الروح … الغابة هادئة ولا …

الغابة هادئة ولا أقصد بالهدوء الصمت، فهي صاخبة بأناشيد الأطيار وغنائها، أو بكائها على فراق البجعات المهاجرات إلى الشمال، فالفصل صيف، صيف طويل وحارق، وليس بين الشمس والأشياء إلا صدر الشمس الحنون الحارق، فالغابة هادئة، بها صخب هو جزء من الغابة ذاتها، بل قلب الغابة النَّابض وإيقاع غموضها وجمالها، ما بين المحراب والموقع الذي نزلت عنده من الباص مسافة الميل، لكن وعورة الطريق دائمًا ما كانت تُوهمني بأنَّ المسافة أطول، أطول، وأنَّ المحراب هنالك في عمق الغابة يُمعن في البعد، لكن الخيط السحري الذي يشدني إليه له تأثير عكسي، أجدني ألتهم المسافة في لحظات ولا أحسني أمشي، بل أطير طيرانًا حلوًا نحوه، نحوه. أمَّا في الخريف — الفصل الجميل المتعب — فالمسافة معقدة لدرجة يصعب معها أحيانًا الوصول إلى المحراب، تهطل السحابات الجنوبيات السوداوات بغزارة مالئة الوديان والخويرات وجحار الثعابين والفئران، وكل هوام المكان تخرج من خنادقها بحثًا عن ملاذ آمن جاف مشمس، فلا تجد غير الطرقات، طرقات الغَابة الخالية من الأعشاب والشجيرات، طرقاتي التي أسلك، فكم لدغتني عقرب وكم طاردتني حية، وكم توهتني عاصفة وأوحلتني سحابة، وكم، وكم، وكم؟!

ولكن رغم ذلك يظل الخريف أجمل الأشقياء وأحلى الفصول؛ حيث تصبح عنده الغابة وردة كبيرة خضراء، تحوم فوقها السحابات مثل فراشات ضخمة مثل عشيقات، ويصير اليوم حلمًا جميلًا، نشيدًا تموسقه الضفادع والصراصير وأطيار السقد والقبرات؛ أمَّا المحراب ودوماته الباسقات، عروس الغابة لأنَّ أزهار الخريف النابتة عشوائيًّا حول المحراب وداخل حديقته المتوحشة العرضية تعطي المكان براءة الطبيعة البكر وسلامها العفوي، وفي ذات اللحظة تجعلها شيئًا متميزًا متفردًا.

غابة لا تشبهها غابة، حديقة لا تشبهها الحدائق.

فالمحراب جنتنا.

والمحراب عزلتنا.

والمحراب أغنية الروح …

حديقته الصغيرة وسياج البرتقال واليوسفي، أطيار المساء تلوذ بالدومات كمخدع آمن من القطط البرية والثعالب، المحراب مكون من ثلاث قطيات: المحراب، أو مخدع الروح كما نُسميه، قطية المختار، وأيضًا يُوجد مُصلى خلف المِحراب وحمام، يطل المصلى على النهر وأشجار اللوسينا الشامخة، والعرديب وبعض الأشجار النادرة، التي رُبَّما أتت بذورها بواسطة العصافير والحيوانات والرِّيح، في الغالب عن طريق مياه النهر المنحدرة من هضبة الأحباش، أما اللوسينا والقولد مور فلقد قمنا بزراعتها بشكل غير منتظم على طول الشاطئ الممتد من المحراب حتى الطريق العام، الذي يعبر الغابة، رابطًا مدن ما بعد الغابة بمدن ما قبل الغابة.

بيني والمحراب خطوات، لكن تحجبني عنها أشباح شجيرات السنط والهشاب الشائكة الرَّمادية، ثم فجأة وجدتُ نفسي مثل كل مرة أمام حديقة المِحراب المُتوحشة، أمام الدومة الأولى، أمامه مباشرة.

المختار.

يجلس في هدوء عميق وطمأنينة نادرة، على فراء أبيض من جلد العجل، قربه على الأرض عصًا ذات شعبتين، عصا الأبنوس السوداء، أعلم أنه أحس بوجودي، لكنه لم يلتفت ليراني، بل ظل مكانه كتمثال الجليد، باردًا هادئًا غير مبال، في ذات اللحظة التي بدا فيها كصنم الجليد كُنت أشعر به مُتوهجًا كالجذوة، منفعلًا بما حوله، لم أُلْق عليه التحية.

ليتجلى ما شاء له.

لم أثر، صوتنا يكدر صفاءه.

ليتأمل ما شاء.

حاولت ألا أهتم به، أن ألغيه، إلى أن يفيق من تأمله العميق فلا يشغله نشاطي الذهني، فيخسر ساعات قضاها ليدخل في الحال، ولجت المحراب، ألقيتُ نظرة على زهرة الغاردينيا برقة وحيوية.

تذكرت نوار سعد حينها، نوار سعد، كانت تحدثني عن عودة الإنسان إلى جذوره، إلى أمِّه الشجرة؛ حيثُ كانت تؤكد لي أنَّ الإنسان أصله شجرة، وتقول: إن شجرة مسكيت واحدة وعصفور ود أبرق أكثر أهمية من عشرة مصانع للغذاء، ومليون من الجنود المدججين بالسلاح، وترسانة الأسلحة الأمريكية لا تساوي في أهميتها ريشة فنان، فنان فقير بائس كهنري رسو، قالت: ولو أنَّ المدينة هنا ما زالت طفلة، وأنَّها مثل قرية بإسبانيا إلا أنها مملة وملوثة ورديئة كمرحاض عام، فهي ليست كبراءة الريف.

فهي ليست كتعقد المدينة، هي شيء مشوه.

فأنتما سعيدان بعودتكما لله، للشجرة والنسيم، أنتما سعيدان. وقلت لها: ننشد التأمل والعزلة لا أكثر. قالت: ولو أنَّ الغابة ليست مُنعزلة تمامًا … وهنالك الأشجار والخِيران والثعالب، هنالك الطيور والأرض.

الأرض الطينية السوداء …

حاولت تحريك الأصيص من مكانه، قائلة: فلْأغير قليلًا من مرأى المحراب، قطية الروح، ولكني عجزت تمامًا، كانت هناك قوة طاغية تجذبه للأسفل، وفي نفس اللحظة التي هممت فيها بتركه وشأنه دخل الحجرة المختار.

طويل كعادته ومبتسم، وعلى رأسه شال نظيف، لفني بساعديه الطويلتين وهو يضحك من أعماقه قائلًا: لقد جاء زوجك هنا، اليوم …

– هل قال شيئًا مهمًّا؟!

– لا شيء سوى بعض السخرية المرة.

قلتُ متجاهلة الأمر ما أمكن: إذن دعنا نتناول الغداء في هدوء، لقد أحضرت معي عسلًا ومحبرتين وخبزًا وهربت من محاضرة الباطنية، فالمحاضِرة الجديدة مُتعالية ومتكبرة كأنها أول من تخصص في الباطنية، لكنني وجدت نفسي أسأله عن زوجي: من أين جاء؟!

قال إنه في طريقه إلى المدينة الأُخرى عابرًا الغابة، رأى أنه من الأحسن والذوق أن يزور زوجته وحبيبها — على حد قوله — فأوقف عربته بالطريق العامة، مستأجرًا بدويًّا لحراستها، جاء، قال إنه سيزورك في المدينة الجامعية.

– لكني لم أذهب إلى المدينة الجامعية طوال شهر!

– لقد حاولت أن أقول له ذلك، لكنه ضحك ساخرًا كعادته متجاوزًا محنته بالسخرية المرة واللامبالاة.

ثم غير المختار من الحديث سائلًا: هل كنت تُحاولين تغيير موقع الغاردينيا، عندما دخلت أنا للمحراب؟ قلت: لكني عجزت.

قال مبتسمًا: يبدو أنَّها عمقت جُذورها في الأرض.

لقد حققت حُلمًا نادرًا، هل نقتلعها؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤