مقدمة

نحن نؤمن بأن هذه الحقائق من البديهيات.
أحيانًا تَنتُج أشياء عظيمة عن تنقيح الكتابة تحت الضغط. كتب توماس جيفرسون في مسودته الأولى لإعلان الاستقلال التي أعدها في منتصف يونيو من عام ١٧٧٦ يقول: «نحن نعتبر هذه الحقائق من المقدسات التي لا مجال لإنكارها؛ أن جميع الناس خُلقوا متساوين ومستقلين، وأنهم يستمدون من هذا الخلق المتساوي حقوقًا متأصلة ثابتة، من بينها حق حماية الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.» وبفضل التنقيحات التي أجراها جيفرسون بنفسه في المقام الأول، تخلصت عبارته من عيوبها لتتحول إلى عبارة أوضح تتسم بنبرات واضحة رنانة: «نحن نؤمن بأن الحقائق الآتية من البديهيات، وهي أن جميع البشر قد خُلقوا متساوين، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة لا يمكن انتزاعها، من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة.» وبهذه الجملة الواحدة حوّل جيفرسون وثيقة من الوثائق التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر بشأن المظالم السياسية إلى إعلان دائم لحقوق الإنسان.1

وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا، كان جيفرسون في باريس عندما بدأ الفرنسيون يفكرون في تحرير بيان لحقوقهم. وفي يناير من عام ١٧٨٩ — قبل اقتحام سجن الباستيل بعدة أشهر — أعد صديق جيفرسون، الماركيز دي لافاييت — المحارب في حرب الاستقلال الأمريكية — الإعلان الفرنسي، بمساعدة جيفرسون على الأرجح. ومع سقوط سجن الباستيل في الرابع عشر من يوليو واندلاع الثورة الفرنسية بقوة، اكتسبت المطالبة بإعلان رسمي قوة دفع كبيرة. وعلى الرغم من جهود لافاييت المضنية في صياغة الوثيقة، فإن أحدًا لم يستطع إخراجها بالشكل الذي قدمها به جيفرسون للكونجرس الأمريكي. ففي العشرين من أغسطس، فتحت الجمعية الوطنية التأسيسية الجديدة باب المناقشة حول أربع وعشرين مادة صاغتها لجنة لم يكن من السهل قيادتها بسبب عدد نوابها المفرط الذي وصل إلى أربعين نائبًا. وبعد مرور ستة أيام من النقاش المحتدم والتعديلات التي لا حصر لها، لم يصادق النواب الفرنسيون إلا على سبع عشرة مادة فحسب، ولمَّا أنهك الجدالُ المرير المستمر النوابَ، وكانت هناك حاجة إلى الانتقال إلى بعض القضايا الأخرى الملحَّة، صوَّت النواب في السابع والعشرين من أغسطس ١٧٨٩ بتعليق النقاش في أمر المسودة، والإقرار المؤقت بالمواد التي أُجيزت بالفعل باعتبارها «إعلان حقوق الإنسان والمواطن».

كان البيان الذي صيغ على نحو متسرع جدًّا مذهلًا من حيث بساطته وسعة إحاطته؛ فقد نادى الإعلان، الذي لم يأتِ قطُّ على ذكر الملك، أو النبلاء، أو الكنيسة، بأن تكون «حقوق الإنسان الطبيعية الثابتة والمقدسة» هي أساس أي سلطة، وقد عزا السيادة إلى الأمة، وليس إلى الملك، وأعلن أن الجميع متساوون أمام القانون، ومن ثم لكل واحد الحق في الحصول على الوظائف والرتب بحسب قدراته وجدارته، وضمنيًّا لا يفضَّل رجل على رجل بناء على أصوله. بيد أن الجانب الأكثر إثارة للدهشة من أي ضمان بعينه تمثَّل في تعميم الحقوق الموضوعة؛ فإسناد البيان إلى «الناس»، و«الإنسان»، و«كل إنسان»، و«جميع الناس»، و«جميع المواطنين»، و«كل مواطن»، و«المجتمع»، و«كل مجتمع» جعل الإسناد إلى الشعب الفرنسي بمفرده يبدو ضئيلًا تافهًا بالمقارنة.

وعلى هذا، أثار نشر الإعلان على الفور الرأي العام العالمي حول موضوع الحقوق، سواء الحقوق المستحقة للإنسان أو الواجبة عليه. وفي الرابع من نوفمبر من عام ١٧٨٩، في إحدى العظات التي ألقاها في لندن الواعظ والفيلسوف ريتشارد برايس، صديق بنجامين فرانكلين، الناقد المستمر للحكومة الإنجليزية، أطرى برايس بحماس شديد على الحقوق الجديدة للإنسان فقال: «قد عشت حتى رأيت حقوق الإنسان مفهومة للناس أكثر من أي وقت مضى، والأمم تلهث وراء الحرية، التي بدا وكأنها نسيت دلالتها ومعناها.» ولمَّا ثارت ثائرة إدموند بيرك، كاتب المقال المعروف وعضو البرلمان، من حماسة برايس الساذجة من أجل «أفكار الفرنسيين التجريدية الميتافيزيقية»، سطر في عجالة ردًّا متقدًا بالغضب، ونال كتيِّبُه «تأملات في الثورة في فرنسا» (١٧٩٠) التقدير الفوري باعتباره نواة مذهب المحافظين السياسي. قال إدموند بيرك بغضب: «نحن لسنا أتباع روسو، نحن نعلم أننا لم نهتدِ إلى أي اكتشافات، ونرى أنه لن تكون هناك أي اكتشافات؛ في الأخلاقيات … نحن لم نجر ونوثق كي يجري حشونا، مثل الطيور المحنطة في المتاحف، بالقش والأسمال البالية وقصاصات ورق حقوق الإنسان الغامضة.» أما الشيء الذي اتفق عليه كل من برايس وإدموند فهو الثورة الأمريكية؛ فكلاهما أيدها. لكن الثورة الفرنسية غالت في مطالبها أيما مغالاة، وسرعان ما تشكلت خطوط المعركة. فهل كان هذا بمنزلة انبلاج لفجر عصر جديد من الحرية القائمة على المنطق، أم بداية انحدار شديد نحو الفوضوية والعنف؟2

وعلى مدار قرابة قرنين من الزمان، وعلى الرغم من البلبلة التي أثارتها الثورة الفرنسية، كان «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» تجسيدًا لوعد حقوق الإنسان العالمية. وفي عام ١٩٤٨، عندما تبنَّت الأمم المتحدة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، نصَّت مادته الأولى على أنه: «يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.» وكانت بالفعل المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام ١٧٨٩ قد نادت بأنه: «يولد الناس ويعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق.» ومع أن التعديل اللغوي كان ذا مغزى، فلا يخفى على أحد التكرار البيِّن في الوثيقتين.

لا تخبرنا أصول الوثائق بالضرورة بشيء ذي مغزى عن النتائج التي ترتبت عليها، فهل يهم بحق أن نعرف أن مسودة جيفرسون الأولية قد مرت بستة وثمانين تعديلًا قبل أن تصل إلى حالتها النهائية سواء أجراها جيفرسون بنفسه، أو أدخلتها لجنة الخمس، أو الكونجرس؟ من الواضح أن جيفرسون وآدمز كانا يظنان أن هذا مهم؛ إذ ظلا حتى عشرينيات القرن التاسع عشر — أي في العقد الأخير من عمرهما المديد الحافل بالأحداث — يتجادلان حول مَن أسهم بماذا في الوثيقة. ومع ذلك فلم يكن لإعلان الاستقلال الأمريكي منزلة دستورية؛ إذ كان يعلن عن نوايا فحسب، ومر خمسة عشر عامًا قبل أن تصدق الولايات المتحدة أخيرًا على مشروع قانون الحقوق المختلف تمام الاختلاف في عام ١٧٩١. وقد زعم الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن بأنه يحمي الحريات الفردية، لكنه لم يمنع مجيء حكومة فرنسية قمعت الحقوق (عُرفت باسم حكومة الإرهاب)، وصاغت الدساتير الفرنسية المستقبلية — التي ظهر الكثير منها — إعلانات مختلفة أو استغنت عن الإعلانات كليًّة.

غير أن الأكثر إزعاجًا هو أن أولئك الذين أعلنوا بمنتهى الثقة أن الحقوق عالمية في أواخر القرن الثامن عشر، اتضح أنهم كانوا يفكرون في شيء أقل من العالمية بكثير. ولا عجب أنهم اعتبروا الأطفال، أو مختلي العقل، أو المساجين، أو الأجانب عديمي الأهلية، غير جديرين بالمشاركة الكاملة في العملية السياسية، فنحن نفعل هذا أيضًا، ولكنهم استثنوا أيضًا أولئك الذين لا يحوزون الممتلكات، والرقيق، والأحرار السود، والأقليات الدينية — في بعض الأحوال — والنساء، دائمًا وفي كل مكان. وفي السنوات الأخيرة أثارت هذه القيود التي فُرضت على «كل الناس» العديد من التعليقات، حتى إن بعض الباحثين تشككوا هل حملت الإعلانات في طياتها أي معنى ينطوي على تحرير حقيقي؟! بل اعْتُبِر مؤسسو تلك الإعلانات وواضعوها ومعلنوها من الصفوة والعنصريين وكارهي النساء؛ نتيجة عدم قدرتهم على رؤية الجميع متساوين في الحقوق بالفعل.

لا يجدر بنا أن نغفل القيود التي فرضها رجال القرن الثامن عشر على الحقوق، لكن إذا توقفنا عند هذه النقطة لنهنئ أنفسنا على «التقدم» النسبي الذي أحرزناه، فسنضِلُّ غايتنا. فكيف لأولئك الرجال، الذين عاشوا في مجتمعات قائمة على الرق، والخنوع، وذل طبيعي فيما يبدو، أن ينظروا إلى أناس يختلفون عنهم تمام الاختلاف، وللنساء أيضًا في بعض الحالات، باعتبارهم مساوين لهم؟ كيف أصبحت المساواة في الحقوق حقيقة «بديهية» في مثل هذه الأماكن التي يُستبعد وقوع هذا فيها؟ من المذهل أن يأتي رجال أمثال جيفرسون مالك العبيد، ولافاييت الأرستقراطي، على ذكر الحقوق البديهية الثابتة لكل الناس كما فعلا، فإذا استطعنا أن نفهم كيفية حدوث هذا، فسنفهم على نحو أفضل ماذا تعني لنا حقوق الإنسان اليوم.

مفارقة البداهة

على الرغم من اختلاف لغتَيْ إعلانَيِ القرن الثامن عشر، فإن كليهما استند على ادعاء بالبداهة. أوضح جيفرسون هذا عندما كتب: «نحن نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية.» وقد نصَّ الإعلان الفرنسي صراحة على أن: «الجهل والإهمال وتجاهل حقوق الإنسان هي وحدها أسباب شقاء المجتمع وفساد الحكومات.» وفي هذا الصدد لم يختلف عنهما كثيرًا «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي صيغ في عام ١٩٤٨. لا شك في أن الإعلان الذي أصدرته الأمم المتحدة حمل نبرة أكثر قانونية عندما نص على أنه: «لمَّا كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكِّل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم …» بيد أنه شكَّل أيضًا ادعاءً بالبداهة؛ لأن عبارة «لمَّا كان» تعني حرفيًّا «بما أن الحقيقة هي». وبعبارة أخرى، تعد عبارة «لمَّا كان» صيغة قانونية للتأكيد على حقيقة بديهية.

هذا الادعاء بالبداهة، الذي يعد في غاية الأهمية فيما يخص حقوق الإنسان حتى في وقتنا هذا، يكشف عن مفارقة: فإذا كانت المساواة في الحقوق حقيقة بديهية غنية عن الإيضاح، فما الحاجة إلى هذا التشديد إذن، ولماذا لا يُؤكَّد على هذا التشديد إلا في أوقات وأماكن بعينها؟ كيف يمكن لحقوق الإنسان أن تكون عالمية ما لم يُعترف بها عالميًّا؟ هل ينبغي أن نرضى بالتفسير الوارد بالتصريح الذي قدمه واضعو إعلان عام ١٩٤٨: «نحن متفقون على الحقوق شريطة ألا يسألنا أحد لماذا»؟ هل يمكن أن تكون هذه الحقوق بديهية في حين قضى الباحثون أكثر من قرنين من الزمان يتجادلون حول ما كان يقصده جيفرسون بعبارته؟ ولسوف يستمر الجدل إلى أجل غير مسمى؛ لأن جيفرسون لم يشعر قط بالحاجة إلى توضيح مقصده، علاوة على أنه لم يشأ أحد من لجنة الخمس أو من الكونجرس أن يعيد النظر في ادعائه، على الرغم من أنهم أدخلوا تعديلات مكثفة على أجزاء أخرى من نسخته الأولية. لقد وافقوه الرأي فيما يبدو، ناهيك عن أنه لو أن جيفرسون كان قد فسَّر مقصده، لتلاشت بديهية الادعاء؛ فالتأكيد الذي يتطلب برهانًا لا يعود بديهيًّا.3

أرى أن ادعاء البداهة أمر في غاية الأهمية فيما يخص تاريخ حقوق الإنسان، وهذا الكتاب مكرَّس لتفسير كيف كان هذا الادعاء مقنعًا أيَّما إقناع في القرن الثامن عشر، ومن حسن الحظ أن الكتاب أيضًا يضع تحت بؤرة التركيز نقطة بعينها من هذا التاريخ المتشعِّب للغاية. لقد أضحت حقوق الإنسان منتشرة في كل مكان في الوقت الحالي، حتى إنها تحتاج فيما يبدو إلى سعة تاريخية كبيرة مماثلة لاستيعابها؛ فهي تشتمل على الأفكار اليونانية عن الإنسان الفرد، والنظرية الرومانية عن القانون والحقوق، والمذاهب المسيحية في النفس البشرية … وتكمن المجازفة في أن يصبح تاريخ حقوق الإنسان هو تاريخ الحضارة الغربية، أو في الوقت الحالي — في بعض الأحيان — تاريخ العالم بأسره. أفلا تقدم الحضارة البابلية القديمة، والديانة الهندوسية، والبوذية، والإسلام إسهاماتها أيضًا؟ كيف لنا إذن أن نعلل التبلور المفاجئ لادعاءات حقوق الإنسان في نهاية القرن الثامن عشر؟

لا بد أن تتوافر في حقوق الإنسان ثلاث سمات متداخلة: لا بد أن تكون الحقوق «طبيعية» (أصيلة في الإنسان)، «متساوية» (واحدة للجميع)، و«عالمية» (قابلة للتطبيق في كل مكان). ولكي تصبح الحقوق حقوقًا «للإنسان»، لا بد أن يحوزها جميع البشر على قدم المساواة في كل مكان على وجه البسيطة لا لسبب آخر سوى أنهم بشر. ولقد اتضح أن قبول السمة الطبيعية للحقوق أيسر من قبول سمة العالمية أو سمة المساواة. ونحن ما زلنا نتصارع بطرق عدة مع الآثار المترتبة على المطالبة بمساواة الحقوق وعالميتها. في أي عمر يحق للفرد التمتع بالمشاركة الكاملة في الحياة السياسية؟ هل يحق للمهاجرين — غير المواطنين — أن يشتركوا في التمتع بالحقوق؟ وأي حقوق؟

ولكن حتى طبيعية الحقوق وتساويها وعالميتها ليست كافية تمامًا؛ فحقوق الإنسان تصبح ذات مغزى ودلالة عندما يكون لها مضمون سياسي. إنها ليست حقوقًا للبشر في البرية، بل هي حقوق للبشر تحت مظلة المجتمع. وهي ليست حقوقًا للبشر في مقابل حقوق إلهية، أو حقوقًا للبشر في مقابل حقوق الحيوانات؛ بل هي حقوق للبشر بعضهم إزاء بعض، ومن ثم هي حقوق مكفولة في العالم السياسي العلماني (حتى وإن أُطلقت عليها صفة «مقدسة»)، إلى جانب أنها حقوق تتطلب من أصحابها مشاركة فعالة.

اكتسبت طبيعية الحقوق وتساويها وعالميتها تعبيرًا سياسيًّا مباشرًا للمرة الأولى في «إعلان الاستقلال الأمريكي» عام ١٧٧٦، و«الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن» عام ١٧٨٩. فعلى الرغم من أن مشروع مذكرة الحقوق الإنجليزي لعام ١٦٨٩ أشار إلى «الحقوق والحريات القديمة» التي أرسى دعائمها القانون الإنجليزي والمستمدة من التاريخ الإنجليزي، فإنه لم ينادِ بتساوي الحقوق وعالميتها وطبيعيتها. وعلى النقيض، شدد إعلان الاستقلال الأمريكي على أن «جميع الناس خُلقوا متساوين»، وأن جميعهم يملكون «حقوقًا ثابتة». وبالمثل، نصَّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن على أنه «يولد الناس ويعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق». لم يخصَّ بالذكر الفرنسيين وحدهم، ولا البيض، ولا الكاثوليك، بل «الناس»، اللفظة التي كانت تعني — وما زالت تعني — جميع البشر رجالًا ونساءً. وبعبارة أخرى، في وقت ما في الفترة ما بين عامي ١٦٨٩ و١٧٧٦، تحولت الحقوق التي غالبًا ما كانت تعد قاصرة على فئة بعينها من الناس — المواليد الأحرار من الإنجليز على سبيل المثال — إلى حقوق للبشر جميعًا؛ حقوق عالمية طبيعية، وضع لها الفرنسيون مصطلحًا يعني «حقوق الإنسان».4

حقوق الإنسان و«حقوق الفرد»

إذا قمنا بزيارة قصيرة إلى تاريخ المصطلحات، فسوف تساعدنا على أن نحدد بوضوح لحظة ظهور مصطلح «حقوق الإنسان». على الأرجح لم يستخدم أناس القرن الثامن عشر تعبير «حقوق الإنسان»، ومتى استخدموه كانوا يقصدون به عادة شيئًا مختلفًا عما نقصده نحن اليوم. فقبل عام ١٧٨٩، غالبًا ما تحدث جيفرسون — على سبيل المثال — عن «الحقوق الطبيعية»، ولم يبدأ في استخدام مصطلح «حقوق الفرد» إلا بعد عام ١٧٨٩، وعندما استخدم مصطلح «حقوق الإنسان» كان يعني شيئًا ذا طابع أكثر سلبية وأدنى من الناحية السياسية من الحقوق الطبيعية أو حقوق الفرد. ففي عام ١٨٠٦ — على سبيل المثال — استخدم المصطلح في الإشارة إلى شرور تجارة الرقيق:

أهنئكم، أيها الأخوة المواطنون، على الدنو من الفترة التي يمكن أن تستخدموا فيها سلطتكم بصفة دستورية؛ لمنع مواطني الولايات المتحدة من المزيد من المشاركة في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان التي دامت طويلًا ضد سكان أفريقيا الذين لم يرتكبوا جرمًا، والتي تاقت طويلًا أخلاقيات بلدنا وسمعتها ومصالحها إلى تحريمها.

ومع تأكيد جيفرسون على أن الأفارقة يتمتعون بحقوق الإنسان، فلم يلمِّح بتاتًا إلى العبيد الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في الوطن. فحقوق الإنسان، وفقًا لتعريف جيفرسون، لا تتيح للأفارقة — ناهيك عن الأمريكيين من أصول أفريقية — حرية التصرف بأنفسهم.5
إبان القرن الثامن عشر، تبين أن مصطلحات مثل «حقوق الإنسان»، و«حقوق البشرية»، «وحقوق الإنسانية»، في كل من اللغة الإنجليزية والفرنسية، مصطلحات عامة للغاية، فلا تمت بصلة مباشرة إلى الاستخدام السياسي؛ فكانت تشير إلى ما يميز ما هو بشري عما هو إلهي من ناحية، وعما هو حيواني من ناحية أخرى، وليس إلى الحقوق المتعلقة بالسياسة مثل حرية التعبير أو الحق في المشاركة في الحياة السياسية. وهكذا، في واحدة من الاستخدامات الأولى لمصطلح «حقوق الإنسانية» في اللغة الفرنسية (عام ١٧٣٤)، سخر الناقد اللاذع واسع الاطلاع، نيكولاس لنيجلي-دوفريسنوي، الذي كان هو نفسه كاهنًا كاثوليكيًّا، من «أولئك الرهبان الأفذاذ الذين عاشوا في القرن السادس والذين تخلوا عن كل «حقوق الإنسانية»، حتى إنهم رعوا كالحيوانات وسرحوا عارين عريًّا تامًّا». وبالمثل في عام ١٧٥٦ ادعى فولتير على سبيل الهزل أن بلاد فارس كانت الدولة الملكية التي نعم فيها الفرد أيما نعمة «بالحقوق الإنسانية»؛ نظرًا لأن الفارسيين اقتنوا أعظم «الموارد للتخلص من السأم». وظهر مصطلح «حق الإنسان» للمرة الأولى في اللغة الفرنسية عام ١٧٦٣، بمعنى مماثل «للحق الطبيعي»، لكن لم يشِعْ استخدامه، مع أن فولتير استخدمه في «رسالة التسامح»6 واسعة الانتشار والتأثير.
وفي الوقت الذي ظل فيه المتحدثون بالإنجليزية يؤثرون استخدام مصطلح «الحقوق الطبيعية» أو كلمة «الحقوق» فحسب، طيلة القرن الثامن عشر، ابتكر الفرنسيون تعبيرًا جديدًا في ستينيات القرن الثامن عشر هو: «حقوق الفرد». ولكل من مصطلح «الحق الطبيعي (الحقوق الطبيعية)» أو «القانون الطبيعي» (في اللغة الفرنسية، تعبير واحد يحمل كلا المعنيين) تاريخٌ أطول يعود إلى مئات السنين، لكن ربما كان لمصطلح «الحق الطبيعي» عدة معانٍ ممكنة نتيجة لذلك؛ فقد قُصد به أحيانًا ببساطة جعل الشيء يبدو منطقيًّا في إطار النظام التقليدي. ولهذا استخدم الأسقف بوسويه، المتحدث الرسمي عن الحاكم المطلق الملك لويس الرابع عشر، على سبيل المثال، مصطلح «الحق الطبيعي» فقط عند وصف دخول المسيح إلى السماء: («دخل إلى السماء بمقتضى حقه الطبيعي.»)7
شاع استخدام مصطلح «حقوق الفرد» في فرنسا بعد ظهوره في كتاب جان جاك روسو «العقد الاجتماعي» عام ١٧٦٢، على الرغم من أن روسو لم يطرح تعريفًا للمصطلح، وعلى الرغم من أنه استخدمه متلازمًا مع «حقوق الإنسانية» و«حقوق المواطن» و«حقوق السيادة»، أو ربما بسبب ذلك. وأيًّا كان السبب، فبحلول شهر يونيو عام ١٧٦٣، أصبح مصطلح «حقوق الفرد» مصطلحًا شائعًا بناء على رسالة إخبارية سرية:

أدى ممثلو المسرح الفرنسي اليوم للمرة الأولى مسرحية بعنوان «مانكو» (تدور أحداثها حول إمبراطورية الإنكا القديمة في بيرو) التي تحدثنا عنها آنفًا. إنها واحدة من أسوأ المسرحيات التراجيدية نسجًا. ثمة دور لأحد الهمجيين كان يمكن أن يصير دورًا غاية في الروعة؛ فهو يسرد شعرًا يذكر فيه كل شيء قرأناه مبعثرًا عن الملوك، والحرية، وحقوق الفرد، في كتب «عدم المساواة في الظروف»، و«إيميل»، و«العقد الاجتماعي».

ومع أن المسرحية نفسها لم تستخدم في الحقيقة عبارة «حقوق الفرد» بدقة، وإنما العبارة المرتبطة بها: «حقوق كينونتنا»، فإن المصطلح قد دخل بوضوح في إطار الاستخدام الثقافي، وكان يرتبط بالفعل بأعمال روسو مباشرة. وبعدئذ استخدمه أدباء آخرون من عصر النهضة أمثال البارون دي هولباخ، ورينال، وميرسيير في سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر.8
وقبل عام ١٧٨٩ لم ينتقل مصطلح «حقوق الفرد» إلى اللغة الإنجليزية إلا قليلًا. لكن الثورة الأمريكية حفزت الماركيز دي كوندرسيه، بطل عصر التنوير الفرنسي، ليقوم بالمحاولة الأولى لتعريف «حقوق الفرد» التي في رأيه اشتملت على أمن الفرد، وأمن الممتلكات، والعدالة النزيهة المحايدة، والحق في المساهمة في صياغة القوانين. وفي مقاله الذي نشره عام ١٧٨٦ بعنوان «عن تأثير الثورة الأمريكية على أوروبا»، ربط صراحةً حقوق الفرد بالثورة الأمريكية: «إن المشهد الرائع لأمة عظيمة تُؤخذ فيها حقوق الفرد مأخذ الاحترام، لهو نافع لبقية الأمم، على الرغم من الفروق في المناخ والعادات والدساتير.» وصرح بأن إعلان الاستقلال الأمريكي ليس أقل من «عرض بسيط وسامٍ لهذه الحقوق التي هي شديدة القدسية، وفي الوقت نفسه منسية منذ زمن طويل». وفي يناير عام ١٧٨٩ استخدم إيمانويل جوزيف سييس تعبير «حقوق الفرد» في كتيِّبه التحريضي المناوئ لطبقة النبلاء الذي حمل عنوان: «ما الطبقة الثالثة؟» وأشارت مسودة لافاييت لإعلان الحقوق في يناير عام ١٧٨٩ إشارة واضحة إلى «حقوق الفرد»، وتكرر الأمر في مسودة كوندرسيه التي صاغها في أوائل عام ١٧٨٩. ومنذ ربيع ١٧٨٩ — حتى من قبل سقوط سجن الباستيل في الرابع عشر من يوليو — شاعت في الأوساط السياسية الفرنسية الأقوال عن الحاجة إلى وجود إعلان عن «حقوق الفرد».9
وعندما بزغت لغة حقوق الإنسان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يكن هناك في بادئ الأمر تعريف واضح لهذه الحقوق. لم يقدم روسو أي تفسير عندما استخدم مصطلح «حقوق الفرد»، وعرَّفها ويليام بلاكستون، فقيه القانون الإنجليزي، على أنها: «الحرية الطبيعية للبشر»، بمعنى «الحقوق المطلقة للفرد، باعتباره إنسانًا حرًّا مُنح القدرة على التمييز بين الخير والشر». ومعظم أولئك الذين استخدموا العبارة في فرنسا في سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر، أمثال رمزَي عصر التنوير اللذين كانا مثارًا للجدل؛ البارون دي هولباخ والكونت دي ميرابو، أشاروا إلى حقوق الفرد كما لو كانت واضحة وضوح الشمس وليست في حاجة إلى دفاع أو تعريف، وبعبارة أخرى، كانت حقوقًا بديهية. زعم دي هولباخ — على سبيل المثال — أنه متى تضاءلت خشية الإنسان من الموت، «فعندئذ سيُدافع عن حقوق الفرد على نحو أكثر جسارة وإقدامًا.» وشجب ميرابو أعداءه الألداء «معدومي الشخصية والضمير، لأنهم لا يملكون أدنى فكرة على الإطلاق عن حقوق الفرد». ولم يقدم أحد على الإطلاق قائمة مفصلة بهذه الحقوق قبل عام ١٧٧٦ (وهو تاريخ إعلان حقوق ولاية فيرجينيا الذي صاغه جورج ماسون).10
ونجح في إماطة اللثام عن غموض حقوق الإنسان القس الكالفيني الفرنسي جان بول رباءوت سانت إتيان، الذي كتب إلى الملك الفرنسي في عام ١٧٨٧ ليتظلم بشأن إعاقة «مرسوم التسامح» المقترح من أجل البروتستانت أمثاله. تشجع رباءوت بالشعور المتزايد لمصلحة حقوق الفرد، فأصر قائلًا: «نحن نعرف اليوم كنه الحقوق الطبيعية، وهي قطعًا تمنح الأفراد أكثر مما يمنحه المرسوم للبروتستانت … لقد حان الوقت الذي لم يعد مقبولًا فيه لأي قانون أن ينقض جهارًا حقوق الإنسانية التي باتت معروفة حق المعرفة للعالم أجمع.» ولربما باتت حقوق الإنسانية «معروفة حق المعرفة»، غير أن رباءوت نفسه سلَّم بأن ملكًا كاثوليكيًّا لا يمكن أن يجيز رسميًّا حق الكالفينيين في ممارسة حقهم في العبادة العامة. وخلاصة القول، اعتمد كل شيء آنذاك — كما هي الحال الآن أيضًا — على تفسير عبارة الشيء الذي «لم يعد مقبولًا».11

كيف أصبحت الحقوق بديهية

من العسير تحديد كنه حقوق الإنسان؛ نظرًا لأن تعريفها — بل وجودها نفسه في واقع الأمر — يعتمد على المشاعر بالقدر نفسه الذي يعتمد به على المنطق. وادعاء البداهة يعتمد في آخر المطاف على مخاطبة العاطفة؛ فهو مقنع إذا مسَّ شغاف قلب الفرد، علاوة على أننا موقنون بشدة بأن حق الإنسان يكون موضع نزاع عندما ننزعج جرَّاء انتهاكه. لقد علم رباءوت من سانت إتيان أنه يستطيع أن يخاطب المعرفة الضمنية بما «لم يعد مقبولًا». وفي عام ١٧٥٥ كتب مؤلف عصر النهضة الفرنسي المؤثر دنيس ديدرو عن «الحق الطبيعي» يقول: «إن استخدام هذا المصطلح مألوف للغاية، حتى إنه يكاد يكون جميعُ الناس على قناعة داخلية أن هذا الحق واضح وضوح الشمس. وهذا الشعور الداخلي يتقاسمه كل من الفيلسوف والرجل العادي الذي لم يسبق له أن مارس التأمل قط.» وقدم ديدرو — على غرار آخرين من معاصريه — تلميحًا غامضًا فحسب لمعنى الحقوق الطبيعية، فخلص إلى الآتي: «بصفتي إنسانًا، لست أملك حقوقًا طبيعية أخرى ثابتة بحق بخلاف تلك الحقوق التي تملكها الإنسانية.» بيد أنه وضع يده على أهم سمة من سمات حقوق الإنسان؛ أنها حتَّمت وجود «شعور داخلي»12 معيَّن يتقاسمه نطاق عريض من البشر.
وحتى فيلسوف القانون الطبيعي السويسري المتشدد جان جاك بورلماكي أصر على أن الحرية لا يمكن بلوغها إلا من خلال المشاعر الداخلية لكل إنسان عندما صرَّح قائلًا: «مثل هذه الأدلة الشعورية تسمو فوق كل عائق وتولِّد أرسخ القناعات الإيمانية.» وحقوق الإنسان ليست مجرد مذهب صِيغَ في وثائق، بل هي في جوهرها نزعة نحو الآخرين، أو مجموعة من القناعات حول كنه الناس وكيف يميزون الصواب من الخطأ في العالم العلماني. وكان لا بد للأفكار الفلسفية، والتقاليد الشرعية، والسياسات الثورية أن تتحلى بمثل هذا النوع من المرجعية الشعورية الداخلية كيما تصير حقوق الإنسان «بديهية» بالفعل. وكما أصر ديدرو، كان لا بد أن يشعر كثير من الناس بهذه المشاعر، وليس فقط الفلاسفة الذين كتبوا عنها.13

كان تعزيز هذه الأفكار المتعلقة بالحريات والحقوق في جوهره مجموعة من الافتراضات عن الاستقلال الفردي؛ فلكي تكون لدينا حقوق للإنسان، كان لا بد أن يُنظر إلى الناس باعتبارهم أشخاصًا مستقلين قادرين على إبداء رأي أخلاقي مستقل، فكما وصفها بلاكستون؛ حقوق الإنسان تقتضي أن يعتبر الفرد «إنسانًا حرًّا مُنح القدرة على التمييز بين الخير والشر». لكن لكي يصبح هؤلاء الأفراد المستقلون أعضاء في أحد المجتمعات السياسية بناءً على تلك الآراء الأخلاقية المستقلة، كان لا بد أن يقدروا أولًا على التعاطف مع الآخرين. سيتمتع كل فرد بحقوقه فقط إذا أمكن النظر لكل الناس على أنهم متساوون بصورة جوهرية. لم تكن المساواة مجرد مفهوم تجريدي أو شعار سياسي، وكان لا بد أن تُدمج بطريقة ما في طبيعة الإنسان.

وعلى الرغم من أننا نأخذ أفكار الاستقلال الذاتي والمساواة، بالإضافة إلى حقوق الإنسان، على أنها مسلم بها، فإنها لم تكتسب فعاليتها إلا في القرن الثامن عشر. ولقد تعقَّب فيلسوف الفلسفة الأخلاقية المعاصر جيه بي شنيويند أصول ما يطلق عليه «نشأة الاستقلالية»، وأكد شنيويند قائلًا: «ركزت النظرة الجديدة التي بزغت في نهاية القرن الثامن عشر على الاعتقاد بأن كل الأشخاص الطبيعيين قادرون بالتساوي على العيش معًا في إطار فضيلة الاستقلال الذاتي.» ويكمن وراء أولئك «الأشخاص الطبيعيين» تاريخ طويل من الكفاح. في القرن الثامن عشر (وحتى وقتنا هذا في الواقع)، لم يمكن تصور كافة «الناس» على أنهم قادرون بالتساوي على الاستقلال الذاتي الأخلاقي؛ إذ اشتمل الأمر على سمتين وثيقتي الصلة لكنهما مختلفتان بوضوح: القدرة على تحكيم العقل، والاستقلالية في اتخاذ القرار. ولا بد من توافر كلتيهما لكي يتمتع الفرد بالاستقلالية الأخلاقية. وتنعدم القدرة الضرورية على تحكيم العقل لدى فاقدي الأهلية من أطفال ومختلي العقل، لكنهم ربما يكتسبون هذه القدرة أو يستعيدونها يومًا ما. وكما الأطفال، كان الرقيق، والخدم، ومن ليست لديهم ممتلكات، والنساء، يفتقرون إلى وضع الاستقلال اللازم كيما يكونوا مستقلين استقلالًا كاملًا. ولعل الأطفال يتمتعون يومًا ما بالاستقلال الذاتي عندما يكبرون، والخدم عندما يتركون الخدمة، ومن ليست لديهم ممتلكات عندما يبتاعون الممتلكات، بل حتى الرقيق عندما يشترون حريتهم. وبدا أن النساء وحدهن ليست أمامهن أي من هذه الخيارات؛ فقد وُضعن في إطار أنهن معتمدات بالفطرة على آبائهن أو أزواجهن. ولو أن أنصار حقوق الإنسان العالمية المتساوية الطبيعية استثنوا تلقائيًّا بعض فئات الناس من مزاولة تلك الحقوق، فهذا يرجع في المقام الأول إلى أنهم يرون هذه الفئات أقل من أن تتمتع بالقدرة الكاملة على الاستقلالية الأخلاقية.14

غير أن قدرة التعاطف حديثة الاكتشاف استطاعت أن تقاوم أقدم الآراء المسبقة وأكثرها رسوخًا؛ ففي عام ١٧٩١ منحت الحكومةُ الفرنسية الثورية اليهودَ المساواة في الحقوق، وفي عام ١٧٩٢ مُنح حتى غيرُ مقتني الممتلكات حق الاقتراع، وفي عام ١٧٩٤ ألغت الحكومة الفرنسية الرق رسميًّا. ولم يكن لكل من الاستقلالية والتعاطف شكل محدد المعالم، فهما مهارتان يمكن اكتسابهما، كما يمكن تفنيد القيود «المقبولة» المفروضة على الحقوق، وقد كانت تُفند بالفعل. ولا يمكن وضع تعريف نهائي دائم للحقوق؛ ذلك لأن قاعدتها الشعورية تتغير على الدوام، ويُعزى هذا جزئيًّا إلى إعلانات الحقوق. وتظل الحقوق عرضة للمناقشة؛ لأن مفهومنا عن هوية من يملك الحقوق وماهية هذه الحقوق يتغير على الدوام. إن ثورة حقوق الإنسان مستمرة بحكم طبيعتها الخاصة.

إن الاستقلال الذاتي والقدرة على التعاطف هما ممارستان ثقافيتان، وليستا مجرد فكرتين، ومن ثم فهما مجسمتان بالمعنى الحرفي، بمعنى أن لهما أبعادًا فيزيائية تمامًا مثل الأبعاد العاطفية. يتوقف الاستقلال الفردي على إحساس متزايد بانفصال الأجساد البشرية وقدسيتها: فجسدك ملك لك أنت، وجسدي ملك لي أنا، وينبغي لكلينا أن يحترم الحدود بين جسدينا. أما التعاطف فهو يتوقف على الاعتراف بأن الآخرين يشعرون ويفكرون مثلنا، وأن مشاعرنا الداخلية متشابهة تشابهًا جوهريًّا. ولكي يصير الإنسان مستقلًّا ذاتيًّا، فلا بد أن يكون منفصلًا قانونيًّا، وفي انفصاله هذا يتمتع بالحماية، لكن لكي تدعم الحقوق هذا الانفصال الجسدي، لا بد أن تُقدر فردية الإنسان تقديرًا يغلب عليه الطابع العاطفي. تتوقف حقوق الإنسان على امتلاك الذات، وعلى الاعتراف بأن كل الآخرين [يمتلكون ذواتهم] على قدم المساواة. وعدم اكتمال فكرة حق الآخرين في امتلاك ذواتهم هو المسئول عن ظهور أشكال عدم المساواة كافة في الحقوق التي شغلتنا على مر التاريخ.

لم تظهر الاستقلالية الذاتية والتعاطف في القرن الثامن عشر بدون سابق إنذار، بل كانت لهما جذور عميقة. فعلى المدى الطويل لقرون عديدة، بدأ الأفراد ينسحبون بعيدًا عن حبائل المجتمع وأصبحوا أفرادًا مستقلين أكثر فأكثر، من الناحية القانونية والنفسية. فقد أوجد الخجل المتزايد طيلة الوقت من الوظائف الجسدية والإحساس المتزايد بآداب اللياقة الجسدية احترامًا أعظم للتكامل الجسدي وحدودًا أوضح للفصل بين أجساد الأفراد. وبمرور الوقت، بدأ الناس ينامون في الفراش بمفردهم أو مع الزوج أو الزوجة فقط، واستخدموا الأواني لتناول الطعام، وبدءوا ينظرون إلى السلوك الذي كانوا يقبلونه قبلًا، على أنه سلوك كريه، مثل إلقاء الطعام على الأرض أو مسح فضلات الجسم في الملابس. وكان التغير المستمر في الأفكار والنظريات المتعلقة بدواخل النفس وعمقها، بدءًا من الروح المسيحية ومرورًا بالضمير البروتستانتي ووصولًا إلى أفكار القرن الثامن عشر عن الإدراك الحسي، قد ملأ النفس بمحتوى جديد. وقد حدثت كل هذه العمليات على مدى فترة زمنية طويلة.

لكن حدثت هناك طفرة مفاجئة في تطور هذه الممارسات في النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ صارت سلطة الآباء المطلقة على أبنائهم موضع تساؤل، وبدأت جموع الناس تشاهد العروض المسرحية أو تنصت إلى الموسيقى في هدوء، نافس فن تصوير الأشخاص وتصوير مشاهد الحياة اليومية هيمنة اللوحات الزيتية التي تتناول الأساطير والتاريخ التابعة للرسم الأكاديمي، وانتشرت الروايات والصحف، مما أتاح وصول قصص الحياة العادية إلى أيدي قاعدة كبيرة من الجموع، وبدأ الناس يستهجنون كلًّا من التعذيب الذي كان جزءًا من العملية القضائية، وأشكال العقاب البدني الأكثر تطرفًا. كل هذه التغيرات أسهمت في تعزيز الإحساس بالانفصال وامتلاك كل فرد لجسده، بالإضافة إلى إمكانية التعاطف مع الآخرين.

ولأفكار التكامل الجسدي والتفرد التعاطفي، التي نتعرض لها في الفصول التالية، تاريخٌ لا يختلف عن تاريخ حقوق الإنسان، التي تجمعها بها صلة وثيقة. وبعبارة أخرى، بدا أن التغيرات التي طرأت على وجهات النظر حدثت بدون سابق إنذار في منتصف القرن الثامن عشر. تأمل على سبيل المثال مسألة التعذيب؛ ففي الفترة ما بين عامي ١٧٠٠ و١٧٥٠، أشارت معظم استخدامات كلمة «التعذيب» في اللغة الفرنسية إلى الصعوبات التي جابهها الكاتب عندما كان يقدح زناد فكره للعثور على التعبير الموفق. في هذا أشار ماريفو عام ١٧٢٤ إلى «تعذيب ذهن المرء كي يخرج بالتأملات». أما ذلك التعذيب المصرح به قانونيًّا للحصول على الاعترافات باقتراف جريمة أو أسماء شركاء الجريمة، فقد بات قضية جوهرية بعدما هاجم مونتيسكيو هذه الممارسات في كتابه «روح القوانين» (عام ١٧٤٨)؛ ففي واحدة من أكثر الفقرات التي صاغها تأثيرًا، يؤكد قائلًا: «كتب عدد هائل من الرجال الشجعان والعباقرة في مناهضة هذه الممارسة (التعذيب القضائي) حتى إنني لا أجرؤ على أن أنبس ببنت شفة من بعدهم.» ثم يمضي قدمًا في حديثه في كلمات أكثر غموضًا فيقول: «كنت سأقول إنها قد تليق بالحكومات المستبدة، حيث كل شيء يثير الخوف يعد جزءًا من أدوات الحكومة؛ كنت سأقول إن الرقيق وسط اليونانيين والرومانيين … لكنني أسمع صوت الطبيعة يعارضني بقوة.» وتقدم البداهة هنا أيضًا — في قوله «صوت الطبيعة يعارضني بقوة» — أساس النقاش. وقد لحق بالركب بعد مونتيسكيو فولتير وكثيرون غيره، لا سيما بيكاريا الإيطالي. وبحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر، بات إلغاء التعذيب والأشكال الوحشية للتعذيب البدني من المواد الهامة في مذهب حقوق الإنسان الجديد.15
وقدمت التغيراتُ التي طرأت على ردود الفعل تجاه أجساد الآخرين والذوات الدعمَ الرئيسي للأساس العلماني الجديد للسلطة السياسية، ومع أن جيفرسون كتب أن «خالقهم» حباهم بحقوقهم، فإن دور الخالق انتهى عند هذه النقطة. فالحكومة لم تعد تعتمد على الله، ناهيك عن الاعتماد على تفسير الكنيسة لإرادة الله. لقد قال جيفرسون: «أنشئت الحكومات وسط الناس كي تكفل هذه الحقوق»، وهي تستمد قوتها «من رضا المحكومين». بالمثل نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام ١٧٨٩ على أن: «هدف كل اتحاد أو تجمع سياسي هو حفظ الحقوق الطبيعة التي للإنسان والتي لا يجوز مسها»، و«يستند أساس كل سيادة على الأمة في المقام الأول». وبمقتضى وجهة النظر هذه، تُستمد السلطة السياسية من الطبيعة الداخلية للأفراد وقدرتهم على خلق مجتمع من خلال الرضا والقبول. وقد بحث علماء السياسة والمؤرخون هذا المفهوم عن السلطة السياسية من زوايا مختلفة، لكنهم لم يولوا الكثير من الانتباه إلى وجهة نظر الأجساد والذوات التي جعلت هذا المفهوم ممكنًا.16
وسوف يعظِّم نقاشي من تأثير أنواع جديدة من التجارب؛ بدءًا من رؤية صور معروضة في المعارض العامة ووصولًا إلى قراءة الروايات الرسائلية التي تحظى بشعبية هائلة والتي تدور عن الحب والزواج؛ فمثل تلك التجارب ساعدت في نشر ممارسات الاستقلال الذاتي والتعاطف. زعم عالم السياسة بيندكت أندرسون أن الصحف والروايات قد خلقت «المجتمع المُتخيَّل» الذي تحتاجه القومية كي تنتعش. ويعد المصطلح الذي يمكن أن يُشار إليه ﺑ «التعاطف المتخيل» حجر أساس حقوق الإنسان وليس القومية، ولا يُقصد بكلمة «متخيل» هنا معنى «الاختلاق»، بل معنى أن التعاطف يتطلب قفزة إيمانية في تصور أن شخصًا آخر هو مثلك. وقد أنتجت قصص التعذيب هذا التعاطف المُتخيل عن طريق رؤى جديدة للألم، كما ولَّدته الروايات عن طريق تحفيز أحاسيس جديدة عن الذات الداخلية، وعزَّز كلٌّ بطريقته الخاصة فكرة مجتمع يقوم على أشخاص مستقلين ذاتيًّا ومتعاطفين بإمكانهم التوحد بقيم كونية أعظم خارج محيط عائلاتهم المباشرة، أو انتماءاتهم الدينية، أو حتى بلادهم.17
وليس ثمة طريقة سهلة أو واضحة لإثبات تأثير التجارب الثقافية الجديدة في الناس الذين عاشوا في القرن الثامن عشر أو حتى قياس هذا التأثير، ناهيك عن تأثيرها في مفاهيمهم عن الحقوق. ولقد ثبت أن الدراسات العلمية للاستجابات في عصرنا الحالي للقراءة أو مشاهدة التليفزيون صعبة للغاية، وهي التي تتمتع بمزية أن الخاضعين للتجربة أحياء يمكن تعريضهم لاستراتيجيات بحث دائمة التغير. ومع ذلك يحرز أخصائيو الجهاز العصبي وأطباء علم النفس الإدراكي بعض التقدم في ربط بيولوجية المخ بالنتائج النفسية وبالنتائج الاجتماعية والثقافية في نهاية الأمر. لقد أثبتوا — على سبيل المثال — أن القدرة على تأليف القصص تقع في نطاق بيولوجية المخ، وتعد مهمة للغاية في تكوين أي فكرة عن النفس. وتؤثر أنواع معينة من التلف الذي يلحق بالمخ على فهم القصص، وثمة أمراض مثل مرض التوحد توضح أن القدرة على التعاطف — أي القدرة على الاعتراف بأن الآخرين لديهم ذهن مثل ذهنك — لها أساس بيولوجي. بيد أن هذه الدراسات لا تتناول غالبًا سوى طرف واحد فحسب من المعادلة، وهو الجانب البيولوجي. فمع أن معظم الأطباء النفسيين، بل حتى بعض أخصائي الأعصاب، متفقون على أن المخ نفسه يتأثر بالقوى الاجتماعية والثقافية، فقد كانت دراسة مثل هذا التفاعل أكثر صعوبة. بالفعل ثبت أن دراسة النفس ذاتها عملية غاية في الصعوبة. ونحن نعلم أن لنا تجربة تتمثل في أن لكل منا نفسًا، لكن علماء الأعصاب لم يفلحوا في تحديد موقع هذه التجربة، ناهيك عن تفسير آلية عملها.18

إذا كانت العلوم العصبية والعقلية والنفسية لا تزال متشككة في طبيعة النفس، فربما ليس من المستغرب إذن أن المؤرخين لم يحاولوا تناول هذا الموضوع بالمرة. لعل معظم المؤرخين يرون أن النفس قد شكلتها إلى حد ما العوامل الاجتماعية والثقافية، بمعنى أنها في القرن العاشر كانت تعني شيئًا مختلفًا تمامًا عما تعنيه اليوم. ومع ذلك فلا يُعرف الكثير عن تاريخ النفس باعتبارها مجموعة من الخبرات؛ فقد استفاض الباحثون بشدة في الكتابة عن بزوغ الفردية والاستقلالية الذاتية باعتبارهما مذهبين، لكنهم كتبوا أقل القليل عن الكيفية التي قد تتغير بها النفس بمرور الوقت. وأتفق مع المؤرخين الآخرين في أن معنى النفس يتغير بمرور الوقت، وأظن أن تجربة النفس — وليس مجرد الفكرة — تتغير لدى بعض الناس في القرن الثامن عشر تغيرًا حاسمًا.

تعتمد حجتي على فكرة أن الاطلاع على قصص التعذيب أو روايات الرسائل كانت له تأثيرات مادية تحولت إلى تغيرات طرأت على المخ ثم ظهرت في صورة مفاهيم جديدة عن منظومة الحياة الاجتماعية والسياسية. فقد خَلقتْ أنواعٌ جديدة من القراءة (والمشاهدة والإنصات) تجاربَ فردية جديدة (التعاطف) أوجدت بدورها مفاهيم اجتماعية وسياسية جديدة (حقوق الإنسان). وأحاول في هذه الصفحات أن أزيل اللبس عن آلية عمل العملية. ولمَّا أغفلَ مجالُ دراستي للتاريخ لزمن طويل أشكالَ النقاش النفسي كافة — فنحن المؤرخين نتحدث عادة عن الاختزال النفسي بينما لا نأتي قط على ذكر الاختزال الاجتماعي أو الثقافي — فقد أغفل إلى حد بعيد إمكانية إيراد حجة أو إجراء نقاش يقوم على سرد لما يدور بداخل النفس.

إنني أحاول الآن أن أعيد تركيز الانتباه على ما يدور في عقول الأفراد. وقد تبدو عقول الأفراد مكانًا واضحًا للبحث عن تفسير للتغيرات الاجتماعية والسياسية القادرة على إحداث التحول، ولكن عقول الأفراد — على خلاف عقول المفكرين والأدباء العظماء — قد أغفلت على نحو مثير للدهشة في أعمال العلوم البشرية والاجتماعية الحديثة. لقد انصب التركيز على السياقات الاجتماعية والثقافية، وليس على الطريقة التي بها تفهم عقول الأفراد هذه السياقات وتعيد تشكيلها. وأظن أن هذا التغير الاجتماعي والسياسي — الذي تمثله حقوق الإنسان في هذه الحالة — يحدث نتيجة لأن أفرادًا كثيرين قد اجتازوا تجارب مشابهة، ليس لأنهم جميعًا عاشوا في نفس السياق الاجتماعي، بل لأنه من خلال تفاعلاتهم بعضهم مع بعض وقراءتهم واطلاعهم خلقوا فعليًّا سياقًا اجتماعيًّا جديدًا. خلاصة القول أنني ما زلت عند رأيي أن أي قصة موضوعها تغيُّر تاريخيٌّ لا بد أن تعلل في نهاية المطاف التغير الحادث في تفكير الأفراد، ولكي تصبح حقوق الإنسان حقوقًا بديهية، اضطر الناس العاديون أن يعتنقوا مفاهيم جديدة ولَّدتها أنواع جديدة من المشاعر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١