي وغلبوهما في بعض الأحيان، ومنهم مئات كان لهم من صبرهم ودءوبهم ما أعانهم على الاستئثار بقسطٍ من تجارة العراق وإيران، أما في المَهَاجر فليسوا فيها دون سائر الشاميين، إلا أن سكان الجبال أصبر على شظف العيش من سكان السهول، ويغلب على التاجر الدمشقي النظام، كما يغلب عليه التدقيق والحرص في الغالب، لا يفرِط ولا يفرِّط، ويحافظ على شرف توقيعه، فيؤدي ما يفرض عليه أداؤه من دَيْن في حينه.

وفي بعض الإضرابات الأخيرة في سبيل الاستقلال، وهو إضراب دام خمسين يومًا جملة، ما تلكَّأَ تاجر واحد عن تأدية ما استحق عليه للمصارف، وحاولت السلطة أن تكرِه التجَّار على فتح مخازنهم وحوانيتهم، فلما أبوا فتحت هي محال تجاراتهم وصرفت منها الحراس وقطعت عنها النور؛ لتحمِل أصحاب الأسواق على معاودة أعمالهم متى أوجسوا خيفة من اللصوص على أموالهم، فما مدَّ أحد يده إلى شيء، لأن السارقين والطرارين تعاهدوا كما تعاهد المومسات ألا يمارسوا عملهم ما دام الإضراب، وما شكا أحدٌ من الفقراء جوعًا في بلدة كان رزق أكثر سكانها مناط عملهم اليومي، فقام أهل السعة بإطعام أرباب الفاقة؛ فلم يُسمع حسُّ تذمُّر ولا تأفف، ولم يسجل غير دبيب المطالبة الصامتة بالحقِّ المسلوب، وهذا مما يُستغرب من مدينة عظيمة فيها أصناف من الخلق، وسكانها مع الضواحي لا يقلون عن نصف مليون من النفوس.

والدمشقيون من أكثر العرب حنينًا إلى بلادهم؛ إذا اغتربوا وإذا اغتنى الدمشقي قليلًا لا يلبث أن يعود إلى مسقط رأسه.

وفي الدمشقي قوة التمثل؛ إذا دخل بلاد الترك أو الهند أو فارس أو أرض الإفرنج، تعلَّم في الحال لغة البلاد التي نزلها، أما مَن تعلموا لغة من تلك اللغات الغربية في المدارس، فإنهم يتكلمون بها ويكتبونها كأهلها، وهكذا كان لنا أدباء بالتركية وأدباء بالفرنسية وأدباء بالإنكليزية، ويشبه استعداد الدمشقي في باب إتقان اللغات الأجنبية استعداد أهل بولونيا في أوربا لتلقُّف اللغات.

ومع كثرة إقبال الدمشقيين على الأخذ من مدارس الترك آخِر عهدهم؛ ليكون منهم قضاة وضباط ورجال إدارة حتى ليظنهم من يراهم في عهد العثمانيين الأخير أنهم تترَّكوا جملة واحدة هم وذراريهم فإنهم ما لبثوا في الانقلاب العثماني سنة ١٩٠٨ أن عادوا إلى العناية بلغتهم، وبدءوا يقلبون أسماء أولادهم — وكان بعضهم تركيًّا — إلى أسماء عربية صرفة، ورجعوا عن مدحت ورفعت وحمدي ورمزي ورشدي وكزيده وناديده وباكيزه، إلى زهير وعدنان وغسان وزياد وصفوان وأسامة ومروان وريمة وتميمة ورباب.

وينطوي الدمشقي على شيء من حب التقليد، ويتلقف الأمور الجديدة برحب صدر، وإن كان في مشخصاته أقرب إلى المحافظين، ويبعد في الجملة عن الإسفاف، وينزع إلى التجمل والاستغناء، وفيه شيء من عزة النفس والتمجد والكرم، وكثيرًا ما تراه في عمله ويتسع في الإنفاق حب الاستكثار من المكاسب، وأنت إذا جئت تبحث في نفسه تجده من العامة أو ممن يقرب منهم، دعا إلى ما دعا، وعُنِي بما عُنِي، تقليدًا لأبيه أو عشيره أو جاره، وفي الغالب أن يكون للرؤساء الذين يخاطبونه باللسان الذي يفهمه سلطان عليه، ولهذا كانت دمشق أول بلد طالَب بالوحدة العربية بعد الحرب العالمية، وأول بلد صبا إلى الجامعة الإسلامية، وأول بلد ساءه تقسيم الديار الشامية إلى دويلات صغرى، وسعى جهده لضم الشمل بعد انبتاته، وإذا وقع حيف على العراق أو على فلسطين بكت دمشق أول الباكين، وعاونتهما ما استطاعت في تخفيف النكبة، وإذا أصاب المصري والحجازي شيء من الخير فرحت كأنه لها.

وفي دمشق خصائص القرى وخصائص المدن، وبينا تراها راقدة كقرية آمنة، إذا بها تهب هبة آنية لمطلب تريده وهي تراه حسنًا، وأنت إذا أنعمت النظر في الأمر وقلبت الرأي في ثورتها، تشهد أنها ابنة ساعتها، ولكنها كانت تتخمر زمنًا في صدور العقلاء من بنيها، وما ظهروا بما ظهروا إلا عن الضرورة الشديدة.

والدمشقي يعطف منذ القديم على الغريب، حتى يكاد يفرط فيما تقتضيه واجبات الضيافة والمجاملة، هكذا علَّمه بنو أُمية على ما يظهر يوم كانت دمشق لا عاصمة الإسلام بل عاصمة الدنيا.

والدمشقي يحنو على الفقراء ويكثر برهم، ولا سيما في الأعياد والمواسم والمآتم، وما زال منذ خمس وعشرين سنة يعاضد الجمعيات الخيرية التي ألفها فريق من أهل الخير والحمية، تعول الفقراء وتعلِّم اليتامى والأميين من الشباب، وقد قام المحسنون من تجارهم في هذا العام بمشروع المؤاساة، فتبرعوا له بمبالغ عظيمة وسينشئون بما جمعوا مستشفى عظيمًا ودارًا للعَجَزة.

ومن طبع الدمشقي ألا يؤخذ بالعنف، وهو يلين حتى مع خصمه ويهشُّ في وجه مَن يكرهه، فكما أنه يحسِن معاملة كل إنسان على اختلاف الدين واللسان، يجب أن يُعامَل على هذه الصورة، فإذا لم يلقَ مثل هذا من مخاطبه وعشيره وشريكه ينفر منه في باطنه، ولا يُظهِر له عداوة ولا خصومة على الأغلب؛ لأنه اشتهر برقة الحاشية واللطف والأدب، مَثَله في ذلك مَثَل ابن القاهرة لعهدنا، وعلى منوال هذا ينسج الدمشقي فيما ينقصه من مقومات الحياة العصرية.

ودمشق والقاهرة تتشابهان كثيرًا، ولو كان لدمشق من ينظم شئونها تنظيمًا فنيًّا ويحمل جميع طبقاتها على مراعاة القوانين — وحبُّ القانون يقل في أبنائها كما يكثر فيها العطف على المسيء يومَ تحق عليه العقوبة — لجاء من مدينتهم أجمل مثال في العواصم العالمية.

واشتهر النساء الدمشقيات بجمال طلعتهن، وحسن هندامهن، ورقيق لهجتهن، وهن في الإجمال ربات بيوت، ومربيات أولاد، عُرِفن بصبرهن وجرأتهن على الاغتراب، وإذا اغتربت الدمشقية كوَّنت لها بيئة خاصة، كأن تؤلِّف من بنات بلدها مجتمعًا، وتطبع البيت الذي تدخله بطابعها من النظافة وحسن الإدارة والاقتصاد على الأكثر، ومنهن أوانس وعقائل رحلن إلى القاصية وما نزلن عن مشخصاتهن بعد طول الاغتراب، ولا نسين أهلهن وديارهن، ويزداد عطف الدمشقي على الدمشقي، والدمشقية على الدمشقية، كلما تناءت الديار التي صاروا إليها.

وإن الزي الذي تتزيَّا به المرأة الدمشقية ليسري إلى نساء القطر على أسرع وجه، ويحظى بالقبول عندهن بدون مناقشة.

وذلك لأن الدمشقيات كن يسارعن إلى النقل عن المرأة التركية، وأمسين اليوم يقلدن المرأة المصرية، ويأخذن عن المرأة الغربية مباشرة، فيخرِجن الزيَّ الجديد كأنه من اختراعهن وبنات أفكارهن، وما تخترعه دمشق في هذا المعنى تُقبِل عليه النفوس، كما يُقبِل الغرباء على التزوُّج من الدمشقيات لصفات فيهن قد لا توجد في غيرهن.

وحجاب النساء يضعف مع الزمن، والسافرات فيهن قليلات إلى اليوم، وما سفر منهن إلا المتعلمات من أهل الطبقة العليا والوسطى على الأكثر.

وعلى ذكر الأزياء لا بد من الإشارة إلى أن الدمشقيين اقتبسوا الزي الغربي جميعًا، والطربوش لباس الرأس عندهم كالمصريين، والقبعة مستعملة على قلة، ويقل لبس العمامة والعقال والكوفية سنة عن سنة في دمشق وغوطتها، وقد قلَّدت الغربيين في معظم مرافق حياتها وفرش بيوتها، وتلقَّفت مصطلحات أهل الحضارة.

أما عادات الدمشقيين فهي خليط من العادات العربية القديمة والغربية الحديثة، ويدخلها التعديل على مر السنين، ولكثرة اختلاط الدمشقيين بالأمم الأخرى، ومن عاداتهم — كسائر بلاد الشرق — الجيدُ النافع ومنها القبيح الضار، والقبيح يزول بالتدريج.

والاحتفال بالأفراح والأتراح صائر حتمًا إلى الاقتصاد، وقد كانت من قبلُ إلى الإسراف والبذخ، ويراعي الدمشقي الحالة الاقتصادية على كل حال، ينام إذا أكسدت سوقه، وينتبه إذا نفَقَتْ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠