الفصل الرابع

لن تكون هناك نهاية

عواقب الإعلان

قبل عيد الميلاد عام ١٧٨٩ مباشرة، وجد نواب الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية أنفسهم وسط نقاش عجيب. بدأ هذا النقاش في الحادي والعشرين من ديسمبر عندما أثار أحد النواب قضية حقوق التصويت لغير الكاثوليك، حين ذكَّر زملاءه النواب قائلًا: «لقد أعلنتم أن جميع الناس يولدون ويعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق، كما أعلنتم أنه لا يجوز التعرض لأحد بسبب أفكاره الدينية.» وعلق أن ثمة العديد من النواب البروتستانت الذين يجلسون بين النواب، وعليه يجدر بالجمعية أن تصدر مرسومًا في الحال بأن غير الكاثوليك مؤهلون للتصويت، وتقلد المناصب، ولهم الحق في الطموح لأي وظيفة مدنية أو عسكرية «كغيرهم من المواطنين».

كان تعبير «غير الكاثوليك» المقصود به فئة مفردة؛ فعندما استخدمه بيير برونيه دي لا تيك في المرسوم المقترح، كان يعني بوضوح البروتستانت. لكن ألا يندرج تحت هذا التعبير اليهود أيضًا؟ لقد كانت فرنسا موطنًا لنحو أربعين ألف يهودي عام ١٧٨٩ بالإضافة إلى عدد يتراوح بين مائة ألف إلى مائتي ألف من البروتستانت (شكَّل الكاثوليك ٩٩٪ من السكان). وبعد يومين من مبادرة برونيه، قرر الكونت ستانيسلاس دي كليرمونت تونير أن يطرق الحديد وهو ساخن فقال مؤكدًا: «ما من حل وسط محتمل»؛ فإما إقرار دين رسمي للدولة، وإما القبول بتصويت الناس من أي ديانة والقبول بانخراطهم في الوظائف العامة. وأكد كليرمونت تونير أنه لا يجب أن يكون المعتقد الديني سببًا في الحرمان من الحقوق السياسية، وعليه لا بد أن يتمتع اليهود أيضًا بحقوق متساوية. لكن لم يكن هذا كل شيء؛ إذ أكد أنه لا ينبغي أن تكون المهنة سببًا للحرمان أيضًا؛ فالجلادون والفنانون الذين كانوا محرومين أيضًا من الحقوق السياسية فيما مضى لا بد أن ينعموا بالحقوق السياسية الآن أيضًا. (اعتُبر الجلادون غير شرفاء لأنهم يكسبون عيشهم من قتل الناس، وكذلك الممثلون لأنهم يلبسون شخصيات أخرى غير شخصياتهم الحقيقية.) آمن كليرمونت تونير بأهمية الاتساق والثبات على المبدأ إذ يقول: «يجدر بنا أن نمنع المسرحيات بالمرة، أو أن نزيل العار المقترن بالتمثيل.»1
هكذا كشفت قضايا الحقوق عن ميل إلى تعاقب القضايا؛ إذ تقود كل قضية إلى الأخرى؛ فما إن نظر النواب لوضع البروتستانت بعين الاعتبار بصفتهم أقلية دينية محرومة من الحقوق، حتى قفزت قضية اليهود إلى المشهد؛ وما إن ظهرت قضية الاستثناءات الدينية على أجندة الجمعية، حتى تبعتها عن قرب الاستثناءات المهنية. في عام ١٧٧٦، كانت المخاوف قد تسللت بالفعل إلى عقل جون آدمز بشأن حدوث تطورات أكثر جذرية في ولاية ماساتشوستس. كتب آدمز إلى جيمس سوليفان يقول:

تأكد يا سيدي أنه من الخطير أن نفتح مجالًا خصبًا أمام الجدال والنزاع؛ كذلك الذي سيُفتح عن طريق محاولة تعديل أهليات من لهم حق التصويت. لن تكون هناك نهاية؛ بل ستظهر مطالب جديدة؛ فالنساء ستطالب بالحق في التصويت، والصبية من سن الثانية عشرة إلى سن الحادية والعشرين سيعتقدون أن حقوقهم لا تلقى الاهتمام الكافي، وكل رجل لا يملك مليمًا واحدًا سوف يطالب بحق متساوٍ مع أي شخص آخر في كافة قوانين الدولة.

لم يظن آدمز فعليًّا أن النساء أو الأطفال قد يطالبون بحقهم في التصويت، لكنه كان يخشى عواقب توسيع حق الاقتراع ليشمل غير ذوي الممتلكات. وكان من الأسهل استنكار حق «كل رجل لا يملك مليمًا واحدًا» عن طريق الإشارة إلى الطلبات الأكثر سخافة التي قد تأتي من أناس أدنى من ذلك الرجل نفسه على درجات السلم الاجتماعي.2
في كل من الولايات المتحدة وفرنسا بحالتهما الجديدة، أشار إعلانا الحقوق إلى «الناس»، و«المواطنين»، و«الأمة»، و«المجتمع»، دون تناول الاختلافات في المرتبة السياسية. وحتى قبل صياغة الإعلان الفرنسي، كان المُنظِّر الدستوري البارع، القس جوزيف سييس، قد ناقش الفرق بين الحقوق الطبيعية والمدنية للمواطن من ناحية والحقوق السياسية من ناحية أخرى. ومن وجهة نظره، ينبغي أن تُعتبر النساء والأطفال والأجانب، وأولئك الذين لا يدفعون أي ضرائب مواطنين «مذعنين» فحسب، أما «أولئك الذين يساهمون في مؤسسة الدولة العامة فهم وحدهم الذين يمكن اعتبارهم مساهمين فعليين في المؤسسة الاجتماعية العظمى. هم وحدهم المواطنون الفاعلون الحقيقيون».3
كانت المبادئ نفسها سارية منذ وقت طويل على الجانب الآخر من الأطلنطي؛ إذ أنكرت المستعمرات الثلاث عشرة على المرأة، والأمريكيين من أصول أفريقية، والهنود الحمر، وغير ذوي الممتلكات، حق التصويت. ففي ولاية ديلاوير — على سبيل المثال — كان حق الاقتراع مقصورًا على البالغين من الرجال البيض الذين يمتلكون خمسين فدانًا من الأرض، وعاشوا في ديلاوير مدة سنتين، أو ولدوا فيها، وأنكروا سلطة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وأقروا بأن العهدين القديم والجديد مُوحًى بهما من الله. وبعد الاستقلال، سنَّت بعض الولايات أحكامًا أكثر تحررًا. فولاية بنسلفانيا — على سبيل المثال — بسطت حقوق التصويت لتشمل كافة الرجال الأحرار البالغين الذين يدفعون ضرائب بأي قدر كان؛ وولاية نيوجيرسي أجازت لوقت قصير حق التصويت للمرأة صاحبة الممتلكات؛ غير أن معظم الولايات أبقت على شروط حيازة الممتلكات، والعديد من الولايات تمسكت بإجراء اختبار ديني، على الأقل فترة من الزمن. عبَّر جون آدمز عن الرأي السائد حينئذ بقوله: «تلك هي نقيصة القلب البشري، فقلة قليلة جدًّا من الرجال غير أصحاب الممتلكات، هم الذين يكون لهم رأي مستقل خاص بهم.»4

من الأسهل تعقب التسلسل التاريخي الأساسي لتوسيع نطاق الحقوق في فرنسا؛ نظرًا لأن الحقوق السياسية كان يحددها التشريع القومي، في حين أنه في الولايات المتحدة الجديدة، كانت الولايات الفردية هي ما ينظم هذه الحقوق. في الأسبوع الذي امتد من ٢٠ إلى ٢٧ أكتوبر عام ١٧٨٩، أصدر النواب سلسلة من المراسيم تحكم شروط أهلية التصويت: (١) أن تكون فرنسيًّا أو أصبحت فرنسيًّا بالتجنس. (٢) أن تكون قد بلغت سن الرشد، التي كانت الخامسة والعشرين حينها. (٣) أن تكون قد أقمت في منطقة الدائرة الانتخابية لمدة عام على الأقل. (٤) أن تسدد الضرائب المباشرة بمعدل يساوي القيمة المحلية لثلاثة أيام عمل (وكان يُفرض معدل أعلى للحصول على أهلية شغل وظيفة حكومية). (٥) ألا تكون خادمًا في المنازل. ولم يأتِ النواب على ذكر الدين أو العرق أو الجنس عند وضع هذه الشروط، مع أن افتراض حرمان النساء والعبيد كان واضحًا تمامًا.

على مدار الأشهر والسنوات التالية، أثارت جماعة تلو الأخرى نقاشًا معينًا، وأخيرًا حصل معظمهم على حقوق سياسية متساوية؛ فقد حصل الرجال البروتستانت على حقوقهم في الرابع والعشرين من ديسمبر عام ١٧٨٩، وانطبق نفس الشيء على الرجال من مختلف المهن. وأخيرًا حصل الرجال اليهود على نفس الحقوق في السابع والعشرين من سبتمبر عام ١٧٩١. وحصل بعض الرجال، وليس الكل، من السود الأحرار على الحقوق السياسية في مايو عام ١٧٩١، ليفقدوها مرة أخرى في الرابع والعشرين من سبتمبر من نفس العام، ثم يستردوها مرة أخرى وتُطبق بصورة أعم في الرابع من أبريل عام ١٧٩٢. وفي العاشر من أغسطس من عام ١٧٩٢، امتدت حقوق التصويت لتشمل جميع الرجال (في الحضر الفرنسي) فيما خلا الخدم وغير العاملين. وفي الرابع من فبراير عام ١٧٩٤، أُلغيت العبودية ومُنحت الحقوق المتساوية للعبيد مبدئيًّا على الأقل. وعلى الرغم من هذا التوسيع للحقوق السياسية الذي يكاد لا يُصدق لتنضم جماعات كانت محرومة من حقوق التصويت فيما مضى، فقد كانت حدود هذا التوسع تقف عند المرأة: فالمرأة لم تحصل قط على حقوق سياسية متساوية إبان الثورة، غير أنها حصلت على حقوق إرث متساوية والحق في الطلاق.

منطق الحقوق: الأقليات الدينية

كشفت الثورة الفرنسية، أكثر من أي حدث آخر أن حقوق الإنسان لها منطق داخلي. ففيما جابه النواب الحاجة إلى تحويل مُثلهم الرفيعة إلى قوانين محددة، فإنهم كونوا بدون قصد مقياسًا لقابلية التطبيق أو قابلية التصور. لم يدرك أحد مقدمًا أي جماعة ستُناقش حقوقها، أو متى سيُثار النقاش، أو ما سيكون الحل لوضعها. لكن سرعان ما أصبح من الجلي أن منح الحقوق لبعض الجماعات (البروتستانت على سبيل المثال) أسهل في التصور من منحها للبعض الآخر (النساء). لقد فرض منطق العملية أنه بمجرد أن يدور النقاش حول جماعة تتمتع بمستوى مرتفع على مقياس قابلية تصور حصولها على تلك الحقوق (الرجال البروتستانت أصحاب الممتلكات مثلًا)، فإن من ينتمون للفئة نفسها لكنهم عند مستوى أدنى على مقياس قابلية تصور حصولهم على الحقوق (الرجال اليهود غير ذوي الممتلكات) حتمًا سيظهرون على أجندة الحقوق. ولم يكن منطق العملية يحرك الأحداث بالضرورة في خط مستقيم للأمام، لكنه كان ينزع إلى ذلك على المدى الطويل. وهكذا، استغل معارضو حقوق اليهود — على سبيل المثال — قضية البروتستانت (فهم مسيحيون على الأقل، بخلاف اليهود) لإقناع النواب بإرجاء قضية حقوق اليهود. ومع ذلك، في خلال فترة لم تتجاوز العامين، حصل اليهود على الحقوق المتساوية، ويُعزى هذا جزئيًّا إلى أن المناقشة الصريحة لحقوقهم جعلت منح الحقوق المتساوية لليهود أكثر قابلية للتصور.

أثناء تطبيق هذا المنطق عمليًّا، تبين أن طبيعة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» التي يُفترض أنها طبيعة تجريدية ميتافيزيقية، هي أحد الأصول الثمينة للغاية. ولأنه بالتحديد نحى جانبًا أي مسائل تتعلق بالتفاصيل، فإن النقاش الذي دار على مدار شهري يوليو حتى أغسطس عام ١٧٨٩ حول المبادئ الأساسية ساعد في تحفيز طرق تفكير عززت أخيرًا ظهور تفاسير أكثر جوهرية للتفاصيل المطلوبة. لقد صُمم الإعلان كي يعبر بوضوح عن الحقوق العالمية للبشرية والحقوق السياسية بصفة عامة للأمة الفرنسية ومواطنيها. ولم يعرض الإعلان أهليات محددة للمشاركة الفعالة. فتأسيس حكومة يتطلب الانتقال من التعميم إلى التفصيل؛ وعند الإعداد للانتخابات، بات تحديد أهليات التصويت وتولي المناصب ضرورة ملحة. فميزة البدء بالتعميم غدت واضحة بمجرد طرح التفاصيل.

كان البروتستانت هم أول جماعة هوية دينية ينظر إليها بعين الاعتبار، ومناقشة وضعهم أعطى سمة دائمة للنزاعات التالية، هي أنه لا يمكن أخذ جماعة بعين الاعتبار بمعزل عن الجماعات الأخرى. لا يمكن إثارة قضية البروتستانت دون إثارة قضية اليهود؛ وبالمثل لا سبيل إلى طرح قضية الممثلين للنقاش دون إثارة قضية الجلادين؛ أو حقوق السود الأحرار دون الالتفات إلى العبيد. وعندما تناول مؤلفو الكتيبات حقوق المرأة، حتمًا قارنوها بحقوق الرجال غير ذوي الممتلكات وحقوق العبيد، بل واعتمدت المناقشات بشأن سن الرشد (التي خُفضت من الخامسة والعشرين إلى الحادية والعشرين في عام ١٧٩٢) على مقارنته بالطفولة. كان وضع وحقوق كل من البروتستانت، واليهود، والسود الأحرار، والمرأة يعتمد بدرجة كبيرة على مكانهم في شبكة الجماعات الأكبر التي تشكل الكيان السياسي للدولة.

كانت قد أُثيرت بالفعل قضية البروتستانت واليهود معًا من قبل في النقاشات حول صياغة الإعلان؛ فقد أكد النائب الشاب النبيل الكونت دي كاستيلان أنه ينبغي أن ينعم كل من البروتستانت واليهود «بالحق الأكثر قداسةً بين جميع الحقوق؛ ألا وهو حق حرية المعتقد». بل إنه أكد أنه لا يجب ذكر دين محدد في الإعلان. أشار رباءوت سانت إتيان، الذي كان هو نفسه قسًّا كالفينيًّا من مقاطعة لانجيدوك حيث يقطن الكثيرون من الكالفينيين، إلى الطلب المتعلق بقائمة التظلم المحلية التي قدمها من أجل حرية الدين لغير الكاثوليك، وقد حصر رباءوت اليهود صراحةً من ضمن غير الكاثوليك — غير أن نقاشه، شأنه شأن جميع المشتركين في الحوار — انصب على حرية المعتقد الديني، وليس على الحقوق السياسية للأقليات. وبعد ساعات من النقاش المحتدم، أقر النواب مادة لتسوية النزاع في أغسطس لم تأتِ على أي ذكر للحقوق السياسية (المادة العاشرة من الإعلان): «لا يجوز التعرض لأحد لما يبديه من الأفكار حتى في المسائل الدينية على شرط أن تكون هذه الأفكار غير مخلة بالأمن العام.» وكانت الصياغة غامضة عن عمد حتى إن البعض فسرها على أنها انتصار لصالح المحافظين الذين عارضوا باستماتة حرية الدين. ألن تكدر عبادة البروتستانت العلنية «الأمن العام»؟5
بحلول ديسمبر — بعدها بأقل من ستة أشهر — سلَّم معظم النواب بحرية المعتقد الديني. ولكن هل كانت حرية الاعتقاد الديني حينها تعني تساوي الحقوق السياسية للأقليات الدينية بالمثل؟ أثار برونيه دي لاتيك قضية الحقوق السياسية للبروتستانت بعد أسبوع فقط من تحرير لوائح انتخابات البلدية في الرابع عشر من ديسمبر عام ١٧٨٩؛ فقد أخبر زملاءه أن غير الكاثوليك استُبعدوا من القوائم الانتخابية بحجة أن أسماءهم لم تكن مدرجة في القوائم، وقال راجيًا: «من المؤكد أيها السادة أنكم لم ترغبوا في أن تسمحوا للآراء الدينية أن تكون سببًا رسميًّا لحرمان بعض المواطنين والسماح للبعض الآخر.» وكان خطاب برونيه مؤثرًا ومعبرًا؛ فالنواب الآن أصبحوا مضطرين إلى تفسير أفعالهم السابقة في ضوء الحاضر. فقد أراد مناوئو البروتستانت أن يدَّعوا أن البروتستانت لم تتسنَّ لهم المشاركة لأن الجمعية لم تصوِّت على مرسوم يسمح بهذا؛ فعلى أي حال البروتستانت مستبعدون من المناصب السياسية بموجب القانون منذ إلغاء «مرسوم النانت» الصادر عام ١٦٨٥، ولم يصدر منذ ذلك الحين أي قانون يعيد لهم وضعهم السياسي رسميًّا. وزعم برونيه ومؤازروه أن المبادئ العامة المنصوص عليها في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» لم تقر بأي استثناءات؛ وأن جميع أولئك الذين استوفوا شروط الأهلية من حيث السن وحيازة الممتلكات لا بد أن يعُتبروا تلقائيًّا مؤهلين، وأن القيود السابقة المفروضة على البروتستانت من ثم لم تعد مُلزمة.‎6
بعبارة أخرى، كانت العالمية المجردة للإعلان تعود لتفرض نفسها، فلا برونيه ولا أي شخص آخر أثار قضية حقوق المرأة في تلك اللحظة؛ فعلى ما يبدو لم تشتمل الأهلية التلقائية على الفرق في النوع الاجتماعي. لكن في اللحظة التي أُثير فيها وضع البروتستانت بهذه الطريقة، انفتحت الأبواب أمام فيضان، واستجاب بعض النواب لهذا بفزع. أثار توسيع منح الحقوق الذي اقترحه كليرمونت تونير، بحيث يمتد من البروتستانت ليشمل كافة الأديان والمهن، نقاشًا محتدًّا. وعلى الرغم من أن النقاش كان قد بدأ بقضية البروتستانت، فقد أصبح الجميع يقرون بأنهم ينبغي أن ينعموا بنفس الحقوق شأنهم شأن الكاثوليك. وأثار أمر منح الحقوق للجلادين والممثلين اعتراضات فردية واهنة للغاية، فيما أثار اقتراح منح الحقوق السياسية لليهود موجة عنيفة من الاعتراضات. فحتى أحد النواب المتقبلين لتحرير اليهود في نهاية الأمر أكد قائلًا: «إن كسلهم وتقصيرهم، وافتقارهم إلى اللباقة والذوق، وهي نتيجة حتمية للقوانين والأوضاع المهينة التي تعرضوا لها في أماكن عدة، جميعها تتضافر لجعلهم ممقوتين.» ومن وجهة نظره، لن يفلح منحهم الحقوق إلا في إثارة رد فعل شعبي عنيف ضد اليهود (وكانت أعمال شغب مناوئة لليهود قد اندلعت بالفعل في شرق فرنسا). وفي الرابع والعشرين من ديسمبر، ١٧٨٩ — في عشية عيد الميلاد — صوتت الجمعية على قرار منح الحقوق السياسية المتساوية «لغير الكاثوليك» وأرباب كافة المهن مع تأجيل مسألة الحقوق السياسية لليهود. ومن الواضح أن التصويت لصالح منح حقوق البروتستانت كان هائلًا وفقًا لما ورد عن المشاركين، وكتب أحد النواب في مذكراته عن «البهجة التي تجلت في أوضح صورها لحظة صدور المرسوم».‎7

كان تبدل الآراء بشأن البروتستانت مذهلًا؛ فقبل «مرسوم التسامح» الذي صدر عام ١٧٨٧، لم يكن مسموحًا للبروتستانت قانونيًّا أن يمارسوا دينهم أو يتزوجوا أو يورثوا ممتلكاتهم، وبعد عام ١٧٨٧، بات بمقدورهم ممارسة عباداتهم الدينية، والزواج أمام المسئولين المحليين، وتقييد أبنائهم في سجل المواليد. غير أنهم حصلوا بذلك على الحقوق المدنية فقط وليس حقوق المشاركة السياسية المتساوية، علاوة على أنهم ظلوا لا ينعمون بحقهم في مزاولة عبادتهم الدينية على الملأ، فقد كان هذا حكرًا على الكاثوليك وحدهم. وكانت بعض المحاكم العليا قد استمرت في مناهضة تطبيق المرسوم حتى عامي ١٧٨٨ و١٧٨٩. من ثم لم يكن واضحًا بالمرة في أغسطس أن معظم النواب يؤيدون الحرية الحقيقية في اختيار الدين، غير أنه بحلول نهاية ديسمبر، منح النواب حقوقًا سياسية متساوية للبروتستانت.

ما الذي يفسر تبدل رأيهم؟ عزا رباءوت سانت إتيان هذا التغير في الرأي والتوجه إلى إظهار النواب البروتستانت تحملهم للمسئولية المدنية؛ فقد اختير أربعة وعشرون نائبًا بروتستانتيًّا، بمن فيهم هو نفسه، في عام ١٧٨٩. وكان البروتستانتيون يتقلدون المناصب المحلية حتى قبل ذلك الحين على الرغم من الحظر الرسمي لهذا الأمر، وفي خضم الريبة التي سادت الشهور المبكرة من عام ١٧٨٩، شارك العديد من البروتستانت في انتخابات الانضمام إلى «طبقة العوام». يُرجِع المؤرخ البارز للجمعية الوطنية، تيموثي تاكيت، تبدُّل الآراء بشأن البروتستانت إلى صراعات سياسية داخلية في الجمعية؛ إذ وجد النواب المعتدلون أن الأسلوب المعرقل الذي يتبناه اليمينيون بغيض للغاية ومن ثم انحازوا إلى اليساريين، الأمر الذي ساعد في منح الحقوق. غير أنه حتى المثال الرئيسي الذي استخدمه تاكيت للإشارة إلى أسلوب العرقلة، النائب المشاكس القس جان موري، كان في مصلحة حقوق البروتستانت. فموقف موري يقدم دليلًا للعملية؛ لأنه ربط بين دعم الحقوق السياسية للبروتستانت وإنكار حقوق اليهود: «يدين البروتستانت بنفس ديننا وقوانيننا … هم ينعمون بنفس الحقوق بالفعل.» وقد سعى موري بهذه الطريقة إلى أن يفرق بين البروتستانت واليهود. غير أن اليهود الإسبانيين والبرتغاليين الذين يقطنون جنوب فرنسا بدءوا على الفور في الإعداد لتقديم عريضة للجمعية الوطنية يزعمون فيها أنهم هم أيضًا كانوا يمارسون بالفعل حقوقهم السياسية على المستوى المحلي، ولم تفلح محاولة ضرب إحدى الأقليات الدينية بأخرى سوى في توسيع الصدع.‎8

تغير وضع البروتستانت عن طريق النظرية والممارسة، أي عن طريق نقاش المبادئ العامة لحرية الاعتقاد والمشاركة الفعالة للبروتستانت في الشئون المحلية والقومية. وكان برونيه دي لاتيك قد أشار إلى المبدأ العام عندما ادعى أن النواب لن يسمحوا «للآراء الدينية أن تكون سببًا رسميًّا لحرمان بعض المواطنين والسماح للبعض الآخر». ولمَّا لم يرغب موري في أن يعترف بالنقطة العامة، اضطر أن يقر بالنقطة العملية؛ فالبروتستانت مارسوا بالفعل نفس الحقوق مثل الكاثوليك. وكان النقاش العام الذي دار في أغسطس قد ترك عمدًا هذه المسائل عالقة، ليفتح الباب أمام التأويلات اللاحقة، والأكثر أهمية، لكي لا يقطع الطريق على المشاركة في الشئون المحلية. وسارع البروتستانت وبعض اليهود لتحقيق الاستفادة القصوى من الفرص الجديدة المتاحة أمامهم.

على عكس البروتستانت الذين عاشوا قبل «مرسوم التسامح» الصادر عام ١٧٨٧، لم يتعرض اليهود الفرنسيون لأي عقوبات بسبب مجاهرتهم بدينهم، لكنهم نعموا بالقليل من الحقوق المدنية ولم يذوقوا طعم الحقوق السياسية. في الواقع، كانت مسألة انتماء اليهود إلى فرنسا موضع تساؤل. إن الكالفينيين فرنسيون ضلوا الطريق باعتناق الهرطقة، في حين أن اليهود غرباء في الأصل شكلوا أمة منفصلة داخل فرنسا. من ثم كان اليهود الألزاسيون معروفين رسميًّا باسم «أمة الألزاس اليهودية»، غير أن اللفظة «أمة» كان لها معنى أقل وطنية في ذلك الحين عن معناها اللاحق في القرنين التاسع عشر والعشرين. وعلى غرار معظم اليهود في فرنسا، شكَّل اليهود الألزاسيون أمةً، لدرجة أنهم عاشوا داخل مجتمع يهودي تُحدَّد حقوقه وواجباته بموجب خطابات امتياز خاصة صادرة من الملك، وكانوا ينعمون بحق إدارة بعض شئونهم الخاصة، بل والبت في القضايا في محاكمهم الخاصة؛ غير أنهم عانوا أيضًا من مجموعة متنوعة من القيود المفروضة على أنواع التجارة التي يمكنهم مزاولتها، والأماكن التي يمكنهم العيش فيها، والمهن التي يمكن أن يتطلعوا إليها.‎9
كان كُتَّاب عصر النهضة قد كتبوا مرارًا وتكرارًا عن اليهود، ولم تكن كتاباتهم إيجابية دائمًا، وبعد منح الحقوق المدنية للبروتستانت عام ١٧٨٧، تحولت الأنظار شطر تحسين وضع اليهود. شكل الملك لويس السادس عشر لجنة لدراسة القضية في عام ١٧٨٨، أي بعد فوات الأوان على اتخاذ أي إجراءات قبل اندلاع الثورة. ومع أن مسألة الحقوق السياسية لليهود حظيت بمرتبة أقل من حقوق البروتستانت من حيث إمكانية تصورها وتحقيقها، فإن اليهود استفادوا في نهاية الأمر من التفات الأنظار إليهم. غير أن النقاش الصريح لم يتحول فورًا إلى حقوق ممنوحة. تحررت سبع وثلاثمائة قائمة تظلم في ربيع ١٧٨٩ تذكر اليهود صراحة، غير أن الآراء حولها انقسمت انقسامًا حادًّا بين مؤيد ومعارض. دعا سبعون بالمائة من الآراء بقوة إلى تحديد عدد اليهود المسموح بوجودهم في فرنسا، وتسعة بالمائة أيدت طردهم، بينما دعا نحو تسعة إلى عشرة بالمائة فقط إلى تحسين ظروفهم. ومن دون الآلاف من قوائم التظلم، أيدت ثماني قوائم فحسب منح حقوق متساوية لليهود. ومع ذلك كان هذا الرقم أكبر من القوائم التي طالبت بنفس الحق للمرأة.‎10
يبدو أن حقوق اليهود تتفق مع القاعدة العامة التي تقول إن الجهود الأولى لإثارة قضية الحقوق تأتي غالبًا بنتائج عكسية. فموقف قوائم التظلم السلبي إلى حد كبير أذن برفض النواب منح الحقوق السياسية لليهود في ديسمبر عام ١٧٨٩، غير أنه على مدار العشرين شهرًا التالية، دفع منطق الحقوق النقاش إلى الأمام. وبعد مرور شهر واحد فحسب من إرجاء مناقشة حقوق اليهود، قدم اليهود الإسبانيون والبرتغاليون القاطنون في جنوب فرنسا عريضة إلى الجمعية الوطنية يدَّعون فيها أنهم كانوا، على غرار البروتستانت، يشاركون بالفعل في السياسة في بعض مدن جنوب فرنسا مثل مدينة بوردو. وقام الأسقف الكاثوليكي تشارلز موريس دي تاليران بريجور، بالإنابة عن اللجنة المعنية بوضع الدستور، بالتصديق على وضعهم؛ فقد أكد على أن اليهود لم يكونوا يطالبون بحقوق مواطنة جديدة، إنما يطالبون فقط «بالاستمرار في التمتع بهذه الحقوق»؛ لأنهم كانوا يمارسونها بالفعل شأنهم شأن البروتستانت. وعليه، منحت الجمعية الحقوق لبعض اليهود دون تغيير وضع اليهود بصفة عامة. وبهذه الطريقة، أمكن تحويل حجة الممارسة العملية الفعلية ضد أولئك الذين رغبوا في التمييز الفئوي.‎11
أثار حديث تاليران سخطًا عنيفًا، لا سيما وسط نواب منطقة ألزاس-لورين، التي كانت تأوي أكبر عدد من السكان اليهود. وكان يهود شرقي فرنسا هم يهود أشكيناز الذين يتحدثون اللغة اليديشية. كان الرجال يعفون اللحية، على خلاف اليهود السفارديم القاطنين في بوردو، وقد قصرت عليهم القوانين الفرنسية إلى حد كبير امتهان مهن الربا والبيع المتجول. ولم يكن هناك الكثير من الود بينهم وبين الفلاحين المدينين لهم. وعليه، لم يتوانَ نواب هذه المنطقة عن توضيح العواقب الوخيمة الحتمية المترتبة على اتباع مبادرة تاليران: «إن الاستثناء الممنوح لليهود القاطنين في بوردو [أغلبهم من يهود السفارديم] سرعان ما سينتج عنه منح نفس الاستثناء لليهود الآخرين في أنحاء المملكة.» غير أنه وسط الاعتراضات العنيفة، صوت ثلاثمائة وأربعة وسبعون نائبًا مقابل مائتين وأربعة وعشرين نائبًا بأن «كل اليهود المعروفين كيهود برتغاليين، وإسبانيين، وأفينيونيين سوف يستمرون في ممارسة الحقوق التي كانوا يمارسونها حتى الوقت الحاضر» وعليه سوف «يمارسون حقوق المواطنين الفاعلين ما داموا يستوفون الشروط المنصوص عليها في مراسيم الجمعية الوطنية [المتعلقة بالمواطنة الفعالة]».‎12
أدى التصويت لصالح منح الحقوق لبعض اليهود إلى أن أصبح رفض منحها للبعض الآخر أكثر صعوبة على المدى الطويل؛ ففي السابع والعشرين من سبتمبر عام ١٧٩١، ألغت الجمعية كافة التحفظات والاستثناءات السابقة فيما يتعلق باليهود، ومن ثم منحتهم جميعًا حقوقًا متساوية، وقد طلبت أيضًا أن يحلف اليهود بالقسم المدني متنازلين عن الامتيازات الخاصة والإعفاءات الممنوحة لهم من الحكومة الملكية. يقول كليرمونت تونير: «لا بد أن نرفض كل شيء لليهود باعتبارهم أمة ونقر بكل شيء لليهود بصفتهم أفرادًا.» وكمقابل لتخليهم عن محاكمهم وقوانينهم الخاصة، سيصبحون مواطنين فرنسيين أفرادًا شأنهم شأن الجميع. وهكذا عملت النظرية والممارسة العملية معًا مرة أخرى في علاقة ديناميكية تتسم بالفعالية. فبدون النظرية، بمعنى المبادئ المنصوص عليها في الإعلان، ما كانت الإشارة إلى بعض اليهود الذين يمارسون هذه الحقوق بالفعل لتحدث أثرًا؛ وبدون الإشارة إلى الممارسة العملية، فلربما ظلت النظرية مجرد وثيقة ميتة (كما كان حالها فيما يتعلق بحقوق المرأة).‎13
غير أن الحقوق لم تكن تمنحها الهيئة التشريعية فحسب؛ فقد حفزت النقاشات حول الحقوق مجتمعات الأقليات للتعبير عن نفسها والمطالبة بتقدير متساوٍ. لقد تمتع البروتستانت بفرصة أعظم للتعبير؛ نظرًا لأنهم كانوا يستطيعون التحدث من خلال نوابهم المنتخبين بالفعل في الجمعية الوطنية. إلا أن اليهود الباريسيين، الذين لم يكن لهم وضع مشترك وبلغ إجمالي عددهم بضع مئات فحسب، قدموا أول عريضة لهم إلى الجمعية الوطنية في أوائل أغسطس عام ١٧٨٩، كانوا يطلبون من النواب بالفعل أن «يعترفوا بحقوقنا كمواطنين». وبعدها بأسبوع، نشر ممثلون من مجتمع أكبر بكثير من اليهود في ألزاس ولورين خطابًا مفتوحًا يطالبون فيه بالمواطنة أيضًا. عندما اعترف النواب بحقوق يهود جنوب فرنسا في يناير ١٧٩٠، اتحد يهود باريس وألزاس ولورين معًا لتقديم عريضة مشتركة، ولمَّا كان بعض النواب يتساءلون هل يريد اليهود فعلًا الحصول على الجنسية الفرنسية، أوضح مقدمو العريضة موقفهم وضوح الشمس: «هم يطالبون بإلغاء الفروق المهينة التي يعانون منها حتى يومنا هذا وبإعلانهم «مواطنين».» وقد عرف مقدمو العريضة الوتر الحساس الذي ينقرون عليه بالضبط؛ فبعد استعراض طويل لكل الإجحاف والظلم المستمر منذ عهود طويلة، ختموا عريضتهم بتوسل للحتمية التاريخية: «كل شيء يتغير؛ ولا مفر من أن يتغير قدر اليهود مع هذا التغير؛ ولن تزيد دهشة الناس لرؤية هذا التغيير تحديدًا وسط كل هذه التغيرات الحادثة من حولهم كل يوم … لنربط التحسن في قدر اليهود بالثورة، أي أن ندمج، إذا جاز التعبير، هذه الثورة الجزئية في الثورة العمومية.» وأرخ مقدمو العريضة كتيبهم بنفس تاريخ اليوم الذي صوتت فيه الجمعية على منح الاستثناء ليهود جنوب فرنسا.‎14
في غضون عامين، كانت الأقليات الدينية قد نالت حقوقًا متساوية في فرنسا. بالطبع لم ينتهِ التمييز والظلم، لا سيما فيما يخص اليهود. ومع ذلك يمكن قياس عظمة مثل هذا التغيير الذي حدث خلال فترة وجيزة من الزمن بإجراء مقارنة بسيطة؛ ففي بريطانيا العظمى، حصل الكاثوليك للمرة الأولى على حق الالتحاق بالقوات المسلحة، والجامعات، والقضاء في عام ١٧٩٣، فيما اضطر اليهود البريطانيون إلى الانتظار حتى عام ١٨٤٥ لنيل نفس الحقوق؛ وأمكن انتخاب الكاثوليك في البرلمان البريطاني بعد عام ١٨٢٩، واليهود بعد عام ١٨٥٨. وكان الوضع أفضل بعض الشيء في الولايات المتحدة؛ فلم يحظَ السكان اليهود المحدودون في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية البالغ عددهم زهاء الألفين والخمسمائة فقط بأي مساواة سياسية. وبعد الاستقلال، استمرت معظم الولايات المتحدة الجديدة تقصر تولي المناصب (والتصويت في بعض الولايات) على البروتستانت. وكفل أول تعديل للدستور، الذي حُرر في سبتمبر عام ١٧٨٩ وصُدق عليه في عام ١٧٩١، حرية الاعتقاد، وبعد ذلك الحين ألغت الولايات بالتدريج المعايير الدينية. وسارت العملية — كالعادة — على نفس المنوال الذي سارت عليه في بريطانيا: أن يحصل الكاثوليك أولًا على كامل الحقوق السياسية ثم يتبعهم اليهود؛ فقد فتحت ولاية ماساتشوستس على سبيل المثال في عام ١٧٨٠ باب تولي المناصب لأي شخص «ينتمي للديانة المسيحية»، في حين أنها لم تفتح هذا الباب لكل الأديان حتى عام ١٨٣٣. وعقب مبادرة جيفرسون، تحركت ولاية فيرجينيا بخطى أسرع مانحةً الحقوق المتساوية في عام ١٧٨٥، ثم تبعتها ولايتا كارولينا الجنوبية وبنسلفانيا في عام ١٧٩٠. أما ولاية رود آيلاند فلم تطبق هذا إلا في عام ١٨٤٢.15

السود الأحرار، والرق، والعرق

يمكن رؤية القوة الهائلة لمنطق الحقوق الثوري أكثر وضوحًا في القرارات الفرنسية بشأن السود الأحرار والعبيد. ومرة أخرى ستكون المقارنة ذات مغزى هنا؛ فقد منحت فرنسا الحقوق السياسية المتساوية للسود الأحرار في عام ١٧٩٢ وحررت العبيد في عام ١٧٩٤، أي قبل أن تفعل ذلك أي أمة أخرى لديها عبيد بوقت طويل. ومع أن الدولة الجديدة في الولايات المتحدة بادرت بمنح الحقوق للأقليات الدينية قبل أن يفعل أبناء عمومتهم البريطانيون ذلك بوقت طويل، فإنها تلكأت للغاية عندما تعلق الأمر بالعبيد؛ فبعد سنوات من حملات العرائض التي تصدَّرها المؤيدون لجماعة الكويكرز من أجل إلغاء الرق، صوَّت البرلمان البريطاني على التوقف عن المشاركة في تجارة الرقيق في عام ١٨٠٧، وقرر عام ١٨٣٣ إلغاء تجارة الرقيق في المستعمرات البريطانية. وكان الوضع في الولايات المتحدة أكثر سوءًا؛ لأن مؤتمر كتابة الدستور الذي انعقد عام ١٧٨٧ لم يمنح الحكومة الفيدرالية حق التحكم في مسألة الرق. ومع أن الكونجرس صوت أيضًا على منع استيراد الرقيق في عام ١٨٠٧، فإن الولايات المتحدة لم تلغِ الرق رسميًّا حتى عام ١٨٦٥، عندما جرى التصديق على التعديل الثالث عشر في الدستور. زد على ذلك أن وضع السود الأحرار تردَّى بالفعل في العديد من الولايات بعد عام ١٧٧٦، بالغًا الحضيض في قضية دريد سكوت المشينة عام ١٨٥٧ عندما أعلنت المحكمة العليا للولايات المتحدة أنه لا العبيد ولا السود الأحرار يعدون مواطنين. ولم ينقلب وضع دريد سكوت إلا في عام ١٨٦٨ عندما صُدق على التعديل الرابع عشر في دستور الولايات المتحدة، الذي كفل أن «جميع الأشخاص الذين ولدوا في الولايات المتحدة أو حصلوا على الجنسية فيها ويخضعون لسلطتها، هم مواطنون في الولايات المتحدة وفي الولاية التي يقيمون فيها».‎16
اقتدى مؤيدو إلغاء الرق في فرنسا بالإنجليز عن طريق تكوين جمعية شقيقة في عام ١٧٨٨ على غرار «الجمعية البريطانية لإلغاء تجارة الرقيق». ولمَّا كانت «جمعية أصدقاء السود» تفتقر إلى الدعم الكبير من الجمهور، فقد كان من المحتمل أن تتعثر وتخفق لولا أحداث عام ١٧٨٩ التي وضعتها في بؤرة الضوء. لم يكن تجاهل آراء «جمعية أصدقاء السود» ممكنًا؛ إذ كان من ضمن أعضائها البارزين بريسوت، وكوندرسيه، ولافاييت، والقس بابتيست هنري جريجوار، وجميعهم من مؤيدي حملات حقوق الإنسان المعروفين في ميادين أخرى. كان جريجوار، وهو كاهن كاثوليكي من لورين، قد نادى حتى قبل عام ١٧٨٩ بتخفيف القيود المفروضة على اليهود في شرق فرنسا، وفي عام ١٧٨٩ نشر كتيبًا يؤيد فيه منح الحقوق المتساوية للرجال الأحرار من الملونين. ولفت جريجوار الأنظار إلى العنصرية المتفشية في مستعمرات البيض قائلًا: «أعلن البيض — مدعومين بالقوة إلى جانبهم — على نحو جائر أن البشرة الداكنة تقصي المرء عن الاستفادة من مزايا المجتمع.»‎17
غير أن منح الحقوق للأحرار من السود والمولودين لوالد أبيض وآخر أسود، وإلغاء الرق، أمران لا يتحققان بواسطة الهتاف والتهليل فحسب؛ ففي الجمعية الوطنية الجديدة كان عدد أولئك الذين خشوا المساس بنظام الرق والثروات الطائلة التي يجلبها على فرنسا يفوق جدًّا عدد المؤيدين لإلغاء الرق. نجح المزارعون والتجار البيض في مدن الموانئ المطلة على الأطلنطي في تصوير «أصدقاء السود» على أنهم متحمسون عاقدون العزم على تهييج العبيد وتحريضهم على التمرد. وفي الثامن من مارس عام ١٧٩٠، صوت النواب على إقصاء المستعمرات من الدستور، ومن ثم إقصاؤها من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن». أوضح المتحدث الرسمي باسم اللجنة الاستعمارية أنطوان بارنيف أن: «التطبيق الصارم والشامل للمبادئ العامة لا يمكن أن يكون ملائمًا [للمستعمرات] … فاختلاف الأماكن، والعادات، والمناخ، والمنتجات يقتضي — كما يتراءى لنا — قوانين مختلفةً أيضًا.» وقد جرم المرسوم أيضًا إثارة الاضطرابات في المستعمرات.‎18

وعلى الرغم من هذا الرفض، فإن الحديث عن الحقوق وصل إلى قاع السلم الاجتماعي في المستعمرات على نحو حتمي لا سبيل إلى اجتنابه. بدأ هذا الحديث من القمة بالمزارعين البيض في أكبر المستعمرات وأغناها، وهي مستعمرة سان دومينجو (هايتي الآن)، الذين طالبوا في منتصف عام ١٧٨٨ بإصلاحات في تجارة المستعمرات وبتمثيلهم في اجتماعات «طبقة العوام» القادمة. ولم يمضِ وقت طويل حتى توعدوا بالمطالبة بالاستقلال، مثل مستعمرات أمريكا الشمالية، إذا ما حاولت الحكومة المحلية التدخل في نظام الرق. ومن ناحية أخرى، توقع البيض من الطبقات الأدنى أن تحقق لهم الثورة الفرنسية الإنصاف من البيض الأكثر ثراءً الذين لم تكن لديهم أي رغبة في تشارك السلطة السياسية مع الحرفيين وأصحاب المتاجر.

كان الأمر الأكثر خطورة على الوضع الراهن هو المطالب المتزايدة للأحرار السود والمولودين لوالد أبيض وآخر أسود؛ فبمقتضى مرسوم ملكي أُقصى من المشاركة في معظم المهن أو حتى من الانتساب إلى أقارب بيض الملونون الأحرار الذين كانوا بالرغم من ذلك يحوزون ممتلكات هائلة للغاية؛ إذ كانوا يملكون — على سبيل المثال — ثلث المزارع وربع العبيد في سان دومينجو؛ لذا أرادوا أن يُعاملوا على قدم المساواة مع البيض حتى مع الإبقاء على نظام الرق. حاول فينسنت أوجي، أحد مفوضيهم إلى باريس في عام ١٧٨٩، أن يقنع أصحاب المزارع من البيض بضرورة منحهم حقوقًا متساوية من خلال التأكيد على مصالحهم المشتركة بصفتهم مُلاك مزارع فقال: «سنشهد إراقة للدماء، واقتحامًا للأراضي، وتخريبًا للصناعة، وحرقًا للمنازل … سيستعر تمرد العبيد أكثر.» وكان الحل الذي اقترحه لدرء ذلك هو منح حقوق متساوية لأمثاله من الملونين الأحرار الذين بمقدورهم أن يساعدوا في احتواء العبيد، على الأقل في الوقت الراهن. وعندما فشل توسله إلى أصحاب المزارع البيض وتبين أن دعم «أصدقاء السود» عديم النفع أيضًا، عاد إلى سان دومينجو، وفي ربيع عام ١٧٩٠ أعلن تمرد الملونين الأحرار، وفشل التمرد، وسُحقت عظامه على العجلة.‎19
لكن دعم حقوق الملونين الأحرار لم يتوقف عند هذه النقطة؛ ففي باريس نجد أن التحريض المستمر الذي صنعه «أصدقاء السود» نجح في استصدار مرسوم في مايو عام ١٧٩١ بالحقوق السياسية لجميع الرجال الملونين الأحرار المولودين لآباء وأمهات أحرار. وبعد أن تمرد العبيد في سان دومينجو في أغسطس ١٧٩١، ألغى النواب المرسوم الذي تكبله قيود شديدة ليحل محله مرسوم أكثر كرمًا في أبريل عام ١٧٩٢. ولم يكن مستغربًا أن يتصرف النواب بارتباك؛ لأن الموقف على الأرض في المستعمرة كان محيرًا. كان تمرد العبيد الذي بدأ في منتصف أغسطس ١٧٩١ قد جذب عددًا كبيرًا وصل إلى ١٠٠٠٠ ثائر بنهاية الشهر، واستمر العدد في الزيادة بسرعة هائلة. ذبحت جماعات العبيد المسلحة البيض وحرقت حقول قصب السكر والمنازل. وعلى الفور ألقى أصحاب المزارع باللوم على «أصدقاء السود» وعلى انتشار «سخافات حقوق الإنسان».‎20
وماذا كان موقف الملونين الأحرار من هذا الصراع؟ لقد كانوا من قبل يخدمون في الميليشيات المنوط بها إلقاء القبض على الرقيق الفارين، وأحيانًا كانوا هم أنفسهم يمتلكون العبيد. وفي عام ١٧٨٩، وصفهم «أصدقاء السود» بأنهم حصن يقف في وجه ثورة العبيد المحتملة، وأيضًا وسطاء في أي إلغاء وارد للرقيق. والآن ها قد اندلعت ثورة العبيد بالفعل. وبدأت أعداد متزايدة من النواب في باريس، الذين كانوا قد رفضوا في البداية وجهة نظر «أصدقاء السود»، تعترف بوجهة النظر هذه في مطلع عام ١٧٩٢. وتمنوا أن يتحالف الملونون الأحرار مع القوات الفرنسية والبيض من الطبقة الأدنى ضد المزارعين والعبيد. وطرح النائب أرماند جاي كيرسانت — الذي كان يعمل ضابطًا سابقًا رفيع الشأن بالبحرية وصاحب مزرعة — حجة تقول: «هذه الطبقة [البيض الفقراء] تتلقى الدعم من الملونين الأحرار الذين يقتنون الممتلكات؛ فهذا هو فرع الجمعية الوطنية على هذه الجزيرة … لذا فإن مخاوف سكان مستعمراتنا [أصحاب المزارع البيض] لها ما يبررها؛ لأن لديهم كل المسوغات للخوف من تأثير ثورتنا على عبيدهم. إن حقوق الإنسان تقلب النظام الذي تعتمد عليه ثرواتهم … ولن ينجوا [سكان المستعمرات] بحيواتهم وثرواتهم إلا عندما يغيرون مبادئهم.» ومضى النائب أرماند في دعوته إلى أن وصل إلى الإلغاء التدريجي للرق نفسه. وفي واقع الأمر، لعب الأحرار السود والسمر دورًا غامضًا طيلة فترة انتفاضة العبيد؛ فتارة يتحالفون مع البيض ضد العبيد وأخرى يتحالفون مع العبيد ضد البيض.‎‎21‎‎

ومرة أخرى حفَّز المشرِّعين المزيجُ الفعال الذي يجمع بين النظرية (إعلان الحقوق) والممارسة العملية (في هذه الحالة الثورة والتمرد الصريحان). وكما أوضحت حجة أرماند، كانت حقوق الإنسان جزءًا من النقاش لا سبيل إلى تجنبه حتى في الجمعية التي كانت قد أعلنت أن حقوق الإنسان غير قابلة للتطبيق في المستعمرات. ودفعت الأحداث النواب للاعتراف بقابليتها للتطبيق في أماكن وعلى جماعات أرادوا في الأصل أن يستثنوها من هذه الحقوق. فالنواب الذين عارضوا منح الحقوق للملونين الأحرار، اتفقوا على نقطة واحدة مركزية مع أولئك الذين كانوا يؤيدون منحهم الحقوق، ألا وهي أن حقوق الملونين الأحرار لا سبيل إلى فصلها عن نظام الرق نفسه. وما إن جرى الاعتراف بهذه الحقوق، حتى أصبحت الخطوة التالية أكثر حتمية.

بحلول صيف عام ١٧٩٣، كانت المستعمرات الفرنسية في حالة جيشان واضطراب كامل. لقد أُعلنت الجمهورية في فرنسا ووضعت الحرب الجمهورية الجديدة في مواجهة البريطانيين والإسبان في جزر الكاريبي. سعى أصحاب المزارع من البيض إلى التحالف مع البريطانيين، وانضم بعض من العبيد المتمردين في سان دومينجو إلى الإسبان الذين كانوا يهيمنون على النصف الشرقي من الجزيرة، سانتو دومينجو، في مقابل وعد بأن ينالوا هم أنفسهم الحرية. غير أن الإسبان لم تكن لديهم النية في إلغاء الرق. وفي أغسطس من عام ١٧٩٣، وفي مواجهة انهيار تام للسلطة الفرنسية على الجزيرة، بدأ مفوضان مُرسَلان من فرنسا في إبداء استعدادهما لعتق العبيد الذين حاربوا من أجل الجمهورية الفرنسية، ثم أبديا استعدادهما لعتق أسرهم أيضًا. بالإضافة إلى أنهما وعدا بالتنازل عن الأرض. وبنهاية الشهر، كان المفوضان يعرضان الحرية لمقاطعات بأكملها. وقد استُهل مرسوم تحرير العبيد في الشمال بالمادة الأولى من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»: «يُولد الناس ويعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق.» وعلى الرغم من أن النواب في باريس كانوا يخشون في البداية من تدبير مخطط بريطاني لتقويض السلطة الفرنسية عن طريق تحرير العبيد، فإنهم صوتوا على إلغاء الرق في كافة المستعمرات في فبراير من عام ١٧٩٤. وقد اتخذ النواب هذا الإجراء فور سماعهم لتقارير مباشرة من ثلاثة رجال — رجل أبيض، وآخر أسمر هجين مولود لوالد أبيض ووالدة سوداء، وعبد نال حريته — كانوا قد أُرسلوا من سان دومينجو ليشرحوا ضرورة إعتاق العبيد. وبالإضافة إلى «إلغاء عبودية الزنوج في كل المستعمرات»، أصدر النواب مرسومًا بأن «جميع الناس، بدون تمييز بناء على اللون، المقيمين في المستعمرات هم مواطنون فرنسيون، ولسوف ينعمون بكافة الحقوق المنصوص عليها في الدستور».‎‎22‎‎
هل كان إلغاء الرق هو فعل إيثاري تنويري خالص؟ بالطبع لا؛ فثورة العبيد المستمرة في سان دومينجو واقترانها بالحرب في العديد من الجبهات لم تترك أمام المفوضين، ومن ثم النواب في باريس، الكثير من الخيارات إذا ما أرادوا أن يتشبثوا بأي جزء من الجزيرة المستعمرة. ومع ذلك، فمع انكشاف أفعال البريطانيين والإسبان، كان هناك مجال فسيح للغاية للمناورة من أجل الإبقاء على العبودية؛ فكان بمقدورهم أن يعدوا بالعتق التدريجي لأولئك الذين انحازوا إليهم دون إبداء أي نية لإلغاء الرق بصفة عامة. بيد أن انتشار «حقوق الإنسان» صعَّب جدًّا على الفرنسيين مسألة الإبقاء على الرق. وفيما انتشر نقاش الحقوق في فرنسا، فإنه قوض محاولة المجلس التشريعي الإبقاء على المستعمرات بعيدة عن سيادة الدستور، وفي الوقت عينه حفز النقاش على نحو حتمي الملونين الأحرار والعبيد أنفسهم على تقديم مطالب جديدة والقتال بضراوة من أجلها. وكان أصحاب المزارع ومؤيدوهم على دراية بهذا التهديد من البداية تمامًا؛ فقد كتب نواب المستعمرة في باريس إلى وطنهم سرًّا كي يوجهوا أصدقاءهم إلى «مراقبة الأشخاص والأشياء؛ وإلقاء القبض على المشتبه بهم؛ ومصادرة أي كتابات تذكر فيها كلمة «حرية»». ومع أن العبيد ربما لم يفهموا كل النقاط الحساسة في مذهب حقوق الإنسان، فإن الكلمات نفسها كان لها أثر سحري بلا ريب. صرح العبد السابق توسان لوفرتور، الذي سرعان ما صار زعيم الثورة، في أغسطس من عام ١٧٩٣ قائلًا: «أبتغي أن تسود الحرية والمساواة في سان دومينجو. أعمل جاهدًا كي آتي بهما إلى حيز الوجود. أيها الإخوة [زملاءه من المتمردين]، ضموا عبيدكم لنا، وحاربوا معنا من أجل نفس القضية.» ولولا الإعلان المبدئي، لظل إلغاء الرق في عام ١٧٩٤ أمرًا مستحيلًا ليس بالإمكان تصوره.‎‎23‎‎

في عام ١٨٠٢، أرسل نابليون حملة عسكرية هائلة من فرنسا للقبض على توسان لوفروتور وإعادة ترسيخ العبودية في المستعمرات الفرنسية. ولما أُعيد توسان إلى فرنسا، مات في سجن بارد، وأبَّنه ويليام ووردسورث وأشاد به أنصار إلغاء العبودية في كل مكان. مدح ووردسورث حماسة توسان للحرية:

ومع أنك أنت نفسك رقدت رقاد الموت، ولن تنهض ثانية،
فعش، واهنأ؛ فقد تركت وراءك قوى
سوف تعمل من أجلك؛ هواء، وأرض، وسماوات؛
فما من نسمة رياح واحدة
سوف تنساك؛ ولك حلفاء عظام؛
وأصدقاؤك ابتهالات وحرقة وحب
وعقل الإنسان الذي لا يُقهر.
أعاقت تصرفات نابليون الإلغاء الحاسم للعبودية في المستعمرات الفرنسية حتى عام ١٨٤٨، عندما أمسكت جمهورية ثانية بمقاليد الحكم، غير أنه لم يفلح في الرجوع بالزمن إلى الوراء كما كان؛ إذ رفض العبيد في سان دومينجو أن يقبلوا بما فُرض عليهم، وتصدوا بنجاح لقوات نابليون إلى أن انسحب الفرنسيون تاركين وراءهم أول أمة يقودها العبيد الأحرار؛ وهي دولة هايتي المستقلة. ومن بين ستين ألف جندي فرنسي، وسويسري، وألماني، وهولندي، أُرسلوا إلى الجزيرة، لم يَعُد سوى بضعة آلاف جندي فحسب عبر المحيط، أما الباقون فقد فُقدوا إما في معارك ضارية أو على إثر إصابتهم بالحمى الصفراء التي أهلكت الألوف بما فيهم رئيس أركان القوات المسلحة. غير أنه حتى في المستعمرات التي أُعيدت فيها العبودية بنجاح، لم ينسَ العبيد مذاق الحرية. فبعد أن حلت ثورة عام ١٨٣٠ في فرنسا محل الحكم الملكي المحافظ، زار أحد المناصرين لإلغاء العبودية جزيرة جوادلوب وأورد رد فعل العبيد تجاه عَلمه ثلاثي الألوان الذي اتخذته الجمهورية عام ١٧٩٤، إذ صرخ زهاء خمسة عشر أو عشرين عبدًا قائلين: «تحية لك منا! إنك لعلامة رائعة على تحررنا. مرحبًا بك أيها العلم العظيم الذي جاء لينبئنا عبر البحار بنصر أصدقائنا وساعة عتقنا.»‎‎24‎‎

إعلان حقوق المرأة

مع أن النواب وافقوا — تحت الضغط — على أن إعلان الحقوق يسري على «جميع الناس، دون تمييز بحسب اللون»، فإن عددًا قليلًا منهم هم الذين حملوا أنفسهم على القول إنه يسري على المرأة أيضًا. على أن حقوق المرأة طُرحت للنقاش، ووسع النواب الحقوق المدنية للمرأة في اتجاهات جديدة هامة؛ فقد مُنحت الفتيات حق المساواة في الميراث مع إخوتهن الصبيان، وحصلت الزوجات على حق الطلاق مساواة بأزواجهن. ولم يكن الطلاق مباحًا في ظل القانون الفرنسي قبل سن قانون الطلاق عام ١٧٩٢. وألغى النظام الملكي لدى عودته مرة أخرى إلى مقاليد الحكم الطلاق عام ١٨١٦، ولم يُعمل به مرة أخرى حتى عام ١٨٨٤، وعندما عاد الطلاق كان مقترنًا هذه المرة بقيود أكثر من تلك التي كانت مفروضة في عام ١٧٩٢. وفي ضوء الحرمان العالمي للمرأة من حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر وعلى مر أغلب تاريخ البشرية — إذ لم تحصل المرأة على حق التصويت في الانتخابات القومية في أي مكان في العالم قبل نهاية القرن التاسع عشر — فإن نقاش حقوق المرأة من الأصل في الساحة العامة كان أكثر إثارة للدهشة من عدم حصولها على الحقوق في آخر المطاف.

حلت حقوق المرأة بوضوح في مرتبة أدنى على «مقياس قابلية التصور» من حقوق الجماعات الأخرى. ظهرت «قضية المرأة» في أوروبا على فترات إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولا سيما فيما يخص تعليم المرأة، أو عدم تعليمها بالأحرى، غير أن حقوق المرأة لم تكن موضع اهتمام المناقشات المستمرة في السنوات التي سبقت الثورة الأمريكية أو الثورة الفرنسية. وعلى عكس البروتستانت أو اليهود أو حتى العبيد الفرنسيين، فإن وضع المرأة لم يكن موضوعًا لحروب الكتيبات، أو مسابقات المقالات العامة، أو اللجان الحكومية، أو بالأخص مؤسسات الدعم المنظمة مثل «جمعية أصدقاء السود». وقد يرجع هذا الإهمال إلى حقيقة أن المرأة لم تكن قلة مضطهدة. لقد كانت المرأة مقهورة بموجب معايير المجتمع، وبسبب الجنس، إلا أن النساء لم يكنَّ أقلية، وبالطبع لم يسعَ أحد إلى حملهن على تغيير هويتهن، كما الحال مع البروتستانت واليهود. وإذا كان البعض قد شبه حالهن بالعبيد، فإن قليلين هم من تجاوزوا التشبيه لينزلوا عالم الاستعارة إلى عالم الواقع. قيدت القوانين حقوق المرأة بلا ريب، لكن المرأة حظيت ببعض الحقوق، على عكس العبيد؛ عُدت المرأة متكلة أخلاقيًّا، إن لم يكن فكريًّا أيضًا، على والدها وزوجها، على أنه لم يُنظر لهن على أنهن يفتقرن إلى الاستقلال الذاتي تمامًا؛ بل إن ميلهن وولعهن بالاستقلال تطلب حيطة مستمرة من جانب السلطات المفترضة من كل نوع. كما أنهن لم يكنَّ معدومات الرأي، حتى في الشئون السياسية؛ وقد برهنت المظاهرات وأعمال الشغب التي كانت تندلع اعتراضًا على أسعار الخبز على هذه الحقيقة قبل وأثناء الثورة الفرنسية.‎25
كل ما هنالك أن النساء لم يشكلن فئة «سياسية» منفصلة انفصالًا بيِّنًا وقابلة للتميز بوضوح قبل الثورة. ونموذج كوندرسيه، أكثر رجل جاهر بالدفاع عن الحقوق السياسية للمرأة إبان الثورة، هو نموذج له دلالته؛ ففي وقت مبكر، نحو عام ١٧٨١، نشر كوندرسيه كتيبًا ينادي فيه بإلغاء العبودية. وفي قائمة اشتملت على الإصلاحات المقترحة من أجل الفلاحين، والبروتستانت، ونظام العدل الجنائي، بالإضافة إلى تأسيس التجارة الحرة، والتطعيم ضد الجدري، لم يكن ثمة ذكر للمرأة. ولم تهم قضية المرأة هذا الرائد في حقوق الإنسان إلا بعد مرور عام كامل على بدء الثورة.‎26
ومع أن قلة من النساء صوتن من خلال توكيلات في انتخابات «طبقة العوام»، وظن عدد محدود من النواب أن النساء، أو على الأقل الأرامل ذوات الممتلكات منهن، قد يحصلن على حق التصويت في المستقبل، فإن هؤلاء النساء، أي الفئة التي يحتمل منحها الحقوق، لم يظهرن على الإطلاق في مناقشات الجمعية الوطنية في الفترة ما بين عامي ١٧٨٩ و١٧٩١. ترد كلمة «نساء» في الجدول الأبجدي ﻟ «سجل أعمال الجمعية الوطنية» الضخم في موضعين فحسب؛ مرة عندما كانت مجموعة من النساء البريطانيات يطالبن بحلف قسم مدني، وفي موضع آخر عندما كانت مجموعة من النساء الباريسيات يرسلن خطابًا. وعلى النقيض، ناقش النواب قضية اليهود مناقشة مباشرة في سبع عشرة مناسبة مختلفة على الأقل. وبنهاية عام ١٧٨٩، أمكن لعدد كبير من النواب على الأقل أن يتصوروا الممثلين، والجلادين، والبروتستانت، واليهود، والسود الأحرار، بل وحتى الرجال الفقراء، على أنهم مواطنون. وعلى الرغم من عملية إعادة المعايرة المستمرة لمقياس «قابلية التصور»، فإن الحقوق المتساوية للمرأة ظلت غير قابلة للتصور لدى جميع الناس تقريبًا من الرجال والنساء على السواء.‎27

ومع ذلك فحتى هنا، عمل منطق الحقوق عمله، وإن كان على نحو متقطع؛ ففي يوليو من عام ١٧٩٠، فاجأ كوندرسيه قراءه بمقالة افتتاحية مذهلة في إحدى الصحف بعنوان «حول منح المرأة حقوق المواطنة»، شرح فيها بوضوح الأساس المنطقي لحقوق الإنسان التي كانت تتطور بثبات في النصف الثاني من القرن الثامن عشر: «تنبع حقوق الإنسان فقط من حقيقة أن البشر كائنات ذات إحساس، قادرة على اكتساب أفكار أخلاقية وعلى التأمل في هذه الأفكار.» ألا تتمتع النساء بنفس الخصال؟ الإجابة كما يؤكد كوندرسيه هي أنه: «لمَّا كانت النساء تنعم بنفس الخصال، فهن يتمتعن بالضرورة بحقوق متساوية.» وتوصل كوندرسيه إلى النتيجة المنطقية التي واجه رفاقه الثوار صعوبة بالغة في التوصل إليها: «إما أنه لا يملك أي فرد في البشرية حقوقًا حقيقية، وإما أن الجميع لهم نفس الحقوق؛ وعليه فإن أي إنسان يصوت ضد حقوق إنسان آخر أيًّا كان دين هذا الآخر أو لونه أو نوعه، فإنه بذلك ينكر حقوقه هو نفسه.»

هنا تتجلى الفلسفة الحديثة لحقوق الإنسان في أنقى صورها؛ فالخصائص الفردية للبشر (ربما بخلاف السن، فالأطفال غير قادرين بعد على التفكير بأنفسهم) لا ينبغي أن تحظى بأهمية، حتى فيما يتعلق بالحقوق السياسية. وعلل كوندرسيه أيضًا السبب في أن عددًا كبيرًا من النساء — وكذلك الرجال — يقبل باستسلام الخضوع غير المبرر للمرأة: «يمكن أن تؤدي العادة إلى تكيف البشر مع انتهاك حقوقهم الطبيعية إلى الدرجة التي لا يحلم معها أي من أولئك الذين فقدوا حقوقهم باسترداد تلك الحقوق أو حتى يعتقد أنه تعرض لجور ما من الأساس.» وطالب كوندرسيه قراءه بالإقرار بأن النساء كانت لهن دائمًا حقوق، وبأن الأعراف الاجتماعية قد أعمت عيونهم عن تلك الحقيقة الجوهرية.‎28
في سبتمبر عام ١٧٩١، قلبت الكاتبة المسرحية المناهضة للعبودية أولمب دي جوج «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» رأسًا على عقب؛ إذ أكدت فيما أسمته «إعلان حقوق المرأة» أن: «المرأة وُلدت حرة وتعيش مساوية للرجل في الحقوق» (المادة الأولى)، «لا بد أن يكون لجميع المواطنات والمواطنين، باعتبارهم متساوين أمامه [القانون]، الحق في الوظائف والرتب العامة بحسب مقدرتهم، ولا يجوز أن يُفضل إنسان على إنسان في هذا الصدد إلا بفضائله ومعارفه» (المادة السادسة). ولا يكاد الانقلاب في لغة الإعلان الرسمي لعام ١٧٨٩ يبدو صادمًا لنا الآن، غير أنه بدا حينها صادمًا بالتأكيد. وفي إنجلترا، لم تصل ماري وولستونكرافت لما وصلت إليه قريناتها الفرنسيات في المطالبة بحقوق سياسية متساوية مساواة مطلقة للمرأة، غير أنها كتبت باستفاضة وبمشاعر حارة أن التعليم والتقاليد أعاقت نمو عقل المرأة. وفي كتابها «المطالبة بحقوق المرأة» الذي نُشر عام ١٧٩٢، ربطت تحرير المرأة بانفجار كل أشكال التسلسل الهرمي في المجتمع. وعانت وولستونكرافت، على غرار دي جوج، من التشنيع العلني بسبب جسارتها، بل إن مصير دي جوج كان أشد وطأة؛ فقد حُكم عليها بالإعدام بقطع رأسها بتهمة أنها مناوئة «وقحة» للثورة، وإنسانة غير سوية («خنثى»).‎29
ما إن تكوَّن الزخم وزاد، لم تقتصر حقوق المرأة على منشورات قلة من الرواد؛ ففي الفترة بين ١٧٩١ و١٧٩٣ أقامت النساء نوادي سياسية في خمسين مدينة وبلدة على الأقل بالإضافة إلى باريس. ونُوقشت حقوق المرأة في النوادي، والصحف، والكتيبات. وفي أبريل من عام ١٧٩٣، إبان الفترة التي كان يُنظر فيها في مسألة المواطنة في ظل دستور مقترح جديد للجمهورية، طرح أحد النواب حجة مستفيضة لصالح منح المرأة حقوقًا سياسية متساوية. وبينت حجته أن الفكرة كسبت بعض المناصرين لها. قال ذلك النائب معترفًا ومقرًّا: «لا شك أن ثمة اختلافًا بين الرجل والمرأة هو اختلاف الجنس … لكني لا أعرف كيف يؤدي اختلاف الجنس إلى اختلاف في المساواة في الحقوق … دعونا نحرر أنفسنا من التحيز ضد الجنس، تمامًا كما حررنا أنفسنا من التحيز العنصري ضد لون بشرة الزنوج.» غير أن باقي النواب لم يحذوا حذوه.‎30
بدلًا من أن يحذو النواب حذو ذلك النائب، تحركوا في أكتوبر عام ١٧٩٣ ضد نوادي المرأة. وكرد فعل للمشاجرات التي نشبت في الشوارع بين النساء حول الشعارات الثورية، صوتت الجمعية على إيقاف كافة النوادي السياسية للمرأة بحجة أن هذه النوادي تصرفهن عن موالاة واجباتهن المنزلية كما ينبغي. ووفقًا لرأي النائب الذي قدم مرسوم إيقاف النوادي، فإن النساء لا يملكن المعرفة، أو الخبرة، أو التفاني، أو نكران الذات، وهي أمور يجب التحلي بها في ممارسة السياسة والحكم. ويجدر بهن أن يلتزمن ﺑ «المهام الخاصة التي قدرتها الطبيعة ذاتها للمرأة». لم يبدُ في منطقه شيء جديد؛ وإنما ما كان جديدًا هو الحاجة إلى التصدي للمرأة ومنعها من تشكيل النوادي السياسية والمشاركة فيها. ربما كان وضع المرأة هو أقل وآخر موضوع نُوقش، غير أن حقوقهن ظهرت أخيرًا على جدول أعمال الجمعية، وما قيل عنهن في تسعينيات القرن الثامن عشر — لا سيما فيما يخص الحقوق — كان له أثر دام حتى يومنا هذا.‎31
أخرج منطق الحقوق فكرة حقوق المرأة من منطقة الأعراف والعادات الضبابية الغامضة ودفعها إلى النور، على الأقل في فرنسا وإنجلترا. أما في الولايات المتحدة، فقد أثار إهمال حقوق المرأة نقاشًا محدودًا نسبيًّا في أوساط العامة قبل عام ١٧٩٢، ولم تظهر أي كتابات أمريكية في عهد الثورة يمكنها أن ترقى إلى مستوى كتابات كوندرسيه، أو أولمب دي جوج، أو ماري وولستونكرافت. وفي الواقع، قبل نشر كتاب وولستونكرافت: «المطالبة بحقوق المرأة» في عام ١٧٩٢، لم يلقَ مفهوم حقوق المرأة آذانًا صاغية في إنجلترا أو أمريكا، بل إن ماري وولستونكرافت نفسها طورت أفكارها المؤثرة في هذا الصدد كرد فعل مباشر للثورة الفرنسية؛ ففي عملها الأول حول الحقوق في عام ١٧٩٠، «المطالبة بحقوق الرجل»، ردت على نقد بيرك لحقوق الرجل في فرنسا، وأدى بها هذا إلى التفكير أيضًا في حقوق المرأة.‎32
وإذا نظرنا إلى ما هو أبعد من التصريحات والمراسيم الرسمية الصادرة عن الساسة الذكور، فسنجد أن تغير التوقعات بشأن حقوق المرأة أكثر لفتًا للانتباه. فمثلًا، على نحو مدهش، كان كتاب وولستونكرافت: «المطالبة بحقوق المرأة» متوفرًا في المكتبات الأمريكية الخاصة في بداية عصر الجمهورية أكثر من كتاب توماس بين «حقوق الإنسان». ومع أن بين نفسه لم يُلقِ بالًا إلى حقوق المرأة، فإن آخرين اهتموا بها؛ ففي مطلع القرن التاسع عشر، تناولت بانتظام الأوساط المتجادلة، وخطب التخرج، والصحف الشعبية في الولايات المتحدة المسلمات القائمة على النوع وراء حق التصويت المقتصر على الرجل فقط، وانتهزت المرأة الفرص الجديدة في عالم النشر التي خلقتها حرية الصحافة لكتابة كتب وكتيبات أكثر عددًا مما كتب في أي وقت مضى، وتسبب حق المرأة في المساواة في الإرث في عدد لا نهائي من القضايا؛ لأن النساء عقدن العزم على التمسك بما أصبح الآن حقهن شرعًا، فعلى كل حال، الحقوق ليست عرضًا من نوع «إما كل شيء أو لا شيء». فتحت الحقوق الجديدة — وإن لم تكن حقوقًا سياسية — الباب على فرص جديدة للنساء، واغتنمت النساء تلك الفرص في الحال. وكما أوضحت الأفعال السابقة للبروتستانت واليهود والملونين، فإن المواطنة ليست مجرد شيء تمنحه السلطات؛ وإنما هي شيء ينتزعه المرء بنفسه؛ وتلك القدرة على المجادلة والإصرار، بل والقتال أيضًا من وجهة نظر البعض، هي أحد معايير الاستقلال الأخلاقي.‎33
بعد عام ١٧٩٣، وجدت النساء أنفسهن واقعات تحت وطأة المزيد من القهر في عالم السياسة الفرنسية الرسمي، إلا أن الوعد بالحقوق لم يُنسَ تمامًا؛ ففي مقال نقدي مطول نُشر عام ١٨٠٠ حول كتاب تشارلز ثيرمين «عن وضع المرأة في الجمهوريات»، أوضحت الشاعرة والكاتبة المسرحية كونستانس بيبليت (التي اشتُهرت باسم كونستانس دي سالم) أنه لم يغِب عن ناظرَي النساء الأهداف التي وضُعت في السنوات الأولى للثورة:

يتسنى للمرء أن يفهم [في ظل الحكومة الفرنسية القديمة] أن الإنسان لم يظن أنه من الضروري أن يكفل لنصف البشرية (النساء) نصف الحقوق المخولة للبشرية؛ غير أنه من الأكثر صعوبة أن يستوعب قدرة الإنسان على تجاهل الإقرار بحقوق المرأة تمامًا طيلة السنوات العشر الأخيرة؛ أي في تلك الأوقات التي تدوي فيها أصداء كلمتي المساواة والحرية في كل مكان، تلك الأوقات التي تعمل فيها الفلسفة — مدعومة بالتجربة العملية — على تعريف الإنسان بحقوقه الأصيلة المشروعة.

وقد عزت هذا التجاهل لحقوق المرأة إلى حقيقة أن جموع الرجال اعتقدوا أن كبح قوة المرأة أو حتى محقها سوف يزيد من قوة الرجل. وتستشهد بيبليت في مقالها بكتاب وولستونكرافت عن حقوق المرأة، غير أنها لم تطالب بحق المرأة في التصويت أو تقلد المناصب.‎34

أظهرت بيبليت فهمًا دقيقًا للتوتر القائم بين منطق الحقوق الثوري وبين القيود المستمرة للأعراف والعادات: «أثناء الثورة تحديدًا … أمعنت النساء — مقتديات بالرجال — التفكير في جوهرها الحقيقي ثم تصرفت بناء على هذا.» ولو أن الغموض أو الالتباس ظل يشوب موضوع حقوق المرأة (وقد غلب التردد على العديد من فقرات بيبليت)، فيرجع هذا إلى أن عصر التنوير لم يتقدم بالدرجة الكافية بعد؛ فعامة الناس؛ ولا سيما النساء العاديات، ظلوا بلا أي تعليم. وأكدت بيبليت على أنه عندما تتلقى النساء التعليم، فإنهن سيبرهنَّ حتمًا على قدراتهن ومواهبهن؛ لأن المقدرة لا تقتصر على جنس دون الآخر. وقد اتفقت مع رأي ثيرمين القائل إنه ينبغي أن تُوظف المرأة معلمة مدرسية ويُسمح لها بالدفاع عن «حقوقها الطبيعية الثابتة» في المحاكم.

وإذا كانت بيبليت نفسها لم تصل إلى حد الدفاع عن نيل المرأة كامل حقوقها السياسية الكاملة، فقد كان هذا استجابة منها لما كانت تراه ممكنًا — وقابلًا للتصور والنقاش — في أيامها. غير أنها رأت، مثل كثيرين غيرها، أن فلسفة الحقوق الطبيعية لها منطق عنيد لا يهدأ، وإن لم يفلح بعد في إيجاد حل لقضية المرأة؛ ذلك النصف الآخر من البشرية. أفسحت فكرة «حقوق الإنسان» — شأنها شأن الثورة نفسها — مجالًا غير متوقع للنقاش، والصراع، والتغيير، ويمكن نكران الوعد بتلك الحقوق، أو طمسه، أو إبقاؤه معلقًا دون تحقيقه فعليًّا، غير أنه وعد لا يفنى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١