تقديم لقصة الخيط

بقلم الدكتورة لطيفة الزيَّات

سيجد القارئ لهذه القصة نفسه إزاء تجربة فنية جديدة: جريئة ومثيرة وغريبة، وقد يستغرب القارئ ما يقرأ، وقد يصل الاستغراب حد الاستنكار، ولكنه لن يكفَّ عن القراءة حتى السطر الأخير، فالكاتبة تخلق عالمًا غريبًا، عالم النفس الإنسانية المعقد، وتستدرجنا إليه بمهارة فنية فائقة، فلا نملك سوى أن نوغل فيه حتى النهاية، أيًّا كانت ردود أفعالنا إزاء هذا العالم الغريب.

وربما دعت جدة الأسلوب المستخدم في هذه القصة إلى بعض الإيضاح، فالكاتبة تستخدم هنا شكلًا معينًا وأسلوبًا معينًا لتصوِّرَ لنا ما تريد تصويره، والقصة تبدأ بشخصية من الشخصيات التي تخلقها الكاتبة، وهذه الشخصية — وهي الطبيبة — تقوم بدور الراوية، ولا تلبث الطبيبة أو الراوية أن تنسحب بعد أن تعطينا الجانب العلمي البحت لحالة المريضة التي تعرض لها القصة، الجانب الذي يمس الظاهر ولا يتعمق إلى الباطن، الذي يشخِّص الألم ولا يتوصل إلى أعماق النفس الإنسانية أو أغوار اللاشعور.

وفي تناقض حادٍّ مع هذا التعبير عن السطح أو عن المظهر الخارجي، تأتي رسالة المريضة لتكشف عن الجانب الآخر من الصورة، عن العالم الداخلي، العالم الخفي، الذي قد نعيش ونموت ونحن على جهلٍ تامٍّ به.

وبانتهاء رسالة المريضة، التي تستوعب الجانب الأكبر من القصة، يتكامل لعالم الشخصية في القصة الوجهان، الخارجي والداخلي، والمستويان الواعي واللاواعي، وندرك نحن القُرَّاء ما لا تدركه الطبيبة هي المريضة، والمريضة هي الطبيبة، والفاصل بينهما هو الفاصل بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، بين عالم الوعي واللاوعي، بين عالم الشعور واللاشعور، وكلٌّ تقف في تناقض مع الأخرى محتميةً بعالمها عن العالم الآخر المكمل لعالمها.

والكاتبة تستخدم أسلوبًا ينأى عن الواقعية، لتصوير العالم الداخلي أو مجرى الشعور لامرأة تصارع من أجل تحقيقِ التكامل النفسي، والصراع هنا، وإن جرى على مستوى الحلم، وفي انفصال كامل عن الواقع، صراع حاد ومرير؛ فالشخصية التي تخلقها الكاتبة تعاني مرضًا نفسيًّا يسد عليها منابع الخلاص والحب، وبالتالي منابع الحياة، بل إن التوصل إلى الخلاص يقتضي من الشخصيةِ العمرَ كله، فالقصة قصة امرأة تموت لحظة تكتمل عندها القدرة على أن تحيا.

ويرجع مرض الشخصية إلى نوعية العلاقة التي تربطها كابنة بالأب، في مرحلة الطفولة فالمراهقة فالشباب، والعلاقة بين الابنة والأب علاقة مرضية، وغير صحية، وإن لم يعِ كلاهما هذه الحقيقة. وارتباط الابنة بالأب هذا الارتباط اللصيق ارتباطٌ يفقدها الكيان المستقل، والوجود المستقل، ويورثها إلى جانب ذلك الشعورَ بالذنب وبالخطيئة، والنفور من الجنس الآخر، وبالتالي الجدب والنضوب، وانعدام القدرة على الحب والإثمار. وصراع الشخصية، والأمر كذلك، صراعٌ للتخلُّص من الخيط الذي يربط بينها وبين أبيها، والذي يلتفُّ حول عنقها في حياته ومماته على السواء، يحول بينها وبين التكامل النفسي أو القدرة على ممارسة الحياة.

ونحن نتتبع هذا الصراع في مجموعة من الحالات الشعورية تكشف عن الرغبات الدفينة في اللاوعي، وتجري على مستوى الخيال أو الحلم، وإن جُسِّدت حسيًّا في مواقف تكتسب صورة الواقع؛ فقَتْلُ الأبِ تجسيمٌ للرغبة الدفينة في التحرُّر من الرباط الذي يربط الابنة بالأب، وقتل الحبيب تجسيم للنفور عن الجنس، ونضوبُ الثديَيْن والتخلصُ من الطفلة تعبير عن انعدام القدرة النفسية على الإثمار، رغم توفُّر القدرة الجسدية على الحمل والولادة، وإذا ما دخلت الشخصية مرحلة جديدة من مراحل نموها النفسي، وتطورت من خلال الألم، وجدنا هذا التطور متمثلًا في توهُّم الحمل، وفي توهم إدرار الثديين اللبن، ورغم التفاصيل الواقعية الدقيقة، فإن غرابة الأحداث، وغرابة المواقع التي تجري فيها الأحداث ورمزيتها تدعم حقيقة أن الحدث يجري على مستوى الخيال لا مستوى الواقع.

ونستطيع أن نقول: إننا أمام حالة من حالات فرويد، وأن نؤكد أن عوارض عقدة ألكترا تتبدَّى في الحالات الشعورية التي تتجسد هنا حسيًّا، مثل عمليات القتل، والولادة في العراء، ونضوب الثديين بلا معنى، وإدرارهما بلا معنى، والحمل الحقيقي والمتوهم، وأن هذه العوارض تنطبق على كلِّ الحالات التي يلتف فيها الخط الوهمي على عنق الشخصية، وغيرها من الشخصيات، والتي ينحسر فيها الخيط عن عنق الشخصية وغيرها من الشخصيات، غير أن هذا القول قد يلقي الضوء على عمل فني، ولكنه لا يفسر بحال عملًا فنيًّا، فالحالة السيكولوجية شيء، والعمل الفني شيء مغاير تمامًا.

ويبقى أن أقول كلمة أخيرة:

ربما تداخلت عوامل أخرى، ليس لها علاقة بالفن، في إثارة فضول البعض، وفي تحديد مشاعره تجاه هذه القصة، منها أن الكاتبة امرأة وليست رجلًا، ومنها أن الكاتبة تتعرض لتصوير حالات شعورية يتحرَّج الكثيرون من تصويرها، غير أن على الفضوليين والباحثين عن الإثارة أن يطرقوا أبوابًا أخرى، فنوال السعداوي تقدم هنا فنًّا، فنًّا لا نختلف في تحديد طبيعته، وإن اختلفنا في تقييمه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١