الرحلة اليابانية

(١) خواطر وأفكار بين مصر والإسكندرية

في صبيحة يوم الجمعة ٣٠ يونيو سنة ١٩٠٦ أفرنكية أخذتُ الأُهْبة للسفر، وما وصلت إلى محطة القاهرة، حتى رأيت لفيف الأصدقاء والمحبين قد جاءوا لوداعي، وما أصعب موقف الوداع وأشده تأثيرًا في النفس! فكنت أطارح إخواني عبارات الوداع والدمع في الجفن حائر، حتى إذا تحرك القطار أسلمته المحاجر ولما بعد القطار قليلًا:

أشاروا بتسليم فجُدنا بأنفس
تسيل من الآماق والسم أذمع

وما زال القطار سائرًا الهوينى، حتى إذا اجتاز المنحنى واستقام له الطريق أخذ ينهب الأرض نهبًا لا يُشق له غبار، وتضل دون شأوه الأنظار، وكنت في هذه الحالة أودِّع القاهرة وملك الفراعنة، وكلما ابتعدت عنها تضاءلت في نظري تلك الصروح المُمرَّدة والقصور الشامخات، حتى غابت عن لحْظ العين ولم أعد أنظر إلَّا إلى منارتين يلوح للناظر إليهما من هذه المسافة أنهما ركبتا على قمة جبل المقطم، فعلمت أنهما منارتا جامع القلعة الذي أنشأه «محمد علي باشا» رئيس العائلة الخديوية الذي كانت توليته على مصر مُفتتَح تاريخٍ جديد لها، وفي هذه اللحظة عاودتني ذكرى الحوادث التي حدثت على عهده في هذه البقعة وأخصها حادثة دعوة المماليك إلى الاحتفال بوداع الجيوش الذاهبة إلى حرب الوهابين فأخذهم على غُرةٍ منهم وأعمل فيهم السيف، حتى أفناهم عن آخرهم، ولم ينجُ منهم إلَّا المملوك الشارد، وما زالت ترد على ذاكرتي الوقائع التي ولدتها الأيامُ في عهده، حتى وقف القطار على محطة قليوب، وحينئذٍ خطر بذاكرتي سعادة الشورابي باشا الذي له أثر اليد البيضاء على هذه البلدة، وخلَّد بمآثره فيها ذكرًا جميلًا تذكره به سكانها كلَّما ذُكِر الكرام الذين خدموا الإنسانية بجاههم، وأموالهم، وكلِّ ما في وسعهم، حتى سار مدحهم في سائر الأزمان والأجيال مسير الأمثال.

وبعد أن قام القطار من قليوب صرت في حالة مدهشة وأسفٍ شديد كاد يترك الكبد فلذًا وما ذلك إلَّا لذكراي أن أول جلسة للمحكمة المخصوصة عُقِدَت لمحاكمة قاطني هذه البلدة، وتسرَّب الفكر حينئذٍ إلى حادث دنشواي؛ لأنه كان قريب العهد بالحدوث فشعرت بالتهاب بين الجوانح وسمعت في أعماق قلبي أزيزًا كأزيز المِرْجَل، وكان الفؤاد يُرشَق بنبال تُكسَّر فيه النصال على النصال.

فأخذت ألتمس الوسائل التي بها أنفِّسُ عن قلبي الغمة بمحادثة بعض الركاب تارةً، وبالقراءة تارةً أخرى، حتى وقف القطار على محطة بنها، فنظرت إلى محلِّ السراي التي كان يختلف إليها المرحوم عباس باشا الأول والتي استُشهد فيها، ولم يذكر أحد من المؤرخين هذه الحادثة بالتفصيل؛ ولذلك كانت الحقيقة غامضة، ولن تزال كذلك ضميرًا مستترًا في صدر الأيام، ومهما تكهَّن الباحث عن أسباب التعدِّي على هذا المقام الرفيع فلا يكون مبلغ علمه إلَّا أن التنافس في الملك والتحاسد عليه قد يُوقِع الملوك في مثل هذه الأخطار، وليست هذه بالأولى في الإسلام وحوادث ملوك الأنام.

ثم صار القطار حتى وصل مدينة طنطا وهي في الدلتا بمنزلة القلب من الجسم، ووجه الشبه بينهما أن عند هذه المدينة تجتمع كلُّ أطراف خطوط السكك الحديدية التي في أنحاء الدلتا، كما أن القلب تجتمع عنده أطراف العروق التي توزِّع الدم على سائر أنحاء الجسم.

وبمجرد وقوف القطار قرأت كما قرأ غيري من المسلمين المسافرين فاتحة الكتاب المبين مستمدًّا بها الرحمة لروح وليِّ الله سيدي أحمد البدوي — رضي الله تعالى عنه — متوسِّلًا به إليه لأن يجعل لي من أمري مخرجًا ومن كل ضيقٍ فرجًا.

وفي هذه اللحظة خطر بذاكرتي رجل الدنيا وواحدها ومحسن مصر الكبير ذو الأيادي البيضاء، والهمة الشماء، من هو في عقد الكرماء اليتيمة العصماء المرحوم أحمد باشا المنشاوي أمير الغربية وبطل القرشية.

فنظرت نظرة في تاريخ حياة هذا الرجل العظامي العصامي فإذا هو مملوء بالحوادث الغريبة والوقائع المدهشة.

ومن العجيب أن المصريين لا يتذكرون لهذا الرجل إلَّا مبرَّاته الجمة وإحساناته التي طوَّق بها جِيد الإنسانية، ولم يأت بمثلها مصري غيره على كثرة عدد الأغنياء فيهم من أمثاله.

على أنه لم يكن في الكرم أقل منه في النجدة، والشهامة، وإباء الضيم، وإغاثة الملهوف، فقد حفظ له التاريخ حادثة مذبحة طنطا في إبان الثورة العرابية؛ حيث ردَّ يد الثائرين عن المسيحيين واليهود القاطنين في طنطا، وآوى منهم نحو الألفي نسمة إلى سراية بالقرشية، وآمنهم وحملهم إلى بلادهم على نفقته الخصوصية بعد أن دفن موتاهم وتلطخت ثيابه بدمائهم؛ حيث كان يحملهم وهم مطروحون في الشوارع والأزقَّة، ويضعهم على العربات.

وقد أهدته الدول الأوروبية جزاء هذا الجميل بنياشين علَّقها على صدره مكان الدماء، ولولا خوف الإطالة لذكرت من حوادثه الغريبة شيئًا كثيرًا.

وقد نظم بعض الشعراء قصيدة ضمَّنها الحوادث العرابية، وغيرها من مسائل شتَّى تتعلق بالمنشاوي باشا جاء فيها ما يأتي:

على يوم طنطا في الزمان تحية
يعمُّ شذاها كلَّ باد وحاضر
رأى قوم موسى والمسيح كأنهم
سوام أُتيحَت يوم نحْرِ لجازر
فكشَّف عنهم فادح الكرب بعدما
كسا الأرض ثوبًا بالدماء الموائر
فشتَّت شمْل الثائرين كأنهم
فوارط أسراب النعام النوافر
على صفحات الظلم خطَّت يدُ الأسى
ولا قلم غير المدى والخناجر
فكم من مُحيا في النجيع مُضرَّج
وبطن خميص قد أصيبت بباقر
وأم وليد غادرته برغمها
فريسة أنياب المنايا الكواشر
وكم قاصرات الطرف أصبحن بالعرا
حواسر عما في ضمان المآزر
تمزِّق أيدي الظالمين جسومها
فيا لك من أيدٍ مُنِيت بباتر
يصحن بميمون النقيبة لابن
أخي نجدة حامي الحقيقة تامر
إذا لجأ العاني إليه فقد بنى
له معقلًا بين النجوم الزواهر
ومن نكد الدنيا على الحرِّ أن يرى
محامده معدودة في الجرائر

ولما غادر القطار مدينة طنطا ووصل إلى محطة كفر الزيات واجتاز الكوبري الممتد على النيل، ذكرت في الحال ما وقع لأميرين من أمراء العائلة الخديوية في عهد إسماعيل باشا؛ إذ كان هذان الأميران راكبين في قطار السكة الحديدية قاصدين الإسكندرية، ولما وصل القطار بهما إلى كفر الزيات كان الكوبري مفتوحًا على خلاف العادة، فسقط القطار في البحر وغرق كثير من الركاب وممن غرق أحد هذين الأميرين ونجا الآخر فيمن نجا، ولهذه الحادثة ذكرٌ باق إلى الآن في أفواه العامة والخاصة ولكنْ المؤرخون أغفلوه كأنه لم يكن من الحوادث ذات البال في تاريخ مصر السياسي وما قلناه من خصوص السبب في قتل عباس باشا الأول في سراي بنها يُقال في هذه الحادثة.

وهكذا بقيتُ مفكِّرًا في صروف الأيام والليالي التي كانت أرض مصر مرسحًا لتمثيل روايتها حتى وصلنا إلى محطة الإسكندرية.

(٢) ما هي الإسكندرية وما حوادثها؟

الإسكندرية هي أكبر مدن القطر المصري بعد القاهرة، وثغرها الأكبر في منتهى شمالها على البحر الأبيض المتوسط، اختطَّها إسكندر الأكبر المقدوني حين استيلائه على مصر، وانتزاعها من يد الفرس، وجعلها مقرًّا للملك وذلك في سنة ٩٥٤ قبل الهجرة الموافقة سنة ٣٣٢ قبل الميلاد، وكان فيها من الآثار مسلتان عظيمتان نُقلَت إحداهما إلى نيويورك بالولايات المتحدة في قارة أمريكا، والثانية إلى لندن عاصمة إنكلترا، وقد قِيل إنها كانت بها منارة من أغرب ما صنعته يد الإنسان؛ حيث رُكِّبت مرآة فيها كانت تُصوَّب نحو مراكب العدو إذا قصد الإسكندرية فتحرقها عن آخرها.

وفي عهد استيلاء ملوك البطالسة على مصر كانت الإسكندرية محطَّ رجال طلاب العلوم من سائر الأمم؛ حيث أُنْشئَت بها مدرسة عظيمة لتلقِّي فنون الطب والفلسفة والرياضة وغير ذلك من العلوم، وقد تخَرَّج منها كثير من فحول العلماء، والفلاسفة، والحكماء، وقد أُنشئَت بها دار لكتبٍ حوتْ نفائس المؤلفات في تلك العصور.

ولا ندري من أيِّ طريق استدل المؤرخون الذين ينسبون حرق هذه المكتبة إلى سيدنا عمرو بن العاص بأمر أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب، فإنه محض اختلاق منهم، وليست هذه بأول أكذوبة افتراها المؤرخون على الإسلام والمسلمين، والصحيح أن هذه المكتبة أُحرقَت في عهد جول أحد أباطرة الرومان.

•••

وفي ذلك العهد تُرجمَت أول نسخة من التوراة من اللغة العبرانية إلى اليونانية بواسطة سبعين حبرًا من أحبار اليهود.

وقد طرأ على الإسكندرية كما طرأ على غيرها من المدن الشهيرة أطوار كثيرة وأحوال شتى. ولكنها لم تزل أكبر ثغْرٍ في أفريقيا على البحر الأبيض المتوسط وهي آخذة في التقدُّم مدينةً وحضارة.

مكثتُ في الإسكندرية سبعة أيام وأنا أتجول في شوارعها مشاهدًا ما صنعتْه يدُ المدينة الجديدة فيها، فكنت أتخيل أني في بلد أوروباوية؛ لأنَّ مركزها الجغرافي التجاري جعل عدد الأجانب فيها من كلِّ جنس يكاد يعادل عدد سكانها الوطنيين، فحيث مررتَ تجد حوانيتهم ومساكنهم ومحال تجارتهم.

ولما كانت هذه المدينة من القطر المصري بمنزلة الباب من المنزل كانت عرضة لأول قنبلة من قنابل الأسطول الإنكليزي الذي أتى في عهد الثورة العرابية، لقمع الثوَّار بقيادة الأميرال ولسلي وسيمور، فضربت في يوم ١١ يوليو سنة ١٨٨٢، وبينما كانت قنابل الأسطول الإنكليزي تخربها في الخارج كانت الثوار يحرقونها في الداخل، وحصلت في هذا الحين مذبحة هائلة بين الوطنيين والأجانب نُهبَت فيها أموالهم وأُريقَت دماؤهم.

وبعد هزيمة العرابيين ودخول الجيش الإنكليزي عاصمة القطر المصري، صدر أمر الخديوي بتشكيل مجالس قضائية لمحاكمة من يثبت عليهم الجناية في الثورة ومن لهم يد في المذابح التي وقعت في الإسكندرية، وطنطا، والمحلة الكبرى، ودمنهور، فحُكِم بأحكام متنوعة على رجال كثيرة، وممن حُكِم عليه بالإعدام سليمان داود نجل داود باشا كان ضابطًا في الجيش؛ لأنه هو السبب في إحراق الإسكندرية.

•••

وأهل الإسكندرية يمتازون بأخلاق حميدة دون سائر أهل البلاد المصرية الكبرى، فهم أهل نجدة وشهامة، يأبون الضيم ويسارعون إلى الخيرات، وحب الوطن أمر غريزي في نفوسهم مع كثرة اختلاطهم بالأجانب ومعاشرتهم لهم ومعاملتهم إياهم.

(٣) وقفة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط

بكَّرت ذات يوم وأنا في الإسكندرية وكان الجو صافي الأديم، بليل النسيم، ومناظر الطبيعة قد ملكت على العين لفتاتها، فذهبت إلى شاطئ البحر فإذا هو أصفى من ساعات السرور، والشمس قد ألقت عليه أشعتها، فكأنه في زرقته بساط مُذهَّب أو لوح من البلور فيه نقوش ذهبية أجادت الطبيعة صنعها.

وكأن أشرعة السفن قنا غُرِس على الشاطئ، وكأن الزوارق في ذهابها وإيابها طيور ناشرة أجنحتها البيضاء في الفضاء، وكأن ذهاب السفن التجارية قطع السحاب الأدكن.

ألقيت نظري على أديم البحر فكأن السماء عند منتهى رمية الطرف قد التصقت بالبحر، فذكرت في الحال ما استدل به الجغرافيون على كُرَوية الأرض بأن المرء إذا ألقى نظره إلى أبعد مسافة يرمي إليها الطرف يجد كأنَّ القبة الزرقاء قد التحمت بالبسيطة الخضراء، فإذا ذهب وقف إلى حيث انتهى بصره يجد الحال كذلك، فإذا استمر على هذه الكيفية طاف حول الأرض وهو يحسب أنه يمشي على منبسط غير مستدير.

وعلى ذكر الجغرافيا تمثل أمامي على الخريطة وأنا أنظر ما على شواطئه من المدن والثفور وحركات عمال الجمارك، وكل ذات ألواح ودسر تمخر في عبابه، وبينما أنا ناظر إلى ما رُسم في مُخيِّلتي من ثفور هذا البحر، تذكَّرت تاريخ مجد الإسلام وممالك الدولة العربية فرأيت كأن العلم الإسلامي يخفق فوق ربوعها التي أصبحت الآن في يد الأجانب، بحيث لو كانت هذه البلاد والجزر والممالك الآن في قبضة الإسلام، لكانت دولتنا العليَّة تُدعَى سيِّدة البحار، أما مصر فأدع الكلام عنها الآن؛ لأنها لم تزل تحت سيادة الدولة العلية والكلام عليها يخرج بنا عن الموضوع الذي لأجله كتبنا هذه الرحلة، كما أترك الكلام على سواحل سوريا، والبوسفور، وكريد، والأرخبيل.

فأوَّل ما ذكرني مجد الإسلام جزيرة رودس التي ساق إليها الأسطول سيدنا معاوية بن أبي سفيان وهو أول أسطول إسلامي ذهب للفتح في البحر، فأخذ هذه الجزيرة من يد الإفرنج، وعاد الأسطول إلى سواحل الشام ظافرًا، ثم جزيرة قبرص التي أخذتها إنكلترا جائزة لها من الدولة العلية في الحرب الروسية التي حصلت معها، ثم مملكة اليونان التي كانت ضمن ولايات الدولة العلية فأصبحت الآن مملكة مستقلة، وقادها الغرور في سنة ١٨٩٧ إلى محاربتها وبلغت درجت الغرور لديها أنها طمعت في فتح القستنطينية وردها إليها بعد أن أخذها السلطان محمد الفاتح من عنمنويل سنة ١٤٥٣ ميلادية الموافقة سنة ٨٥٧ هجرية.

وما كدت أفرغ من النظر بعين المخيلة إلى هذه الجزيرة والبلاد، حتى اعترتني دهشة وقشعريرة وحزن استولى على القلب حين ما وقفت على سواحل إسبانيا.

هذه المملكة التي كانت تمثِّل مجْدَ الإسلام وفخْر العرب أجلَّ تمثيل، فتح المسلمون هذه البلاد في عهد الدولة الأموية في بدئها؛ حيث ذهب إليها موسى بن نصير وطارق بن زياد بجيشٍ لم يكن كثير العدد ولكنه كان يعادل الفرد الواحد من جنوده ألفًا، وبوغاز جبل طارق سُمِّي بهذا الاسم لأن طارق بن زياد حين مجيئه بالسفن إلى هذا المكان وأنزل الجنود عمد إلى السفن فأحرقها، وقال للجنود: إما الموت وإما النصر؛ لأننا إذا نكصنا على الأعقاب فلا نجد سفنًا للنجاة، فدبَّت روح الحماس في الجنود.

وهكذا تكون شجاعة الرجال وعظماء القواد والأبطال.

وما زال موسى بن نصير يفتح البلاد الإسبانية حتى وقف على حدود فرنسا، وأخذ جزءًا عظيمًا منها وجزءًا أيضًا من البرتغال. وقد بقيت الأندلس أربعمائة عام تقريبًا، وهي تحت حكم العرب وكان السلطان فيها يقال له أمير المسلمين.

وما كادت قدم العرب تستقر في هذه البلاد، حتى ظهرت فيها المدنية الإسلامية بأجمل مظاهرها، وكانت سوق الأدب فيها رائجة بالشعراء، والمؤلفين، والأدباء، والفلاسفة، مع الأخذ في أسباب الترف والنعيم من بناء القصور الشامخات ذات الرياش الفاخرة، والجواري، والمماليك، والقيان، والغلمان إلى غير ذلك مما نشاهد آثارها الآن بعين الدهشة والاستغراب.

ومما يُحكَى أن زوجة أحد الخلفاء فيها رأت إحدى الجواري تدوس برجليها في حفرة بها طين فكاشفت الخليفة برغبتها في أن تفعل فعل الجارية فأمرها بأن تضع المسك في حفرة بدل الطين وتدوسه برجليها ففعلت، وبعد زمنٍ وقَعَ نفور بينها وبينه فقالت له في عرض حديثها: إني لم أر منك يومًا يسرني، فقال لها: ولا يوم الطين! فتذكَّرت وخجلت.

وقد نقل المؤرخون من تفنن العرب في الأندلس في ضروب المدينة والحضارة ما يغني الاطلاع عليه في محاله عن ذكره هنا.

ثم حولتُ نظري إلى بوغاز جبل طارق الذي أصبح الآن في قبضة إنكلترا فملكت به زمام البحر الأبيض المتوسط من جهة المحيط الأطلنطي، والذي له خبرة بحلِّ الطلاسم السياسية يرى أن إنكلترا لما استحوذت على هذا البوغاز رأت ضرورة أخذ قنال السويس لسهولة الوصول إلى الهند من طريق تملُّكها أو على الأقل يكون لها فيها امتياز بنوع خصوصي على سائر الدول، وأودعت رغبتها هذه ضمير الليالي حتى ساعدتها ظروف الأحوال بمشتري الأسهم من إسماعيل باشا، ثم جاءت الثورة العرابية واحتلت مصر، فأصبح هذا القنال في حكم بوغاز جبل طارق، ولا عبرة بكونه حرًّا مع وجود الاحتلال.

فلو كان بوغاز جبل طارق باقيًا في حوزة الخلافة مع قنال السويس وبوغاز البوسفور لكانت دولتنا اليوم قابضة على البحر الأبيض المتوسط، ولكان نفوذها فيه لا يعادله نفوذ أية دولة أخرى.

ثم عطفت نظري إلى المملكة المراكشية وتأملت أحوالها السياسية والاقتصادية، وماضي تاريخ ملوكها، وما كانت عليه من الاستقلال التام قبل انعقاد مؤتمر الجزيرة الذي جعل استقلال هذه المملكة صوريًّا.

فلو كانت هذه المملكة سائرة على نهج الترقي المادي والأدبي الذي سار عليه من قبل ملوكها من عهد دخول العرب إلى إسبانيا لكان لنا بها بعض العزاء على ضياع الأندلس من يد العرب.

على أن وقائع العبر لم تؤثِّر على مراكش التأثر الذي يجعلها تحافظ على البقية الباقية من استقلال الممالك الإسلامية في الغرب.

وأيُّ العبر لديها بعد فقد تونس والجزائر من يد ملوكهما وأمرائهما وطموح إيطاليا إلى امتلاك طرابلس الغرب ثم احتلال إنكلترا لمصر.

•••

اجتمعت أساطيل دولتي فرنسا وإسبانيا في مياه طنجة لأجل تنفيذ مواد مؤتمر الجزيرة وهذه المواد لم تضمن غير إجراء نظامٍ جديد وإصلاح حسن مضمون الفائدة في بعض الوجوه الإدارية في المملكة المراكشية.

وكان الأولى أن يكون للمراكشيين وازع من أنفسهم بإجراء هذه الإصلاحات بدون تداخل لأية دولة أجنبية، ولكنها الدول كالأجسام تمرض وتعالج.

على أن منزلة مراكش بهذا الاعتبار كما يقول الشاعر:

… … … …
ألم المريض عقوبة الإهمال

أما مملكة تونس فلا أقول كلمةً عنها في هذا الموضوع من حيث أحوالها الحاضرة والغابرة، ولكن أقول إن عاصمة هذه المملكة إذا قرأنا تاريخ الأدوار الزمانية التي مرَّت عليها نقف موقف الدهشة والاستغراب في تحويل الأحوال وتصرفات الدهور، وسنفيض الكلام عنها عند ذكر قدومي إليها وعن فرنسا التي تداخلت في شئون المغرب الأقصى، وامتلكت الجزائر، ووضعت الحماية على تونس.

وامتلاك فرنسا للجزائر يبيِّن للمطَّلِع عليه كيف يكون امتلاك دول أوروبا للبلاد الأجنبية عنها؛ إذ ربما حكمت الملايين من النفوس فدية لفرد واحد من رعيتها.

فقد نقل الرواة أن سبب أخذ فرنسا للجزائر هو أنه حصل شقاق بين أميرها وسفير فرنسا، أدَّى إلى أن يضرب الأمير السفير بمِنَشَّة كانت في يده، فانتقمت فرنسا لسفيرها بإعلان الحرب التي للأمير عبد القادر الجزائري فيها ذكر مشهور فاحتلتها وامتلكتها بعد نفي الأمير عبد القادر إلى بلاد الشام.

وسأجعل الكلام على سياسة فرنسا في الجزائر مدمجًا في الكلام على تونس عندما أصل إلى موضعه.

وقف بي التأمل في أحوال ممالك الإسلام الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط عند حدود طرابلس الغرب، فشبَّهْتُها وهي بين ملك الدولة العلية وطمع إيطاليا بلقمةٍ سائغة في يد رجلٍ بخيل حريص يشتهيها على طمعٍ وجشع، وآخر يتحين الفرص لاغتيالها، وليس لهذه المطامع الأوروبية حدٌّ تقف عنده، بل هي تطمع في تمزيق جسم الدولة العلية واقتسامها بينها.

•••

إلى هنا كنت قد مللت من الوقوف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط كما ملَّ خاطري من الجولان على سواحله في البلاد الإسلامية، تارةً بالنظر إلى حالتها الحاضرة، وحينًا بقلب صفحاتها التاريخية، وبقراءتي ما طرأ عليها من تقلُّبات الزمان وما دهاها من طوارق الحَدَثان.

فلْيتأمَّلْ ذو اللب الحكيم إلى هذه الممالك ولْيقدر الإسلام قدره لو كانت كلها مُتحِدة الكلمة عاملة على ترقية الشعب حاكمة نفسها بنفسها، بل ليقدر الخلافة قدرها لو كانت ممالك الغرب متحدة الكلمة مع باقي ممالك الدولة الإسلامية؛ حيث بذلك تكون الرابطة الإسلامية الوثيقة العُرى رابطة مراكش بالجزائر فتونس فطرابلس فمصر والسودان، وسوريا، وبلاد العرب، ففارس، فالأفغان، ولا يخفى ما يقوم به مسلمو الروسيا، والهند، والصين من المساعي الحميدة في إعزاز الجامعة الإسلامية التي تربط كلَّ مسلمي الأرض ببعضهم وتجعلهم مُتحدِين وإن لم يكونوا في حكم الخلافة الإسلامية.

•••

هذا وإن دول أوروبا التي تتخوف من الجامعة الإسلامية تعمل جهدها في تفريق كلمة المسلمين بدسِّ الدسائس، وقد تعبت في ذلك كثيرًا وذاقتْ ثمرةَ أتعابها.

ولما كانت الدول والشعوب تتراوح بين الشبوبية والطفولية والكهولة كان الرجاء في عودة الإسلام إلى عصر شبابه، ومجده، وعزه ملء قلب كلِّ مسلم نظر إلى هذه الحركة الجديدة في كثير من بلاد الإسلام.

(٤) القيام من الإسكندرية

غادرتُ الإسكندرية على باخرة من بواخر الشركة الإيطالية، وقد أقلعت الباخرة في أصيل ذلك اليوم الذي سافرت فيه ولم تمضِ ساعة على سير الباخرة، حتى اعترى جميعَ الركاب دوارٌ من البحر فباتوا ليلتهم في سكون تام، وأغلبهم لم يتناول شيئًا من الطعام إلَّا في ضحى الغد.

وما كنت قبل ذلك أعلم أن بلدة تسير بأهلها على وجه الماء وذلك أن الباخرة على كبرها وكثرة عدد الركاب فيها تشبه بلدة ذات أسواق، ومحال عمومية، وقهاوي يختلف إليها الناس عند الفراغ من أشغالهم؛ حيث يوجد في الباخرة محل متسع، فيه جميع أنواع البقالة، فهو حانوت من جهة، ومحل عمومي من جهةٍ أخرى؛ لأنك تجد فيه طاولات وكراسي يجلس عليها المسافرون ويمضون أوقاتهم في لعب النرد والشطرنج والضومينو وما أشبه ذلك، ويشربون في هذا المحل قهوة أو شايًا أو مشروبات روحية.

وكنت كلما ضجرت من الوحدة أتوجه إلى هذا المحل، وبتردُّدي عليه عرفت أحد السوريين وكانت وجهته الجزائر، لطلب الرزق في تلك البلد؛ حيث ضاقت في وجهه طرق الكسب في الشام معلِّلًا هذا بظلم الحكام، وقسوة الأحكام.

ولكن عرفت أنه ممن يذمون سياسة الدولة العلية تقليدًا؛ لأني سألته عن وجه ظلامته فلم يهتد إلى الصواب المقنع، هذا فضلًا عن جهله التام بحالة بلاده السياسية والاقتصادية فظهر لي أنه ليس من أهل الطبقة التي من شأنها أن تحيط علمًا بمثل هذه الأوضاع، وكنتُ أحادِثُه في غير هذا الباب اضطرارًا إلى الأنيس والسمير، وفي اليوم الثالث بعد خروجي من الإسكندرية وصلتْ الباخرة بنا إلى حدود إيطاليا وألقت المراسي في ميناء مسينا.

(٥) مدينة مسينا

هي من مدن إيطاليا في البحر الأبيض المتوسط وواقعة على مدخل بوغاز مسينا من الشرق، وهي ميناء حربية وتجارية في الحالتين ذات أهمية، كما أنها من أشهر مدن مقاطعة جزيرة صقلية، وهذه المدينة بنيت على نشاز من الأرض أو هضبة مرتفعة فترى منازلها كدرجات السلم بعضها فوق بعض وشوارعها ذات انحدار واحد يدأب، ولكنها في الجملة منظمة الشوارع مفروشة بالأسفلت خالية من الأتربة وعلى جانبها المنازل، والفنادق، والعمارات الضخمة البناء، وأسواقها حافلة بأنواع البضائع الغربية، كما أن الفواكه فيها كثيرة جدًّا مما يدل على أن هذه المدينة كثيرة البساتين، وبهذه المدينة قلعة بُنيَت في البحر بحيث تمر السفن الذاهبة إلى المرفأ بينها وبين المدينة وتُسمَّى قلعة سنتبوري، وليس إتقان بنائها بأضمن لصيانتها وصيانة المدينة من نفس الموضع الذي بُنيَت فيه على هذا الشكل.

وفي مسينا كلية كبرى تخرَّج منها كثير من العلماء في كلِّ الفنون التي تُدرس في الكليات، أُسِّست سنة ١٥٤٩ ميلادية؛ أي منذ ثلاثة قرون ونصف، وفيها كتبخانة جمعت الألوف من الكتب التي لا توجد في أغلب كتبخانات أوروبا، وقد حدَّثني كثيرون بهذا ممن زاروا هذه الكتبخانة وشاهدوا ما فيها من الآثار العلمية، وفيها نحو الثمانين كنيسة من الكنائس الكبرى المشيدة البنيان المزدانة بأجمل النقوش، وأحسن الرسوم، وأكبرها الكنيسة التي بناها الملك روجل.

وأكثر الصنائع انتشارًا في هذه المدينة النسج والدباغة؛ إذ بها كثير من معامل نسج الحرير ودبغ الجلود مع جودة الصنعة، وهي قد أُسِّست في القرن العاشر قبل الميلاد وقد جاء في التاريخ أن أوَّل من استعمرها اليونانيون سنة ٧٣٥ قبل الميلاد، وقد تقلبت هذه المدينة في أحوال وأطوار شتى، حتى حصلت الثورة الداخلية التي أخمدها القائد الطلياني المشهور غاليباردي ثم أُلحقَت بأملاك إيطاليا ولم تزل كذلك إلى الآن، ثم أقلعت الباخرة من هذه المدينة قاصدة نابلي.

(٦) مدينة نابلي

هذه المدينة هي الرابعة في إيطاليا بعد روما وبرنديزي وفينسيا البندقية من حيث التجارة والمعارف، كما أنها من أهم الموانئ لها في البحر الأبيض المتوسط، وهي تبعد عن مسينا بمقدار ٢٠ ساعة تقريبًا، وكنت قبل أن ترسو الباخرة في الميناء نظرت على بعد أشبه شيء بمنارة المسجد فسررت وقلت: لعل بهذه المدينة مسلمين لهم مسجد وهذه منارته، ولكن حينما نزلت إلى البر علمت أنها فنار البحر على شكل منارة المسجد لتهتدي به البواخر ليلًا إلى الميناء.

ولعلمي بأن الإقامة في نابلي تستغرق عشر ساعات اغتنمت الفرصة للتجول في شوارعها لأشاهد آثار المدنية الغربية فيها، فكنت حيثما مشيت أجد الأنظار شاخصة إليَّ؛ لأن الزي الشرقي المصري في نظر هؤلاء غريب.

•••

وبينما أنا مار في بعض الشوارع وإذا بصوت منادٍ يقول: يا محمد، وكرر ذلك مرارًا، فالتفت فإذا بأحد الطليانيين يشير عليَّ بالوقوف فوقفت وأتى فحياني بتحية المسلمين وصافحني قائلًا: إنك شرقي، ويظهر لي أنك من أهل العلم، فقلت: نعم، فقال لي: إني أستاذ في المدرسة الشرقية وأحب أن تزور المدرسة لترى كيف نعلِّم لغتكم العربية في مدارسنا، فشكرتُه على شعوره وطلبت منه مرافقتي إلى السفينة لألبس ملابس غير التي عليَّ؛ حيث كنت بملابس السفر، فلبَّى طلبي وكنت أحادثه في الطريق فإذا هو يتكلم بالعربية الفصحى بغير لحن وقد أعطاني «كارتًا» باسمه «توليو بزوشي» كما قدَّمت له «كارتًا» أيضًا.

ولما وصلنا إلى المدرسة قدَّمني للرئيس والأساتذة فقابلوني بالحفاوة وبالغوا في الاحتفاء بي وكان حضرة المسيو «توليو بزوشي» خاليًا من حصة الدراسة في هذا الوقت، فطلب مني اختبار التلامذة في اللغة العربية، وتاريخ العرب، وهم خليط من الطليان والفرنسويين وغيرهم، فاختبرتهم في فصولهم كلها، فدُهِشْت لنجابتهم، وذكائهم، وسرعة أجوبتهم، الأمر الذي جعلني أتمنَّى لو يكون اهتمام مدارسنا المصرية بلغتنا العربية كاهتمام الإيطاليين بها.

وكان التلميذ إذا تكلم بالعربية لا يلحن قط؛ لأنه تلقَّى اللغة بحسب القواعد النحوية، فكان يجيد النطق إذا تكلم بجواب عن سؤال، أو قرأ في كتاب.

وغاية الأمر أن الخط العربي هناك مثل خط أهل تونس والجزائر والمغرب الأقصى.

ولم يقتصر القوم على تعليم اللغة العربية فقط، بل إنهم يدرِّسون لهم تفسير القرآن بطريقة عجيبة؛ حيث يحفظ التلميذ السور الصغيرة وبعض الآيات مع فهم المعاني ومعرفة كم من الآيات في السورة مكية، وكم فيها مدنية.

فلينظر المصري العربي إلى هذه العناية العظمى بأمر اللغة العربية والقرآن الشريف من قوم ليسوا من العرب، ولا ممن يدينون بالدين الإسلامي الحنيف وليقارن بينها وبين ما تلاقيه لغتنا في نظارة المعارف من عدم الاهتمام بها، وليتخذ له بذلك عبرة.

وبعد الانتهاء من اختبار التلامذة ودعت بما قُوبلْتُ به من الإكرام الذي دلَّ على حسن تربية القوم، ومما لاحظته في نابلي أن الأحكام فيها على جانب من الشدة والصرامة؛ لأني شاهدت البوليس يسوق اثنين مُكبَّلِين بالحديد ولم يرتكبا إلا جريمة المخالفة.

وقد امتازت مقاطعة نابلي عن باقي مقاطعات إيطاليا بأن أهلها يميلون إلى الراحة والكسل والخمول ولذلك كثرت فيها اللصوصية والسلب والنهب وقطع الطريق على السابلة.

•••

ويظهر أن مياه الشرب فيها في زمن الصيف تضر بصحتهم؛ لأنهم يشربون الماء ممزوجًا بعصير الليمون.

وكان بودي أن أمكث بضعة أيام في نابلي لأشاهد ما فيها من الآثار، وأطلع على أخلاق وعوائد القوم أكثر مما عرفته في هذه المدة الوجيزة.

•••

وقد شاهدت البركان المعروف ببركان «ويزوف» وهو يتثاءب دخانًا، وقد قيل لي إن هذه حالته دائمًا ودخانه أشبه بدخان وابور الطحين.

ومن العجيب أنه فوق قمة الجبل المشرف على المدينة وهي في السفح قريبة منه ولا يبعدون عنه خوفًا من الخطر القتال، مع أن حوادث هذا البركان كانت تقضي على أهل نابلي بأن يبتعدوا بمساكنهم على مسافة بعيدة، حتى يسلموا من مرمى مقذوفاته التي أزهقت كثيرًا من الأرواح، ودمَّرت آلافًا من المساكن في المدة القريبة.

•••

أعاد إلى ذاكرتي وجودي في نابلي حادثتين تاريخيتين رأيت أن أذكرهما على سبيل الاستطراد؛ أولاهما تتعلق بساكن الجنان إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، وثانيتهما تتعلق بالمرحوم أحمد باشا المنشاوي، وإني لا أقول شيئًا عن الأولى؛ لأن أمرها معلوم، وأما الثانية فهي أن المرحوم أحمد باشا المنشاوي لمَّا كان في دار السعادة عقب الثورة العرابية، ووشى به الواشون بأنه هاجر من مصر إلى الشام فدار السعادة لأجل دسِّ الدسائس وإغراء أمراء العرب وغيرهم على مبايعة إسماعيل باشا بالخلافة، وكثر مراقبوه، والجواسيس لم تفارقه أينما وُجِد. ملَّ الإقامة في الأستانة وأراد أن يهاجر إلى أوروبا فحسن إليه السفير الفرنسوي أن يذهب إلى تونس، وأكَّد له أنه إذا ذهب إليها وأقام بها يجد من راحة البال والإكرام ما لا يجده في غيرها من بلاد أوروبا، فقبل المنشاوي باشا وعقد العزيمة على المهاجرة إلى تونس، ولكنه رأى أن يعرج في طريقه على نابلي؛ حيث بها إقامة المرحوم إسماعيل باشا لمقابلته وعرض ما أشار به السفير عليه.

فلما أراد السفر من دار السعادة أعطاه السفير خطاب توصية إلى معتمد فرنسا في تونس، كما أخبره بأنه بعث بخطاب آخر إلى المعتمد للاحتفال به عند وصوله.

غادر المنشاوي باشا دار السعادة وعرج على نابلي وقابل إسماعيل باشا وعرض عليه ما أشار به السفير فنصح له بالابتعاد عن كلِّ الأمور السياسية التي تضر بصالح الوطن ووصَّاه بوصايا أخرى نافعة.

ويقال إن المنشاوي أطلع إسماعيل باشا على خطاب السفير فقرأه مترجمًا بالعربية، وقد وصف السفير المنشاوي باشا بالشيخ فاستغرب ذلك، وسأل الخديوي عن هذا الوصف فقال له: إن لفظ الشيخ عند الأوروبيين يدل على التبجيل والتعظيم.

وبينما المنشاوي جالس في أحد المحال العمومية إذا برجل طلياني كان تاجرًا في الإسكندرية قبل الثورة مرَّ به وعرفه فسلَّم عليه وجلسا معًا يتحادثان، وقد سأل الرجل المنشاوي باشا عن محلِّ إقامته فوصفه له وطلب منه أن يوالي زيارته ما دام مقيمًا في نابلي، ولما افترقا توجَّه هذا الرجل إلى الجمعيات الخيرية، وقال لرؤسائها: كيف يوجد بين ظهرانينا ذلك الرجل الذي حمى المسيحيين يوم مذبحة طنطا وتلطَّخت ثيابه بدماء القتلى منهم الذين كان يحملهم من الشوارع وهم جثث هامدة، وآوى الألوف منهم في منزله بالقرشية، وسفَّرهم إلى بلادهم على نفقته، ولم تعلموا بوجوده هنا ولم تحتفلوا به وتجروا له المظاهرات الودية؟! فاجتمع أعضاء هذه الجمعيات وقرروا فيما بينهم إجراء مظاهرة الإجلال والتعظيم للمنشاوي باشا.

ففي اليوم الثاني استيقظ المنشاوي من منامه فوجد المِئات من أعضاء هذه الجمعيات أمام منزله، فنزل ورحَّب بهم فدعوه إلى مأدبة أدبوها لأجله واعتذروا له عن عدم معرفتهم بوجوده في نابلي فلبَّى الدعوة.

وفي ثاني يوم أتى إليه رؤساء وأعضاء هذه الجمعيات وكثير غيرهم من أكابر القوم هناك ومعهم الموسيقى، وعملوا له موكبًا حافلًا كان يومه مشهودًا؛ حيث غصَّت الشوارع بالمتفرِّجين، والموكب يسير والمنشاوي في مقدمة الجميع وحوله الرؤساء، والأعضاء وأمامهم الموسيقى حتى وصلوا إلى محل الاحتفال وهناك تُلِيَت الخطب الرنانة في مدح المنشاوي، وتعداد مآثره على المسيحيين والأوروبيين منهم خصوصًا وفي وصف المذبحة التي حدثت في طنطا، وكان المنشاوي باشا واقفًا على منبر وبين كلِّ خطبة وأخرى يُقلَّد نيشانًا فاخرًا وهو يذرف الدموع من تأثير الحالة ويقول: إن هذا الاحتفال هو لأجل عمل عملته في مصر عدَّتْه حكومة بلادي من ذنوبي، ثم تناولوا الطعام بعد الخطب وأقام المنشاوي مُعظَّمًا محترمًا حتى سافر إلى تونس ولا داعي لذكر ما قوبل به سعادته في تونس؛ لأن الوقت غير مناسب.

هذا، والملخص مما تقدم أن نابلي بلغت في الحضارة والمدنية مبلغًا عظيمًا وإن لم يوجد فيها سوى «فيلانا سيونا له»، هذا المنتزه الجميل لكَفَى؛ لأن هواه جيد للغاية خصوصًا أن موقعه بجانب البحر.

وأهم شوارع هذه المدينة شارع «توليدو» أو شارع رومية وطوله بلغ ميلًا ونصفًا، ويمتد من البحر إلى الشوارع العالية، وتتفرع منه شوارع كثيرة أهمها الشارع الممتد إلى ميدان «كافور»، ثم إذا أردت أن أصف نابلي وما اشتملت عليه من المناظر الجميلة لاحتجنا إلى زمن طويل ولكن في هذا القدر كفاية، ثم قامت الباخرة من نابلي قاصدة بالرما.

(٧) مدينة بالرما

إن لهذه المدينة ذكرًا في التاريخ خصوصًا فيما يتعلق بالفتوحات الإسلامية؛ ولذلك رأيت أن أبدأ الكلام عنها بلمحة تاريخية زيادة في الفائدة.

•••

كانت هذه المدينة أقدم مستعمرة للفينيقيين في صقلية، وأهم مراكز قواتهم الحربية، وقد سمَّاها اليونان «باورموش»، والذي أكسبها هذه الأهمية جودة موقعها الطبيعي وحسن مرفئها، واستمرت في حوزة الفينيقيين إلى سنة ٤٨٠ قبل المسيح ثم استولى عليها القرطاجيون وبقيت في حوزتهم إلى أن غلبهم عليها «بيزوش» ملك البيرة سنة ٢٧٦ق.م ولكن استرجعها الفينيقيون ثانيةً، واستولى عليها الرومان في الحرب البونيفية الأولى سنة ٢٥٤ق.م وطردوا الفينيقيين منها فكانت مستعمرة رومانية مدة الإمبراطورية كلها، وبعد ذلك دخلت في حوزة القوط ثم انتزعها منهم أحد القواد البيزنطيين.

وفي سنة ٨٣٥ للميلاد فتحها المسلمون وجعلوها قاعدة الجزيرة، قال ابن الأثير في تاريخه ما معناه: وسار المسلمون إلى مدينة بالرما فحصروها وضيقوا على من بها فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله وعياله فأُجِيب إلى ذلك، وسار في البحر إلى بلاد الروم ودخل المسلمون البلد في رجب سنة ٢١٦ﻫ، فلم يروا فيه إلَّا أقل من ثلاثة آلاف إنسان وكان فيه لما حصروه سبعون ألفًا ماتوا ولم يبقَ إلَّا هذا القدر النزْر منهم.

واستمرت بالرما هي الجزيرة في حوزة المسلمين إلى أن أخرجهم منها ملوك النورمنديين، وأنشئوا في القرن العاشر مملكة صقلية وأقام الشريف الإدريسي ببالرما وألَّف جغرافية واصطنع الكرة الفضية في بلاط الملك روجر الصقلي الثاني، أما بلاط الملوك النورمنديين فلبث في بالرما إلى أن ضُمَّت صقلية إلى مملكة نابلي، وحدث فيها زلازل شديدة أضرت بها كثيرًا، وفي أثناء الثورة التي حدثت سنة ١٨٤٨ أطلق عليها عساكر المملكة المدافع، وفي ١٣ مارس سنة ١٨٦٠ دخل غاليباردي صقلية وفي ٢٦ منه فتح بالرما بعد قتال عنيف في أسواقها، ثم حصل الاتفاق على الجلاء عنها فخرجت منها العساكر النابلية في ٦ جونيو وجعلت مركزًا للحكومة المؤقتة، وفي سبتمبر سنة ١٨٦٦ حدثت فيها ثورة وكان سببها إبطال الرهبنات، ولكن العساكر المليكة أخمدت نارها بعد ملاحم شديدة.

وهذه المدينة تبعد عن نابلي بمقدار خمس عشرة ساعة وهي أكبر ميناء في الشمال الغربي من جزيرة صقلية، وكان الوصول إليها نهارًا، فرأيت أن أنزل من الباخرة للتجول فيها، فنزلت وأخذت أسير في شوارعها الواسعة المنظمة وشاهدت بها من العمارات والآثار القديمة عدا آثار المدنية ما يأتي:

شاهدت فيها ساحة كبرى فُرشَت بالبلاط ومحاطة بالأشجار وهذه الساحة تُسمَّى «أبرتوريا» فراقني منظرها الجميل البديع، ثم ساحة «مربنا» وهي لا تقل عن تلك في الرونق وبهاء المنظر، وأعظم من تلك وهذه ساحة «فتوريا» من حيث الاتساع وإتقان التنظيم وهي في منتهى شارعٍ يُدعَى شارع «فتوريا إيمانيل» والذي زادها رونقًا وجعلها من الأهمية بمكان وجود القصر الملوكي فيها، وهذا القصر مُعَد لإقامة الإمبراطور حين مجيئه إلى بالرما.

وبها أيضًا حديقة كبرى في وسطها، تفنَّن القوم في أساليب تنميقها، حتى صارت تُعَد من أعظم المنتزهات زخرفًا وبهاءً، وبها حدائق أخرى بديعة الشكل تسر النفس وتقر بها العين.

وشاهدت بها من الآثار القديمة القصر الملوكي الذي بناه النورمنديون وأجادوا صنعه وهو مُحاط بالأشجار وعليه سيما الوقار على ما مرَّ عليه من السنين والأعصار.

أما الكنائس القديمة والأديرة فكثيرة؛ حيث يبلغ عدد الكنائس نحو ٢٥٠ والأديرة ٧٠، وأهم هذه الكنائس الكنيسة الكبرى وهي في أهم أحياء المدينة وحولها سياج مما نسمِّيه اليوم «درابزين» وقد نُصِبت فوق هذا السياج تماثيل القديسين، ومن أشهر هذه الكنائس الكنيسة التي بناها «روجل» الأول ولا تقل في جودة البناء والضخامة عن الكنيسة الكبرى وبها نقوش ذهبية غريبة في بابها تدل على مهارة صانعيها وتفنُّنهم في أساليب الزخرفة في البناء، ثم كنيسة «لاسنتارزالي» التي بناها «كوريون» الثاني على نمط الفونتية، وقد زِيد في بنائها في القرن الخامس عشر للميلاد وقد وسعوا بابها وبالغوا في زخرفته مبالغةً عظمى، ثم كنيسة القديس «سنت جيوفني» وهي كبيرة وقد جدَّد بها الرومانيون قبابًا خمسًا عجيبة الوضع، جميلة الشكل، ويوجد كنائس أخرى على هذا المنوال من ضخامة البناء وغرابة الصنع مثل كنيسة «مورتورانو».

وكان لبالرما ميناء ذات أهمية في سالف العصر، ولكنها أُهمِلت وصارت خاصة بالمراكب الصغيرة والزوارق يبتدئ منها شارع «فتوريا إيمانيل»، وأُحدِثت بجانبها الميناء الجديدة وهي كائنة في شمالها على سفح جبل «بلجرونة» ويوجد في هذه المدينة رصدخانة كبرى تسمى «سنطاننفا».

وبالجملة فإن بالرما مدينة آهلة عامرة بالمتاجر وكل أنواع المدنية، وهي من أشهر المدن في إيطاليا ثم أقلعتِ الباخرة قاصدةً مدينة «طراباني».

(٨) مدينة طراباني

وصلنا هذه المدينة بعد سبع ساعات وهي إحدى موانئ جزيرة صقلية الغربية، ولم تمكث الباخرة بها سوى ثلاث ساعات؛ فلذلك لم أتمكن من النزول إليها ومشاهدتها ولكنها ذات مناظر جميلة، وحدائق غناء على صغرها، وهي آخر ميناء مررنا بها في طريقنا من موانئ إيطاليا، وهنا يجدر بي أن أقول كلمة عن جمال الطليان الطبيعي والمصطنع؛ إذ لا بأس من ذلك شأن السائح الذي يصف كلَّ ما يراه عرضًا كان أو جوهرًا في سياحته؛ إذ كان القصد علم المرء ما لم يكن يعلم من أحوال الأمم الأخرى في كل الشئون والأحوال، وعليه أقول:

يقول الشاعر العربي في وصف جمال العرب:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلات ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ومن هوى كل من ليست مموهة
تركت لون مشيبي غير مخضوب

هذا الشاعر يمدح جمال قومه الطبيعي غير المجلوب بالصنع فما بالك إذا أُضِيف إلى الجمال الطبيعي الجمال المجلوب، لا شك في أن يكون الجمال بهذه الصفة أدعى للصبوة وأجذب للقلوب كذلك تفعل أمة الطليان؛ لأن الجمال فيها كما هو في العرب طبيعي، ولكنها تزيده بالتنميقات الأخرى في تصفيف الشعر، وحسن الأزياء، والتفنن في الخلاعة، حتى إنك ترى الفتاة الطليانية تمشي كأنها الغصن يرنِّحه النسيم أو السكران لعبت بمشيته الشمول، إذا رنَّت بمقلتها سلبت العقول، ونهبت الأرواح، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أستعير كلَّ وصف للجمال، ونطق به الشعراء قديمًا وحديثًا فأصف به جمال الجنس اللطيف الطلياني، وإن كان في أمم العرب من يشاركها في هذا الوصف فتكون أمة الفرنسيس والإسبان، والأخرى أقرب؛ لأنها جمعت بين الجمال الإفرنجي والحسن العربي فما ألطفهما إذا اجتمعا!

•••

ثم أقلعت الباخرة من طراباني قاصدةً تونس مباشرةً وهي تبعد عنها بمقدار خمس عشرة ساعة تقريبًا.

ولما وصلت إلى تونس كان في انتظاري أحد الإخوان الذي خاطبته بحضوري، وقد اخترت أن أنزل في أحد الفنادق رغم دعوة الكثيرين من أفاضل التونسيين للنزول في ضيافتهم مع ما هم عليه من كرم الأخلاق، وحسن وفادة الضيف، وقبل أن أقول كلمة في ذكر ما شاهدته في أثناء وجودي بهذه المدينة أذكر شيئًا مختصرًا عن تاريخها لما في ذلك من الفائدة فأقول:

(٩) فذلكة عن تاريخ تونس

نريد الآن أن نذكر ملخص ما قاله أفاضل المؤرخين وعظماؤهم عن هذه المملكة العتيقة كي يكون القارئ الكريم على علم تام من تقلبات الزمن وطوارق الحَدَثان.

•••

يؤخذ من التاريخ أن أصل سكان أفريقية التي يُطلَق عليها الآن اسم المغرب الأقصى في العرف العامي من البربر، وقد اختُلف في أصل البربر، فقيل إنهم من «الكنعانيين» الذين قدموا إلى تلك الأصقاع من جنوب الشام وقيل غير هذا.

ولما فتح المسلمون أفريقية وصارت للعرب دولة في الأندلس واختلطوا بأهل المغرب. زعم هؤلاء أنهم من الحميريين الذين كانت لهم سلطة ودولة امتد سلطانها إلى أفريقيا وهي دولة التبابعة، ولكن لم تنتظم لهم دولة؛ لأنهم كانوا قبائل متفرقة بينها تنافس دائم متواصل ولذلك حلَّ بهم الضعف فكانوا طعمةً لغيرهم من الدول وساعد على ضعفهم كون بلادهم ومواطنهم على سواحل البحر الأبيض المتوسط، ومما عُرِف من أسماء قبائل البربر وذكر في التواريخ الرومانية قبيلة «موري» وبلاد أهل هذه القبيلة كانت تُسمَّى «موريطانيا» ومن هذا أطلق عامة الأوروبيين لفظ «مورو» على كلِّ مسلم من سكان شمال أفريقية كما كانوا يُسمَّون برابرة المغرب الأوسط؛ أي ولايتي الجزائر وقسطنطينية «نوميدي» ويسمون بلادهم «توميديا»، وبعض برابرة الصحراء كانوا يُسمَّون في عهد الرومان «ليفاتا».

ولما حكم ملوك الرعاة مصر امتدَّ نفوذهم إلى أفريقية وذلك قبل المسيح بألف وسبعمائة عام ولكن لم يؤسسوا بها دولة؛ ولذلك لم يكن لهم في أفريقية ذِكْر يحفل بتدوينه المؤرخون. وملوك الرعاة هم من العرب الذين حاربوا الفراعنة وتغلبوا عليهم وأحدثوا دولة دامت بمصر أربعمائة عام، وفي عهد آخر ملك منهم حصلت قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

•••

ثم أعقبهم في أفريقية الفينيقيون الذين لهم ذكر مشهور في التاريخ وامتد نفوذهم على سواحل البحر الأبيض المتوسط، وبعض الجزر ككريد وغيرها، وعلى شمال أفريقية كانت لهم مستعمرات كثيرة.

ومن المدن التي كانت لهم فيها متاجر واسعة، مدينة سوسة، وتونس، وبنزرت، وأوتيكة إلى أن أسَّسوا مدينة قرطاجنة.

وقد زعم بعض المؤرخين أن المؤسِّس لها أميرة فينيقية اسمها «عليسار» وقيل «ديدون» جاءت إلى الشام بعد أن حصل بينها وبين أخيها نزاع أدَّى إلى مهاجرتها إلى أفريقية، فاشترت أرضًا واسعة من البربر، وانضمَّ إليها قوم من الفينيقيين فأسَّست لها مملكة هناك، ولها حديث طويل لا حاجة بنا إلى ذكره هنا.

ولما دخل الرومانيون أفريقية سموا مدينة قرطاجنة «كارتافو» وفي بعض التواريخ أن تأسيس قرطاجنة كان سنة ٨٨٠ قبل المسيح؛ أي قبل الهجرة بنحو ألف وخمسمائة عام.

ولعظم موقع قرطاجنة التجاري تناول حكم الرومان بقية المراكز الأخرى التي في أيدي الفينيقيين، ويُؤخَذ من هذا أن للتجارة دخلًا في الاستعمار.

والدليل على هذا أن الإنكليز لم يستولوا على الهند إلَّا بعد أن وطَّدوا مصالح تجارية عظمى في هذه المملكة الواسعة.

وكانت حكومة قرطاجنة في عهد الفينيقيين جمهورية يرأسها أميران يجدد انتخابهما مستويًا. أحدهما من آل «عنون» والثاني من آل «برقة» ولكلٍّ منهما أحزاب متنافسة، وهذا التنافس كان أحد عوامل الإفساد وأسباب ضعف سلطة الفينيقيين.

وهناك داعٍ آخر على هذا الضعف، وهو أن حكومة قرطاجنة في عهدهم كان همُّها منحصرًا في التقدُّم المادي مع إهمال أمرين خطيرين كانا سببًا في سقوط هذه الحكومة وحلول حكومة الرومان محلَّها؛ أحدهما: عدم اتخاذ جندٍ من الوطنيين البربر، وثانيهما: كثرة المظالم والاستبداد الذي كانت تعاملهم به حتى إنهم (أي البربر) كانوا عونًا للرومانيين في الاستيلاء على قرطاجنة.

وكان القرطاجنيون يعبدون أوثانًا تمثِّل أشهر آلهة الفينيقيين، ومن هذه الأوثان «بعل، وعامون، وملك الأرض»، وكانوا يبالغون في تقديم النذور لهذه الأوثان، حتى إنهم كانوا يذبحون أولادهم قربانًا لها.

وكان القرطاجنيون على جانب عظيم من الترف وأسباب المدينة ولكن لم يعثر أحد على شيء من الآثار مما يدل على مقدار ما وصلوا إليه من المدنية سوى كتابٍ في فن الزراعة عثر عليه الرومان بعد خرابها الأول، ومؤلفه يُدعَى «ماغون» وقد تُرجِم إلى اللغة اللاتينية.

ولما استولى الرومانيون على قرطاجنة قبل الميلاد أحرقوها ثم أعادوا بناءها فلبثت إلى أن جاء الفتح الإسلامي فأمر حسان بن النعمان بإحراقها، ولم يحفل العرب بما تحت الردم من الآثار فبقيت هذه مدفونة إلى أن احتلت فرنسا تونس فألفت شركة فرنسوية اشترت أراضي من الفلاحين بالثمن الزهيد وأخرجت من الآثار شيئًا ثمينًا من حلي وأوانٍ واكتشفت محال كثيرة كمراسح، وكنائس، وهياكل، وغير هذه «ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».

وفي القرن السادس قبل الميلاد كان اليونانيون مزاحمين للفينيقيين في التجارة والاستعمار، ولما ارتبك اليونانيون في حروبهم مع الفرس اغتنم القرطاجنيون الفرصة واستولوا على الجهة الغربية من جزيرة صقلية، فحاربهم أحد القواد اليونانيين وردَّهم على أعقابهم وذلك سنة ٤٨٠ قبل المسيح، ودامت الحروب بين اليونان والقرطاجنيين أربعين سنة انتهت بصلحٍ دام إلى أواخر القرن الرابع قبل المسيح.

ثم توالت السنين والحقب ودخلت قرطاجنة في أدوارٍ شتَّى، حتَّى إذا جاء القرن الثاني بعد المسيح اندمج أهل أفريقية الأصليون، ونعني بهم البربر مع الرومانيين فتعلموا لغتهم واختلطوا بهم اختلاطًا حتى آل الأمر إلى تولية أحد كبار البربر إمبراطورًا على قرطاجنة وهو الإمبراطور «سواريوس» الذي اختاره الجند إمبراطورًا عليهم وذلك في أواخر القرن الثاني بعد المسيح.

وما زال مجد الرومان ينمو ويسمو حتى أدخلوا ضمن أملاكهم مصر، والشام، وبلاد الأناضول، والأفلاق، والبغدان التي تُسمَّى رومانيا الآن؛ لأن أهل هاتين الولايتين زعموا أنهم من العنصر الروماني، وأنهم نسل أولئك الأبطال الفاتحين.

ومن قواد الرومان المشهورين «قارون» الذي له بحيرة باسمه في مديرية الفيوم تبع القطر المصري، ولما أدرك الهرم دولة الرومان وأخذت تتدهور في مهاوي السقوط أتاح الله لها قبيلة جرمانية اسمها «الوندال» سلبت من يدها السلطة شيئًا فشيئًا حتى أصبحت هي صاحبة البلاد.

وذلك أن قبائل الجرمان تقاطرت من مواطنها ودخلت في مملكة الرومان وذلك في أوائل القرن الثالث بعد المسيح واختلطوا بالرومان، كما اختلط الأعاجم والترك بالعرب في أواخر دولة العباسيين فاتخذ الرومانيون منهم الجند وقلَّدوهم الوظائف السياسية فأخذت سلطتهم تزيد ونفوذهم يكبر، حتى صاروا أصحاب النهي والأمر، وأما السلطة الرومانية فكانت في ضعفٍ متوالٍ متتابع ومن هذه القبائل قبيلة «الوندال» المذكورة التي حلَّت بجنوب فرنسا وإسبانيا، وفتحت بلادًا كثيرة ثم أسست لها مملكة بإسبانيا نسبت إليها من ذلك العهد فصارت تُعرَف «بأندلوسيا» (الأندلس)؛ أي بلاد الوندال.

وكان بعض أمراء الدولة الرومانية قد شقَّ عصا الطاعة واستدعى الوندال ليعضدوه على الرومانيين، وذلك في عهد أحد ملوك «الوندال» المُسمَّى «جنصريق» فوقعت عدة حروب بينه وبين الرومانيين تخللها صلح، ثم عادت الحروب مرة ثانية فزحف جنصريق على قرطاجنة بجيوشه فدخلها عنوة وذلك سنة ٤٣٩ بعد المسيح، وبذلك سقطت دولة الرومان في قرطاجنة وحلت محلها دولة «الوندال» فسبحان مقلِّب الأحوال يتصرف في ملكه كيف يشاء.

يُعلَم مما مر أن أفريقية كانت أولًا للبربر وكانوا قبائل وشعوبًا، ثم لدولة قرطاجنة الفينيقية، ثم دخلت ضمن مستعمرات الرومان ثم دخلت في ملك «الوندال» وصارت مملكة وراثية.

أما حكم «الوندال» فإنه دام من سنة ٤٢٩ بعد المسيح إلى سنة ٥٣٢، وفي غضون هذه المدة زحف الونداليون بجيوشهم حتى دخلوا روما واستباحوها أربعة عشر يومًا، وذلك من عبر التاريخ؛ لأن الرومانيين خرَّبوا قرطاجنة سنة ١٦٤ قبل المسيح، فجاءت جنود «الوندال» بعد ستمائة عام وأخذت بالثأر.

وبما أنه كانت للرومان مملكة أخرى شرقية لم يكن لهذه الدولة شأن في كلِّ ما وقع للدولة الرومانية الغربية بشأن أفريقية إلَّا في عهد الإمبراطور «يوستنيانوس» إذ في عهد هذا الإمبراطور أخذت دولة الوندال في الضعف فطمحت نفس الإمبراطور إلى الاستيلاء على قرطاجنة، وإعادة حكم الرومانيين، فتمَّ له ذلك بعد حروب كثيرة وكان آخر عهد حكم دولة «الوندال» الأفريقية سنة ٥٣٣ بعد المسيح.

وكان العرب يسمون الرومانيين أهل المملكة الشرقية بالروم، فلما جاء الفتح الإسلامي أخذ العرب كلَّ ما في أيدي الروم من بلاد الشام ومصر إلَّا القسطنطينية فلم تُؤخَذ إلَّا في عهد السلطان محمد الفاتح سنة ١٤٥٢ بعد المسيح.

ولما توالت السنين كان العنصر العربي في أفريقية هو الحالُّ محلَّ الفينيقيين، والرومان، والوندال، ولم يزل إلى الآن إلَّا إسبانيا فإنها بعد أن مكثت نحو الأربع قرون في يد العرب عادت إلى حكم الإفرنج ولم تزل إلى الآن.

وكأن التاريخ أعاد الكرة على قرطاجنة التي لا أثر لها اليوم إلَّا مدينة تونس التي قامت على أنقاضها، فدخلت دولة فرنسا في هذه البلاد ووضعت حمايتها على مملكة تونس ولله في خلقه شئون.

وقد عقدنا فصلًا خاصًّا في هذه الرحلة بسياسة فرنسا في تونس سيأتي في محله.

(١٠) وصف تونس بالإجمال

يرى القادم إلى تونس من جهة البحر مناظر القصور والحدائق الغناء مما يحبس على العين لَفَتاتها، فإذا جال في المدينة وجد الطرقات مُنظَّمة قد فُرِشَت بالبلاط والأشجار تتخللها لا سيما في شارع باب البحر فترطب الهواء.

وقد اعتنى المجلس البلدي اعتناءً تامًّا بأمر النظافة فيها من حيث الكنس والرش فلا تكاد تمر في شارع من شوارع هذه المدينة، إلَّا وترى ما يسرُّ الناظر من تنظيم الطرقات ونظافتها.

ويوجد بتونس خطوط الترام وهي أشبه بخطوط ترام الإسكندرية أُنشِئَت فيها من نحو السنتين تقريبًا وأكثر شوارع هذه المدينة من حيث العمران ومظاهر المدينة وحركة التجارة؛ شارع باب البحر، وهذا الشارع يسكنه الأوروبيون وبه محال تجاراتهم، وفنادقهم، وقهاويهم، ثم شارع باب الوزير، فالباب الجديد، فشارع باب منارة فنهج باب قرطاجنة فالحلفاويين.

ويوجد كثير من الشوارع خلاف ما ذُكر قد أخذت قسطها من مظاهر المدينة؛ إذ بها أسواق التجارة الوطنية كالغورية والحمزاوي في مصر وما أشبه ذلك.

وبالجملة فإن حاضرة تونس تُعَد في مقدمة مدن المغرب حضارة ومدنية.

(١١) أخلاق أهل تونس والدين فيها

أما أخلاق أهل تونس فهي في مجموعها حسنة؛ لأنهم يكرمون الغريب الوافد إليهم، وهذا ينفي ما هو شائع لدى العامة من بُخْل أهل المغرب، وقد يجوز وجود البخل في بعض بلاد المغرب الأقصى ولكن غير أهل تونس.

أما ما يوجد في أخلاقهم من الحدَّة فمرجعه إلى الصلاح والتقوى؛ لأن المعروف في أهل الفضل والتقى والدين. التسرع في الغيظ إذا رأوا أمرًا مخالفًا لآداب الدين.

وهم سواسية في الوداعة، وكرم الأخلاق، وعدم الميل إلى الملاذ والملاهي، بخلاف غيرهم من أهل البلاد الإسلامية الذين اختلطوا بالأوروبيين وقلدوهم في مظاهر المدنية الغربية؛ وذلك لأنهم متمسكون بأوامر الدين ونواهيه فلا يتظاهرون بالفجور والفسق ولا ينتهكون حرمات الدين.

•••

أما نساؤهم المسلمات فإنهن على جانب عظيم من العفة والصون، حتى إن إحداهن من السوقة تمر في الطريق، فلا يرى الناظر إليها عضوًا من أعضائها مكشوفًا، حتى إنهن لم يتخذْنَ نقابًا كما تفعل النساء المصريات، بل نقابهن منديل أسود يوضع على الوجه فيغطيه بأجمعه، وفيه ثقوب صغيرة بها يُتمكَّن من مشاهدة الطريق.

•••

أما النساء اليهوديات فإنهن بخلاف ذلك؛ إذ يمشين في الطرقات مكشوفات الرأس بلا خمار سوى منديل رقيق تعصب به الرأس وملابسهن عبارة عن سروال «الباس» يصل إلى العقب، وقميص قصير، وسدرية، ووشاح يلقينه على الكتفين بحيث لو نزع هذا الوشاح لكان أشبه شيء بنساء فلاحي مديرية الشرقية والغربية في القطر المصري.

•••

وقد شاهدت القوم هناك في يوم الجمعة فريقًا يصلون الجمعة في الوقت الذي يصلي فيه أهل مصر والبلاد الإسلامية الأخرى.

وفريقًا يصلون قبل العصر بنحو النصف ساعة، وهذا وإن كان جائزًا شرعًا ولكن كان الأوفق أن يجتمع المسلمون في وقت واحد لأداء فريضة الجمعة لما في ذلك من معنى الاتحاد وعدم التفرُّق.

أما الخطب الدينية في مساجد تونس فهي لا تخرج عن الخطب في بعض مساجد مصر؛ إذ كلها مما هو مذكور في دواوين الخطب ومسموع في كلِّ جمعة، فليت حضرات الخطباء الأفاضل في تونس يُلْقُون الخطب العصرية المُوفَّقة للحالة الحاضرة، والصالح العام، ويقفون على الداء، ويصفون الدواء، كما كان يفعل السلف الصالح من تذكير المسلمين بالمفاسد في كلِّ زمن وكلِّ مكان.

وليس للمساجد هناك مآذن كما في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، بل يوجد بجوار المسجد مكان مدور البناء يُصعَد إليه بدرج وفيه أربع نوافذ وفي كلِّ نافذة إفريز يقف عليه المؤذِّنون في أوقات الصلاة.

ولا يؤذِّن واحد بل جماعة يتراوح عددهم بين الخمسة والستة أشخاص.

ووقت الأذان هناك لا يُعرف بالساعة، بل يوجد بجوار دار الوزارة ساعة رملية تُعرَف بها الأوقات، فإذا عُلِّق في المكان الذي فيه الساعة الرملية علمٌ يكون علامة على حلول الوقت وذلك نهارًا.

أما إذا جاء الليل فإنهم يعلِّقون نبراسًا «فانوسًا» وبعد الأذان يُنزِلون العلم أو النبراس.

(١٢) حالة التعليم في تونس

لا توجد مدرسة إسلامية في تونس ليتلقَّى فيها المسلمون علوم الشرع الشريف إلَّا جامع الزيتونة، وقد كنت أظن أن هذا الجامع كالأزهر في مصر من حيث كثرة الطلاب واتساع المكان، فلما قدمت إلى تونس وزرت هذا الجامع وجدته في اتساعه لا يزيد عن المسجد الحسيني والطلبة فيه قليلون لا يزيدون عن خمسمائة طالب، والمدرسون فيه ستة عشر عالمًا وهم مع قلتهم متفرقون في زوايا المسجد غير منتظمي الهيئة من جهة المطالعة أو الحضور في الدروس، وإن شئت قل هم في التمثيل كطلبة الأزهر أيام خلوِّه من هذا النظام الجديد الذي لم نَعُدَّه، نحن المصريين، وافيًا بالمرام.

وقد يأسف المرء كثيرًا عندما يرى مثل هذا الجامع الذي يُعَد المدرسة الإسلامية الثانية في قارة أفريقية قد وصل إلى هذه الحالة من عدم النظام الدراسي مع قلة الطلبة، والذي عرفتُه أن العلماء هناك يعارضون في كلِّ إصلاح يُراد إدخاله في جامع الزيتونة كتدريس العلوم العمرانية مع أنهم غير محقين في كلِّ معارضة تبدو منهم؛ لأن إدخال مثل العلوم الرياضية لا يؤثِّر شيئًا على العلوم الدينية، بل هذه العلوم هي بمنزلة علوم الوسائل كالبلاغة، والنحو، والصرف، وحكمها الوجوب الكفائي.

ولو تصفحنا التاريخ لرأينا أن الأزهر كان يُدرَّس فيه علوم الطب، والهيئة، والفلسفة، والحساب، والهندسة، والجبر، والجغرافيا، ولم يكن التعليم فيه قاصرًا على العلوم الدينية.

ولرأينا أيضًا أنه في زمن المأمون ذلك الزمن الذي اهتمَّ فيه المسلمون بالعلوم أيما اهتمام، كانت مدينة بغداد حافلة بالعلماء، والأدباء، والشعراء، والفلاسفة وغيرهم ممن تخرجوا من المدرسة التي أنفق عليها أحد الوزراء مائة ألف دينار وحبس لها أعيانًا يربو رِيعُها على الخمسة عشر ألف دينار، وكان التلامذة فيها ستة آلاف تلميذ، فهذا الرقي الذي كان في زمن المأمون لم يكن قاصرًا على العلوم الدينية، بل كان المدرسون في هذه المدرسة من غير المسلمين كابن بختيشوع، وكانوا لا يأنفون من تلقِّي العلوم على غير المسلمين، وفي هذا العصر اجتهد المأمون في ترجمة كثيرٍ من العلوم اليونانية إلى العربية؛ وبذلك تقدَّمت الأمة الإسلامية تقدُّمًا لم يزل التاريخ حافظًا ذكره إلى الآن.

على أن سمو الباي لا يبخل بالنفقات على هذا المعهد الديني ولو زادت على ما هو محبوس عليه من الأوقاف الكثيرة، متى رضي العلماء بدخول الإصلاح فيه.

ولا نرى دليلًا على وجوب الإصلاح سوى الحالة الحاضرة التي أصبح المسلمون فيها في احتياج شديد إلى تعلُّم العلوم العصرية التي هي السبب الوحيد في تقدُّم الأمم الراقية في المدنية ذات الاختراعات العجيبة مما لم يحلم به أهل الزمن السابق.

وإني في هذا المقام أتقدم إلى حضرات العلماء في جامع الزيتونة بالرجاء بصفتي مسلمًا أحب النفع لإخواني المسلمين أن لا يعارضوا في الإصلاح الذي يُراد إدخاله في هذه المدرسة.

وما كنت لأقول ذلك لولا ما رأيته من تأسُّف كثيرين من أهل تونس على التأخير الهائل الموجود في نظام هذا الجامع.

وهذه مدرسة علكرا بالهند أكبر دليل على صدق هذه الدعوى، فإن هذه الكلية تُدرَّس فيها جميع العلوم، وقد بذل الأغنياء كلَّ جهدهم في إنشائها وتنظيم التعليم فيها كما فعل صاحب السمو أمير الأفغان في الكلية التي أنشأها في عاصمة بلاده، وقد ندَّد في خطبته حين وفد إلى الهند وزار كلية علكرا على الذين يقولون إن تعليم العلوم العصرية يؤثر على العلوم الدينية.

وعسى أن يبلغ الرجاء مسامع أهل تونس وعلمائهم ويقع لديهم موقع القبول.

•••

وتوجد بتونس مدرسة أخرى يُقال لها المدرسة الخلدونية التي كان للسيد محمد البشير صفر رئيس جمعية الأوقاف؛ اليد الطولى في تأسيسها وحالة التعليم فيها غير كافية لأنْ يتخرج منها الناشئة الذين يؤدُّون للبلاد الخدمة المطلوبة من ابن الوطن لوطنه.

ويدرس بهذه المدرسة مثل العلوم الرياضية ومبادئ اللغة الفرنسوية وتلامذتها هم من بعض طلبة جامع الزيتونة، ومن ضمن المدرسين فيها حضرة الفاضل البارع السيد محمد البشير صفر الذي يدرِّس فيها علم التاريخ وتقويم البلدان وهذان الدرسان لا يأخذ نقودًا في مقابلة تدريسهما، وهذه خدمة منه لبني وطنه يُشكَر عليها زيادة عن الترقي المادي والأدبي الذي ينتج من أفكاره لهذه المدرسة.

أما الكتاتيب فهي مع قلتها لا تُجْدي نفعًا؛ إذ هي ككتاتيب الأرياف في مصر قبل هذه النهضة التي نهضها المصريون لإصلاح شأن الكتاتيب.

•••

والأهالي كلما عرضوا على الحكومة رغبتهم في إنشاء مدارس دينية تأبى إلَّا أن يتعهد الأهالي بدخول اللغة الفرنسوية ضمن العلوم التي تُدرس في هذه المدارس، وإذا عارضها الأهالي بأن هذه مدارس دينية محضة فلا تُعِير اعتراضهم جانب الالتفات.

وبالجملة فإن حالة التعليم في تونس في تأخُّر هائل، وربما بعد عشر سنوات ننتظر منهم تقدُّمًا باهرًا.

والذي ينظر إلى حالة الأزهر في مصر وإلى جامع الزيتونة في تونس يأسف كلَّ الأسف؛ إذ هما المدرستان الدينيَّتان في قارة أفريقية وليس التعليم فيهما على الطريقة التي بها يستفيد المسلمون منها الفائدة المطلوبة، ولا يسع من يقف على حالة التعليم في تونس إلَّا أن يشكر نظارة المعارف المصرية قليلًا لما تُبْديه من الاهتمام، وإن كانت الشكوى عامة من المصريين بخصوص عدم الاهتمام بشأن اللغة العربية في المدارس الأميرية، ويا حبذا لو اقتدى التونسيُّون بالمصريين في إنشاء الكتاتيب والمدارس على نفقاتهم، فإنهم بذلك يصلون إلى درجة في السعادة غير هذه الدرجة الآن.

(١٣) الصحافة في تونس

كانت الصحافة في تونس قبل أن يتولى السفارة الفرنسوية فيها المسيو بيشون غير مطلقة الحرية على قِلَّة عدد المشتغلين بها فلما جاء إلى تونس منحها الحرية في القول، وذلك يُعَد حسنة من حسنات هذا الرجل الذي له منزلة عظمى في قلوب أهل تونس، وحبَّذا لو كانت سياسة فرنسا في تونس موكولة إلى رجال كالموسيو بيشون في الذكاء، وحسن الأخلاق، وحب خدمة الإنسانية، ولا يظن أحد أني بمدحي سياسة هذا الرجل هو مدح لسياسة فرنسا في هذه الإيالة؛ لأن مدح فرد واحد لا يتناول كلَّ الأفراد المكونة منهم أمة واحدة؛ لأن المعاملة التي يعامل بها هذا الرجل أهل تونس هي من الأمور المختصة بذات الشخص وبعلاقاته الذاتية مع الناس كلِّهم، أما ما توحي به إليه دولته من الخطة التي يتَّبعها في تونس فإنه ينفِّذها بقدر ما يمكنه من ضروب التلطُّف ومراعاة العواطف القومية.

•••

لا توجد جرائد يومية عربية غير جريدة واحدة اسمها «الرشدية» صاحبها حضرة الفاضل السيد حسين عثمان، ولكنها تُطبَع بحروف غير واضحة لا تُقرَأ إلَّا بكلِّ صعوبة، وهذا مما يلبِس على القارئ من أهل تونس المعاني المقصودة، فكيف بمن لا يتعوَّد القراءة في الصحف المسطورة بالخط المغربي من غيرهم؟!

على أننا إذا قسنا تونس بغيرها من البلاد المتمدِّنة لرأينا أنه يجب على أهل تونس أن يُنشِئوا عدة جرائد يومية وفيهم الأغنياء، والكتاب، والعلماء في العلوم العمرانية وغيرها.

وقد اتصل بي بعد مغادرة تونس أنه اجتمع بعض أهل الفضل فيها وأَنْشَئوا جريدة باللغة الفرنسوية لتنظر في مصالح الوطن وتدافع عن حقوقه، ولكن هذه الجريدة أسبوعية وكان الأولى بهم جعلها يومية، وربما تيسر ذلك لهم في المستقبل.

ويوجد غير هذه جرائد أسبوعية أصحابها من الأفاضل، والكتاب كجريدة الزهرة لمديرها حضرة السيد عبد الرحمن الصنادلي الذي كانت له اليد الطولى في إقناع الحكومة بشأن حادثة المسجونين التي سيأتي ذكرها.

وجريدة الصواب لمديرها حضرة الفاضل السيد محمد الجعابي، وجريدة الحاضرة لصاحبها حضرة علي أفندي بشوشة وهي أول جريدة ظهرت في تونس، وجريدة إظهار الحق لمديرها حضرة الفاضل السيد أحمد القبايلي، وجريدة حبيب الأمة لمديرها حضرة الفاضل عبد الرزاق أفندي الذي حاز قسطًا وافرًا من العلوم العمرانية الحديثة، ويوجد غير ما ذُكِر جرائد أسبوعية عربية أُنْشِئت حديثًا، أصحابها هذَّبهم العلم، وأحسن تربيتهم، وأنبتهم نباتًا حسنًا.

ولكن البلاد في حاجة إلى جرائد يومية لتنقل الأخبار الخارجية والتلغرافات وغير ذلك شأن كلِّ أمة أخذت نصيبًا من المدنية.

فلو أن هؤلاء الأفاضل اتحدوا وأنشئوا جريدة يومية لكانوا أدَّوا إلى وطنهم خدمة أجل وأنفع مما هم قائمون به الآن.

والحرية التي للصحافة في تونس تراقبها الحكومة مراقبة شديدة ويمكنها أن تحجب أيَّ جريدة كانت لسبب صغير، كالانتقاد على بعض أعمال الحكومة كما جرى لحضرة صاحب جريدة الزهرة.

وكأنني بمعترض يقول: إذا كانت مراقبة الحكومة للجرائد هذه المراقبة فلا حرية إذن للصحافة في تونس. فجوابي على ذلك نقول: إن من عرف حالة الصحافة قبل مجيء المسيو بيشون وقاسها بالحالة الحاضرة يعدها بمنزلة الحرية؛ إذ كانت الجرائد من قبل أقلَّ منها الآن عددًا، ولم تكن تنقُل غير بعض الأخبار التي لا تفيد الأمة بشيء مطلقًا.

وإني أقترح على حضرة الفاضل صاحب جريدة الرشدية أن يجعل حجم جريدته أكبر منه اليوم، وأن يشترك في تلغرافات روتر وهافاس وأن يطبع الجريدة بحروف واضحة ونظن أن هذا لا يكلفه كبير عناء خصوصًا مع وجود الموسرين هناك الذين يلبُّون دعوته إذا دعاهم إلى تعضيده؛ لأن مثل هذا العمل هو في الحقيقة خدمة لبلادهم وهم يعلمون أن أحسن وجه يُنفَق فيه المال هو هذا الوجه الذي يخلِّد لهم ذكرًا حسنًا على صفحات التاريخ.

(١٤) سياسة فرنسا في تونس

كانت الدول ذات الحول والطول في العصر الأول إذا دخلت بلادًا فاتحة حاملة راية النصر تستعمل القسوة، وأنواع العسف، والفتك بالأرواح، واضطهاد الأمة المغلوبة لتتوطد بذلك سلطاتها، وتثبِّت في النفوس هيبتها كقمبيز الفارسي حين دخوله مصر، وكما فعل بختنصر البابلي في بيت المقدس والفراعنة حين امتداد ملكهم إلى آسيا الكبرى، وكما فعل الحجاج وزياد في العراق ولو أردنا أن نورد الشواهد التاريخية لاتسع بنا المجال واحتجنا إلى الوقت الطويل، ولكن في هذا العصر قد اتخذت الدول سياسةً خِلاف تلك السياسة في البلاد التي تدخلها فاتحة غالبة وهي سياسة حسن المعاملة، والرفق بالأهالي، وجلب مودتهم بأنواع العدل، والمساواة، والإصلاح وغير ذلك من الأشياء التي لا تنفِّر عنها الأمم الخاضعة لها، ولكن دولة فرنسا اتبعت تلك السياسة القديمة في تونس، والجزائر فهي تعامل الأهالي معاملة الإذلال والضغط والمسلمين منهم على وجه أخص، فالوظائف العالية كلها في يد الفرنسويين والأمر والنهي بيدهم، يفعلون كيف يشاءون شأن الحاكم المستبد المطلق التصرف بغير رقيب عليه.

وما يقال من وجود قوانين في الإدارة وغيرها فإنما هو أمر صوري فقط.

•••

وفي هذا المقام يجمل بنا أن نورد المقارنة بين سياسة فرنسا في تونس والجزائر، وبين سياسة إنكلترا في مصر، وبذلك يكون القياس على سياسة فرنسا — كما سنذكره — ولست أريد بإيراد هذه المقارنة مدح سياسة الإنكليز في مصر ولكن أذكرها من باب توضيح أن بعض الشرِّ أهون من بعض.

•••

احتلت إنكلترا مصر بدعوة من الخديوي السابق المغفور له توفيق باشا لتأييد مركز الخديوية فأخمدت نيران الثورة وبمجرد دخولها أخذت في بذر بذور الإصلاح فأصلحت دائرة الري والمالية، ونظَّمت الجيش، وها هي قد بدأت توسِّع دائرة التعليم مع الاعتناء بلغة البلاد الرسمية؛ حيث حضَّت الأهالي على إنشاء الكتاتيب، ومحت آثار الظلم والاستبداد، وألغت السخرة، والعونة، وجعلت الموظفين سائرين على دستور يوقف كلًّا عند حدِّه، وما شاكل ذلك من أنواع الإصلاح الذي نشاهد آثاره الآن بالعيان.

•••

أما فرنسا فإنها حين دخلت مصر استعملت أنواع الظلم والجور فقتلت كثيرًا من الأهالي ويتمَّت أطفالًا، وأيَّمت أرامل، وأهانت أكابر المصريين بالقتل والنفي، وعاثت في البلاد فسادًا حتى اختلطت الأنساب وذاك لا تفعله دولة متمدِّنة، حتى إنها خرجت من البلاد مرغمة ولم تترك لها حسنةً يذكرها لها المصريون.

والذي يقرأ تاريخ دخول فرنسا مصر في ذلك العهد يعلم كيف كانت سياسة هذه الدولة في معاملتها الأهالي؛ إذ مكثت ثلاث سنوات كل أيامها مملوءة بالفظائع والحوادث التي تقشعرُّ لها الأبدان، وترتعد منها الفرائص.

وقد اتخذت فرنسا هذه السياسة نفسها في تونس فهي تعامل المسلمين هناك معاملة الغلظة، والقسوة، وإليك بعض الحوادث التي حدثت في تونس وسمعتها من أوثق المصادر:
  • أولًا: اتُّهم اثنان من أهل تونس بارتكاب جريمةٍ غير القتل فأُودِعا في السجن، وكُبِّلا بالقيود، ولبثا فيه حينًا من الدهر وهما يذوقان كلَّ يوم أنواع العذاب وصنوف الإهانة من السجَّانين، حتى وصلت الحالة بهما إلى أن مرضا مرضًا شديدًا وأشرفا على الهلاك، وعجزا عن الحراك والنطق فلم يمكثا إلَّا قليلًا بعد أن دخلا في دور المرض حتى فارقا الحياة وذهبا ضحية قسوة السياسة الفرنسوية.

    ويشاع أنهما دُفِنا وروحاهما لم تفارق الحياة.

    وفي ذلك الوقت قامت جريدة الزهرة لصاحبها الغيور السيد عبد الرحمن الصنادلي — الآنف الذكر — تدافع عن حقوق الإنسانية وتنتقد عمل الحكومة فلم يرُقْ في عينها إلَّا قفل هذه الجريدة، وبعد سنة تقريبًا عادت مرة ثانية بعد أن قدَّم احتجاجه بصورة قضية بينه وبين الحكومة يطالبها فيها بعدم قفل الجريدة؛ لأنه لم يذكر شيئًا يُعَد جريمة شخصية أو سياسية.

  • ثانيًا: كان أحد الجنود الفرنسويين الذي اسمه «ديك» متغيِّبًا عن منزله فلما عاد إليه أخبرته زوجته أن أحد الأهالي دخل عليها وهي في بيتها قاصدًا سوأ فلم يكن من الجندي، إلَّا أن تناول مسدسه وخرج من البيت وركب البسكليت وسار في الطريق ولم يبعد عن داره قليلًا، حتى أبصر بعض الوطنيين الذي يُدعَى محمد عبد الله عمر مارًّا فناداه بالوقوف، فذُعِر الوطني منه؛ لأنه ناداه نداء إرهاب فولَّى من أمامه، فأخذ الجندي يعدو وراءه بسرعة سير الدراجة، وقبل أن يلحقه رماه برصاصة من المسدس أصابته فوقع على الأرض مُضرَّجًا بالدماء ولكنه لم يمت.

    وعلى أثر ذلك استدعى الجنديُّ مَن حمل المضروب إلى المستشفى، ولما ضُبِطت الواقعة وأخذ التحقيق مجراه استُدعِيت زوجة الجندي إلى المستشفى، وأمرها قاضي التحقيق أن تعيِّن الرجل من بين المرضى فعيَّنت رجلًا آخر مضى عليه زمن لم يبرح المستشفى.

    ولما سُئِل الجندي عن سبب إطلاق المسدس على رجل لم يتحقق أنه هو الفاعل أجاب بأنه فعل ذلك على ظنٍّ منه أنه هو الجاني الحقيقي.

    وكأن المحكمة التي قضاتها من الفرنسويين رأت أن إظهار خطأ الجندي وبراءة الرجل الذي ضُرِب مما يحطُّ من كرامة الجندي أو يلحق العار بدولة فرنسا، فاحتالت في إثبات التهمة على الرجل التونسي. وساعدها على ذلك أن له سابقة فحكمت عليه بسنة سجنًا وعلى الجندي بستة أشهر!

  • ثالثًا: اتهم القضاء أحد الأهالي التونسيين فحكم عليه لأجلها بخمس عشرة سنة سجنًا مع الأشغال الشاقة، وبعد انقضاء هذه المدة يُنفَى من القطر التونسي عشرين سنة أخرى.
  • رابعًا: تعدَّى أحد النزلاء الغربيين على أحد الأهالي من المسلمين، وحرق أجرانه، ويقال إنه حُرِق اثنان بسبب ذلك من الأهالي، وفي أثناء التحقيق ادَّعى الرجل الأوروبي أن المسلم كان بادئًا بالتعدي فحكمت المحكمة على الجاني بستة أشهر سجنًا، ولكن هل حُبِس الجاني؟ لم يُحبَس؛ لأن قانون سرسيا وهو قانون خاص بمحاكمة الأجانب يقضي بأن لا يُحبَس الأوروبي، بل يظل مطلق السراح باسم المحبوس، ولا يدخل السجن إلَّا بعد أن يرتكب جناية أخرى في ظرف خمس سنوات تمضي من تاريخ وقوع الجناية، أما إذا مضت هذه المدة ولم يفعل ذنبًا ثم ارتكب جناية أخرى تُعتبَر الجناية الأولى كأنها لم تكن وقعت منه.
  • خامسًا: يقول الفرنساويون إنهم أول الأمم محافظةً على حرية الأديان، ولكنهم مخالفون لهذه الدعوى كلَّ المخالفة في تونس، مثل ذلك البدلية العسكرية يدفعها المسلم ثمانمائة فرنك، وأما اليهودي فيدفع خمسمائة فقط، وإذا دهس الترام مسلمًا فالغرامة التي تدفعها الشركة خمسمائة فرنك، وأما إذا كان يهوديًّا فثمانمائة.
  • سادسًا: إذا أراد أحد الأهالي أن ينشئ مكتبًا لتعليم الأطفال كالمكاتب الإسلامية التي يُعلَّم فيها القرآن الشريف، أجبرته الحكومة على إدخال اللغة الفرنساوية في بروجرام التعليم.
  • سابعًا: حادثة القصرين: إذا كان حادث دنشواي شغل أفكار العالم السياسي، وأقام الصحف وأقعدها، ورُدِّد صداه في أنحاء العالم أجمع، فإن حادث القصرين أفظع وأشنع، لا بل هو النقطة السوداء في تاريخ فرنسا السياسي الاستعماري؛ حيث مثَّلت فيه التوحُّش والقسوة أسوأ تمثيل وغرست بذور البغضاء في قلوب أهل تونس والجزائر.

    •••

    وقعت مشاجرة بين بعض أهالي تونس وبعض الأوروبيين؛ فأرجف الفرنسويون بأن هذا ناتج عن تعصُّب ديني، فألقت القبض على الوطنيين وجرت محاكمتهم فصدر الحكم بشنق، وسجن، ونفي الأشخاص الآتي بيان أسمائهم:

    حُكِمَ بالإعدام على ثلاثة في مدينة سوسة وهم: محمد سعيد الوقاف، ومحمد بلقاسم قعيد، وعمر علي عبده، وبالأشغال الشاقة مدة عشر سنين على: عمر عثمان، والمنع من دخوله البلاد؛ أي نفيه بعد قضاء مدة السجن عشرين سنة، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على المقدم علي محمد صالح، وحراث بلقاسم علي، وبالأشغال الشاقة لمدة عشرين سنة على تسعة أشخاص، وبها على خمسة لمدة عشرة أعوام، وستة لخمسة أعوام، وعلى ثلاثة لمدة خمس سنوات سجنًا بسيطًا، وسبعة لعامين كذلك، وعلى واحد بعشرين سنة بسجن الصبيان.

    وعلى ثلاثة بالسجن مثله لخمسة أعوام، وقد اتصل بي بعد عودتي إلى القاهرة من بعض المعارف هناك أن الحكومة أصدرت عفوها عن المحكوم عليهم بالإعدام، وأن هذا العفو مُسبَّب عن تذمُّر الأهالي لهذه الأحكام القاسية، فلينظر الذين شاهدوا وعرفوا حادث دنشواي إلى هذه الحادثة أيضًا التي تذوب لها القلوب، بل الصخر الجلمود، وليضعوا هذه الدولة موضعها من المدنية أو التوحُّش.

    ولما كان الشيء بالشيء يُذكر نذكر هنا على سبيل الاستطراد بعض ما فعله الفرنسيون في مصر حين احتلوها في عهد بونابرت ليعلم الجاهل بالتاريخ أن الذين يصفون الفرنسوي بالشفقة على بني الإنسان مخطئون خطأ بيِّنًا.

    أول ما دخل الفرنسويون مصر لم يحترموا الدين، فجعلوا الأزهر إسطبلًا لخيولهم وأهانوا العلماء، وعاثوا في البلاد فسادًا، وانتهكوا الأعراض، وداسوا بأقدامهم على الفضيلة، فاختلطت الأنساب، هذا فضلًا عن الأبرياء الذين شُنِقوا من الأهالي في حادثة مقتل كليبر؛ حيث جاء أحد السوريين من المسلمين واعتدى على هذا القائد بقتله بحديقة الدار بالجيزة، فحُكِم عليه وعلى الذين يعرفهم من الأهالي وطلبة العلم الشريف بالشنق، ولم يشتركوا معه في الجناية.

    ولقد بلغ استبداد دولة فرنسا في تونس إلى درجة لم تكن تُتوقَّع من دولة متمدِّنة؛ لأنها حظرت على الأهالي أن يقبلوا نزيلًا من إخوانهم المسلمين من أهل المدينة المنورة ومكة المشرفة بدعوى الاحتراس من الدسائس والفتن، فإذا قَدِمَ مكي أو مدني ضيفًا في منزل أحدهم لم يسع صاحب المنزل إلَّا إخطار الحكومة وقتيًّا، ولقد أخذ التونسيون والجزائريون يهاجرون من بلادهم بعد بيع جميع ممتلكاتهم تخلُّصًا من سوء معاملة الحكومة لهم، حتى إنه أُشِيع في العام الماضي أن سبعين رجلًا هاجروا من تونس بعد ما باعوا كلَّ ما يمتلكون من الأملاك والعقار.

إلى هنا نكتفي بإيراد ما تقدَّم دليلًا على أن دولة فرنسا إن ادعت أنها نصيرة الحرية، وأنها تحترم الأديان، وأنها أول الدول نجاحًا في سياسة الاستعمار فإنها دعوى عديمة البرهان فاسدة المقدمات، وما أتينا به شاهدُ عدْلٍ على ما نقول.

(١٥) تمثال سياسي في تونس

إن الغاية المقصودة من عمل التماثيل هي إحياء ذِكْر عظماء الرجال الذين أتوا من جلائل الأعمال ما يخلِّد لهم الذكر الحسن على مرِّ الليالي وتعاقب الأجيال.

فهي إذن عبارة عن صحيفة تاريخية قام فيها التمثال مقام الكلمات والجمل، فإذا وقفنا أمام تمثال «جاندارك» في فرنسا قرأنا بعين الذكرى في هذه الصورة المجسمة تاريخ حياة هذه المرأة التي فعلت فعل الأبطال في خلاص فرنسا من مخالب الإنكليز.

وإذا وقفنا أمام تمثال محمد علي باشا، وإبراهيم باشا قرأنا أيضًا مبدأ دخول مصر في عصر جديد بعد أن مرَّت عليها العصور التي قامت فيها أنواع الظلم التي لا تَقْدِر يدُ كاتب على تدوينها؛ لما فيها من الفظائع الوحشية التي ترتعد لها الفرائص، وتقشعرُّ الأبدان، وتصفر الأنامل، وهكذا الأمر في كلِّ تمثال على هذا المنوال.

ولا يخفى ما في هذا من الفائدة العائدة على الأمة التي تنصب تماثيل عظماء رجالها؛ إذ بتذكرهم أعمالَ مَنْ نُصِب التمثال على صورته تنبعث فيهم الهمم إلى الاقتداء به أو الافتخار بما فعله، وهذا لا يكون إلَّا في الأمم الحية حياة أدبية، أما إذا كان الأمر بالعكس فهو من قبيل إماتة النفوس وبذر بذور الجُبن فيها.

وقد يجوز أن الأمة التي يُقام في أرضها تمثال يذكِّرها بما تتألم منه نفوسها، فينتقل ضعفها إلى قوة وتهوُّر فتنزع إلى محو هذا العار. فلو عُمِل تمثال يمثِّل فصل السودان عن مصر لعمَّ الفساد في البلاد بما يكون سببًا في إثارة الأحقاد في النفوس وهياج الخواطر، وإذا كانت الأمة ترسف في قيود الاستكانة والذل فإن الحقد يكمن في صدرها كمون النار في الحجر الصوَّان، حتى تولد الأيام حوادث تكون بمنزلة قدح الزناد.

ومما لا بأس من ذكره هنا على سبيل الاستشهاد في هذا النحو ما روي أنه وقعت حرب بين الأوس والخزرج في موضع يُقال له بعاث، كانت الغلبة فيها للأوس على الخزرج، ثم تصالح الفريقان وزالت الأحقاد من الصدور، واتُّفق أن بعض رجال من القبيلتين كانوا جلوسًا في مكان يتحادثون وهم في وفاق تام، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فأراد أن يبث بينهم فتنًا تنفِّرهم عن بعضهم فأرسل لهم رجلًا يذكِّرهم بيوم بعاث وأنشدهم بعض ما قيل فيه من الشعر في هذا اليوم؛ فحينئذٍ هاج القوم وقالوا: السلاح السلاح، فجاء النبي — صلى الله تعالى عليه وسلَّم — ونهاهم عن فعل الجاهلية؛ فرجعوا عما كانوا عزموا عليه وتصالحوا وعرفوا أنها نزغة شيطانية، وبسبب هذه الحادثة نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.

والذي يعلم مقدار ما كان عليه المسلمون في ذلك العهد من اتحاد الكلمة يعرف مقدار التأثير من ذكر الحوادث المؤلمة للعواطف المثيرة للأشجان على اختلاف الأسباب الباعثة على الذكرى.

هذا، وإني حين قدومي على تونس رأيت بالقرب من الميناء حديقة صغيرة فيها تماثيل خمسة أشخاص، وهي: رجل واقف وأمامه امرأة واقفة باسطة يديها إليه، ورجل آخر ينظر إليها نظر المُنكِر وبيده شيء يشبه الفأس أو البلطة، وبجانبهم غلامان ينظر أحدهما في كتابٍ بيد الآخر الذي يشير بإصبعه في الكتاب كأنه يعلِّمه القراءة فيه. فسألت صاحبي عن هذه التماثيل وهذه الرموز فقال: أما الرجل الأول فإنه يمثِّل دولة فرنسا، وأما المرأة فتمثِّل تونس، وأما الرجل الآخر فإنه إيطالي يمثل دولته التي كانت طامعة في أخذ تونس قبل فرنسا، وكانت ساعية جهدها في احتلالها، ثم انعكس عليها الأمر بفوز فرنسا عليها، فكان هذا الرجل الإيطالي ينظر إلى تونس نظر المُنكِر المُستغرِب إلى من وعده بشيء وعدًا أكيدًا صادقًا فحرمه منه ثم أعطاه لغيره، وأما الغلام الذي بيده الكتاب فهو شاب فرنسوي يُعَلِّم شابًّا تونسيًّا القراءة في هذا الكتاب إشارةً إلى أن فرنسا ستجعل للغتها شأنًا عظيمًا في تونس كما فعلت في الجزائر، فلما أن سمعت منه ذلك لم أرغب أن أزيد عن سؤالي الأول كلمة في شأن سياسة فرنسا شأن القادم على بلد لم تطأه قدمه من قبل، ولم يعلم شيئًا عن أحوال ساكنيه الاجتماعية.

ولم يكد يمضي عليَّ أسبوع، حتى شاهدت ذات ليلة موكبًا حافلًا بالجند وهم يحملون الأعلام، والمصابيح، والموسيقى تصدح أمامهم، فلم أشك في أنه أحد الاحتفالات الوطنية أو موكب زفاف عروس لأحد الأمراء، ولما سألت قيل لي: إنه احتفال بتذكار اليوم الذي دخلتْ فيه جنود فرنسا تونس، ففي مثل هذا اليوم من كلِّ أسبوع يُعمل هذا الاحتفال رسميًّا ويطوف الجند بهذا الشكل في شوارع المدينة الكبرى.

فلم أشأ أيضًا أن أحكم على سياسة فرنسا في تونس بحكم لأني لم أكن عرفت شيئًا عنها، ولكن بعد أن مكثت أيامًا عرفت فيها بعض ما جرى على يدها من شئون البلاد التونسية فإذا تلك التماثيل والرموز لا معنى لها في الوجود، وإنما هي رموز وُضِعت لإيهام الوافد إلى تونس من الخارج بأن فرنسا قد احتلت هذه البلاد برضى أهلها، وأنهم راضون بما أجرته من الإصلاح، وأن هذا الترحيب منهم دليل على رضاهم، وأنها ردَّت عنهم مطامع إيطاليا، وكذلك في الاحتفال الذي تقيمه في كلِّ أسبوع تذكارًا لدخول الجنود الفرنسوية عاصمة البلاد مع أن الأمر خلاف ذلك.

وسياسة فرنسا في تونس هي سياسة المستبد، ومعاملتها للأهالي هي معاملة القوي للضعيف، يُسام الخسف فلا يرثي له أحد، ولا قدرة على المطالبة بحقوقه المهضومة، وإذا كان من القضايا المُسلَّمة أن المرء لا يشكر غيره إلَّا إذا وصل إليه الخير من يديه، فإن أفاضل التونسيين ينكرون إذا سُئِلوا عن هذه الرموز والتماثيل، وإذا لم ينكر أحد منهم فهو إما مضطر لدواعٍ سياسية، أو ممن يلبسون الحق بالباطل، ولو تعمد المغالطة وخداع النفس.

ولو قلنا إن فرنسا أصلحت وجلبت مودة التونسيين حتى إنهم بالغوا في الشكر لها رأينا من جهةٍ أخرى أنه لم يسبق لدولة من الدول التي احتلت بلدًا من البلاد بُولِغ في احترامها، وإكرامها بهذا المقدار الذي يوقف العاقل السياسي موقف الريب والشكوك.

وأيضًا قضى الناموس الاجتماعي أن الدولة الأجنبية التي تحكم أمة أخرى لا يمكنها أن تكتسب محبتها بوجه من الوجوه ولو جعلت أرضَ بلادِها تنبت العسجد والنضار إلَّا إذا منحتها الاستقلال التام، وفرنسا لم تعطها شبه استقلال ولا بعض شبه استقلال، فإذن لا معنى لهذه الرموز إلَّا ما ذُكِر.

وعلى هذا تكون فرنسا قد خالفت سنة الدول التي سارت سير العاقل الحكيم في حُكْم الأمم الأجنبية عنها في الجنس، والعقيدة من وجهين؛ أولًا: اتباعها الخطة التي تنفِّر منها قلوب أهل تونس بتلك المعاملة الخشنة التي فصلتها في سياستها في هذه البلاد في الفصل السابق، ثانيًا: ابتداع بدعة لم تخطر على بال رجال السياسة في الماضي والحاضر ولن تخطر أبدًا فيما بعد، وهي أنها أجبرت الوطنيين بالاعتراف لها بالجميل، وإذا كان لدى القارئ الكريم ريب في هذا فليقس معنا الأمور على أشكالها حتى يظهر الصبح لذي عينين، أترى لو كانت ألمانيا فعلت في الألزاس واللورين ما فعلته فرنسا في تونس أكان يصبر أهل هاتين المقاطعتين على هذه الإهانة من إقامة تمثال واحتفال مثل ما يجري في تونس أسبوعيًّا؟ أم يذكرون اليوم الذي فيه وقفت فرنسا أمام ألمانيا موقف المغلوب المقهور وفي كل لحظة يشاهدون أنواع الظلم والقسوة ولا قدرة لهم على إزالتها؟

ولو وضعنا إصلاح فرنسا في تونس في كفة ميزان وإصلاح إنكلترا في مصر في الكفة الأخرى، لكان لإنكلترا مزية الأرجحية، فلماذا لا يوجد بمصر تمثال كالذي في تونس؟ واحتفال كالذي تعمله فرنسا هناك أسبوعيًّا تقف فيه مصر موقف المرحب بإنكلترا؟ ومجمل القول إن فرنسا أخطأت خطأً بيِّنًا في عملها هذا، فما كان أجدرها بعدم حرمان أهل تونس من خيرات بلادهم ومن التمتُّع بكلِّ الحقوق الوطنية، وهي الدولة التي اشتُهرت في العالم بدولة التمدن والحرية واحترام الأديان، هذا ما عنَّ لي من الأقوال ذكرته والله ولي التوفيق.

(١٦) المعمرون الفرنسويون في تونس

إذا كان الغربي يزاحم الشرقي في كلِّ مرافق الحياة إما بالتجارة، وإما بتأسيس الشركات وغير ذلك، فمن باب أولى إذا كان لدولته في بلاد الشرق نفوذ بطريق الحماية أو الاحتلال وهو في هذه الحالة أكثر طمعًا وأشد مزاحمة ومضايقة للشرقي، بل يقف في طريقه فلا يدعه يستثمر ويجني من خيرات بلاده ما يقوم بواجبات حياته، وقد يُلجِئه في كثير من الأحيان إلى الهجرة من بلاده ومسقط رأسه إلى بلاد أخرى، يلتمس فيها أسباب المعاش، وقد فعلتْ كلَّ هذا دولة فرنسا في تونس؛ لأنها لما وضعت عليها حمايتها أخذ الفرنسويون يفِدُون إليها أفواجًا فشغلوا الوظائف وزاحموا التجارة ولكنهم في ذلك لم يبلغوا في مضايقة الأهالي ما بلغوه في مضايقتهم في استغلال الأرض؛ لأنهم يعلمون من هذه الوجهة أن امتلاك الأرض بأبخس الأثمان لتساهل الحكومة لهم في ذلك، حتى إذا كانت الأرض ملكًا للأوقاف وهذا التساهل بمثابة أخذ الأرض هبة بلا ثمن، وبهذه الكيفية أصبح الفلاح التونسي في أشد حالات الضنك، والضيق في المعاش، وإذا استرحم الحكومة فإنها لم تُعره أدنى التفات ولو مات جوعًا على مرأى ومسمع منها، وكانت هذه المعاملة منها لهم داعيةً لمهاجرتهم من بلادهم، وتشتُّتهم في البلاد على أن الأرض الصالحة للزراعة في تونس تقل عن حاجات الأهالي من جهة القوت الضروري.

(١٧) تعلُّق أهل تونس بالخليفة الأعظم

إن تعلُّق المسلم بعرش الخلافة الإسلامية أمر طبيعي غَرَسَه الدين في قلبه فلا غرابة في ذلك، ولكن الغريب هو التفاني في هذا التعلق إلى درجةٍ يسترخص فيها بذل الروح في سبيل الدفاع عن هذا المقام، وهو ما وصل إليه أهل تونس والجزائر، والسبب في ذلك هو ما يقاسونه من استبداد فرنسا بهم وسوء معاملتهم لهم.

ومن الغريب أن دولة فرنسا تدَّعي أنها أول دولة في العالم تحترم الأديان، ولا تتعرض لحريتها وهي بخلاف ذلك في هاتين الولايتين.

فلو افترضنا أن التونسيين والجزائريين من المسيحيين وأن الدولة الحاكمة هي الدولة العلية، وأن هذا الاستبداد منسوب إليها أكانت تصبر أوروبا على ذلك أم كانت ترسل الأساطيل والجيوش في سبيل المحافظة على المسيحيين؟ إن جواب هذا السؤال سهل لا يحتاج إلى إيضاح.

والأغرب من هذا كلِّه أن أوروبا تتهم المسلمين بالتعصب الديني افتراءً منها، فلو كان هناك تعصب حقيقي لما صبر مسلمو الروسيا، وتونس، والجزائر، والجبل الأسود، وبلاد الجاوا على ما هم فيه من الظلم الفادح والمصائب التي يباشرونها في كلِّ آن، حتى بلغت الدرجة بالمسلمين في الروسيا أنهم يُكرَهون على التنصر، وفي الجبل الأسود ينتزعون أموالهم من أيديهم، على أن فرنسا لا يبعد في يوم من الأيام ما دامت سائرة على هذا النهج في معاملة أهل تونس والجزائر أن ينقلب ظهر المِجَنِّ عليها في هاتين الولايتين؛ لأن القلوب متى انتقلت من يدها فالأجسام تابعة لها.

ومما يدل على كثرة تعلُّقهم بعرش الخلافة أنهم لم يكتفوا بالدعاء للخليفة الأعظم في يوم الجمعة على المنبر، بل يدعون له في آخر كلِّ صلاة دعاء مؤثِّرًا يُجري العبرات من العيون، ومن هنا يُعلَم أن أكثر الدول استعمارًا هي الدولة التي تعامل الأمم الخاضعة لها بالرفق واللين وتمنحها من الحرية والاستقلال ما يساعدها على التقدم، والانتظام في سلك الأمم الراقية.

هذه دولة إسبانيا لمَّا أساءت معاملة أهل جزائر الفيلبين وجزيرة كوبا كان ذلك داعيًا لاشتعال نيران الثورة التي عجزت إسبانيا عن إخمادها، وكان من جرَّائها وقوع حرب هائلة بينها وبين الولايات المتحدة، وخسرت بسببها من الرجال والأموال في البر والبحر خسارة كبرى، غير انتزاع هذه الجزائر منها وضمِّها إلى أملاك الولايات المتحدة بعد أن منحتها المجالس النيابية.

وقد دلَّ التاريخ على أن الدولة التي تستبدُّ في معاملة الأمم الخاضعة لها لا بدَّ وأن ينعكس عليها الأمر في يومٍ ما مهما بلغت من العظمة والجاه وقوة السلطان.

وإني لم أعقد هذا الفصل إلَّا رغبةً في أن تعامل فرنسا أهل تونس والجزائر المعاملة التي تحبِّبها إليهم وتعمل على ما فيه رقيهم المادي، والأدبي بنشر العلوم وتقدُّم الصناعة، والزراعة، والتجارة، ومنحهم الاستقلال الذي هو شعار الأمم الحية، وبذلك يمكنها أن تُفاخِر الأمم بهذا اللين؛ إذ معاملة الظلم والقسوة لا يُجْدِيانها نفعًا البتة.

(١٨) زيارتي لسمو باي تونس

أردت زيارة صاحب السمو محمد باشا الناصر باي تونس الأفخم، فقصدت السراي المقيم فيها، وهي في ضواحي مدينة تونس بمحلٍّ يُقال له سيدي أبي سعيد بالمرسي وهو يبعد عن تونس بمقدار نصف ساعة، والوصول إليها بطريق السكة الحديدية كما يذهب أحدنا من العاصمة إلى المطرية عن طريق خطها الحديدي، ولما وصلْتُ إلى السراي بعثت بكارت إلى ديوان التشريفات وبعد قليل حضر إليَّ أحد معايني الحضرة العلية كما يلقبونه بذلك في تونس، ولما تقابلنا لقيني بكلِّ حفاوة دلَّت على كرم أخلاقه، وأدب نفسه، وربما كانت هذه الحفاوة دليلًا على كرم أخلاق سيده، وبعد تبادل التحية أخبرته بأني أريد أن أتشرف بمقابلة سمو الباي فعرَّفني أن ذلك غير ممكن؛ لأنه لا يُصرَّح للأغراب بأن يقابلوا سموَّه إلَّا بعد أن يُعرَض الأمر على الحكومة، فالذي يريد المقابلة من الأغراب يذهب أولًا إلى السفارة الفرنسوية، ويُطلِع السفير على الغرض الذي لأجله يريد مقابلة سمو الباي، وحينئذٍ يكون للحكومة حقُّ التصريح بالمقابلة أو منعها، أما أهل تونس فإنهم يقابلون سموه أنَّى شاءوا بغير إذن من السفير، ولا توضيح للأغراض التي يريدون محادثته فيها.

فأسفت جدًّا على هذه الحالة، ودعوت الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيد أمراء المسلمين في كلِّ بقاع الأرض، ولا داعي إلى ذكر المُعايِن الذي أخبرني بذلك لأنه يجوز أن تنتقم منه فرنسا، وبعد ذلك ذهبت من السراي وودعت هذا الرجل، وقد عرفت رجلًا فاضلًا من الحاشية وهو السيد عثمان التركي أحد معايني الحضرة العلية كمثل سابقه.

(١٩) زيارتي لجناب الموسيو بيشون

توجهت في يوم إلى دار السفارة الفرنسوية لمقابلة جناب الموسيو بيشون سفير فرنسا في تونس سابقًا ووزير خارجية فرنسا حالًا، فقابلني جنابه مقابلة حسنة أعْرَب فيها عن أدبه، وكرم أخلاقه، وتهذيب نفسه، وبعد التعارف وتبادُل عبارات التحية والترحيب دار بنا الحديث الآتي:

– إنني حينما وفدت إلى تونس رغبت في زيارة سموِّ الباي بصفتي مسلمًا وهو أمير مسلم، ولما توجَّهت إلى سراي سموِّه قابلني أحد المُعاينين، ولما عرضت عليه أمر التشرف بمقابلة سيده أخبرني بأنه لا يجوز لأحد من غير التونسيين أن يزور سموَّه إلَّا بعد إخطار «الحكومة» والتصريح منها إلى الوزارة لأجل أن تُعيِّن وقتًا للزيارة وحين أن سمعت منه ذلك قد أتيت وتشرفت بمقابلة جنابكم لهذا الغرض.

– نعم، إن ما قاله لك أحد المعاينين هو الواقع، وإن للحكومة العذر في مراقبتها وتخوُّفها من الأغراب الذين يفدون إلى تونس، لا سيما الذين يريدون زيارة الباي لأسباب سياسية، وذلك أنه يفِدُ أناس إلى تونس بصفتهم سائحين، وفي الحقيقة جواسيس ينقِّبون عن أسرار داخلية الحكومة فيبلغونها إلى حكوماتهم أو الأحزاب المنتمين إليها، ولا يخفى ما يكون من نتائج هذا التجسُّس وجراء هذه السياسة.

وقد حدث في شهر مايو سنة ٩٠٤ أن أحد الألمان جاء إلى تونس وطلب مقابلة سموَّ الباي السابق المغفور له محمد باشا الهادي، فصرح له وعين اليوم الذي تكون فيه المقابلة، ولما قابل سموَّه أراد أن يطرق أبواب السياسة وتطرَّق إلى الحديث في مواضع لا داعي لذكرها في الوقت الذي كان فيه، فلما رأى سمو الباي أنه خرج عن دائرة الغرض الذي قابله لأجله أشار بانتهاء قطع الكلام، وكان الألماني قد مكث بحضرته عشر دقائق، مع أن الوقت الذي عُيِّن له أزيد من ذلك، ولما علمت الوزارة بذلك ارتابت في أمر هذا الألماني وبالبحث وُجِد أنه جاسوس جاء من جهة ألمانيا لاكتشاف أحوال السياسة الفرنسوية في تونس.

وكأنني بك تعترض وتقول: لا حظَّ لألمانيا في وجود جواسيس لها في هذا القطر ما دام لفرنسا فيه حق الحماية، فأقول لك: إن ألمانيا لداعي صداقتها مع الدولة العلية تريد أن تقدِّم لها خدمة بمثل هذه الأفعال، موهمة أنها بذلك تسعى في إعادة تونس إلى حكم الدولة العثمانية لتزيد الرابطة بين تركيا وبينها، وإذا كنا نراقب مثل ألمانيا لصداقتها لتركيا فكيف لا نراقب المصريين التابعين للدولة العلية لا سيما ممن يحترفون بحرفة الصحافة منهم؟

– إن لي ملاحظة على كلام جنابكم، وهي أن الدولة العلية إذا كانت تريد أن تبعث لها جواسيس في الإيالة التونسية، فليست في احتياج إلى أن تتخذهم من الألمان؛ لأن لديها من الجواسيس أكثر من كلِّ الدول، وهم من الأمناء الصادقين في خدمتها العارفين بضروب السياسة وفنون التجسُّس فهي أبرع من ألمانيا وغيرها في هذا الباب.

أما الرجل الألماني الذي تقولون إنه حضر ليطَّلع على سياسة فرنسا فما هو إلَّا آتٍ من قِبَل دولته لدسِّ الدسائس، وتنفير قلوب الأهالي من فرنسا، وما بين ألمانيا وفرنسا من العداوة التي تأسَّست منذ الحرب السبعينية أكبر دليل على هذه الدعوى.

وأمَّا قول جنابكم إنكم تراقبون المصريين والصحافيين منهم على وجه الخصوص، فإني أؤكد لجنابكم أني مصري عثماني أرى أن أوَّل واجب عليَّ في حياتي هو خدمة دولتي، وأبناء وطني وديني بكلِّ ما يمكن من الوسائل، ولو كنت أتيت إلى تونس لهذا الغرض الذي تشيرون إليه، لكنت أصنع كلَّ الوسائل التي بها يخفى على الحكومة التونسية ما قدِمت لأجله، وهذا شأن كلِّ مخبِر.

– الآن لا بأس من وجودك في تونس ولا من مقابلتك لسمو الباي وما عليك إلَّا أن تنتظر اليوم الذي يكون فيه التشرف بالمقابلة.

– إنني شاكر لجنابكم عدولكم عن الفكر الأول، وإني أؤكد لجنابكم أني لم أرغب في زيارة سموِّ الباي إلَّا لكونه أميرًا مسلمًا موصوفًا بمكارم الأخلاق، ولطف السجايا، فأحببت أن يُسعِدني الزمن بساعة أقضيها في حضرته السنية للرابطة الدينية التي تربط كلَّ مسلم بالآخر.

وبما أن الوقت غير كافٍ لأن أنتظر ميعاد المقابلة فقد اكتفيت بما يُذاع ويشاع عن حسن آداب هذا الأمير العظيم، وجليل سجاياه التي حبَّبته إلى الخاص والعام سواء في ذلك رعاياه التونسيين أو غيرهم.

ثم استطردنا الحديث إلى ذكر الصحافة ومسائل أخرى، فكان ممَّا حدَّثني به الحديث الآتي: «إنني كنت في بادئ أمري أميل كلَّ الميل إلى الصحافة، وكنت أكثر مطالعة الجرائد إلى درجة تفوق العادة، ومن شغفي بها كنت أكتب مقالات كثيرة في جريدة «لاجوستيس» التي هي لسان حزب الاشتراكيين، وما زلت كذلك ميَّالًا إلى الصحافة والخطابة في الشئون السياسية إلى سنة ١٨٨٥ وفي هذه السنة عُيِّنت في وظيفة تتعلق بنهر السين بفرنسا، وبعد مدة عينت معتمدًا سياسيًّا في إحدى جمهوريات أمريكا الجنوبية، وفي سنة ١٨٩٥ عينت سفيرًا في بكين عاصمة الصين، وفي هذه المدة حدثت حوادث البوكسر، واشتعلت نيران الثورة ضد الأجانب في مملكة ابن السماء، واشتركت الدول في إطفاء نيران هذه الثورة بعد أن أُزهِقت أرواح كثيرين من الأوروبيين، ومكثت في بلاد الصين إلى سنة ١٩٠١ حيث انتُدبت من قبل دولتي سفيرًا في تونس، وذلك في شهر ديسمبر من هذه السنة، وبمجرد وصولي إليها سعيت جهدي في بث روح الإصلاح في الإدارة وفي كلِّ ما من شأنه ترقي البلاد، ومن ضمن ما صنعته هو منح الحرية للجرائد والمطبوعات بعد أن كانت أقلامها مغلولة بقيود الضمان، وغير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره الآن، والذي أنا ساعٍ الآن جهدي في إخراجه من حيِّز التفكر إلى دائرة العمل هو منح التونسيين حقَّ النيابة في مجلس الشورى الذي هو الآن خاصٌّ بالفرنسويين، وترقية الزراعة، والصناعة، واتساع دائرة التعليم وما أشبه ذلك من الأعمال النافعة التي يذكرني بها التونسيون الذكر الحسن، والتي تكون لي نقطة بيضاء في تاريخ حياتي الذي قضيته في هذه البلاد.»

فشكرت له هذا الشعور وهذه العواطف الشريفة، وبعد ذلك شرحت له ما يلاقيه التونسيون من ضغط الحكومة وأتيت له بشواهد ثابتة على القسوة التي يعاملون بها وأنواع الضيق الذي هم فيه، وقلت حبَّذا لو نظرتم إلى حالة الأهالي الآن بعين الحكمة كما هو المأمول في جنابكم.

فوعدني بالمقابلة مرة أخرى للمحادثة في كلِّ أمر يخطر بالبال من هذا القبيل، ولكن ظروف الأحوال لم تساعد على المقابلة مرة أخرى.

(٢٠) تاريخ حياة سمو باي تونس

هو ذلك الأمير سليل الأمراء الفخام، والأقيال العظام الذين نالوا المعالي كابرًا عن كابر، وافتخرتْ بمدحهم وتدوين مآثرهم بطونُ الدفاتر واهتزت طربًا بالثناء عليهم المنابر، وسارت ذكراهم مسير الأمثال في سائر الأجيال، وشادت لهم الشعراء من صروح المجد في كلِّ نادٍ، ما لم يَشِدْه للنعمان شعرُ زياد. كرم باذخ، ومجد شامخ، وسيرة أكسبت الروض عبيره، والشمس ضياءها والقمر نوره، فإذا جرى ذكر ملوك بني غسان، أو المناذرة بما فيهم النعمان، أو أقيال نجران، أو صاحب قصر غمدان، أو غيرهم من ملوك العرب الصيد، وأمراء الإسلام الصناديد، الذين حفظ لهم التاريخ مجد أعلاهم فوق الثريا والمريخ، وأوطأهم أديم الفَرْقَدين، وحط رجلهم بين السِّماكين، فآل العائلة الحسينية هم واسطة هذا العقد الفريد، وهذا الأمير فيهم بيت القصيد:

ذكر الأنام لنا فكان قصيدة
وهو البديع الفرد من أبياتها

فأكرم بنسبٍ في المجد عريق، ومحتدٍ بكل أنواع المدائح خليق!

أما صفاته فيما يتعلق بذاته التي هي هيولي الشرف الطارف والتالد ومثال المحامد، فحدِّثْ عن البدر الزاهر، والبحر الزاخر، والروض الناضر:

يا سائلي عنه وعن أخلاقه
ما شئت قل في رونق الروض الندي
كرم يزينه العفاف وهمة
أخذت أخامصه أديم الفَرْقَد

عِفة نفس تمثِّل أمامه الشبهات كأنها كبرى الآثام، وهمة لذي الأزمات تكشف الغمة وتجلو الظلام، وذكاء قلب في المعضلات أمضا من غرار الحسام، وإصابة رأي عند المشكلات أنفذ من السهام، وخضوع نفس يجمِّله الوقار، ومهابة تخشع لها الأبصار:

ويرى التعاظم أن يُرَى متواضعًا
ويرى التواضع أن يُرَى متعاظمًا

حلم دونه ثبير وثهلان، وجبلا نعمان، وإقدام تذل له الخطوب وطوارق الحَدَثان، وحسن سياسة ملأت به عرش الرئاسة وخبرة بالأيام والعصور، ووقائع الدهور وطول ممارسة للأمور الصعاب، أزالت بينه وبين الصواب كلَّ سِتْر وحجاب، وتقوى ونزاهة، وسرعة بداهة، كأنه ينظر إلى الغيب من سِتْر شفاف. حيث يكاد يرى خفي الألطاف، فهو كما قال الشاعر وما تعدى، وبه كل ألمعي تحدَّى:

له الرأي إن جو السياسة خيمت
حنادسه جلى وجوه الدياجر

أما فيما يتعلق بالرعية، فهو العادل في أحكامه يعاقب إذ كان العقاب أصلح، ويصفح إذا كان الصفح أنجح، ولا يغرس الجميل إلَّا إذا صادف حرًّا، وإذا زُفَّت إليه عرائس المدايح جعل الجود لها مهرًا. فهو ناصر الضعفاء إذا أكلهم الأقوياء، وملجأ البؤساء لدى اللأواء، وقبلة مرتاد الندى إذا جاءت السنة الشهباء، ينظر في الشئون جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها بعينٍ اكْتحَلَت بنور الحكمة والرشاد، والحزم وعزيمة الرأي والسداد. كنا نسمع بكسرى وعدله، وإياس وذكائه ونبله، والمأمون وأدبه وفضله، وابن عبد العزيز وتقواه وعفته، وابن طاهر ونجابته، وقيس وفراسته، فإذا به قد جمع هذه الصفات، وأحيا تلك الرفات والعظام الباليات، ومهما صنفت من قلائد الثناء الجميل، فلا أتعدى ما قيل:

كأنك من كل النفوس مُركَّب
فأنت إلى كلِّ النفوس حبيب
هذا ولما كان ذكر تاريخ حياة هذا الأمير بمنزلة أنموذج لكلِّ إنسان يحب المعالي ننشره الآن كما هو مدوَّن ومأخوذ من أوثق المصادر وها هو:

هو محمد باشا الناصر بن محمد باي ابن حسين باي ابن محمود باي ابن محمد باي ابن حسين باي ابن علي التركي مؤسس العائلة الحسينية، وُلِد هذا الأمير بالمرسي في ٢٨ شوال سنة ١٢٧١ﻫ، ولما ترعرع أقبل على مناهل العلم والأدب، فكانت باكورة أعماله حفظ شيء من القرآن الشريف ومبادئ العلوم الإسلامية، ولما ذاق لذَّتها تضاعفت فيه الهمة على بلوغ شأوٍ بعيد في التحصيل فيها فزاول ما شاء الله أن يزاول على العالِمين الجليلين حضرة العالم الفاضل والأستاذ الحكيم والرحالة الشهير الشيخ محمد بيرم، وحضرة الفاضل القدوة الشيخ محمد السنوسي الشهير بعلو الكعب في الأدب والعلوم الإسلامية، وهذا الأخير لازم سموَّه ملازمة كليَّة، ولم يبرح متعلِّقًا به إلى أن أدركته المنية منذ بضعة سنوات فصار صاحب الترجمة بارعًا في اللغة والأدب وحصل على الملكة التي هي كيفية راسخة في النفس، وهو والحالة كما ذكر أوسع العائلة الحسينية فكرًا في لغة القرآن والأدب الإسلامي، ولا مبالغة إذا قلنا يفهم دقيق المعاني الواردة في القرآن الشريف.

ولما أحسَّ بمسيس الحاجة لتعليم اللغات الأوروبية، وكانت اللغة الفرنساوية اللغة الرسمية في قارة أوروبا، ومن جهةٍ أخرى أنَّ قومها لهم علاقة وارتباط بالمملكة التونسية فرأى — حفظه الله — أن تعلُّمها أمر ضروري خصوصًا لأميرٍ مثله مترشح لعرش أجداده الكرام، فاستعمل جميع حزمه ونشاطه في تعلُّمها، والأخذ منها بكلِّ ما يمكن وانتخب لذلك أحد مهرة المعلمين، وابتدأ في مزاولتها من عام سنة ١٢٩٢ﻫ، وثابر على تعلُّمها حتى أخذ منها ما فيه الكفاية وأردف ذلك بتلقى العلوم العصرية على اختلاف أنواعها ومسمياتها، والخلاصة فهو عارف بعلوم دينه محصل اللغة الفرنساوية متنور في العلوم العصرية التي عليها مدار الترقي والمدنية.

وفي جميع هذه الأطوار لم يغادر قصره الملوكي ولم تبْدُ عليه حركة ما تنافي شعار هذا البيت الكريم أو عوائده.

وفي شهر ربيع أول سنة ١٣٢٠ﻫ ارتقى سموُّه إلى ولاية العهد في موكب مشهود حافل بالأمراء والوزراء ورجال الدولة.

ولما قلد شعار ولاية العهد التي هي أكبر منصب بعد الإمارة لم يغيِّر عادته الأولى، ومعاملته مع كافَّة الناس، كما أنه لم يتظاهر بما يخالف سيرته من حيث التباعد عن الظهور وبقي مثابرًا على خطته المثلى إلى أن منحته الأقدار سرير الملك الحسيني يوم السبت الموافق ١٩ ربيع الأول سنة ١٣٢٤ﻫ في موكب مشهود حضره رجال الدولتين التونسية والفرنساوية، وسراة الأمة وعلمائها أطال الله عمره وأبقاه كهفًا لأمته.

هذا تاريخ حياة ذلك الأمير الجليل الذي خلف المغفور له محمد باشا الهادي؛ حيث كان الأخير له منزلة عظمى في قلوب أهل تونس، وإن كان انتقل إلى رحمة الله ولكن خلف من الولد الصالح ما يُفتخَر بمثلهما الدهر، فهو أصل تفرعت عنه أطهر الفروع عنصرًا وأكرمها شرفًا وأزكاها منبتًا أحدهما سمو البرنس محمد الطاهر باي، والثاني محمد البشير باي، وهما صنوان في الذكاء والفطنة خدنان في حسن الأخلاق، هذا شمس يعم سناها البادي والحاضر وذاك بحر يرتوي منه الوارد والصادر وكلاهما حاز المجد الطارف والتالد، فأكرِم بهذه العائلة الحسينية المباركة! ونسأله تعالى أن يديم عليهم نعمه إلى ممر الأزمان وكرِّ الليالي والعشي.

(٢١) السيد البشير صفر رئيس ديوان الأوقاف بتونس

هو وارث أرستطاليس، والأستاذ الرئيس. أدب وفضل، ومعرفة ونبل، درس العلوم فأحياها بعد الدروس، وتعهَّد غرس طلابها بسقيا حسْن الإفهام في أوقات الدروس، وخلص كلَّ التخليص ومحص التمحيص معنى كلِّ عويص، أدب نادر، وفضل باهر، وألمعية تكشف الالتباس، وقريحة كأنها من الذكاء مقياس، اليراع في يمينه أصدق أنباء من الحسام، يأتي بالمعجز من الكلام، فهو رسول الوحي والإلهام، هو في الأدب عبد الحميد، وفي النحو محمد بن يزيد، وفي الفلسفة الفارابي وابن رشد. أقسم لو رأيته وهو يحادث السمار، بنوادر الأخبار، ورقيق الأشعار، لقلت الأصمعي بل أظرف حكاية، وأغرب رواية، ولو رأيته وهو يُلقي على الطلاب قواعد الإعراب، لقلت سيبويه أو الخليل، أو علوم الدين، وتفسير الكتاب المبين، لقلت هذا ابن سيرين أو أحد المجتهدين، ولو شاهدته وهو يقرر في الفلسفة والمنطق لما قلت: «إن البلاء موكل بالمنطق»، هو في كلِّ عِلمٍ عَلَمٌ على رأسه نار أو شمس يعم ضوءها كلَّ الأقطار، أما أخلاقه فهي في رقة النسيم، أو الخمر مزاجها من تسنيم، أو عرف الياسمين بل عطر دارين، طهارة أعراق ودماثة أخلاق، تعاظم في خشوع وأناة في نزوع، يكرم الناس من كلِّ الأجناس، خصوصًا أهل وطنه، وعلى الأخص علماء زمنه لا سيما من تجمعه بهم جامعة الدين من المسلمين على عِفة وصلاح، وأربحية وسماح، وكياسة وسياسة، وبعد نظر يصيب شاكلة الرمي وناهيك بالذكي الألمعي:

من مخبر الأعراب أني بعدهم
شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ورأيت كل الفاضلين كأنما
جمع الإله نفوسهم والأعصرا

هو في تونس كالأستاذ الإمام في مصر، في الفضل، وكرم النفس والشبه بينهما ذو وجهين بلا ريب ولا مين؛ حيث كلاهما حكيم في العلم والفلسفة، وكمال الدراية والمعرفة، وهذا هو الوجه الأول، وحيث كلاهما لم ير المجد في مجرد الاتصاف بالعلم ومزية الفضل، بل يرى الفخر في خدمة الأوطان بآثار ما أحرزه من العلوم والمعارف، والغنى في حسن الأحدوثة أفضل من الغني التالد والطارف فذاك أسَّس الجمعية الخيرية وهذا أسَّس المدرسة الخلدونية وأيد العلوم العصرية، وحثَّ على الأعمال الخيرية، وأحيا ذكر الوطنية وهذا هو الوجه الثاني الأفضل الذي عليه المعول:

إذا مات منا سيد قام سيد
قئول لما قال الكرام فعول

وبما أن هذا السيد الأورع والفاضل الأبرع والهمام السَّمَيْدع، يجدر بنا أن نفخر بمثله نذكر ملخص تاريخ حياته الذي نقلناه من أوثق المصادر.

•••

هو محمد البشير بن المنعم أمير اللواء مصطفى صفر أصله من الترك الذين استوطنوا تونس على عهد حسين بن علي مؤسس العائلة الحسينية.

•••

وُلِد هذا الشهم عام ١٢٨٠ﻫ فربَّاه والده وأحسن تربيته، ولما ترعرع أُدْخِل المدرسة الصادقية في بدْء تأسيسها فظهرت عليه دلائل النجابة، وتوقُّد القريحة فعُيِّن في طالعة الإرسالية التي ذهبت إلى باريس عاصمة فرنسا؛ لتكميل نصاب التحصيل على نفقة المدرسة الصادقية، ثم عاد إلى تونس في أواخر سنة ١٣٠٠ﻫ، فأخذ يتقلَّب في الوظائف السامية فعُيِّن مترجمًا في الوزارة الخارجية، ثم أُلْغِيت الوزارة المذكورة وتعين محتسبًا بالإدارة العامة، فأخذ يتدرج إلى أن صار رئيس قلم المحاسبة مع انضمام إدارة المدرسة الفرعية التي كانت قرب بطحاء رمضان بأي، ثم كُلِّف بالمراقبة على جمعية الأوقاف، فأدخل فيها من الإصلاحات ما شاء الله أن يدخل، ثم صدر له الأمر العالي برئاسة الإدارة المذكورة وهي اليوم سائرة بحسن أفكاره وثبات عزيمته حتى أشبهت أعظم الإدارات الأوروبية، أما خدمته الوطنية التي هي بيت القصيد من كتابة هذه العجالة فقد بلغ فيها مبلغًا عظيمًا، حتى لقد يُدعَى بين مواطنيه بالناصح الغيور، وكادت النهضة الموجودة الآن في تونس تنحصر فيه، فهو الذي سعى في تأسيس المدرسة الخلدونية وجاهد في سبيل حياتها جهاد الأبطال، وهو الذي قام بمشروع المستعمرة الفلاحية بإعانة نخبة من أبناء الوطن الساعين في سعادته، وهو ذو المآثر التي لا يحيط بوصفها القلم، ولا يقدر على تعدادها اللسان، وبالجملة فالرجل بقيمة الدهر، ونادرة العصر، وقد أجمع التونسيون على حبِّه واحترامه نظرًا لشهامته وغيرته، حتى إنك ترى الناس يفسحون له الطريق أثناء مروره ويقفون إجلالًا وتعظيمًا له، ومع هذا فهو متواضع كريم الأخلاق طاهر القلب صادق العزيمة ذو حزم ونشاط بالغًا حدَّ النهاية في كلِّ الأخلاق التي تسمو بالرجال إلى أوْجِ الكمال.

هذه نبذة صغيرة في ترجمة حياته أوردناها هنا كي تكون مثالًا للذي تركناه، أكثر الله من أمثاله في الأمة الإسلامية بمنِّه وكرمه.

(٢٢) أدباء تونس

إن للصناعة الأدبية في تونس شأنًا يُذكَر بالنسبة إلى حالة التعليم فيها، ففيها من الكتاب والشعراء المجيدين ما تفخر بهم هذه الحاضرة، كما تفخر مصر بكثير من شعرائها وأدبائها والذين حازوا قصَب السَّبْق في ميدان الأدب وكانوا كالأقمار بين النجوم، هم حضرات الأفاضل السيد البشير صفر — السالف الذكر — والسيد محمد الجعابي صاحب جريدة الصواب، والسيد عبد الرحمن الصنادلي مدير جريدة الزهرة، وعبد الرازق أفندي الغطاس صاحب جريدة حبيب الأمة، وعلي أفندي بشوشة صاحب جريدة الحاضرة، والسيد حسين عثمان صاحب جريدة الرشدية، والسيد أحمد القبايلي صاحب جريدة إظهار الحق، وغير هؤلاء الأفاضل الأدباء الذين تفخر بهم البلاد ويتعطَّر بذكرهم وذكر أدبهم كلُّ ناد.

ومن الذين عُرِفوا بالإجادة في قرض الشعر من أدباء تونس وشعرائها المجيدين الفصحاء المقتدرين؛ السيد محمد علي اللزربي الذي نظم قصيدةً غراء يعارض بها قصيدة شاعر النيل حافظ أفندي إبراهيم، الذي نظمها في الفتاة اليابانية، نسطِّرها هنا تنويهًا بفضل ناظمها الفاضل، وهي:

لا تلوموا باكيًا منتحبًا
حركته غيرة فاضطربا
كيف لا والدِّين قد حاطت به
بدع والعلم قد أمسى هبا
وأناس فشلت قواهمو
ولباس العز منهم سُلبا
وتردَّوا برداء الذل مذ
أمطر الجهل عليهم سحبا
هجروا قرآنهم من بعد ما
تركوا نهج النبي المُجتبَى
وعتوا عمَّا نُهوا عنه ولم
يجدوا إلَّا الشقا والتعبا
كيف لا يشقى أناس فرقت
في الورى آراءهم أيدي سبا
شربوا من خمرة الخسران في
حانة الزيغ فساءوا مشربا
وتمادوا في العمى والغي مع
بثِّ أفكار تُسمَّى كذبا
فلذا قد أهلكوا أنفسهم
وأضلوا حزبهم وأعجبا
أيُّ خير يرتجى منهم وقد
تَخِذوا الدين الحنيف لَعِبا
يا بني من تونس الناس بما
واهب الحسن لها قد وهبا
ما لكم عفتم جميعًا أمَّكم
منذ صارت تتشكي العطبا
وفعلتم كلَّ شرٍّ يُتَّقى
وإليكم كلُّ خبث نُسِبا
إن من يغرس أشجار الأذى
في بقاع البغي يجني النُّوَبا
يا بني الإسلام هل يرضيكمو
أن نور العلم عنكم حُجِبا
ما لكم صرتم حيارى كلكم
وعليكم كُلُّ أمر صعبا
أرضيتم أن تكونوا بين من
نُسِبوا للعلم مثل الغُرَبا
أم رضيتم بالملاهي موردا
وظننتم وردها مُستعذَبا
ما لكم قلتم إذا ما لمتمو
هكذا الله علينا كتبا
لا ينيل القصد تفريط امرئ
إنما الحزم بنيل المأربا
والذي يقطع بحر العلم في
مركب الجد يجد ما طلبا
وإذا ما عقلكم خامره
بعض شك والدليل احتُجِبا
فاسألوا المشرق عن يابانه
هل بغير العلم فاق المغربا
واسألوا عن حال أسلافٍ لنا
إنهم بالعلم نالوا الرتبا
يا بني الأوطان هل من نهضة
علَّها تبعد عنا الكُرَبا
ما لكم فرطتمو فيما به
عيشكم يبقى هنيئًا طيبًا
لا تظنوا الخير يأتيكم بلا
بذل جهد في التعاطي السببا
ليس للإنسان إلَّا ما سعى
والذي يسعى ينال المطلبا
إن أردتم أن تنالوا عِزَّكم
والذي من فخركم قد ذهبا
وتعيشوا سُعَدا بين الورى
وتنالوا في المعاني مَنْصِبا
فابذلوا في العلم أقصى جهدكم
واخدموا الدين وكونوا نُجُبا

ومنهم حضرة الشاعر الأديب السيد الصالح سويسي الشريف من نبغاء متخرجي جامع الزيتونة الذي قال قصيدة وطنية دلَّت على كمال أدبه، وصدق وطنيته.

وهي مطولة نقتطف منها ما وقع عليه الاختيار، وإن كانت كلُّها غررًا ودررًا قال في مطلعها:

إلى متى أمة الإسلام في كرب
وقد أحاط بها جيش من النوب
والفكر أضحى من التأخير في تعب
والغير في الجد أما نحن في لعب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
يا أمة لعظيم النصح ما سمعت
أسلافها استيقظوا لكنها رقدت
وفي نوادي الهوى واللعب قد رتعت
وما أفاد لسان الوعظ والخطب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
يا أمة عامل الأغراض فرَّقها
والعين قد شهدت حزنًا فأرَّقها
ناديت والنفس حسن الصبر فارقها
إن دام هذا العنا يا موت فاقترب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
هذي المفاسد قد راجت بضائعها
كذا الفواحش قد عمت وقائعها
والخمر قد ساد بين الناس بائعها
والفكر عن كل نفع صار في حجب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
أين المعالي التي كانت لأمتنا
أين التعاضد مَن يدعو لرفعتنا
أسلافنا شيَّدوا فخرًا لمِلَّتنا
والضد من بأسهم في غاية الرهب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
أسلافنا فعلوا الخيرات واجتهدوا
وجل أعدائه بالحق قد شهدوا
قوم بأفعالهم في الكون قد سعدوا
قد شيَّدوا وهدمنا كلَّ مُنتصِب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب
أسلافنا رفعوا للدين ما رفعوا
لله دَرُّهمو بالعلم قد نفعوا
قوم بعزم وحزم للعلى اندفعوا
هذا وذكرهم في الصحف والكتب
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب

وهي على هذا النمط البديع والأسلوب الحسن المستظرف.

(٢٣) القيام من تونس

غادرت تونس وركبت باخرة من بواخر الشركة الإيطالية، ووجهتي بلاد الشمس المشرقة، وكان العزم أن نسافر من طريق بوغاز جبل طارق، فسواحل أفريقية لأجل أن نقف على أحوال سكان هذه البلاد، ولكن رأينا المسافة بعيدة جدًّا فعدلنا عن هذا العزم إلى السفر عن طريق مرسيليا، ثم على الخطِّ الحديدي من هناك فرأينا كذلك المسافة بعيدة فضلًا عن كثرة المصاريف، وأخيرًا عقدنا العزيمة على السفر من طريق بوغاز السويس؛ حيث الطريق منه أقرب وأسهل والمصاريف أقل، وفعلًا قطعنا التذاكر إلى عدن ونزلنا في الباخرة فإذا هي خاوية من الركاب نحو الثلاثمائة ما بين الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة، وبينما أنا ورفيقي نطالع في بعض كتب العلوم الدينية، وذلك في صالون الباخرة الذي هو أشبه شيء بنادٍ عمومي للركاب، وإذا برجلٍ فرنسوي يُدعَى المسيو «بيرتو» اقترب منا ورغب في التعرُّف بنا، فبعد التحية دار بيننا الحديث الآتي وكانت المخاطبة بيني وبينه فقال: إني أظنكما مسلِمَيْنِ ومن أهل العلم.

– أجل.

– وإلى أيِّ البلاد أنتما ذاهبان؟

– إلى بلاد اليابان للتبشير بالدين الإسلامي.

– حسنًا فعلتما، وإني على ذكر الإسلام أريد أن أسأل على شيء طالما وددت أن أجتمع بمثلكما ليجيبني عنه، والآن أحمد الله على الاجتماع بكما.

– وما السؤال الذي تريد الجواب عنه؟

– إنني قبل كلِّ شيء أؤكد لكما بأني لم أقصد بسؤالي إلَّا الاهتداء إلى الحقيقة، والعلم بالمجهول، وما كنت لأقول هذا لولا خشية اتهامي بالتحامُل على الإسلام والمسلمين. إنني اطلعت على تاريخ الإسلام من عهد نشأته إلى هذا العهد فدُهِشْت جدًّا للفرق العظيم الذي بين حالته الأولى وحالته الحاضرة، فإن الإسلام ظهر في جزيرة العرب ومن قلب آسيا ولم يمضِ عليه قليل من الزمن حتى انتشر في بقاع المعمورة فلم يبقَ صقع من الأصقاع إلَّا ودخله الإسلام، وإن انتشاره هذا لم يكن بواسطة المبشرين ولا غيرهم، بل هو لأجل ملائمته لكلِّ جنس وكلِّ عادة من عادات الأمم، كما يُعرَف ذلك من أحواله وقواعده ومبادئه، وكان المسلمون في تلك العصور في أعلى درجات التقدم من حيث العلوم والمعارف، حتى إن الأمم كانت تخشى سطوة الإسلام وتنظر إلى مقام الخلافة نظر الاحترام والاعتبار.

وذلك بخلاف ما عليه المسلمون الآن من الانحطاط المادي والأدبي، حتى إنهم أصبحوا محكومين لأمم مخالفة لهم في الدين والعوائد، والقدر الذي يستظل بظل الخلافة منهم اليوم لا يوازي جزءًا من مائة من مجموع عدد المسلمين الآن.

– اعلم يا جناب الموسيو بيرتو أن الإسلام هو دين الفطرة، والعدل، والمدنية، والحرية، وإذا بحثت في أصوله، وقواعده، ومبادئه، وتعاليمه تكون أول من يردُّ كلَّ افتراء يفتريه غير المسلمين على هذا الدين، وإلَّا لما انتشر هذا الانتشار الهائل في سائر أنحاء الأرض في مدة وجيزة، وذلك التقدُّم الذي تقدمه المسلمون في العصر الأول ما هو إلَّا نتيجة سير المسلمين على قواعده والعمل بما جاء فيه من الأوامر والنواهي إلى غير ذلك من المعاملات مع أهل الأديان الأخرى، وإذا قرأت سيرة الخلفاء الأمويين والعباسيين تعرف مقدار ما كان يبذله هؤلاء في سبيل إعزاز كلمته وتأييد سلطته من إقامة الحدود في مقاطعها وتولية الأحكام لمن هم أكفاء لها، والذود عن حِمى الإسلام من أن تعبث به أيدي أهل الضلال وينال من كرامته أعداؤه، هذا فضلًا عن إكرامهم لأهل العلم وتعزيزهم لأهل الفضل.

فإذا نظرت يا مسيو بيرتو إلى أحكام القرآن، ثم نظرت إلى قوانين وشرائع سائر الدول تجد أن الشريعة الإسلامية هي الكفيلة بكلِّ ضروب العدل، سواء ذلك في الحقوق الجنائية التي يتساوى فيها المسلم وغير المسلم في كلِّ الشئون السياسية والدينية؛ لأنه جمع أنواع ما به سعادة مَن يدين به، وكان القاضي الشرعي يحكم في كلِّ الدعاوى المدنية والجنائية على مقتضى القواعد الدينية، وكلُّ العقوبات التي حدَّدتها الشريعة الإسلامية إذا تأمَّلت فيها وجدتها وحدها الكفيلة بردع الناس عن ارتكاب الجرائم، كما أنك إذا تأمَّلت في أركان الإسلام تجده جامعًا لمعنى المدنية الحقيقية.

فالمسلمون في العصر الأول كانوا آخذين بأوامر الدين ونواهيه، سائرين على كلِّ ما رسمه لهم في كلِّ أحوالهم الاجتماعية، أما الآن وقد نبذوا الدين ظهريًّا وجعلوه نسيًا منسيًّا لا تآلف بينهم ولا اتحاد يعزِّز جامعتهم، والبلية العظمى أنهم استعاضوا بالقانون الوضعي عن القانون السماوي، فالقاضي الشرعي لا يحكم الآن إلَّا في الأحوال الشخصية، هذا مع انكماش علماء الدين فلا هُم يعملون على إقامة البدع و[لا هم يعملون على] تنبيه الحاكم إلى المفاسد المنتشرة بين المسلمين؛ فكثر الفساد، وانتُهكت حرمات الدين وآدابه، ولم يعمل بها إلَّا الذين يتَّخذونها حبالة للتقرب من الملوك والأمراء، فهي غشٌّ ورياء، وزد على ذلك الجهل السائد بين كلِّ الطبقات، فترى الأغنياء يصرفون أموالهم في اقتناء الزخارف من أنواع البناء الفاخر وكلِّ مظاهر الغنى، ولم يأخذ المسلمون من مدنية الغرب إلَّا ما يضرهم في دينهم ودنياهم على أن المدنية الغربية مُستمَدة من التمدُّن الإسلامي؛ إذ الإسلام لم يأمر بالعبادات فقط، بل يأمر بأن يعمل المسلم لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ولدينه كأنه يموت غدًا، فلو سعى المسلمون سعي الغربيين من حيث الاكتشافات والاختراعات فهم يعملون بقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، حتى إن الحكمة التي أودعها الشرع الشريف في الصلاة والصوم والزكاة والحج هي نفس المدنية الحقيقية التي بها ترتقي الأمم إلى أوْج السعادة، فالصلاة والصوم يبعدان النفس عن ارتكاب الدنايا والفحش، والزكاة تمنع السرقات لأنك إذا بحثت عن جنايات السرقة، والسلب، والنهب تجد السبب فيها هو الفقر، والحج يؤلف بين قلوب المسلمين المنتشرين في سائر أنحاء الكرة الأرضية، فيكونون يدًا واحدة يشعر كلُّ فرد بما يشعر به الآخر على بُعد ما بينهما من المسافة، وأما ما يرمي به الجاهلون هذا الدين القويم من أنه دين التعصب ضد غيره من الأديان الأخرى خصوصًا المسيحية؛ فكله وهم باطل، وإلَّا لما عاش المسلمون واليهود والنصارى كلَّ هذه المدة من عهد بدء الإسلام إلى اليوم، وهم متمتعون بالحرية التامة في مرافق حياتهم يتبادلون فيما بينهم المنافع والفوائد المتعلقة بحياتهم الاجتماعية، ومن العجب أن أوروبا تتهم المسلمين زُورًا بأنهم متعصبون، إذا بدت منهم بوادر الألفة والاتحاد والتضامن في كلِّ ما يهمهم دنيا وأخرى.

وهذا تاريخ الإسلام من أوله إلى آخره لا تجد في أيِّ زمن من الأزمان أن المسلمين هاجوا ضد النصارى أو اليهود، بل الحروب الصليبية كلها لم تحركها إلَّا يد أوروبا التي تريد أن تمحو الإسلام عن العيون.

وعلى وجه الإجمال أقول لك يا جناب المسيو بيرتو إن المسلمين إذا عملوا بدينهم في أحوالهم السياسية، والدينية، والاجتماعية، ونبذوا كلَّ ما يخالف شريعتهم وعملوا بما هو واجب عليهم؛ لكانوا استرجعوا مجدهم السالف وكان مركز الخلافة يصير مرهوب الجانب في سائر الأمم.

وإني أراك يا مسيو بيرتو قد عرفت حقيقة السبب في تقدُّم المسلمين في العصر الأول وتأخُّرهم في العصر الحاضر.

– الآن قد وقفت على الحقيقة وزال عني الارتياب في معرفة الأسباب، وإني أشكرك شكرًا جزيلًا؛ حيث أفدتني فائدة طالما تعذر عليَّ الاهتداء إليها، ثم أخذنا نتجاذب أطراف الحديث في مسائل أخرى لا داعي لذكرها الآن.

(٢٤) المرور من السويس

بعد أن قطعنا المسافة الطويلة من تونس إلى السويس ومررنا في الطريق على البلدان المتقدِّم ذكرها ولا داعي لوصفها الآن، كما لا داعي لوصف السويس وتاريخها، حيث إنه معلوم لدى كل إنسان، ولما وصلنا إلى السويس تغيَّرت الباخرة وركبنا باخرة أخرى من بواخر شركة المساجري، وكان الجو صافيًا والبحر هادئًا، ولم نكد نقضي نحو اليوم والليلة حتى هبَّت الرياح الهُوج، فزاد اضطراب الأمواج وسارت الباخرة في صعود، وهبوط، وميل على الجانبين، الأمر الذي أقلق خواطر الركاب، فلبث كلٌ في مكانه لا يتحرك؛ هذا من الدواخ، وذاك من الخوف والاضطراب، وكان كلٌ يناجي من نجَّى نوحًا ومن معه في الفلك بلسان الحال وينشد قول الشاعر:

لما ركبنا ببحر
وكاد من خاف يتلف
على الكريم اعتمدنا
حاشاه أن يتخلف

وكان بعض الركاب يستعمل شراب الليمون والبعض الآخر يتعاطى بعض الأدوية التي استحضرها لهذا الغرض، ومكثت هذه الحال نحو السبع ساعات والبحر هائج مائج، ثم قلَّل من حدَّته وخفض من اضطرابه كأنه الغضبان استعطف، والحليم آب إلى رشده بعد الحدَّة، وأوَّل مدينة رست عليها الباخرة من المدن التي على ساحل البحر الأحمر مدينة ينبع.

(٢٥) مدينة ينبع

هذه المدينة ليست كبيرة من حيث عدد السكان، وليس بها من التنظيم ما لسواها من المدن التي على سواحل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بل هي ضيقة الشوارع التي تتراكم في جنوبها الأقذار، والأتربة، وماؤها آسن غير صالح للشرب مجلبة للأمراض، لونه أزرق يُجلَب من المستنقعات الرديئة الرائحة ومن العجب أنَّ أهل هذه المدينة يشربون من ماء هذه المستنقعات من غير مبالاة، وقد أُخْبِرت أن الحكومة العثمانية عازمة على الاعتناء بأمر الصحة في هذه المدينة، لا سيما الماء الذي منه حياة كلِّ شيء؛ إذ عزمتْ على ردْم هذه المستنقعات وإنشاء آبار ارتوازية.

وبهذه المدينة نوع من البعوض لسعه يقرب من لسع الزنابير، والسبب في وجود هذه المستنقعات. أما حالة التجارة في هذه المدينة فليست ذات أهمية تُذكَر؛ إذ بها بعض الحوانيت لبيع بعض البضائع الضرورية لمعاش الأهالي.

•••

وقد دخل الإسلام هذه المدينة في عهد النبي ولم يلقَ المسلمون في فتحها عناءً؛ لأن أهلها أسلموا وسلموا طوعًا واختيارًا ورغبةً في الإسلام لا خوفًا من السيف، وإلى هذه المدينة يُنسَب أبو عبد الله حرملة المدلجي، وهو من أصحاب رسول الله .

ويقطن في هذه المدينة عربُ قبيلة جهينة، وهم أصحاب النفوذ دون سائر سكانها، ثم أقلعت الباخرة من هذه المدينة قاصدة جدة ولم تمكث الباخرة فيها سوى ساعتين.

(٢٦) مدينة جدة

هذه المدينة قديمة العهد وبعض المؤرخين قال إنها كانت مستعمرة للفرس الذين جاءوا إلى بلاد اليمن وطردوا الحبشة منها، وأقروا سيف بن ذي يزن على مُلك التبابعة أجداده كما ثبت ذلك من التواريخ الصحيحة، والعامة تقول جدة بفتح الجيم والصواب ضمُّها.

وهي تبعد عن مكة بنحو خمسة وستين ميلًا وبجوارها سلسلة جبال منخفضة خالية من الأشجار، والنبات، وكانت هذه المدينة في العصر الأول محاطة بأسوار وبروج حصينة ومُحِيط بها خندق، وكان لها ستة أبواب مفتوحة من السور ولكل باب طريق موصل إلى البحر، ولم تزل آثار السور والأبواب والخندق موجودة إلى الآن، وأول ما وصلت الباخرة إلى مدخل الميناء أخذت تسير ببطْء حذرًا من أن تصطدم ببعض الشعاب الحجرية الكثيرة التي في مدخل الميناء، وقيل إن هذه الصخور هي أشجار المرجان النابتة في قاع البحر، وهذه الميناء هي أحسن ميناء على البحر الأحمر من حيث هي أول بلد يدخلها الحاج بعد ينبع في بلاد جزيرة العرب.

وبهذه المدينة تجار من الأوروبيين والهنود لهم حوانيت كثيرة، مما جعل لها أهمية تجارية أكثر من ينبع، وشوارعها متسعة لطيفة، ومن أهم شوارعها من حيث رونق البناء هو الشارع الممتد من البحر فالشارع المُسمَّى باسم أُمِّنا حواء، وفيه قبرها وهو ذو ثلاث قباب وإلى هذه المدينة يُنسَب رجال من أكابر العلماء مثل: عبد الملك بن إبراهيم الجدي، وعلي بن محمد بن علي بن أبي نصير، وأبو الحسن أحمد بن محمد الفينقي، وأبو بكر محمد بن عبد الرحمن القطان الذي روى عنه العلمَ والحديث عبدُ الله بن السمرقندي الشهير.

وقد اخْتبَرتُ من أخلاق أهل جدة ما دلَّني على أنهم أهل كرم وسخاء، خصوصًا مع الغريب عنهم البعيد منهم، ولم تكن على نصيب من العلوم؛ لأن الذين يعرفون القراءة والكتابة منهم قليلون جدًّا.

وقد أسعدني الحظ بمعرفة رجل فاضل غذَّته العلوم والآداب بلِبَانِها، وحنَّكته التجارب حتى إنه يُعَد من رجال السياسة الخبيرين بأحوال الأمم الاجتماعية على أدب فيه، وكمال ظرف وهو حضرة الفاضل الحاج إسماعيل الليثي من قبيلة تُدعَى بهذا الاسم، وقد مكثت زمنًا قليلًا وأنا أحادثه في كثير من الشئون السياسية، والأحوال الاجتماعية، ونحو ذلك من الفنون الأدبية فكان في كلِّ موضع من مواضع الحديث يُجِيد ويفيد، حتى عرفت منه ما لم أكن أعرفه من أحوال بلاد جزيرة العرب التي تنقلها الجرائد مُحرَّفة عن الحقيقة.

وبهذه المدينة مسجد شهير يُسمَّى مسجد الأبنوس، وغيره من المساجد التي أقل منه في الدرجة.

•••

ومنازل كبراء هذه المدينة تُبنَى من الحجر الصخري، وأعظم أبنيتها دار الرسومات، ومنزل الوالي، ثم أقلعتْ الباخرة قاصدة مدينة عدن.

(٢٧) مدينة عدن

هي واقعة في الشمال الشرقي من الجبل على بحر عمان تجاه جزيرة «سيرة»، وكانت في العصور الأولى مركزًا تجاريًّا بين الهند والبحر الأحمر، وفي سنة ٥٢٥ ميلادية دخلت في حكم الحبشة الذين جاءوا من قِبل الإمبراطور «شزتين»، لأجل أن ينتقم من بعض المسيحيين، وبعد خمسين سنة دارت الدائرة على الأحباش وطردهم العجم، وفي القرن الأول من التاريخ الإسلامي دخلها المسلمون، وصارت مركزًا تجاريًّا مهمًّا رغم الثورات الداخلية، وفي سنة ١٥١٣ ميلادية حاصرها الليو كيرت وهم من الهند مدة أربعة أيام ولم ينجحوا، وفي سنة ١٥٣٨ ميلادية استولى عليها السلطان سليمان، ووضع الأتراك فيها الحماية، وفي سنة ١٥٥١ حصلت ثورة داخلية كانت داعية لخروج الأتراك وضمِّها إلى البرتغال مؤقتًا، وفي سنة ١٦٣٠ استولى على هذه المدينة جملة من رؤساء البلاد، وكان الأهالي يعاملون تجار الإنكليز والهولانديين أسوأ معاملة، وفي سنة ١٨٠٢ عقد «السير بوفان» الشهير معاهدة تجارية بين الهند وأمير عدن المدعو «لاهاتش»، وفي سنة ١٨٣٨ نُهِبت مركب إنكليزية تجارية فكانت هذه الحادثة سببًا في استيلاء الإنكليز على عدن، وعيَّنت لهذا الأمير مرتبًا شهريًّا، وقد حاول هذا الأمير أخذ هذه المدينة من الإنكليز فلم ينجح، وفي سنة ١٨٦٨ ضُمَّ إلى هذه المدينة الجزائر المجاورة لها وهي الآن تحت حكم الإنكليز.

وعدن أول موضع ظهرت فيه دعوة العلويين بالخلافة، وتخرج منها أكابر من العلماء الأفاضل منهم: أبو بكر أحمد بن محمد السعيدي الشاعر الذي يقول في عدن ويصفها أيام كانت زاهرة بالعلوم في عهد شباب الإسلام:

حياك يا عدن الحيا حياك
وجرى رضاب لماه فوق لماك
ولقد خصصت بسر فضل أصبحت
فيه القلوب وهن من أسراك
يسري بها شغف المحب وإنما
للشوق جشمها الهوى مسراك

إلى أن قال في وصف نسائها:

فتانة اللحظات تصطاد النهى
ألحاظها قنصًا بلا أشراك

ثم قال في مدح أميرها وهو الختام:

وعلام أستسقى الحيا من بعد ما
ضمن المكرم بالندى سقياك

وصلنا هذه المدينة بعد أربعة أيام من مرورنا من قنال السويس، وهي الآن في عداد المدن التي دخلتها المدنية الغربية، فحيثما حللت فيها تجد العمارات التي بُنِيت على الطراز الأوروبي، وشوارعها متسعة منظمة مُعتنًى بنظافتها، وناهيك باعتناء أبناء التأميز إذا دخلوا بلدًا ووضعوها تحت حمايتهم أو أدخلوها في ممتلكاتهم، وقد توجد بهذه المدينة معامل كثيرة للفحم الحجري تُعَد بالعشرات، وهي قريبة من البحر، هذا فضلًا عن رواج سوق التجارة فيها رواجًا يُذكَر، وبهذه البلدة حدائق كثيرة تتخلل شوارعها وبذلك يُعلَم أن الصحة فيها متوفرة، وبجوار البحر ساحة كبرى قد غُرِست بها الأشجار، وبجوارها دار للتمثيل خاصٌّ بالإنكليز دون سواهم، وبعد أن مكثنا بعض ساعات في عدن غادرناها قاصدين بروم.

(٢٨) القيام من عدن

بعد أن مكثت الباخرة بعض ساعات في عدن، أقلعت منها قاصدة بومباي، وقد مررنا في طريقنا على عدة أماكن لم تقف بها الباخرة وقتًا كافيًا لأنْ أدون عنها شيئًا من أحوال سكانها الاجتماعية كبروم وغيرها، وغاية الأمر أن السفينة وقفت في ميناء قصير نحو الساعتين ونصف، وقد شاهدت الأهالي يأكلون الذرة وهي حب لم يُطحَن ولم يُخبَز فعلمت أن المعيشة فيها هي معيشة الشظف، على أن الأرض هناك زراعية خصبة قابلة لأن يشتغل بها الأهالي ما يجعلهم في دائرة الثروة والغنى لو اعتنوا بأمر الزراعة، والسواد الأعظم هناك يحتطبون ويبيعون ما يحتطبونه، ولا يوجد بهذه البلدة من معاهد العلم إلَّا قليل من الكتاتيب التي هي أحط من كتاتيب أرياف مصر، أما حكومتهم وسياسة أحوالهم الاجتماعية وقضاياهم بأنواعها فموكول أمرها إلى مشايخ منهم وهم الحكَّام الفاصلون في القضايا بين الأهالي.

والحال أنهم في نهاية الجهل، أميون يحكمون بما توحيه إليهم إرادتهم وأغراضهم، والاستبداد موجود في بلادهم بمعناه الحقيقي، وهم يُسَخِّرون الأهالي في جميع الأعمال، وأغلبهم بلا مقابل شأن المستبد المُطلق التصرف، ولولا أن الباخرة لم تمكث فيها إلَّا زمنًا قليلًا، لكنت كتبت ما هو أوضح وأكثر بيانًا، ثم قمنا منها قاصدين بومباي.

(٢٩) مدينة بومباي

يرى القارئ فيما تقدَّم أنني ذكرت مجمل تاريخ بعض المدن التي مررت بها لزيادة الفائدة، ولكن في هذا الفصل رأيت أن أتكلم عن هذه المدينة بأقل من الاختصار؛ لأنها إحدى عواصم الهند الكبرى وتاريخها يشغل جزأ عظيمًا من هذه الرحلة لو كان مجملًا فكيف به إذا كان مفصَّلًا وعلى هذا أقول:

هذه المدينة فتحها المسلمون في أواخر القرن الخامس عشر بعد المسيح وفي سنة ١٥٣٠ ميلادية استولى عليها البرتغاليون، ثم بقيت تدخل في حكم الدول والملوك الوطنيين، ومرت عليها حقب وأجيال وحوادث كثيرة فيها كثير من العبر لمن اعتبر، حتى دخلت أخيرًا في حكم الإنكليز ولم تزل إلى الآن، ويرى القادم من جهة البحر على هذه المدينة أن شكلها مربع تربيعًا هندسيًّا، ويرى الأبنية مُشيَّدة على قواصر عالية مبالغ في إتقانها، وتنسيقها، وبداخل بومباي سور في داخلها كثير من القصور الفاخرة التي يسكنها الأغنياء، أما بيوت السوقة فيها فهي تُبنَى من الخشب والآجر.

أما حركة التجارة فيها فقل ما شئت من رواج، وبضائع ثمينة هندية، وغير هندية وبالجملة فإن المدنية فيها متوفرة الأسباب، خصوصًا بعد استيلاء الإنكليز على الهند، والمسافة بين عدن وبومباي خمسة أيام، ثم قمنا من بومباي قاصدين مدينة كولمبو على باخرة من بواخر الشركة الإنكليزية وكانت قاصدة مدينة هنغ كونغ وهي آخر محطة تقف فيها الباخرة.

(٣٠) مدينة كولمبو

هذه المدينة بينها وبين بومباي مسافة يومين ونصف بسير الباخرة، وهي عاصمة جزيرة سيلان التي نُفي إليها أحمد عرابي «باشا» رئيس الثورة العرابية، ويُقال إن اسمها كان في العصور الخالية «سرنديب» التي يقول فيها الشاعر:

أمطري لؤلؤًا جبال سرنديـ
ـب وفيضي آبار تكرور تبرا
أنا إن عشت لست أعدم قوتًا
وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الكرام ونفسي
نفس حرٍّ ترى المذلة كفرا
وإذا ما رضيت بالعيش قوتي
فلماذا أزور زيدًا وعمرا

وهذه المدينة جرى عليها من حكم الزمان ما جرى على غيرها من المدن التي لها ذكر يحفل به في التاريخ، ودخلت وخرجت في حكم الدول مرات عديدة بحيث يطول بنا المقام إذا شئنا التكلم عنها من هذه الوجهة، وقد دخلت تحت سلطة إنكلترا سنة ١٧٩٦ ميلادية وهي باقية تحت سلطتها إلى الآن، أما حركة التجارة في هذه المدينة فهي سائرة على نهج التقدم، وأما موقعها الجغرافي فهو قد أكسبها مزية جودة الهواء واعتدال الطقس، وقد فُرِشت طرقاتها وشوارعها بالأسفلت والرخام، والمنازل مبنية على الطراز الأوروبي، ودار الحكومة وثكنات العساكر والمستشفيات مُقامة بجوار البحر مما جعل منظرها جميلًا في نظر القادم إليها من البحر.

وفي عهد الرومانيين كانت هذه المدينة محطًّا لرجال الكاثوليك من الرومان، وكثير بها أشياع هذا المذهب، ولكنها الآن قد حلَّ بها محلَّ أولئك أشياع المذهب البروتستانتي، وبها مدارس للأكليروس أشهرها: مدرسة «ولسلي»، و«أندستزيل» و«مدكل»، والأخيرتان أُسِّستا سنة ١٨٧٠ ميلادية، وبها جمعية كبرى ملحقة بجمعية المساعي الملوكانية بإنكلترا.

ولا يكاد يخلو شارع أو طريق فيها من عربات النقل والركوب لأهمية الحركة التجارية، والحيوانات التي تُستخدَم في جرِّ هذه العربات بدنية ذات قوى عظيمة، ولون أغلب الخيول فيها مائل إلى الصفرة.

والمحلات العمومية يكثر فيها شرب الشاي الجيد، والكأس منه يساوي صوردي والصوردي يُعادل أربعة أعشار القرش المصري، وإذا أُضِيف إليه شيء من اللبن والبسكويت فيساوي صورديين ونصف؛ أي قرشًا صاغًا مصريًّا والذي يتناول هذا المقدار يمكنه أن يستغنى به عن الغداء أو العشاء، لا سيما شاي أوتيل «البستنليز».

ويوجد بهذه البلدة جمعية كبرى مسيحية للتبشير بالدين المسيحي، ولها موارد للصرف عليها يُجمَع منها أموال طائلة في كلِّ سنة، على أن الدين الإسلامي قدم إلى الشرق الأقصى وامتدَّ فيه بسرعة، فلو وُجِد من المسلمين من يناظر مثل هذه الجمعية أو غيرها في بثِّ التعاليم الدينية الإسلامية، لكانوا أدَّوا واجبًا عليهم؛ إذ هم أحق بأن يشدُّوا أزْرَ الدين في هذه الأصقاع، ثم غادرنا هذه المدينة قاصدين سنجافورة.

(٣١) مدينة سنجافورة

ويقال لها سنغابور، يعني مدينة الأسد وكانت العرب تسميها سنغافور، هذه المدينة دخلت في أدوارٍ شتَّى، وأطوار متعددة، ومرَّت عليها حوادث كثيرة لها شأن يُذكَر في التاريخ، وكانت في القرن الثاني عشر عاصمة مملكة ماليزيا التي تفرَّقت في الشرق الأقصى وقامت بها في هذه المدة ثورات داخلية لا داعي لذكرها الآن، وفي القرن الثالث عشر استولى عليها بعض ملوك الجاوه، وبعد قليل من الزمن نُقِلت العاصمة منها إلى ملقا، فاضمحلت وأخذت في الانحطاط شأن المدن التي تكون قاعدة للممالك، ثم يُنقَل منها رونق الملك وبهاء السلطان إلى غيرها.

وفي عام سنة ١٨٤٤ تداخل الإنكليز في شئون هذه الجزيرة، وكان سلطانها في ذلك الوقت يُدعَى السلطان جوهر، فطمَّعه الإنكليز بأموال وأعطوه في بادئ الأمر اثني عشر ألف جنيه دفعة واحدة، ورتَّبوا له أربعة آلاف وثمانمائة جنيه سنويًّا، ثم تنازل عن السلطة إليهم من هذه الجزيرة والجزر المجاورة لها، وهكذا يكون شأن البلاد التي يقضي عليها المقدور بالأخذ في أسباب الموت الأدبي، وهذه الجزيرة واقعة بقرب الطرف الجنوبي في شبه جزيرة «ملاي» ويفصلها عنها بوغاز سنجافورة، وهواؤها معتدل لكن أغلب أرضها غير صالحة للزراعة.

ويقال إنه يوجد حيوان مفترس من فصيلة النمر لا يكاد يمضي أسبوع، حتى يفترس واحدًا من الأهالي الذين لا قُدْرة لهم على مطاردته أو صيده، وبهذه البلدة تجار من الهنود يجلبون إليها البضائع من الهند، ولهولاندة تداخل في سياسة هذه البلاد، والمسلمون هناك أمرهم عجيب، متمسكون بآداب الدين من جهة العبادة فقط، ولكن في الشئون الأخرى التي عليها قوام حياة الأمم والشعوب لا هِمَم عندهم ولا غيرة تحركهم إلى الأخذ في أسباب النهوض؛ فلذلك ينظر إليهم الهولانديون نظر الاحتقار، وربما يتجاوزون في اضطهادهم الحدَّ فينالون من كرامة أعراضهم، وفي الإشارة ما يغني عن التصريح، وبهذه البلدة منتزه جميل للغاية يوجد فيه كلُّ نباتات المنطقة الحارة وبها قلعة كبيرة مُحصَّنة على تلٍّ مرتفع بجوار المساكن التي يسكنها الصينيون، وأهل هذه البلدة هم أهل وراعة ولطف يُعدون من الطبقة العالية ممن تهذَّبوا وتنوَّروا بنور العلم، أو الذين نَشئوا في العائلات ذات الحسب والنسب، وفيها بضائع جميلة تُحمَل إليها من الجهات، وهي بهذه المزية تُعَد من أمهات بلاد الشرق الأقصى عمرانًا ومدنية ثم أقلعت الباخرة قاصدة هنغ كونغ.

(٣٢) القيام من سنجافورة إلى هنغ كونغ

وصلنا إلى هنغ كونغ بعد ستة أيام وقد مررنا في الطريق على مدينة سيجون وطوران، ونرى أن الإفاضة في وصف هاتين المدينتين غير لائق في هذا المقام؛ إذ غاية ما يصل إليه الواصف هو أنهما من المدن التي لها حظٌّ من العمران، وقد امتاز أهل سيجون بدماثة الأخلاق ولطف السجايا وحسن معاملة الأجانب، رأيت منهم هذه الأخلاق الفاضلة فتمثَّلت بقول الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبقَ إلَّا صورة اللحم والدم

أما هنغ كونغ فهي واقعة في جزيرة من جزر الصين على مصبِّ نهر كانتون، وقد حفظ التاريخ لهذه المدينة حوادث عظمى في القرون الخالية وتقلَّبت في أطوارٍ شتى، حتى استولى عليها الإنكليز من سنة ١٨٤٢ ميلادية، وهي عامرة بأنواع المتاجر الفاخرة والعمائر الضخمة وحسن انتظام طرقاتها ومسالكها، وماذا عساي أقول في وصف مدينة لم يقع نظري على شيء فيها إلَّا شاقه وأعجبه، وقد يُخيَّل للقادم عليها أنها بُنِيت على جبل أو هضبة لارتفاع منازلها، وإني أرى أن المقام يسمح لي بأن أذكر بعض شيء عن أحوال الصين الاجتماعية خصوصًا فيما يتعلق بالمسلمين في هذه المملكة، وذلك مما عرفته من محادثةٍ جرت بيني وبين بعض فضلاء الصينيين، وهو حضرة الفاضل السيد سليمان الصيني الذي رافقني إلى اليابان.

أما المسلمون في الصين فليس لهم شعار مخصوص يميزهم عن باقي الأهالي من أهل الأديان الأخرى، كالبوذيين والبراهمة، فلا تكاد تعرف الواحد منهم حتى يعرِّفك هو بنفسه أنه مسلم، أو مسيحي، أو بوذي، وهم متحدون في الكلمة يحبُّ بعضهم بعضًا، ويسعون في المنافع المتبادلة بينهم، كما أنهم يد واحدة في كلِّ ما يهمهم من أمور الدنيا والدين، وهم أبعد أهل الصين عن الفتن، والقلاقل المخلة بالأمن العام، وإذا اختلفوا في أمر ديني فمرجعهم إلى العلماء والفقهاء منهم، وإذا اختلفوا في أمر دنيوي فالحكومة هي التي تفصل بينهم في قضاياهم في هذا الخصوص.

وهم يَعُدون أنفسهم أشرف أهل الصين ويفخرون بأنهم من الذين أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان والتوحيد؛ ولذلك لا تجد أحدًا منهم يأمن في المعاملة والمعاشرة إلا لأبناء دينه، ولا يخالط أحدًا من أهل الأديان الأخرى إلا المسيحي الكاثوليكي، ومع كثرة عددهم فهم متشتِّتون في أنحاء المملكة، ويوجد منهم عدد عظيم في بكين عاصمة الصين، وبهذه الحالة يصعب عليهم أن يؤلِّفوا لهم جمهورية أو مملكة مستقلة، ومع هذه الحالة فهم يحترمون الحكومة أيما احترام ويسيرون في كلِّ أحوالهم الاجتماعية على مقتضى القوانين التي سنَّتها لهم حكومتهم من غير مخالفة لها وحيادٍ عنها، غير ناظرين إلى أن الحاكم ليس من أهل دينهم، وإنما جُل مرغوبهم أن يعيشوا في هناء وصفاء، وقد يَسُومُهم العداء ويعاكسهم في عباداتهم كثيرون من الأرثوذكس، والبروتوستانت، والبوذيين من أهل الصين للعداوة المتأصِّلة في نفوسهم ضدَّ الإسلام والمسلمين، كما أنهم يعتقدون مسلمي الصين ليسوا من الجنس الصيني وإلَّا لما اعتنقوا دين الإسلام، والمسلمون كلما رأوا منهم إهانة لهم أو معاكسة ينادونهم بقولهم «هوى هوى»، وقد سألت حضرة السيد سليمان عن معنى هذه الجملة، فقال لي: ليس لها معنًى في لغة أهل الصين الأصلية، وإنما المعنى المصطلح عليه عند المسلمين هو «ارجعوا ارجعوا» والمراد ارجعوا عن هذه المشاكل واتبعوا الإسلام.

والمسلمون في الصين هم أهل صناعة وصناعتهم هي أحسن ما تفخر به الصين قديمًا وحديثًا ويحمل منها إلى سائر أنحاء الكرة الأرضية، وأشهرها في مصنوعات الصوف والحرير؛ ولذلك فهم لا يميلون إلى الاستخدام في دوائر الحكومة بخلاف غيرهم، وهذه فضيلة من الفضائل التي يُغبَطون عليها.

وقد رأيت أهل الصين على اختلاف المذهب والدين متَّفقِين أغلبهم على إرسال شعر الرأس مضفورًا ضفيرة واحدة وشواربهم ملوية إلى الأسفل مع طولها؛ ولذلك لا مميِّز بين المسلم وغيره لاتفاق الكلِّ في الزي والهندام، وإذا سمع العوام من الصينيين غير المسلمين كلمة «هوى هوى» يجيبونهم بقولهم: «تسى» ومعنى هذه الكلمة اللص، ولكن المسلمين يسخرون منهم ولا يلتفتون إلى قولهم هذا ويعتبرونه من القول الهراء الذي لا معنى له ولا تأثير، ولو عامل مسلمو الصين هؤلاء بمثل ما يعاملونهم به، لأصبحت أرض الصين مرسحًا تمثل عليه أفظع روايات الحوادث الفظيعة، وقد سبق في الزمن الغابر أن المسلمين ضاقوا ذرعًا بما يفعله البوذيون فجرت حوادث أقامت الصين وأقعدتها وجرت فيها الدماء أنهارًا، وخُرِّبت لأجلها مدائن فمنها ثورة في «كشوفر» وهي المشهورة عندهم التي حدثت سنة ١٨٢٨ ميلادية، ومنها الثورة التي كانت سببًا في خراب مقاطعة يونان التي ابتدأت من سنة ١٨٥٥ وانتهت في سنة ١٨٧٣، والثورة التي حدثت في «كانس» وأُخمِدت نيرانها في سنة ١٨٨٢، ومن عظم خطب هذه الثورات التي ارتجت لها الأرض، وزلزلت زلزالها، وتوقعت أوروبا وقوع حرب عامة صليبية ولم تزل إلى الآن آثار هذه الثورات في بلاد الصين، وعلى الخصوص في مدينة «أنشى»، التي دُمِّرت في ذلك الحين، وأصبحت خاوية على عروشها، ولم يبقَ منها إلَّا أطلال بالية.

ولما حصلت هذه الثورات حظرت الحكومة على المسلمين الخروج من بيوتهم ليلًا حذرًا من زيادة الاضطراب فلم يقبل المسلمون ذلك.

وكأن المذهب الكاثوليكي أخرج المتدينين به عن دائرة كلِّ مسيحي يعادي المسلم، فهم يميلون إلى المسلمين كلَّ الميل، والذي قوَّى روابط هذا الوداد بينهم هو أنه لما حدثت حوادث سنة ١٩٠٠، وهي حوادث البوكسر التي اشتركت الدول في إخمادها أظهر المسلمون انعطافهم نحو البوكسر من غير أن ينضموا إليهم أو يساعدوهم في الثورة، حتى إنهم لما رأوا هذا الانعطاف منهم طمعوا في أن يساعدوهم، فأبى المسلمون أن يجيبوهم إلى رغبتهم، بل كانت مساعدتهم لهم هو نفس الانعطاف الذي أظهروه نحوهم، ومن العجيب المدهش أن أوروبا تتهم المسلمين بالتعصُّب تهمة لا دليل عليها ولا نصيب لها من الصحة، فلو كان المسلمون متعصِّبين حقيقة لَمَا ظهر مسلمو الصين بمثل هذا المظهر نحو المسيحيين هناك، ونعود ونقول إنه لما حدثت الحوادث المتقدِّمة الذكر بين المسلمين والوثنيين توجه أكابر المسلمين إلى رؤساء الديانة المسيحية الكاثوليكية، وأخبروهم بأنهم يختارون علامة مخصوصة لأبناء طائفتهم تميزهم عن غيرهم خوفًا من الالتباس الذي يتسبب عنه إصابتهم بمثل ما أصيب به الوثنيون، فلينظر القارئ المنصف إلى هذه الأفعال هل تصدر من متعصِّب أم من أمةٍ دينُها يأمرها بعدم أذى من يخلص لها المعاملة؟

إن الدين الإسلامي هو دين السلم دين حسن المعاملة مع غير المتدينين به، دين الحرية دين العدالة التي هي أصل كلِّ خير وفلاح، دين المساواة بين الناس؛ إذ يستوي فيه الغني والفقير والحقير والأمير: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، وإذا كانت عواطف مسلمي الصين هذه العواطف نحو المسيحيين فكيف إذن تكون عواطفهم مع بعضهم؟ بل كيف تكون عواطفهم نحو إخوانهم المسلمين المتفرِّقين في سائر أقطار الأرض؟ وإذا كان هذا شعورهم نحو بعضهم ونحو إخوانهم وهم لم يباشروا المناسك الدينية التي من مقتضاها توثيق عرى الرابطة الدينية بين المسلمين كالحج الذي يجتمع فيه المسلمون من كلِّ أطراف المعمورة فلو كان الطريق سهلًا، وأسباب السفر تيسَّرت لهم، وحج منهم أناس عديدون في كلِّ سنة لكنا نرى منهم من الإحساس والشعور الديني أضعاف ما نراه منهم الآن.

وإذا كانت أوروبا تتوقع من حين لآخر خطرًا أصغر يتهددها من الشرق، بسبب هذه الحركة الخفيفة التي أظهرها الشرقيون في سبيل الرقي فكيف بها إذا أخذ المسلمون الصينيون في أسباب التآلف بواسطة هذه العلاقات المذهبية والتعاليم الدينية؟ وهنا نقول إن أوروبا مُحقَّة في تخوُّفها هذا وغير مُحقَّة في اتهام المسلمين بالتعصب.

هذا وبعد حوادث سنة ١٩٠٠ رأى مولانا الخليفة الأعظم أن يبعث وفدًا إلى بلاد الصين؛ لينظر حالة المسلمين هناك وليقوي العلائق بينهم وبين مركز الخلافة الإسلامية، فأرسل — حفظه الله — وفدًا مؤلَّفًا من نخبة رجال الدولة الأمناء من علماء وكُتَّاب وغيرهم، وكان الرئيس على هذا الوفد هو سعادة «آور باشا» فسافر في شهر ديسمبر سنة ١٩٠٠، وكان سفر سعادته سرًّا من غير أن يعلم به أحد حتى نفس رجال المابين.

والذين على قلوبهم غشاوة من الجهل والحمق والغباوة لما اتصل بهم نبأ هذا الوفد، أشاعوا وأذاعوا أنه لم يُفِدْ شيئًا، ولم يثمر الثمرة المطلوبة من إرساله، والحقيقة أن هذا الوفد لما قام من الأستانة مباشرةً، ووصل إلى هاتيك البقاع أخذ يتجول في البلاد، حتى وصل إلى شنغاي، وفي أثناء تجوُّله ظهر له أنه ليس في الصين من يعرف اللغة العربية التي هي لغة القرآن ولا اللغة التركية، فخابر بذلك الباب العالي وبمجرد علمه بذلك أرسل حفظه الله رجلًا عالمًا فاضلًا متضلِّعًا في علوم الدين وله معرفة تامة باللغة العربية، والتركية، والفرنسوية، كما كانت له معرفة ببعض الصينيين القاطنين في غرب المملكة الصينية من «كانسو»، على أن الوفد نفسه أخذ في تجوُّله يلقي بعض مبادئ اللغة العربية على الصينيين ويعلمهم حقيقة الديانة الإسلامية وكيف يحفظون كتاب الله تعالى، ويعملون بما جاء فيه مع فهم المعاني؛ لأنهم يحفظون بعض آيات القرآن الشريف ولكنهم لا يعرفون ما تضمَّنتْه هذه الآيات الشريفة من العظات البالغة والحكم النافعة، وقد عاد الوفد مكلَّلًا بأكاليل النجاح، وترك له أثرًا حميدًا في نفوس أهل الصين.

•••

واحتفال المسلمين هناك بالعيدين بالغ حدَّ الاعتناء، فهم لا يدعون مظهرًا من مظاهر الفرح والسرور إلَّا فعلوه إذا جاء وقت هذين الموسمين الدينيين، وإذا جاء شهر رمضان المعظم لا تكاد تجد واحدًا منهم مفطرًا، ويبتعدون عن كلِّ شيء يمس بكرامة الدين حتى نفس الشبهات، وشهر رمضان يسمونه «باتشاي» على أنهم في هذه الحالة من التمسك بقواعد الشرع الشريف، عندهم بعض بدع وذلك أن أحدهم إذا ارتقى إلى منصب من مناصب الحكومة مع عدم ميلهم إلى ذلك يذهب إلى معبود هناك يتقرَّب إليه البوذيون، ويتقرَّب إليه كما يفعل هؤلاء ولا أدري ما هو السبب الحامل لهم على التقرُّب سوى أنه يكون واسطة في إعطائهم المعونة على القيام بالوظيفة خير قيام، وهذا المعبود يُسمَّى عندهم «كونفوشيوس».

ومن الأسف الشديد الذي لا أسف بعده أن نحو الخمسين مليونًا من المسلمين في الصين لا يوجد بينهم علماء من الطبقة العالية ينفِّرنوهم عن هذه الخرافات والبدع، وأن من التقصير الفاحش أن العلماء من المسلمين يعلمون بمثل هذه الأحوال ولا يؤلفون الوفود منهم للذهاب إلى الصين وبثِّ العقائد الصحيحة الدينية هناك.

وأول من يُلام على هذا التقصير هم علماء الأزهر الشريف الذي ينظر إليه العالم الإسلامي بأجمعه نظر الاعتبار والاحترام؛ لأن الأزهر في نظر كلِّ مسلم في العالم.

ولو أقام الوفد الذي أرسله جلالة الخليفة في بلاد الصين زمنًا طويلًا لأتى بنتائج حسنة، ولكنه لم يمكث الزمن الكافي لمعرفة هذه البدع والخرافات حتى كان يسعى في إزالتها.

وأيضًا إن الذين يعرفون حقيقة الدين الإسلامي من أهل الصين يُعَدُّون على الأنامل، ولا يتجاوزون حركات العوامل، ومن هؤلاء حضرة العلامة السيد سليمان الصيني الذي صحبني إلى اليابان.

سألت هذا الفاضل: لِمَ تسافر إلى اليابان لنشر لواء الإسلام مع أن بلادك أحوج إليك لنشر تعاليم هذا الدين؟ فما كان جوابه إلَّا أن قال: إن اليابان أحوج من الصين؛ لأن الدين الإسلامي سيقدَّم إليها من جديد، بخلاف بلاد الصين وكوني أهدي وثنيًّا إلى الإسلام خير من أن أعرِّف مسلمًا حقيقة الدين، وقد أكَّد لي أنه عند عودته إلى بلاد الصين سيسعى جهده في إزالة هذه المعتقدات الفاسدة من أذهان المسلمين، فشكرت له هذه الأريحية ودعوت له بالنجاح في كلِّ أعماله، وأكَّدت له أنه بعمله هذا يكون قد خدم الدين والمسلمين أجل وأعظم خدمة.

ولأهل الصين اعتناءً زائد بأمر الزراعة والفلاحة، حتى إنه لا يوجد نوع من أنواع البقول أو الفواكه أو غير ذلك من المزروعات الموجودة في العالم إلَّا عندهم خبرة بزراعته، ومن كثرة اعتنائهم بفلح الأرض واهتمامهم بشأن الزراعة يعملون احتفالًا باهرًا في كلِّ سنة يحضر فيه نفس الإمبراطور، ويمسك بيده المحراث ويحرث قطعة من الأرض، وفي ذلك معنى جليل وهو أن الأهالي يجب عليهم أن يقتدوا به في أمر الزراعة، ولا يأنفون من مسك المحراث. ومن شدة شغفهم بالزراعة وعدم وجود الأرض الكافية الصالحة للزراعة؛ يصنعون ألواحًا من الخشب ويضعونها على الأنهر بعد تغطيتها بالطين، ويبذرون فيها البذر فتكون هذه الألواح بمنزلة الأرض العامرة الجيدة التربة.

والحيوانات التي يستخدمونها في الزراعة كالبقر والجاموس قلَّ أن يوجد مثلها في جميع بلاد العالم من حيث ضخامة الجسم والقوى.

•••

وأهل الصين يغلب عليهم طبيعة الكسل والفتور وذلك لأنَّ أكل الأفيون عندهم ضروري، وهو داعية الكسل والخمول، ولما عرف ذلك الإمبراطور أصدر أمرًا عاليًا في هذه السنة بمنع زراعته، وهذا فعل حسن جدًّا؛ إذ في ذلك من الفائدة الصحية والأدبية ما لا يخفى.

•••

على أن أهل الصين لو دأبوا على هذا النهج الذي هم ناهجوه الآن من الأخذ بأسباب الرقي مع ما وُجِد فيهم طبيعةً من الاستعداد لكانوا أمَّة حية كما فعل اليابانيون، وهم أقرب إليهم من جهة الشبه في الجنس والموطن.

(٣٣) القيام من هنغ كونغ

غادرنا مدينة هنغ كونغ ووِجْهتنا مدينة يوكوهاما وبينما أنا ورفيقاي نطالع في بعض الكتب على معزل من الركاب، وإذا برجل من كندا بأمريكا اقترب منا ورغب في الحديث معنا، لا سيما بعد أن عرف أني مصري، وفعلًا قَرُبَ منا وبَدَأَنا بالتحية فردَدْناها عليه بأحسن منها، ثم وجَّه إليَّ الخطاب وقال: إني لمَّا كنت في الصين وصل إليَّ خبر حادثة دنشواي، ولكن الروايات التي كنت أسمعها كانت تختلف كثيرًا فأريد أن أعرف حقيقة هذه الحادثة؛ حيث إنك مصري فأجبته بالإيجاب، وأخذت أشرح له هذه الحادثة بالتفصيل، وبيَّنت له تاريخ وجود المحكمة المخصوصة والسبب في وجودها فكنت أرى في وجه الرجل علامات التأثُّر الشديد، ثم استطردنا الحديث في مواضيع أخرى في الشئون السياسية المتعلِّقة بمصر وأحوالها الحاضرة، ولا داعي لذكره الآن.

وبعد تسعة أيام وصلنا إلى ثغر يوكوهاما وكانت الباخرة تسير ببطء وهي داخلة في ميناء هذا الثغر، وقد مررنا في الطريق على جزر كثيرة لا داعي إلى أن نصرف وقتًا في الكلام عليها.

(٣٤) يوكوهاما

هي كائنة في مقاطعة «موزاسي» من جزيرة «تببن» على الشاطئ الشمالي الغربي لخليج طوكيو، وهذه المدينة قاعدة مقاطعة «كنديكانافا كا»، وكانت في سالف العصر آهلةً بالسكان الذين أغلبهم كانوا صيادين، ثم أخذت تتقادم شيئًا فشيئًا من سنة ١٨٥٩ نظرًا لموقعها التجاري الحربي، حتى إنها حلَّت محل «كنديكانافا كا»، وقد مرَّت عليهما حوادث زمنية كثيرة أشهرها الحادثة التي أُحْرِقت فيها وذلك سنة ١٨٦٦، ثم جُدِّد بناؤها مرة ثانية وسكانها خليط من الأهالي الوطنيين، والصينيين، والأوروبيين، وكل فريق يسكن أهله في جهة مخصوصة على حسب الرابطة الجنسية، وبها كنائس كثيرة للكاثوليك، ومعابد للبروتوستانت ومستشفيات كثيرة، وهي أول مدينة في اليابان مُدَّ فيها الخط التلغرافي في ٢٥ ديسمبر سنة ١٨٦٩، وسنة ١٨٧٠ مُدَّ التلغراف بينها وبين طوكيو، وفي سنة ١٨٧٢ مُدَّ منها خط سكة حديدية إلى طوكيو.

•••

ولما ألقت الباخرة المراسي بها، حمدنا الله — سبحانه وتعالى — على وصولنا بالسلامة، وهناك وجدنا في انتظارنا حضرة الفاضل الحاج مخلص محمود الروسي، وكان بعث إليه حضرة المولوي السيد سليمان الصيني بخطاب يخبره فيه بقدومه إلى اليابان ويُعرِّفه فيه بانتظاره في يوكوهاما، وبعد التعارف به بواسطة السيد سليمان رأيت منه رجلًا فاضلًا، عاقلًا، كاملًا، مهذَّبًا، حاويًا لكل الصفات التي تحبِّب المرءَ إلى النفوس، وتُحِلُّه منها محلَّ الاعتبار، وقد نزلنا في فندق بجوار الإدارة البحرية، ومكثنا يومين ريثما أخذْنا لأنفسنا الراحة من عناء السفر.

وقد أخذتْ هذه المدينةُ زخرفَها من المدنية ودلائل الحضارة إلى درجة راقية خصوصًا الأنوار الكهربائية التي تسطع فيها إذا توارت الشمس بالحجاب، وشوارعها متسعة مفروشة بالبلاط، ولقد لاقينا من البرد فيها ما لا يطيقه إلَّا من أقام كثيرًا في هذه الأصقاع واعتاد جسمه على احتمال بردها القارص، ثم بعد يومين غادرناها على قطار السكة الحديدية قاصدين «طوكيو».

(٣٥) طوكيو

ركبنا قطار السكة الحديدية، وقصدنا مدينة طوكيو عاصمة اليابان، وهي تبعد عن يوكوهاما بمقدار تسعة وعشرين كيلومترات؛ أي بنصف ساعة تقريبًا بسير الوابور، وهذه المدينة كائنة في جزيرة «تببن» وهي حديثة العهد بجعلها عاصمة للمملكة اليابانية، وقد حدثت بها حوادث كثيرة مما لا يكاد يحصيها المؤرخ فكيف بمن يضع سفرًا كهذه الرحلة! فلذلك اقتصر على ذكر القليل الأهم منها مما لا يخلو من فائدة على القارئ الكريم ففي سنة ١٤٥٦ جاء بعض القواد القائمين الذي يُدعَى «قطه دوكسم» وبنى بطوكيو قلعة حصينة، وكانت طوكيو ليست عاصمة للمملكة بأجمعها، بل كانت مدينة «كيوتو» مقرًّا للملك وطوكيو عاصمة لعائلة الشجن الذين كانوا ينازعون الإمبراطور في الملك، وهذه العائلة كانت تحكم باسم الميكادو وبذلك كان لليابان عاصمتان، إحداهما شرقية وهي كيوتو عاصمة الميكادو، والثانية غربية وهي طوكيو عاصمة الشجن، وهذا الاسم حديث لها، فإنها كانت في ذلك العهد تُدعَى «ييدو» فلما صارت للمملكة بأجمعها سُمِّيت طوكيو ومعنى هذا الاسم «عاصمة الشرق»، وقد حدثت بها عدة حرائق وجُدِّد بناؤها عدة مرات، وكانت الزلازل متتابعة فيها، وحصل بها زلزال دمَّر فيها نحو مائة ألف منزل وأمات كثيرًا من النفوس، أما الآثار فيها فكثيرة جدًّا وبناء هذه الآثار فاخر يدل على مهارة قدماء اليابانيين في البناء كما كان المصريون القدماء كذلك؛ حيث في وسط المدينة قنطرة عُمِلت من الأبنوس وتُسمَّى بالشمس المشرقة، أما قصر الملك فبالغ النهاية في أُبَّهة الملك وعظمة السلطان، وبالقرب منه توجد قصور الديديوس وهم عائلة من العائلات التي كانت مشهورة بالشجاعة، والآن قد حُوِّلت هذه القصور إلى دواوين للحكومة، وغير هذه القصور توجد آثار للمعابد والهياكل القديمة، ومن هذه المعابد معبد يُدعَى «فتتنزون»، ومعبد «وكارفهاش»، ومعبد «إدراجوندور»، ومعبد «سنتنوييست شوكونشا»، ومعبد «شيبه»، وهذا المعبد فيه مقابر عائلة الشجن المتقدم ذكرهم، وهذه العائلة أهلها من عائلة «توكوجاوا»، ويوجد هناك قصر بديع يُدعَى «زيكوان» وكان هذا القصر قديمًا مصيفًا لبعض أكابر الشجن، ويوجد بها كثير من الآثار القديمة، ومنازل طوكيو أغلبها يُسقَف بالخيزران ولها ضواحٍ ومنتزهات يقطنها الكبراء كالمطرية والقبة قد أخذت قِسْطها في المدينة والحضارة مثل «بمتشي» وهي في الشمال الجنوبي الغربي لطوكيو، ثم بلدة «سيروا» وبهذه البلدة جملة من الآثار القديمة، ولو نظرنا إلى الترقي نجد أنه كان اللائق بأمة كهذه الأمة أن تكون لها كتبخانة عامرة بالكتب شأن كلِّ بلد متمدِّنة وأمة راقية، ولكن لا توجد إلَّا مكتبة واحدة بها نحو مائتي ألف مجلد فقط.

•••

ولما وصلنا إلى طوكيو كان في صحبتنا السيد سليمان الصيني، والحاج مخلص محمود الروسي الذي أفادنا كثيرًا؛ حيث كان له إلمام تامٌّ بعوائد القوم، ومعرفة أخلاقهم مما لم نكن نعرف منه شيئًا.

وقد نزلنا في فندق في شارعٍ يقال له «باليستيو»، ولم نكد نستقر في هذا الفندق حتى أحس كلُّ واحد منا بضعف في عضلات الجسم، وذلك كلُّه ناتج عن المشاق والمتاعب التي عانيناها في السفر خصوصًا دوْخ البحر الذي كان له التأثير الأعظم.

ومكثنا ليلة كل منا لا يفارق مخدعه من الإعياء، وفي اليوم الثالث خرجنا للتجول في أنحاء المدينة.

وماذا عساي أقول أو أشرح ما رأيته في عاصمة بلاد الشمس المشرقة زيادة عن المتقدم؟ بل ماذا يمكنني أصف المدنية وحركة التجارة وكثرة البضائع وانتظام الشوارع؟ وغاية ما يقوله الواصف إن هذه العاصمة المدنية فيها في ريعان شبابها ولولا شدة البرد فيها لكانت تُعد جنة الشرق منظرًا وبهاءً، أما سكان هذه المدينة فيبلغون مليونًا وثلاثة أرباع المليون نسمة تقريبًا، وقد شاهدت السائحين فيها من الأوروبيين والأمريكان والهنود والصينيين وغيرهم وهم في ازدياد كل سنة.

وقد كان عددهم في سنة ١٧٠٢ «٧٧٠٩»، وفي سنة ١٩٠٣ «٧٧٦٥»، وفي سنة ١٩٠٤ «٩٢٥٦»، وفي سنة ١٩٠٥ «١٦٥٣٠»، وفي السنة الماضية بلغ عددهم «٢٤٧٢٣»، ولسوف يفد كثير من الأوروبيين إلى هذه البلاد كما وفدت إليها مدنيتهم، ولكنهم لا يجدون فيها من مصادر الرزق والثروة ما يجدونه في مصر وغيرها؛ لأن اليابانيين أخذوا الصالح من مدنية الغرب وعملوا به فعرفوا كيف يكونون أمة حية لا تدع غيرها يستأثر بمنافع بلادها.

(٣٦) شذرة من تاريخ اليابان

اختلفوا المؤرخون حتى الذين هم من العنصر الياباني في تاريخ هذه البلاد والأصل الذي تنتمي إليه هذه الأمة، فقال بعضهم كالترك إن عائلة كبرى مغولية وفدت إلى هذه البلاد فاستوطنتها وتناسلت حتى ألَّفت منها أمة، وقال البعض الآخر إنهم من نسل الماليزيين الذين أغاروا على الجزر اليابانية قديمًا واستوطنوها، وبعضهم قال إنهم من العنصر الصيني، وبنى هذا على اتحاد الياباني والصيني في اللون والبشرة، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، بل هم عنصر قائم بنفسه ونوع من أنواع جنس الإنسان.

واليابانيون أنفسهم يقولون إننا لسنا من الجنس البشري ترفُّعًا، بل ينسبون أنفسهم إلى السماء، كأن الإنسان الذي شرَّفه الله وكرَّمه دون سائر المخلوقات أقل منهم درجة، وأن سائر الجنس البشري أوجدته القوى الطبيعية، ويعتقدون أنَّ أول من نزل منهم إلى الأرض وَطِئت قدمه جزيرة «كيوشيو» وطرد الأمم المتوحشة مثل قبائل «أبنوس»، واستمرت الحروب بين اليابانيين وهذه الأمم نحو السبع قرون، وأخيرًا خضعت لليابان، ومع اعتقاد اليابانيين أنهم ليسوا من بني الإنسان فإنهم يعتقدون أيضًا أن عائلة الإمبراطور «متسوهيتو» الحالي أشرف منهم عنصرًا؛ ولذلك كان الميكادو عندهم بمنزلة المعبود.

وكانت اليابانيون على حالة البساطة في المعيشة إلى القرن الثالث عشر بعد الميلاد، وبعد ذلك أخذت تدرج في الحضارة والتفنُّن في أنواع المآكل والملابس، بعد أن كانوا لا يعرفون غير الأرز والسمك من أفضل الأطعمة واللباس البسيط، وهم يحبون السمك والأرز إلى الآن حبًّا جمًّا، وكانت مساكنهم في تلك العصور من أخشاب الغابات، فأصبحوا الآن في رفاهية المدنية الحاضرة يرتعون.

وفي القرن الثامن عشر للميلاد بدأت الحكومة في إرسال الإرساليات العلمية إلى أوروبا، ومن هذا يمكن أن يُقال إن النهضة الأدبية بُدِئت منذ نصف قرن في اليابان.

•••

وكانت في الأعصر السالفة يتولى الأحكام أرباب العائلات الكبرى مثل عائلة «الشجن» المتقدمة، فكانوا يَفْصِلون في القضايا المدنية والجنائية بحسب ما يصل إليه علمهم، أما الآن فقد وُجِدت في اليابان الحكومة الدستورية النيابية شأن الأمم الراقية.

والذي ينظر إلى الجزائر اليابانية في الشرق الأقصى لآسيا، ثم إلى الجزائر البريطانية في شمال أوروبا، لا يفرق بين هذه وتلك في الشكل والوضع إلَّا قليلًا، وكأن هذا الاتفاق في المناخ كان سببًا في محالفة الدولتين.

(٣٧) تاريخ حياة الميكادو

هو الإمبراطور «متسوهيتو» الرابع والعشرون من ملوك العائلة الحاكمة، وُلِد هذا الإمبراطور الجليل في ٣ فبراير سنة ١٨٥٢م، فهو الآن يحبو إلى السين، ولما بلغ السادسة من سنِّه أحضر له والده الإمبراطور «كومي تنو» من المعلمين الخصوصيين فكان في كلِّ أدوار التعليم يُظْهِر نجابة باهرة وذكاءً مفرطًا، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره ارتقى إلى عرش أجداده؛ حيث تُوفِّي والده وذلك سنة ١٨٦٧م، وكان في هذا السن حائزًا على كثير من العلوم والفنون التي ثقَّفت عقله، وهذَّبت نفسه، ونشأ كامل العقل وافر الفضل، والذي زاد في تهذيبه هو أن والده كان وَكَّل به من المؤدبين مَن كانوا يرافقونه في غدواته وروحاته، فتشرَّب عقله بمزايا عقول هؤلاء الرجال.

فلما استلم زمام المُلك أظهر حزمًا وعزمًا وشدة عارضة بهرت عقول أكابر السواس من اليابانيين فاستبشروا به وأملوا فيه خيرًا.

وأول ما بدأ منه وعُرِف من أخلاقه الفاضلة أنَّه أظهر انعطافه الزائد نحو رعيته فغرس بذلك حبَّه في نفوسهم، فأصبح الصغير والكبير فيهم يحبه محبة لم تُسمَع في الأمم السالفة نحو الملوك والسلاطين الذين حكموا هذه البلاد في الزمن السالف، وفي الحقيقة أنَّ أول عهد تقدمت فيه اليابان في سبيل الترقي والمدنية، هو اليوم الذي ارتقى فيه هذا الإمبراطور عرش المملكة؛ لأنه نظر إلى مدنية أوروبا نظر الحكيم البصير وإلى أحوال سياسة الدول الغربية حيال رعاياها، فبادر بمنح أمته الدستور والمجلس النيابي، وفي الوقت نفسه التفت إلى نشر العلوم في بلاده، وحثَّ الأمة على تأسيس معاهد العلم وكانت البلاد حينئذٍ هادئة لا حروب خارجية، ولا ثوارت داخلية تعوق سير الترقي في الأمة.

وقد ساعد على سرعة نشر العلوم في اليابان استعداد الأمة الطبيعي لأن الياباني امتاز بالذكاء والفطنة وحب المعالي.

وقد خالف الميكادو سُنة الملوك قديمًا وحديثًا؛ فهو لا يتعاطى من خزينة حكومته النفقات الطائلة لأنه لا يميل إلى الترف ولا يزدهيه عزة السلطان؛ لأن كلَّ ما يأخذه من الأموال هو المقدار الذي يكفي لحاجاته وحاجات حاشيته الضرورية.

أما أخلاقه الشخصية فحدِّث عن الروض ولا حرج؛ كرم، وذكاء، وفطنة، ونجابة، وتواضع في مهابة، وبُعد نظر في المسائل السياسية العويصة الحل، وبالجملة هو كسرى في عدله، وعمر بن الخطاب في شدة العارضة وإباء النفس، وعمر بن عبد العزيز في عفته.

ولم يتكل على أن بلاده سائرة على مقتضى الدستور والحكومة النيابية، بل هو يراقب أحوال الحكام بالحكمة والسداد، وينظر في شئون الرعية جليلها وحقيرها نظر الأب الشفيق في أحوال أبنائه الأمناء المخلصين.

ومما امتاز به أنه إذا حضر مجلسه أحدٌ خرج وهو يتغنَّى بمدحه على لطف حديثه، والبشر الذي يلاقي به زائريه لأنه يحادث كلَّ إنسان فيما يتعلق بوظيفته في الهيئة الاجتماعية، فهو تاجر مع التجار، وزارع مع الفلاحين، وسياسي مع السياسيين وهلمَّ جرًّا.

ومن هذه الأوجه يصحُّ أن يقال إن الميكادو فردٌ جمع الله فيه العالم:

وليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد

فهكذا تكون الملوك لأن الملك لا يملأ العرش إلَّا إذا كان عقله يوازي عقل أمته بأجمعها.

•••

وأما أخلاقه فيما يتعلق برعيته فهو كما قلت كالأب البار بالأبناء الأمناء المخلصين، ولم يجعل بينه وبين أحد حجابًا إذا عرض عليه شكوى أو رفع إقامة دعوى، فإن وجد لذلك مخلصًا أسعفه في الحال بالإنصاف وإلَّا فهو يعده وعد الوفي بالنظر في أمره عند سنوح الفرصة.

وهو شديد الكلف بتعهد أحوال حاشيته في قصره لا فرق بين الصغير والكبير فيهم، وإذا مرض أحدهم فلا يهدأ له بال، حتى يراه ويوصي الحكماء بالاعتناء في مداواته كما يوصيهم على أقرب الأقرباء لديه، وقد ضرب اليابانيون المثل في حبِّه فقالوا: «فضيلة الياباني حب الميكادو.» وهم كما يفخرون به فكذلك هو يحبهم ويفخر بهم، وقد أعلن هذا الفخر رسميًّا في الملأ؛ حيث أصدر منشورًا عامًّا هذا معناه:

«أيتها الأمة الحية الراقية إنك كما تفخرين بي، فإني كذلك أفخر بك على سائر الأمم الراقية، وإني لا أدَّخر وسعًا من عملِ كلِّ ما يرقيك ماديًّا، وأدبيًّا؛ لأني وَقَفْتُ كلَّ قواي على هذا السبيل، وإني لأرفض نصح ناصح في كلِّ أمر فيه نفع للوطن، فإن كانت النصيحة في محلِّها قبلتها وإن حصل سوء تفاهم بينت السبب الداعي إلى عدم القبول، فإن رضيتم فبها ونعمت، وإن أبيتم فبيني وبينكم شريعة «كونوفوشيوس» (وهو معبود في اليابان)، فأعينوني على تدبير المملكة بالطاعة والعمل على ما يجعل اليابان أرقى الأمم وأسعدها، وإني كفيل بردِّ المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم.»

هذا، وسيأتي الكلام في غير هذا المحل باهتمام الميكادو بجنوده في زمن الحرب الروسية، ومنه يُعلَم مقدار اعتناء هذا الإمبراطور بشئون رعيته.

وإن ملكًا هذه أوصافه وهذه سيرته لجدير بأن تحالفه دولة إنكلترا، وبالجملة، فإن الإمبراطور «متسوهيتو» هو أفضل الملوك عقلًا وأبعدهم نظرًا وأحبهم إلى رعاياهم بعد مولانا السلطان.

(٣٨) الاتفاق مع المبشِّرين المسلمين

لما وفدنا إلى اليابان ووصلنا طوكيو شاع خبر وصولنا بين المبشِّرين المسلمين والمسيحيين، وكان في طوكيو أحد علماء وفضلاء مسلمي الهند يُدعَى السيد حسين عبد المنعم وهو شريف النسب، فجاء إلينا وأظهر لنا بشرًا زائدًا وارتياحًا من حضورنا إلى اليابان، وأخبرنا أنه قَدِمَ إلى هذه البلاد على نفقة بعض أفاضل مسلمي الهند للتبشير بالإسلام، وأن له نحو الخمسة شهور وهو مُتشوِّق إلى مَن يعضِّده ويساعده من المسلمين في نشر لواء الإسلام ولم يجد أحدًا؛ ولذلك كان يقاسي متاعبَ شتَّى شأن المنفرد في عمل جليل يحتاج إلى مُعِين، فاتفقنا جميعًا على أن نكون يدًا واحدة وأن نؤلِّف جمعية، وفعلًا تمَّ الاتفاق وصار هو الخامس لنا.

وبعد هذا الاتحاد والاتفاق قرَّرنا أن نستأجر محلًّا لسُكْنانا أولًا، وليكون محلًّا للجمعية ثانيًا، ثم بعد ذلك أخذنا نبحث على المحلِّ الموافق، وفي أثناء البحث حصل التعارف بين حضرة السيد حسين عبد المنعم وبين رجل ياباني من مشاهير التجار بطوكيو يُدعَى المسيو «جازنيف» وهو على جانب عظيم من الفطنة والذكاء وطيب النفس وكرم الأخلاق.

وصادف أنه سأل حضرة السيد حسين عن الغرض من أخذ المنزل، فعرَّفه بأننا مسلمون، ونريد أن نأخذ منزلًا للسكنى وللجمعية فما كان من هذا الرجل الأريحي إلَّا أن طلب من حضرة السيد حسين أن يقابله معنا، ولما حضر معه قابلنا بالترحيب ولما استقر به المُقام طلب منا أن نشرح له قواعد الإسلام، ونبيِّن له أمر تفضيله على سائر الأديان، فكان حضرة السيد حسين يترجم باللغة الإنكليزية ما تُقرِّره جمعيتنا، فلما وقف هذا الياباني على حقيقة الدين الإسلامي وذاق حلاوته في قلبه فلم يلبث إلَّا ريثما أن قال لنا: اعتبروني من الآن في عداد المسلمين، فلقنَّاه الشهادة وهنأناه على خروجه من الظلمات إلى نور الإيمان وبذلك حصل لنا كلنا السرور التام واستبشرنا بنجاح الآمال، وبعد أن أسلم قال لنا: إني في استعداد تامٍّ إلى كلِّ ما تكلفونني به من المصالح، كما أني تبرَّعت لكم ولجمعيتكم بمنزل هو ملك لي لا أطلب منكم أجرته ما دمتم هنا، وهذا كله إكرام لهذا الدين الذي باعتناقي إياه أصبحت أسعد السعداء.

فقابلناه بالشكر على كرمه الحاتِميِّ، ودَعَوْنا له بالتوفيق وصار هذا الرجل كلِفًا بنا لا يفارقنا إلَّا في الأوقات التي يضطر فيها إلى مفارقتنا، ثم قام في الحال وأعدَّ لنا المنزل وأحضر لنا خادمًا من النزلاء الأمريكانيين، أما المنزل فهو دور واحد ولكنه مزخرف البناء، وكله مفروش بأفخر الفراش وبه صالون فسيح جعلناه محلَّ انعقاد الجمعية، والمنزل في شارع «باليستيو» فأقمنا فيه طول المدة التي أقمناها في بلاد اليابان.

(٣٩) كيفية التبشير بالدين الإسلامي

لما تمَّ الاتفاق بيني وبين حضرات من ذُكِروا على عقد الجمعية لم نقبل أن ننتقل في البلاد كما يفعل غيرنا من المبشرين بل عزمنا أن لا نغادر العاصمة والتبشير يكون في المنزل المتقدِّم، وأن يكون الدخول مباحًا لكلِّ إنسان من أيِّ جنس كان ومن أيِّ مذهب كان، وانعقاد الجمعية كان ليلًا، وأول انعقاد لها كان قاصرًا على إلقاء خطبة بيَّنَّا الغرض الذي لأجله قَدِمنا إلى اليابان، فرتَّبنا الخطبة باتفاقنا وترجمها حضرة السيد حسين عبد المنعم باللغة الإنكليزية، وأُعطِيت إلى المسيو «جازنيف» لأجل ترجمتها باللغة اليابانية وإلقائها نائبًا عنَّا، وكنا قد عرَّفناه اليوم الذي نعقد فيه أول جلسة من الجمعية، فما جاء الميعاد حتى أقبل الناس زُمرًا يتلو بعضهم بعضًا حتى غصَّ بهم المكان وبعد أن أخذ كلٌّ مكانه وقف حضرة المسيو «جازنيف» وألقى الخطبة وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعدُ، فإن حضورنا إلى بلاد اليابان وتحمُّلنا المشاق العديدة المتنوعة في طريقنا، لم يكن لأجل دنيا نُصِيبها، أو فائدة مادية أو أدبية سوى هدايتكم يا أهل اليابان إلى الدين الصحيح، ونزع الاعتقادات الفاسدة من قلوبكم لِيحلَّ محلَّها الإيمان بالله وحده لا شريك له في ملكه. وإنكم لو عرفتم حقيقة الدين الإسلامي، لعددتم مجيئنا هذا منةً كبرى من الله بها عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، ولعددتموها لنا حسنة من الحسنات التي لا تقاوم بشكران.

إن الدين الإسلامي سنبيِّنه لكم، هو الدين الوحيد الذي لم يزل ينتشر في الأرض ولم يحدث فيه تغيير ولا تبديل من يوم ظهوره إلى الآن؛ يعني ثلاثة عشر قرنًا وربعًا، مع أنه لم يوجد بين المسلمين من قام بالتبشير بهذا الدين لا في هذه السنين، ولا في السنين الغابرة، والسر في ذلك هو أنه دين العقل، والعقل متى ما وضح لديه البرهان، قبِل النتيجة المستفادة من القضية الصحيحة المقدمات، وحسبنا شاهدًا على ذلك أن أغلب المتدينين بالدين المسيحي يقرُّون ويعترفون بأن دين الإسلام لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها من أمور الدنيا، فهو إذن دين المدنية والعدل والمساواة بحيث لو وضعنا أمامنا كلَّ القوانين الوضعية وتأمَّلنا إلى ما تضمنه من المواد في جميع الأمور المتعلقة بنظام الشعوب من جهة الحقوق المدنية والجنائية، ثم نظرنا إلى أحكام دين الإسلام؛ لألفيناه القانون الوحيد الذي حوى كلَّ أنواع العدالة به تباينت المشارب والعادات بخلاف القوانين الأخرى، فإنها في الغالب تكون على مقتضى الأخلاق والعوائد المخصوصة، ولذلك يجري عليه أهل الدين المسيحي في تقسيم المواريث.

ولو تأملنا في الحكمة المُودَعة في كلِّ ركن من أركانه مثل الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، لرأينا أن السعادة الدنيوية والأخروية متوقِّفة على العمل بهذه الأركان كما سنبينه لكم في الجلسات القادمة.

وإننا نورد هنا نبذةً لأحد الفرنسويين قالها في هذا الدين؛ لتعلموا أنه دين المدنية وهذا الفرنسوي يُسمَّى المسيو «هوذا» قال ما معناه: «لا يوجد الآن إحصاء قَطْعي يُعيِّن مقدار عدد المسلمين المنتشرين في الكرة الأرضية، ومع ذلك فإنهم قدَّروا أن عدد المسلمين يناهز الثلاثمائة مليون من النفوس على وجه التقريب من جهة القِلَّة لا من جهة الكثرة، مع أن الإسلام ظهر في آسيا وانتشر منها في أنحاء المعمورة بسرعة فائقة فدخل أفريقية وضرب أطنابه فيها، ثم دخل آسيا الكبرى وما زال كذلك حتى دخل بلادًا كثيرة في مدة وجيزة، وإننا إذا تصفَّحنا التاريخ لوجدنا أن هذا الدين هو الكفيل الوحيد لترقِّي الأمم وسعادتهم، وعليه فيحق لنا — نحن الغربيين — أن نعترف عن غير رياء ولا مراء بأن أهل هذا الدين هم أرقى الأمم وأحسنهم حالًا من جهة الاعتقادات الدينية.» هذا كلام المسيو «هوذا» وإن شاء الله سنبيِّن لكم أعظم من ذلك في الجلسات الآتية.

(٤٠) جلسات جمعيتنا

لما عقدنا أول جلسة وألقى الخطبة جناب المسيو «جازنيف»، أردفناها ببعض البيانات الواضحة عن قواعد الديانة الإسلامية، وعرَّفنا الحضور معنى الإسلام والغرض الذي ترمي إليه مبادئه بالإجمال بصورة سهلة التناول على الأفهام، وبعد انفضاض الوقت المُحدَّد لانعقاد الجلسة عيَّنَّا الليلة التي تنعقد فيها الجلسة الثانية بها، ولما جاء الميعاد رأينا ازدحامًا شديدًا عن ذي قبل حتى لم يعد يوجد قيد شبر في المكان، ولما جاء الوقت لافتتاح الجلسة أعلنَّا بافتتاحها وأخذ المسيو «جازنيف» يُلقِي عليهم ما رتَّبناه من البيانات والإيضاحات، وهذه مأخوذة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة بحيث لم نتعمق في الإيضاح، بل كان كلُّ ما رتَّبناه من الأدلة والبراهين والاستشهادات لا يخرج عن الأمور العقلية، وهذه البيانات كانت تُترجَم باللغة الفرنسوية والإنكليزية، وكان المسيو «جازنيف» يُلقي التي باللغة الإنكليزية على الحضور فمن عرف من اليابانيين إحدى هاتين اللغتين كفى، ومن لم يعرف إلَّا اليابانية تُترجَم له بلغته بواسطة المسيو «جازنيف» الذي أتقن اللغة الإنكليزية إتقانًا تامًّا، وكلُّ مَن وردت عليه شبهة في موضع كان يرسلها إلينا كتابةً، وكنا نُجيب عنها كتابةً أيضًا.

وبواسطة هذه الطريقة تمكَّنا من تفهيم معنى الدين الإسلامي، ولولا هذه الطريقة لم يعتنق الدينَ الإسلامي أحدٌ من اليابانيين، لا سيما وإننا كنَّا نفرغ جهدنا في اختراع أسهل الطرق وأقربها إلى الفهم حتى إنهم كانوا يدخلون في الديانة الإسلامية بكثرة مادحي تعاليمها.

وهكذا كنَّا نفعل في كلِّ جلسة، وكلما زدناهم معرفةً بالدين الإسلامي زاد عدد الذين يعتنقونه منهم، وبذلك انتشر صيت جمعيتنا في المدينة انتشارًا عجيبًا.

وكنا نسمع الثناء على الإسلام من الذين اعتنقوه؛ لأنه دلهم على الإله الحق وأخرجهم من الظلمة إلى النور وأوضح لهم النهج القويم، وأن تلك الشبه وتلك الأجوبة عنها لو اجتمع كلُّ المبشرين من الدين المسيحي وفُرِض أنها كانت فيه لما قدروا على أن يردوا شبهة واحدة منها، لا سيما الطريقة السهلة التي توخَّيناها في إيضاح المبهم وحلِّ المعضل وزوال الالتباس ونفي الريب.

وليس الفضل لنا في اختيار الطريقة السهلة التي استعملناها في تقرير قواعد الإسلام، بل الفضل للسلف الصالح من المسلمين جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء.

والذي سهَّل أيضًا علينا هداية القوم إلى ديننا القويم أن حالة اليابانيين الطبيعية ساعدت كثيرًا على اعتناق الإسلام؛ لأنهم قوم عندهم استعداد طبيعي لقبول كلِّ ما يوافق العقل ونفي كلِّ ما يخالفه مهما أثبتوه بجميع أوجه السفسطة والمواربة.

وأول دليل على أنهم في استعدادٍ كافٍ لقبول الأوصاف الصحيحة حبُّهم لوطنهم هذا الحب النادر المثال؛ لأن من كان هذا الشعور فيه طبيعيًّا فهو أقرب إلى الهدى من الضلال والرشد من الغي.

فلو كان المسلمون أرسلوا وفودهم إلى اليابان قبل هذا الأوان، واستعملوا هذه الطريقة التي استعملناها لكان المسلمون منهم الآن يُعدون بالملايين لا بالألوف.

•••

أما الذين اعتنقوا الإسلام على أيدينا فبلغ عددهم نحو الاثني عشر ألف رجل، فلو كان المبشرون المسلمون وفدوا إلى اليابان من زمن مديد كما بيَّنت لكان عدد المسلمين أضعاف هذا العدد بكثير، ومن الذين أسلموا على يدنا كثير من الحكام والتجار المعتبرين وذوي الحيثيات، وكثير من الوسط في الأمة، وأول من أسلم على يدنا جناب المسيو «جازنيف»، ثم «أترالكيبو»، و«انساتليزبو»، و«كورفاري»، وغيرهم من العظماء الذين لو كتبنا أسماءهم لاحتجنا إلى مجلد ضخم، ومنهم لم يُرِدْ تغيير اسمه الأصلي ولا تغيير اسم عائلته فعرَّفنَّاهم أن هذا لا ضرر فيه، والذين لهم زوجات تدين بالدين المسيحي لم يُرِدْنَ أن يغيِّرْنَه، فعرفنَّاهم أيضًا أن هذا جائز في الإسلام، والذين لهم زوجات باقيات على الاعتقادات الفاسدة عرفنَّاهم أن الإسلام يأبى ذلك كلَّ الإباء، مع أننا وطدنا الأمل بأن المسيحيات وغيرهن سيعتنقْنَ الدين الإسلامي قريبًا؛ حيث هن مطيعات مُحبات لبعولهن.

هذا، وقد عقدنا جلسات جمعيتنا نحو الثماني عشرة مرة، وكل مرة كان يعتنق الإسلام الخلق الكثير كما بيَّنا، ولما عزمنا على السفر رغب حضرتا الفاضلين الحاج مخلص محمود، والسيد سليمان الصيني في البقاء هناك، حتى يبذلا الجهد في التبشير بالدين الإسلامي، وعرفا أنهما سيمكثان نحو الستة أشهر، والذي يعرف أخلاق وعوائد الأمة اليابانية ومقدار ما هم عليه من ذكاء القلب ونور البصيرة، يجزم بأنه لا يأتي زمن قريب حتى يُرى منهم المسلمون أضعاف المسيحيين وسُنَّة التدريج أيضًا تقضي بذلك.

(٤١) الإسلام

لما أخذنا نُوقِف اليابانيين في جلسات جمعيتنا على حقيقة الدين الإسلامي وما يرمي إليه، وكنَّا في هذه الحالة لا نخرج بهم إلى التطويل، بل كل ما بيَّناه لهم هو باختصار بالغ النهاية، وأول شيء عرفوه هو الإسلام بطريقة سهلة وها هو معناه بالإجمال: إن هذا الدين الذي بعث به النبي محمد جاء ناسخًا لكلِّ الشرائع المتقدمة التي بعث بها الأنبياء والمرسلون من قبل، وقد حوى هذا الدين كلَّ ما فيه مصلحة الخلق في حياتهم ومعادهم وسعادتهم وإرشادهم إلى سبيل الخيرات والعقائد الصحيحة والتهذيب للنفوس والأخلاق الفاضلة، كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.

ولما كان هذا الدين ناسخًا لكلِّ دين تَقدَّمه، وكان لم يزل من الناس من هو متديِّن بدين غيره أقام الله الحجة عليهم بقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ؛ أي إن كلَّ من لم يتبع الإسلام فهو كافر بالله ورسوله وبالكتاب الذي أنزل من عنده، وقد شدَّد الله الوعيد لمن حاد عنه وتديَّن بغيره، وأنذره بالخسران المبين يوم القيامة؛ إذ يقول تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وقوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، أما من أسلم طوعًا؛ أي انقاد إلى التصديق بهذا الدين طائعًا فهو الذي وُهِب العقل والإدراك ومُنِح من نور البصيرة، فعرف أنه الدين الصحيح ولم يرتَبْ في شيء منه، فآمن بالله واليوم الآخر وصدَّق الرسول الذي جاء به والقرآن المُنزَّل بأحكامه، وأما من أسلم كرهًا فهو الذي ارتاب فيه ثم جاءت الأدلة والبراهين قاطعة بحجة دامغة لكلِّ ارتياب في قلبه، حتى انقاد مقهورًا بالحجة إلى الاعتراف بأنه الدين الصحيح، وأنه الرسول المرسل به من عند الله حقًّا وأن القرآن هو كلام الله صدقًا. وقد أنكر الله تعالى على الذين لم يتبعوه لا طوعًا ولا كرهًا؛ حيث قد أسلم وآمن به الذين لم يرتابوا فيه طوعًا بلا جدال، والذين ارتابوا أولًا ثم قُهِروا بالحجة بعد الجدال منهم فاعترفوا وصدقوا، ومن كان يجد في نفسه منهم مقاومة للحق، فإن ذلك لا يتجاوز الصدر ولا تنطق به الشفتان، ولما كان الدين هو عبارة عن طاعة الله تعالى والعمل بأوامره والابتعاد عن كلِّ ما نهى عنه فقد حثَّ الله — جلَّ شأْنُه — على الاستمساك بعروته الوثقى كلَّ نبي ورسول، وذلك كما جاء في قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، والذي وصَّى به الله تعالى هؤلاء الأنبياء والمرسلين أولي العزم هو عبادته وتوحيده والوقوف عند كلِّ حدٍّ رسمه لهم الدين الذي جاء به كلُّ نبي منهم، وقد ذكر الله ذلك في غير هذا الموضع من القرآن الكريم؛ حيث قال وهو أصدق القائلين: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، وكما أنه تعالى ارتضى هذا الدين ولم يرضَ غيره أنذر كلَّ من سعى في العبث به والتفرقة فيه وعطَّل حدوده وأمر بالتبرئة منه، وشدَّد عقابه في الآخرة؛ حيث يقول: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.

وقد أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل بأنه سيأتي رسول في آخر الزمن بدين الإسلام، ولكن الذين تدينوا بالمسيحية، والذين حرفوا الإنجيل والتوراة حذفوا منه هذا النبأ لئلا يفسد عليهم ما نزعوا إليه من الضلال والتضليل مثل ما فعلوا في كثير من المواضع التي حرَّفوا فيها الكلم عن مواضعه وذلك كما جاء في قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

(٤٢) الإسلام دين الفطرة

خلق الله الإنسان وميَّزه عن سائر الحيوان بالعقل الذي يميِّز به الأشياء ويعرف الضار من النافع، ويهتدي به إلى ما عساه يُشْكِل عليه أمرَه من حقائق هذه الموجودات، فإذن العقل هو لدى الإنسان بمنزلة الميزان، أو بعبارة أخرى بمنزلة حجر الصائغ الذي يميِّز به المعادن فيعرف الذهب من النحاس والفضة من الرصاص.

فإذا عرفنا هذا يمكننا أن نقول إنه لا يوجد إنسان في الوجود ينكر أن لهذا العالم خالقًا خلقه وصوره من هذه الصورة، فبهذه الصفة يكون كلُّ الناس متفقين على وجوب وجود الخالق؛ إذ لا يُعقَل أن هذه الكائنات أوجدت نفسها بنفسها لما يترتب على ذلك من فساد الفضيلة؛ لأن التغيرات في الأشياء والموجودات لا بدَّ لها من مؤثِّر، وعلى هذا رُتِّبت القضية المنطقية التي استُدل بها على وجوب وجود الخالق وهي: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالنتيجة أن العالم حادث، وإذا كان كلُّ حادث لا بدَّ له من محدِث، فالعالم لا بدَّ له من محدث، فهذه القضية هي التي سلَّم بها كلُّ ذي عقل كما تقدم.

ولما كانت ذات الله تعالى منزهة عن الزمان والمكان بعيدة عن مرامي الإدراكات والتصورات وقفت كلُّ العقول حيال معرفتها موقف المندهش الحائر، وهي مع هذه الحيرة متفاوتة في الدرجات من جهة الكمال، فمن الناس من يقول إن الخالق لهذا الكون هو ذلك الكوكب الليلي، ونعني به القمر لِمَا رآه من عِظَم جرمه، وعجيب سيره، وتنقله من حالة إلى أخرى ونوره الذي يملأ ما بين الخافِقَيْن، ومنهم من يقول إن الخالق هو ذلك الكوكب النهاري، ويعني به الشمس لما رآه فيها من كِبَر جرمها على سائر الكواكب وعن القمر في شعاعها الساطع ومن منافعها في الأجسام النامية الحية وغير النامية الحية، ومنهم من يقول إن الخالق هو النار لِمَا رآه فيها من الخاصية التي تؤثِّر في كلِّ شيء وهي الإحراق، ولِمَا رآه فيها من المنافع الشاملة لضروريات الحياة، ومنهم من يقول إن الخالق هو ذلك الصنم الذي يُصطنَع من الحجر مثلًا، وهذا الفريق ومن على شاكلته ممن يعبدون ما تصنعه أيديهم، حُكْمُهم حكم الحيوانات العجم، وهكذا كلُّ فريق عيَّن خالقًا مخصوصًا، والذي دعا الناس إلى هذا الاختلاف في تعيين الخالق هو حب النفس وميلها الطبيعي إلى الوقوف على حقيقة الأشياء المعروفة لديها من الذهن الغائبة عن العيان خصوصًا إذا كانت هذه الأشياء من المستغربات، ولا شكَّ أن قدرة المُوجِد لكلِّ هذه العوالم والمُخرِج لها من العدم إلى الوجود غريب لدى العقول فتندفع بميلها الطبيعي المذكور إلى الوقوف على حقيقته، ولما كان الوقوف على حقيقته محالًا بلغ العجز والإعياء بهذه العقول مبلغًا عظيمًا طلبت الراحة بتعيُّنه بأي كيفية كانت فهذا هو سبب الاختلاف.

•••

قلنا إن العقول بهذا الاعتبار، وهو الاختلاف في تعيين الخالق تنقلات في الكمال، فالذي يعبد القمر أرقى في التصور والإدراك من الذي يعبد الصنم؛ لأن الأول رأى شيئًا غريبًا من الخلقة فقال: هذا ربي، أما الآخر فهو داخل في حكم الحيوانات العجم كما قدمنا؛ لأنه عبد ما صنعت يداه، وهذه وقاحة وحمق، وأرقى هذه العقول في التصور هو العقل الذي يهتدي إلى معرفة الحقيقة بمقتضى القضايا التي يستنتج منها النتائج الصحيحة بفضل ما أوتي من العقل الصحيح.

•••

وقضية سيدنا إبراهيم عليه السلام شاهدة على ذلك؛ فإنه لما وجد هذين الكوكبين غير حائزين لكمال الإله الحقيقي، وعدم الكمال هو الأفول الذي يقضي بالتغيير والانتقال والحدوث، لم يؤمن بهما، ولمَّا كان اعتقاده بوجوب وجود الإله كان آخر ما وصل إليه عقله لأن الإله الحقيقي لا تراه العيون فآمن به واعتقد وجوده.

فعلى كلِّ ما تقدَّم، يمكننا أن نقول لو سألنا كلَّ من يدين بغير دين الإسلام عن الأسباب التي أجبرته ودعته إلى هذا الاعتقاد لذهب بِكَ كلَّ مذهب في إقامة الدليل والحجة حتى يبرمك، ويضجرك، وأخيرًا لا تجد نتيجة يحسن بها الإقناع، وهذا الدين المسيحي مثال على ما نقوله، فإنك إذا أردت أن تعرف حقيقة هذه الديانة، وعن الدليل الذي استدل به المسيحيون على ألوهية المسيح، وسألت أعلمهم بدينهم وكان أفصح الناس لسانًا لوقفت معه موقف الحيرة من التناقض وتضارب القضايا حتى تبلغ الروح التراقي، أما إذا سألت المسلم عن حقيقة دينه وأصل معتقده فيكفي في ذلك أنه يشير بسبابته، وفي هذه الإشارة معنى التوحيد الذي هو أصل الإيمان.

والخلاصة أن الإنسان إذا خُلِق ونشأ في أرض بعيدة عن بني نوعه مع وجود العقل الكامل فيه، فهو ولا شك يعتقد بفطرته أنه لا بدَّ من وجود خالق لهذه العوالم وهذه الكائنات مغاير لها كلَّ المغايرة، وهذا هو منبع الإسلام وأصل دينه.

ووُجِد من الناس من هداه عقله إلى هذا الاعتقاد في غابر الزمان وهم الفلاسفة المشهورين كأفلاطون، وسقراط وغيرهما والذين أسلموا من الإفرنج، وهم أرقى الأمم من حيث العلوم الآن وبحثهم فيها، ولو لم يجدوا هذه المزية في الإسلام ما كانوا اعتنقوه.

وهنا دليل آخر، وهو أن المسلم العامي في إمكانه أن يعبِّر عن حقيقة دينه بتلك الإشارة أو ما يقوم مقامها من العبارة، أما غير المسلم فإنه يوقفك موقف الحيرة ولو كان فصيحًا كما قدَّمنا.

(٤٣) القرآن

هو كتاب الله الذي جاء به النبي محمد وفيه أصول دينه وفروعه، وفضلًا عن هذا فقد حوى من الحجج الدامغة على كلِّ من ارتاب في صحة الإسلام، وأخبر عن سيرة المتقدمين وأخبار الأمم السالفة مما فيه ذكرى وعبرة لقومٍ يعقلون، كما أخبر عن كلِّ ما في الوجود من عناصر ومعادن إما تفصيلًا، وإما ضمنًا، وذكر المواعظ الحسنة والإرشادات النافعة إلى خيري الدنيا والآخرة، ووصف الدنيا وصفًا ممثِّلًا لحقيقتها، ووصف الآخرة وما أُعِدَّ فيها من النعيم المقيم لمن آمن بهذا القرآن وما فيها من العذاب الأليم لمن لم يصدقه وكفر به، وكلُّ ما نراه الآن من آثار الحضارة والمدنية المحمودة هو بعض ما تضمَّنه هذا القرآن في كثير من الآيات، ولو جَمَعْنا المشترعين في كلِّ أمة من يوم خلق الله العالم إلى هذا اليوم، وكلَّفناهم بوضع قانون يسير عليه الناس في كلِّ أحوالهم الاجتماعية، ويكفل لهم كلَّ أنواع السعادات، لو عملوا به لوقفوا عند حدِّ العجز عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، كما قال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، وكلُّ ما جاء في القرآن مرجعه إلى ثلاثة أقسام: التوحيد، والتذكير، والأحكام؛ فالتوحيد داخل فيه كلُّ الآيات التي تضمَّنت معنى ثبوت الألوهية والوحدانية وغير ذلك مما يتعلق بذاته جلَّ وعلا وصفاته وكلِّ ما يختص بالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتذكير داخل فيه إنذار العصاة وتبشير الطائعين، وهذا يدخل فيه ما جاء من المواعظ الحسنة، وضرب الأمثال، والحكم في جوامع الكلم، وذكرى أهل العصور السالفة، والتهديد، والوعيد، والزواجر، والتبشير بالجنة ووصف ما فيها من الخيرات التي أُعِدَّت للذين يعملون الصالحات.

والأحكام داخل فيها كلُّ ما يتعلق بالعبادات، والمعاملات، وكلُّ ما تقتضيه الحقوق من كلِّ أنواع القضايا التي نراها الآن.

(٤٤) كيفية نزول القرآن

لما كان القرآن هو كلام الله تعالى، المخاطب به رسوله ، كان الرسول الأمين على ألفاظه ومعانيه سيدنا جبريل، وهو الملك الخاص بالوحي إلى الأنبياء، وكان ينزل ليبلغ الآية أو السورة إلى هذا النبي في ظروف أحوال ذات حوادث ووقائع تنزل فيها وفي شأنها الآية سواء كان هذا الشأن أمرًا دينيًّا أو دنيويًّا؛ ولذلك أُنْزِل القرآن مُفرَّقًا على حسب الحوادث والوقائع لهذا السبب، ولسببٍ آخر وهو التثبُّت في هداية الأمم إلى الإيمان وعدم خبرة القواد حيال هذا الحكم والأحكام التي تناولت كلَّ شيء لأن تتلقَّى كل هذه الحكم والأحكام دفعةً واحدة مع ما حوته من السرِّ العجيب في المدلولات، وهي حسن التركيب وجمال الأساليب التي تقف بالعقل عند حدِّ الحيرة، وفي هذا تعليم للخلق بأن يأخذوا كلَّ أمورهم بالحزم، وعدم الاندفاع عند مبادرة الخواطر؛ لأن الترتيب في العمل من مصائد الفلاح.

وكان أول آية نزلت منه في شهر رمضان المُعظَّم في ليلة القدر، وسُمِّيت بذلك تشريفًا لها على جميع ليالي هذا الشهر والشهور كلِّها، وكان الرسول يتلقَّى عن ربِّه بواسطة سيدنا جبريل هذا القرآن، ويتلوه على أصحابه الذين خصَّصوا أناسًا لحفظه، وتدوينه، فكتبوه كما أُنزل، وقد بالغوا في الاعتناء بحفظه وتدوينه كلَّ المبالغة؛ ولذلك لم يُحرَّف منه حرف إلى الآن، ولن يزال كذلك كما أُنزل حتى تقوم الساعة، بدليل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وأول ما أُنزِل منه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وآخر ما أُنزل منه قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

(٤٥) إعجاز القرآن

لما أرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا محمد ، وكان من العنصر العربي، والعرب خُصُّوا بفصاحة اللسان، وحسن البيان، مما لا يوجد في أمةٍ سواهم، كان القرآن من أعظم المعجزات التي بهرت عقولهم، ففي أول الأمر نظروا إلى بلاغته فقالوا هذا قول شاعر لعلمهم أن الشعراء منهم هم المالكون أزِمَّة البلاغة، فحاجَّهم الله بقوله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وليست بلاغة القرآن في جمال تركيبه ومعانيه، وإتيانه بالإيجاز في موضعه والإطناب في مواطنه، وإحكام مواضع الفصل، والوصل مما لا يمكن لأفصح الناس الإتيان بمثله، بل إعجازه أيضًا من جهة أنه يقرؤه ويتلوه الإنسان ألف مرة، وهو لا يزداد إلَّا حلاوة في السمع بخلاف كلِّ كلامٍ غيره مهما كانت درجته في البلاغة، فإنه إذا أُعِيد ملَّتْه الأسماع، ونفرت منه الطباع.

وقد أقام الله الحُجَّة على الذين لم يصدِّقوا أنه كلام الله القديم وقالوا إنه من كلام البشر بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وهذا أكبر دليل على عجزهم.

ومن إعجازه أيضًا، أنه أخبر عن الأمم السابقة وحوادثهم بأوجز عبارة مما لم يكن معروفًا لدى علماء ذلك العصر مع اجتهادهم في الوقوف على حقيقته، ومن إعجازه إتيانه بالأحكام التي لو اجتمع كلُّ أهل الشرائع لما قدروا على وضع مثلها مما يُلائِم ويوافق حالة كلِّ أمة من الأمم جمعًا، هذا فضلًا عن الحجج الدامغة في تقرير الوحدانية له تعالى في كثير من المواضع، وكل الفصحاء والكُتَّاب والشعراء من أهل الأديان الأخرى يقتبسون منه في إنشائهم ما به يحسنونها ويفضلونه على كلام العرب الذين هم أفصح الأمم منطقًا.

(٤٦) رسالة سيدنا محمد

إن نسب هذا الرسول الكريم يتصل بسيدنا إسماعيل ابن سيدنا إبراهيم، وهو من أشرف قبيلة في العرب وقد أخبر بمبعثه الرهاب والكهان قبل أن يُولَد، كما أخبر بهذا المسيح في الإنجيل، كما ورد في القرآن حكاية عن ذلك في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، ولكن الذين حرَّفوا التوراة والإنجيل حذفوا هذا النبأ منه.

وُلِد هذا الرسول ورُبِّي يتيمًا؛ حيث مات أبوه وهو صغير فتكفَّل به بعض أقربائه، وقد ظهرت عند ولادته آيات وعجائب لم تتفق لغيره، فمن ذلك خمود بيوت النيران في أرض فارس؛ إذ كانت تعبد دون الله تعالى، وتكسير الأصنام من فوق الكعبة؛ إذ كان العرب يتخذونها وسيلة إلى الله تعالى، كما أن كسرى ملك الفرس رأى ليلة مولده رؤيا هالته فقصَّها على الكُهَّان فأخبروه بأن رسولَ آخر الزمن قد وُلِد، ومن ذلك أنه لما كان يشتغل بالتجارة وكان ذاهبًا إلى الشام كانت تظلِّله غمامة دون سائر من معه من التجار، ولما رآه الراهب بحيرا عرفه؛ إذ كانت له علامات دالة على أنه النبي المنتظر.

وكانت أخلاقه في عهد شبيبته لا تُعادِلها أخلاقُ أكملِ الناس عقلًا.

وبما أن الله اختاره لرسالته طهَّره من سفاح الجاهلية، فلم يفعل ما كان يفعله العرب من الأفعال التي نهى عنها القرآن؛ كشرب الخمر، وشرب الدم، ولعب الميسر وغير ذلك، بل نشأ على عبادة ربِّه وانعكف في غار حراء يتعبد على مِلَّة أبيه إبراهيم عليه السلام، حتى جاءه الأمر من عند الله بدعوة الخلق إلى الإسلام وذلك في بلوغه الأربعين سنة، فجاءه الملك وهو سيدنا جبريل بأمر ربِّه؛ إذ قال له: يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ … الآية، ولما بعث رسولًا أيَّده الله بالآيات البينات مما يطول شرحه، فمن الآيات: انشقاق القمر، وتفجُّر الماء من بين أصابعه، ورد العين المفقوءة صحيحة، وكلام الضب، والجمل، وإتيان الجذع يسعى إليه، ومن هذه الآيات القرآن الذي أعجز فصحاء العرب والعجم عن الإتيان بمثله أو بعضه، وهو الكتاب الذي جاء به حاويًا لكلِّ أصول الدين الإسلامي وفروعه، وقد بيَّن الله مِقْدار فضله ومنزلته عنده ومحبَّته له في كثير من الآيات القرآنية، وبشَّر الذين يتبعونه ومدحهم وأنذر الذين يخالفونه وذمَّهم، وذلك في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ … الآية، وقوله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ، فكلُّ هذه الآيات القرآنية بيَّنت فضله وفضل الذين يتبعونه ويتَديَّنون بدينه، وأول من أُمِر بإبلاغهم الدعوةَ إلى الإسلام هم أهله وعشيرته؛ حيث يقول الله تعالى له: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، فكانوا له أعوانًا في الدعوة إلى الإسلام، ومن هذه إشارة خفية إلى أن أهل الإنسان أَوْلَى الناس بإيصال الخير إليهم للُحمة القرابة، وما زال يدعو الناس إلى الإسلام ويجاهد في هذا السبيل وهو محفوف بمعونة النصر والغلبة على الكفار حتى قُبِض وهو في الثالثة والستين من عمره الشريف على أصحِّ الروايات .

(٤٧) جلسة من ضمن جلسات جمعيتنا

لما أثبتنا للقوم بالبراهين العقلية صحة الدين الإسلامي وأنه دين الفطرة والمدنية، شرعنا نبيِّن لهم الأسرار والفوائد الجمة المتعلقة بحياة المرء الدنيوية والأخروية المُودَعة في أحكام العبادات والمعاملات التي جاء بها الدين مما لا يوجد في تعاليم أي مذهب ودين من الأديان سوى الدين الإسلامي، وكنا نكتب ذلك لهم ببيانٍ وافٍ وسهولة تُقَرِّب فهْم كلِّ ما نذكره على العقول، وكل شيء نقرره كان يُترجَم باللغة الإنكليزية والفرنسوية كما تقدم، وكانت الصورة الإنكليزية تُعطَى للمسيو «جازنيف» لأجل ترجمتها إلى اللغة اليابانية ويلقيها على القوم فكانوا يكتبون في مذكراتهم لديهم، وأول ما بدأنا ببيانه في هذا الباب هو الصلاة، ونذكر هنا مُجمَل ما بيناه من فوائدها تخفيفًا على القارئ، واحترازًا من الإسهاب في غير موضعه.

وأول ما قرَّرناه هو الفائدة في جعلها خمسًا في اليوم والليلة، وذلك أن أداء الصلاة في أوقاتها الخمس يدعو النفس إلى نبْذ الكسل والخمول، وحثِّها على القيام بعمل الواجب في أوقاته، وإعلامها أن التسويف في أدائه أو تأخيره عن أوانه فيه خسران عظيم، وضرر بمصلحته، ويدعوها أيضًا إلى مراقبة جانب الله؛ إذ يقف المرء بين يديه جلَّ شأنه خمس مرات في اليوم والليلة خاضعًا خاشعًا متطلبًا عفوًا وغفرانًا لذنوبه مستمدًّا معونته، وفي ذلك من تهذيب نفسه ونفورها من المعاصي ما لا يخفى.

أما السر في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، فلِما في الثانية من معنى الانفراد وهو ضد الاتحاد، ولما في الأولى من معنى الاتحاد الذي هو أساس النجاح في كلِّ الأعمال، وفيها أيضًا معنى المساواة والعدل؛ إذ يقف الغني الحسن البزة بجانب الفقير الرث النتن كتفًا لكتف، وهذا منه إشارة ناطقة بأن المسلم لا يَفْضُل أخاه المسلم بالغنى والجاه، وإنما يفضله بالتقوى وهذا نهاية العدل، ومنه أيضًا إشارة إلى أن إطاعة الرؤساء والاقتداء بهم من الصفات الجميلة التي يتحلَّى بها العقلاء.

ولما كانت صلاة الجماعة في هذه الأوقات تكون في الغالب قاصرة على أهل البيت الواحد أو الحارة الواحدة، جعل الشارع الحكيم يوم الجمعة عامًّا لأهل البلد؛ إذ يجتمعون في مسجد واحد، فهذا يكون أبلغ في الاتحاد، وقد ارتقى الشارع في هذا الصدد فجعل صلاة العيدين وهي أعم من صلاة الجمعة؛ إذ يجتمع فيه أهل البلد والبلدين في ساعة واحدة في وقتٍ واحد، واشتراط الخضوع، والخشوع، والسكينة، والتؤدة في الحركات البدنية والقولية فيه إشارة إلى أن التأنِّي في العمل وعدم التسرع من أقوى أسباب الفلاح والنجاح، وإشارةً أيضًا إلى التأدُّب أمام من هو فوقك منزلةً، وصرف النظر عن الكبر المُهلك لها بالانحناء، ووضع الجبهة على الأرض وفوق التراب الذي هو أخس الأشياء تذليلًا لجماحها، وكسرًا من شوكتها، والتنزه عن النجاسة فيها إشارة إلى تدريب النفس على النظافة؛ ليكون المرء بعيدًا عما تشمئزُّ منه النفس من الأوساخ والأدران، ولأن نظافة الظاهر إذا اجتمعت مع نظافة الباطن كان ذلك أدعى إلى مَيْل القلوب إليه، وفي هذا فائدة لا يعرف مقدارها إلَّا ذو اللُّب السليم.

وفي تحديد الأوقات وترتيب الصفوف إشارة إلى أن الواجب على العاقل أن يجعل لكلِّ عمل وقتًا محدودًا، وأن يسير على نظام مخصوص يضمن له النجاح والفلاح، بخلاف ما إذا لم يرتِّب لأعماله أوقاتًا ونظامات، بل يجعلها فوضى، فإن ذلك تعطيل لها وضياع للأوقات بلا جدوى.

(٤٨) الأصول الإسلامية التي أخذتها اليابان

ذكرت في خطبة هذه الرحلة وفي غير موضع منها ما يفيد أنه ليس من موضوعها أن نأتي بنصِّ جميع الخطب التي كنا نُلْقِيها في جلسات جمعيتنا؛ لأن هذا يخرج بنا عن موضوع كتابة رحلة إلى موضوع تأليف كتاب ديني.

ولكن أقول إننا كنا نشرح للقوم معنى كلِّ قاعدة من قواعد الدين وآدابه الشرح الوافي، ونبيِّن لهم الحكمة التي أرادها الشارع من هذه القواعد، كما كنَّا نتكلم عن القرآن وكيفية نزوله وبيان درجة بلاغته كما تقدم في محله وأنه قانون سماوي، أتى بما يُلائم أحوال كلِّ أمة في كلِّ زمان ومكان وغير ذلك.

وقد أفضنا الشرح في قواعد الإسلام الخمس وأن الإسلام دين الفطرة، وإعجاز القرآن وكيفية إنزاله وإثبات الوحدانية لله تعالى، وكل ذلك تقدَّم تلخيصه في هذه الرحلة.

وكنَّا نبين لهم أنَّ الله واحد لا شريك له في ملكه، وأنه ليس بذات مجسمة وليس له جهة تحده وأنه قادر على كلِّ شيء … إلخ، والدليل على وحدانيته، أنه لو كان له شريك لفسدت الأرض لما تقتضيه الشركة من وقوع الخلاف بين الشريكين في كثير من المسائل، ومع هذا فلا بدَّ من حصول الشقاق، والشقاق يفضي إلى غلبة أحدهما على الآخر، وهذا يفضي على المغلوب بالضعف وهو مُنافٍ لصفات الربوبية، وهكذا من قواعد علم التوحيد.

(٤٩) الصلاة

وفي الصلاة كنَّا نبيِّن لهم الحكمة في الوضوء، وكل أفعال الصلاة وأحوالها كما تقدَّم ذلك في موضع آخر، وكنَّا نقول لهم ما معناه إن الإنسان إن كان يريد مقابلة أحد الملوك فلا بدَّ له أولًا من إزالة ما بجسمه من الأوساخ، والأدران وما أشبهها، فكيف لا يفعل هذا وهو ذاهب إلى المسجد ليقف أمام ملك الملوك وأحكم الحاكمين؟! كما أن الإنسان يقف أمام من هو أكبر منه وقوف الأدب، والاحترام، والسكينة، فكذلك يقف أمام مولاه الأكبر واضعًا إحدى يديه على الأخرى، أو مرسلًا إياهما، خاضعًا، خاشعًا، يحنو برأسه احترامًا ويضع جبهته التي هي أشرف عضو في جسمه على أخس شيء وهو التراب في السجود، متذللًا له مُظهرًا نهاية الذل والخضوع؛ ليكون راضيًا عنه سائلًا إياه أن يغفر له ذنوبه ويتجاوز عن سيِّئاته.

(٥٠) صلاة الجماعة

وإن الحكمة في صلاة الجماعة وتفضيلها على صلاة المنفرد هي الإشارة إلى الحثِّ على الاتحاد واجتماع الكلمة، وإن في وقوف الفقير بجانب الغني إشارة إلى أن التفاضل بين المسلم وأخيه ليس بحسن الزي، والهندام، ولا بالغنى بل بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، وفيه أيضًا إشارة إلى المساواة بين المسلم وأخيه في كلِّ الحقوق، وفي استقامة الصفوف إشارة إلى الانتظام المطلوب في كلِّ الأعمال، وفي توجيه الوجوه إلى القبلة إشارة إلى أنه من أهل هذا الدين، ومن بُعد المسافات وقربها بين كلِّ صلاة وأخرى إشارة إلى أن الأعمال تُؤدَّى في الأوقات المناسبة لها؛ لأن الوقت ما بين صلاة الفجر والظهر هو وقت اشتغال المرء بأمور المعاش، فإذا قضى نحو الست ساعات وهو يشتغل بالكسب، كان هذا الوقت كافيًا لهذا الغرض فيصلي الظهر، وقرب المسافة ما بين صلاة الظهر والعصر، وما بين هذه وصلاة المغرب إشارة إلى أن هذه الأوقات يقل فيها عمل الإنسان للكسب فيمكنه أن يؤدي الفرض، وإشارة إلى أنه كما افتتح النهار بصلاة الصبح كذلك يختمه بصلاة المغرب، وفي بُعد المسافة ما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح إشارة إلى أن هذا الوقت هو وقت النوم، وأخْذ النفْسِ قِسْطها من الراحة، كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا.

وكنا نُبيِّن لهم الغرض الذي يريده الشارع من فريضة صلاة الجمعة والعيدين والأذان والإمامة.

(٥١) صلاة الجمعة

ففي صلاة الجمعة عرَّفناهم ما مجمله: أن صلاة الجماعة رآها الشارع غير كافية بالمراد من اتحاد المسلمين واتفاق كلمتهم، فجعل يوم الجمعة يومًا يجتمع فيه المسلمون القاطنون في البلدة الواحدة في المسجد لسماع المواعظ الحسنة من جميع ما يتعلق بحياتهم الاجتماعية وما يتعلق بأمور الآخرة، فيخطب الخطيب منهم مُبيِّنًا لهم أنواع البدع المستهجنة والمفاسد التي تضر بالأخلاق، والآداب، ويحثهم على التعاضد، وترك المعاصي، والإقبال على خير الأعمال، وإقامة الشعائر الدينية وهَلُم جرًّا.

ولا شك أن اجتماع المسلمين في كلِّ أسبوع لسماع هذه المواعظ مما يشدُّ ويقوِّي رابطة الإخاء والاتحاد بينهم، ويجعلهم يدًا واحدة في كلِّ ما يهمُّهم أمره دنيا وأخرى، لو كانوا يعملون بمضمون ما يُلقَى عليهم من الحكم والمواعظ والأوامر والنواهي.

•••

وقد ارتقى الشارع في الدعوة إلى الاتحاد إلى درجة أرقى؛ حيث أمرهم بصلاة العيدين ليتفرغ المسلمون في هذا اليوم من كلِّ شغل ويتبادلون فيما بينهم المودة والائتلاف مصافحةً وتهنئة بمرور العام وهم في أتمِّ وفاق والتئام، فيصافح الغريب في البلدة أهلها مصافحة الأخ أخاه كأنه من عائلته أو أحد أقربائه، ويكون المسلمون في هذا اليوم فرحين مستبشرين يلبسون أحسن اللباس، ويبذلون فيه ما يقدرون على بذله من الأموال مواساةً للفقراء حتى يكون الكلُّ فرحًا مسرورًا.

ولما كانت صلاة عيد الفطر لا يجتمع فيها إلَّا أهل البلدة الواحدة تقريبًا، فرض الشارع صلاة عيد الأضحى ليجتمع المسلمون في الأماكن المقدسة من كلِّ بلد وكلِّ قُطر يتبادلون المودة أيضًا، فيكونون جميعهم على اختلاف أجناسهم وبُعد بلادهم عن بعضهم كأنهم أفراد عائلة كما قلنا في باب الحكمة المُرادة من فريضة الحج.

(٥٢) الأذان

أما الأذان فحكمته عظيمة جدًّا لأن الناس لداعي اشتغالهم بأمر المعاش قد ينسون وقت أداء الفريضة، فجُعِل الأذان لإعلامهم بحلول الوقت، فيتركون الأشغال ويُقبِلون على الصلاة، وفي لفظ الأذان إشارة إلى أن الصلاة خير الأعمال؛ حيث يقول المؤذن: «حي على الصلاة حي على الفلاح.» ومعنى هذه العبارة أقبلوا على الصلاة التي هي فلاحٌ لكم ولا شيء أفضل من اجتماع المسلمين لأداء الفريضة المتضمِّنة للحِكَم التي شرحناها وهي الفلاح بعينه.

ولأجل هذا الغرض لم يجعل الشارع شيئًا غير الأذان لهذه الصلاة، لأجل إعلام المسلمين بحلول وقت الصلاة، وإلَّا لناب عنه الناقوس أو أي شيء ينيبه الناس إلى حلول الوقت، ولو كان الأمر كذلك لاكتفى مسلمو مصر والهند مثلًا بمدفع نصف النهار الذي يُضرَب في وقت صلاة الظهر.

(٥٣) الإمامة

وفي الإمامة إشارة إلى أن الإنسان يجب عليه أن يقتدي بأهل الدين والعقلاء في كلِّ أعمالهم، وزيادةً على هذا فإن الإمام نائب عن الخليفة الذي هو نائب عن النبي ، فإذا اقتدى المسلمون بالإمام فإنما هم في الحقيقة مقتدون بالرسول؛ ولذلك اشتُرط في الإمام شروط يدل مجموعها على أنه يجب أن يكون الإمام عالمًا تقيًّا، وربما كان سالمًا من كلِّ العيوب التي تشين الرجال وتزري بهم.

ومثال ذلك إذا اجتمع المسلمون للصلاة اختاروا أكبرهم وأصلحهم، وإذا تساووا اختاروا أكبرهم سنًّا؛ لأنه يكون فطنًا من جهة العقل والإدراك.

ولما كان الإمام ممتازًا لهذه الصفات الكاملة أمرَنا الشارع بأن لا يقتدي الحر بالعبد، وهكذا من المميزات الأخرى.

(٥٤) الزكاة

وفي الزكاة كنَّا نبين لهم أن الإنسان إذا كان الواجب عليه أن يتفقد أقاربه، وأهله ويواسيهم، ويسأل عن الفقير فيهم فيساعده على المعاش ببذل الأموال والجاه، فكذلك المسلمون جعلهم الدين كأهل العائلة الواحدة، فيجب على الغني أن يجود على الفقير صَوْنًا لماء وجهه من ذلِّ السؤال، ومن هذا فوائد جمَّة منها: أنها تقوي رابطة الجامعة الإسلامية لما يكون من المودة والمحبة المتبادلة بين المسلمين بسبب جُودِ الغني على الفقير، ومنها أنها سبب لحصول الأمن العام في البلاد فتمتنع السرقة؛ لأن أكثر وقوعها يكون من الفقراء الذين يندفعون إليها بعامل الفقر، ومنها نفي التحاسد الذي هو من أكبر عوامل فساد البلاد والعائلات، ومنها تطهير للمال، فتحصل البركة وهي النماء والزيادة، ومنها الحث على الكرم وهو ملاك الفضائل، والتنفير من البخل وهو أكبر الرذائل، ومنها الغلبة على النفس؛ لأنها تضنُّ بالشيء العزيز لديها، وهكذا من كلِّ الوجوه التي تضمنها الزكاة.

(٥٥) الصوم

هو الإمساك عن الغذاء وما في حكمه مما يسد الرمق وعن الجماع، وكأن الله — سبحانه وتعالى — يشير إلى أن إذلال النفس منعها عن أهم شيء مقوِّم للحياة وهو الغذاء لكي يبعدها عن الشرِّ، ويدرِّبها على احتمال الحيلولة بينها وبين شهواتها، وفيه إشارة أيضًا إلى أن الجوع القليل مفيد للصحة؛ لأن الشهوة في الغالب لا تتفق إلَّا عند امتلاء البطن واكتظاظها بالأكل، وفي هذا من الضرر ما لا يخفى.

وقد فُرِض الصوم في شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن، وفي الصوم في هذا الشهر فوائد عظمى؛ إذ يترك فيه المسلمون ما كانوا يباشرونه من أنواع المعاصي فيصلي تارك الصلاة، ويحرم الكأسَ شاربُ الخمر، ويخرج الصدقة البخيل، ويطعم الطعام المسكين، واليتيم، والأسير وهلم جرًّا، وهو أحد أركان الإسلام الخمس.

وقد أراد الشارع في الصوم حكمة أخرى، وهي حثِّ المسلمين على أداء الأمانة لأهلها، وكذلك أن المسلم إذا حبس نفسه عن الطعام إطاعةً لأمر الله تعالى، كان ذلك بمنزلة إيداع الأمانة، فإذا وُجِد المسلم في بيته منفردًا وعنده الغذاء ومنع نفسه عن تناوله مع أنه لو تناول منه لا يعلم به أحدٌ كان ذلك بمنزلة حفظ الأمانة في وقت لو لم يحفظها لما عرفه أحد، ولما أثبت عليه أحد اختلاسها، وفي هذا أيضًا مخالفة للشيطان؛ لأنه أكثر وسوسةً للإنسان بفعل المنكر إذا اختلى المرء بنفسه وآمن من اطلاع أحد عليه، فإنه في هذه الحالة يجتهد في الوسوسة والإغراء، فمخالفته مخالفة للنفس الأمارة بالسوء، فهذه الفضائل كلها يحثُّ عليها الصوم ولا غنى للمرء بالتحلِّي بها.

(٥٦) الحج

أما الحج فقد أفضنا فيه الكلام أزيد من غيره، وكنَّا نرى القوم معجبين بفضيلة الحج أكثر من غيره؛ لأننا بيَّنا لهم أن الشارع لما وجد المسلمين الذين تجمعهم جامعة الدين هم كأفراد العائلة الواحدة كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.» وكان من شأن أفراد العائلة أن يتزاوروا ويتعهد بعضهم بعضًا، فرض الحج ليجتمع المسلمون من كلِّ جنس في مكان واحد، فيتعارف التركي بالصيني، والهندي بالرومي، والعربي بالإفرنجي، والمصري بالسوري، والمغربي باليمني وهلم جرًّا، ويتبادلون فيما بينهم التعارف والتوادد، ويسأل كلُّ واحد الآخر عن أحوال بلاده وما فيها من أنواع الحضارة، والمدنية، والتجارة والزراعة وغير ذلك، وبهذا يكون المسلمون كلهم كأنهم مجموعون في هذا المحل؛ إذ كل واحد يمثِّل أمته وبلاده.

وفيما كنا نبين لهم أن الحج هو من أقوى الأسباب لتأييد الجامعة الإسلامية التي تتخوَّف منها أوروبا، وكذلك كنا نشرح لهم الحكم المودعة في المناسك كالطواف والفداء والوقوف بعرفة والنزول من منى وغير ذلك.

وفيما عدا كل هذا كنَّا نتكلم بإسهاب عن الرسالة زيادة عما تقدم وكيف بدأت الدعوة الإسلامية، وكيف أن هذا الرسول الأمي يجيء بكتاب هو جامع لكلِّ سعادة الأمم في الدنيا والدين.

وأيضًا كنا نشرح لهم الآداب الدينية في التحية والسلام والمعاملات بين الناس، وما في الحدود الشرعية من القَوَد كالقتل والجلد والقطع إلى غير ذلك من النصائح والمواعظ التي جاء بها القرآن الكريم.

والذي أراه أن اليابانيين لو كانوا يعرفون اللغة العربية معرفة جيدة ما كانوا يحتاجون في إسلامهم إلى مبشِّرين أو مندوبين، بل كانوا يعتنقون الدين الإسلامي بمجرد اطلاعهم على الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.

(٥٧) السبب في انعقاد المؤتمر

كأن الحرب الروسية اليابانية كانت بمنزلة المرآة لدى اليابانيين نظروا فيها إلى هيأتهم الاجتماعية، فرأوا فيها المجد والفخار وسائر الصفات التي تسمو بالرجال إلى أعلى مراتب العزة والمنعة، ولكنهم رأوا فيها شيئًا لم يرضوه لأنفسهم ألا وهو الدين، رأوا معتقداتهم الأصلية التي اتبعوا فيها آباءهم وأجدادهم ليست منطبقة على العقل، فأنِفوا من أن يكونوا مع هذا الفخر الباهر غير متدينين بدين يوافق رُقيَّهم المادي والأدبي.

ولذلك اجتمع الكبراء، والوزراء، والعلماء منهم وتباحثوا في شأن اتخاذ دين من الأديان يقبله العقل ويكون دينها الرسمي فكان ممن حضر هذا الاجتماع البارون «سوتانعو» وزير الداخلية سابقًا، فوافق على هذا الاقتراح وقال إن أمة متمدِّنة مثلنا يجب عليها أن تتخذ لها دينًا مبنيًّا على قواعد صحيحة، وأصول لا تدع في النفوس ريبًا، ولكن أدع إلى غيري اختيار الطريقة التي بها نصل إلى المرغوب، فقال الكونت «كاتسورة» رئيس الوزراء سابقًا: إن الرأي عندي هو أننا نرسل إلى الدول المتمدِّنة خطابات رسمية؛ ليرسلوا إلينا العلماء والفلاسفة من المشترعين في دياناتهم ومتى وصلوا إلينا عقدنا مؤتمرًا دينيًّا تدور فيه المناقشة والمباحثة في فلسفة الأديان، ويشرح كلُّ أهل دين قواعده، ومتى اهتدينا إلى الدين الصحيح اعتنقناه وجعلناه ديننا الرسمي. فصادق على هذا الرأي الكونت «جرافوش» وصرَّح بأنه هو الرأي الذي كان يدور بخلده من قبل أن يُفتَح باب الكلام في هذا الموضوع.

ومما قاله الكونت «جرافوش» إن رجلًا من أهل الصين المسلمين يُدعَى «حسان نيوس» حضر إلى اليابان في شهر أغسطس سنة ١٩٠٥ ومعه كتاب في الديانة الإسلامية ألَّفه، وفيه بيانات كافية وأدلَّة منصفة حتى إني استحسنت هذه الديانة، ولكن ظروف الأحوال حالت دون أن يُسمَح لهذا الرجل بنشر كتابه؛ إذ الأمة اليابانية لم تكن في هذا الوقت بحثت عن دين تعتنقه، أما الآن وقد عزمتم على عقد مؤتمر ديني يكون جامعًا لعلماء وفلاسفة كلِّ دين فإني أوافق على هذا كلَّ الموافقة، كما أني أرى أن الأمة متى رأتكم شرعتم في أمرٍ كهذا فهي تابعة لرأيكم.

وبما أن حرية الأديان مطلقة فكلُّ إنسان منا يعتنق الدين الذي يرتضيه، وهذا هو رأيي الخصوصي في هذا الموضوع.

ولم يكد يفرغ المستر «جرافوش» من كلامه، حتى أقر جميع من حضروا هذا الاجتماع على وجوب إرسال الخطابات الرسمية إلى الدول، لأجل انعقاد المؤتمر وفي مقدمة الذين صادقوا على هذا الاقتراح جناب الكونت «هيجيكان»، والبارون «سون»، والأول من أصدقاء الميكادو، ويعول عليه في كلِّ الأمور الهامة ذات البال، والثاني هو وزير المالية سابقًا، ولا يقل عنه في الثقة لدى الميكادو، والاثنان قد بلغا في الآداب والحكمة ومعرفة ضروب السياسة مبلغًا عظيمًا بين سائر أكابر الأمة اليابانية، وبعد هذه المداولة والمفاوضة عُرِض الأمر على جلالة الميكادو فوافقهم على ذلك وأصدر أمره الرسمي بإرسال الخطابات إلى الدول العظمى، وكان في مقدمة الدول دولتنا العلية ودولة فرنسا، وإنكلترا، فإيطاليا، فالولايات المتحدة، فألمانيا، ولما أُبْلِغت هذه الدول أمر الميكادو أرسلت الوفود من رؤساء كلِّ مذهب ودين، وإن كانت كلُّ هذه الدول عدا دولتنا العلية تجتمع في الدين المسيحي ولكن السبب في إبلاغ كلِّ دولة على حدتها هو اختلافها في نفس الدين المسيحي من خصوص المذهب؛ لأن منهم: كاثوليك، وأرثوذكس، وبورتوستنت.

ولما حضر الوفود قُوبِلوا بكلِّ حفاوة وإجلال، وأول جلسة عُقِدت من المؤتمر كانت في أول شهر مارس سنة ١٩٠٦.

(٥٨) الأعضاء المندوبون في المؤتمر

لما حضر الأعضاء المندوبون من قِبَل دولهم لحضور المؤتمر على حسب رغبة الميكادو الذي أصدر أمره الرسمي بانعقاده، استُقبلوا أحسن استقبال وأعد لهم محال للسكنى لائقة بكرامتهم وكرامة الدول المُرسِلة لهم، وأعدَّ لهم كلَّ ما يلزم لكلِّ وفد إلَّا الأطعمة فإنها لم تكن على مصاريف الحكومة اليابانية كغيره، والسبب في هذا ليس البخل أو الاقتصاد ولكن لعدم معرفة ما يوافق كلَّ وفْد من أنواع المآكل؛ فلذلك جعلوا لهم حرية اختيار الأطعمة.

ولم يكد يستقر قدم هؤلاء الوفود، حتى حدثت ضجة كبرى بين المبشرين المسيحيين واضطربت أفكارهم أيما اضطراب، سواء في ذلك الكاثوليك منهم والأرثوذكس، والبروتستنت، وقد اجتمع بعض أعضاء هذه الوفود من غير المسلمين بالمبشرين وسألوهم عن نتيجة أعمالهم من التبشير، وأخذوا فكرهم من جهة الدين الذي يميل إليه اليابانيون أكثر من سواه من الأديان الأخرى، فأجابهم المبشرون بما معناه:

إننا لا يمكننا أن نجزم جزمًا حقيقيًّا، أو نرى رأيًا صائبًا من خصوص الدين الذي هو أكثر موافقة لليابانيين، وذلك أن منهم من اعتنق الدين المسيحي، وبعد أن أوضحنا لهم قواعده وتعاليمه وعنينا في ذلك ما عانيناه من المشاق رأيناهم رفضوا كلَّ ما أُلْقِي إليهم رفضًا تامًّا، ولم نعلم السبب الذي ألجأهم إلى هذا الرفض حتى كنا نجتهد في إزالة ما علق بأذهانهم.

ومنهم من دخل في الديانة المسيحية ومكث مدة يتعبد، ثم خالفها واتبع شريعة «كونفوشيوس» ويدَّعون أن هذه الشريعة من مبادئها أن تؤلِّف بين القلوب على أننا إذا تصفحنا تعاليمها تجدها كلها خرافات، وأوهام باطلة، واعتقادات فاسدة، ومهما كان فلا بدَّ من وجود سبب دعاهم إلى مخالفة الدين المسيحي بعد أن اعتنقوه.

ولو كان رفضهم مبنيًّا على أن الدين المسيحي غير مؤلِّف بين القلوب، فهذه أيضًا دعوى منقوضة؛ لأن الدين المسيحي الذي يأمر بالإحسان إلى المسيء والصفح عنه لا يصح أن يقال فيه إنه غير مؤلِّف بين القلوب.

وإذا كانت دعواهم أنه غير موافق للعقل فكان الواجب عليهم أن يُعرِبوا عن ما في ضمائرهم من وجوه النقد والاعتراض الدال على صدق دعواهم، وبصرف النظر عن هذا كله فإننا نجد الذين يدينون بهذه الشريعة على تمام الوفاق والاتحاد مع من اعتنقوا الدين المسيحي، وقد يجوز بل هو الأقرب إلى الصواب أن هذا التآلف والتوافق الموجود بين الطائفتين ناتج عن محبة الوطن الذي هم فيه سواسية على اختلاف المعتقدات، وناهيك بتفاني اليابانيين في محبة وطنهم. وإننا في حالة ذهول، واندهاش، وحيرة عظمى؛ أولًا: من عدم ثبات اليابانيين على حالة واحدة من جهة الدين الذي يعتنقونه، ثانيًا: من جهة الأتعاب والمشقات التي نعانيها في كلِّ آن في سبيل إرشادهم إلى الدين المسيحي، ثالثًا: على كثرة المصاريف التي نصرفها في هذا السبيل، وليست هذه المصاريف قاصرة على ما نحتاجه من مآكل ومشارب وملبس ومسكن، بل إننا نساعد الفقراء منهم الذين يدخلون في الدين المسيحي.

ومن المصائب أننا بعد أن نساعدهم ونصرف عليهم المصاريف الفادحة يتركون الديانة المسيحية.

وبما أن حرية الأديان في اليابان مستوفية كلَّ ما لها من شروط الحرية، ولم نفلح نحن مع مُكثنا هذه المدة الطويلة، فكيف بنا لو كانت هذه الحرية مفقودة؟! والأغرب من هذا كله أن كثيرًا من الذين اعتنينا بتربيتهم من أبناء اليابانيين وأدخلناهم في مدارسنا، وصرفنا عليهم المبالغ الطائلة من وجوه كثيرة غير المأكل والمشرب يخالفوننا تمام المخالفة، وهم ليسوا بالعدد القليل بل يُعدون بالآلاف وبذلك تكون المصيبة مضاعفة مصيبة ارتدادهم عن الدين، ومصيبة المصاريف الكثيرة، ومصيبة تعبنا الذي ذهب أدراج الرياح، فنحن الآن في حيرة ما بعدها حيرة.

فلما سمع الوفود من المبشرين هذه الأقوال وعرفوا ما لقوه من الشدائد مع عقم النتيجة صاروا في حيرة من أمرهم، واعترتهم الدهشة وقالوا: إذا كان هؤلاء مكثوا مدة طويلة، وصرفوا مبالغ طائلة، وفتحوا مدارس عديدة، وللآن لم يحصلوا على ثمرة أتعابهم، فكيف بنا ونحن حديثو العهد بالقدوم إلى اليابان؟ فأجابهم المبشرون بما مفاده: إنكم لا تدعوا القنوط يأخذ منكم مأخذه وداوموا على الثبات في جلسات المؤتمر، ولا تضجروا، ولا تتخذوا ما لقيناه من المتاعب والمصاعب باعثًا على إحجامكم، فإنكم ستحضرون المؤتمر الذي يُؤلَّف من أعيان وأشراف القوم، وربما اختاروا جميعهم ديننا واستحسنوه فاعتنقوه، وإذا كان هذا فإن أهل الطبقة الوسطى منهم يتبعونهم وبالطبع يتبعهم الفقراء؛ لأنهم إذا رأوا الأكابر منهم والعقلاء فيهم فعلوا أمرًا فهُمْ تابعون لهم، وحسْبُكم أن يكون لكم حزب من الأعيان الذين يدينون بالدين المسيحي، فإن هذا من أقوى الأسباب التي تكلِّل مسعاكم بالنجاح؛ حيث تكونون قد خدمتم دينكم ودُوَلكم التي اختارتكم لهذه المهمة، فلم يقع قول المبشرين هذا لديهم موقع القبول والاستحسان وقالوا لهم: إذن أنتم الآن لا تعرفون كيف تُستمَال قلوب عقلاء الأمة وأمرائها، مع أنكم مكثتم هنا السنين العديدة، ولم يكن في وسعكم أن تستميلوا قلوب البسطاء الذين لا قدرة لهم على المجادلة في أي مسألة دينية، ومن هذا يُستدَل أيضًا على أنكم جاهلون تمام الجهل بسياسة التبشير وجذب القلوب إليكم.

هذا، والذي أراه ويراه كلُّ عاقل منصف أن المبشرين لم يدَّخروا وسعًا في استمالة قلوب اليابانيين؛ لأنهم بارعون في هذا السبيل فلا حق للمندوبين في وصفهم بالعجز، ولكن اليابانيين أنفسهم عاملوهم على مقتضى المثل المشهور عندهم وهو «أكرم الغريب ولا تجهل نواياه».

(٥٩) الجلسة الأولى من المؤتمر

لما وصل الوفود المنتدَبون من قِبل الدول إلى عاصمة اليابان صدر أمر الميكادو بانعقاد المؤتمر، وكان الحاضرون فيه من الأعضاء وغيرهم يبلغ نحو المائة والعشرين رجلًا من أكابر رجال الدولة اليابانية بين عالم فيلسوف، ووزير خطير، وعالم اجتماعي، وعظيم سياسي، وغير هؤلاء ممن لهم دراية تامة بسائر العلوم والفنون، وكانت الجلسة تحت رئاسة الميكادو نفسه.

وأول ما فُتِحت الجلسة عُرِضت على الحضور القاعدة الأساسية لهذا المؤتمر، وهي أن الغرض من هذا المؤتمر هو البحث في أصول كلِّ دين ومذهب يريد أهله أن يعتنقه اليابانيون على شرط أن تكون كلُّ الأدلة التي يُؤتَى بها على صحة كلِّ دين مطابقة للعقل، وإلَّا فلا حاجة إلى البحث فيه، وبعد ذلك قام أحد الأعضاء المنتدَبين من قِبل دولتنا العلية، وقال ما معناه: أما ما يرمي إليه المؤتمر من أن الواجب على أهل كلِّ دين ومذهب أن يبيِّنوا قواعد دينهم، ومذهبهم بالأدلة والبراهين المطابقة للعقل، فأقول إني كفيل بأنَّ كلَّ برهان ودليل أقيمه على صحة الدين الإسلامي لا يخرج عن دائرة المعقولات سواء ذلك في الأمور الكلية والجزئية من أمور دين الإسلام؛ إذ الشارع لم يضع قواعد الدين عبثًا، بل لا بدَّ هناك من حكمة بالغة يريدها بالأوامر والنواهي وكل أنواع المعاملات والعبادات، وإني زعيم أيضًا بأن أجيب عن كلِّ اعتراض أو سؤال في شبهة ربما تَعْرِض لأحد، بشرط أن يكون السؤال أو الاعتراض في الأمور المتعلِّقة بجوهر الدين.

•••

وعلى أثر قوله هذا قام الكونت «هيجيكان» وقال ما معناه: حيث إن جناب المندوب العثماني قال ما هو المقصود من عقد هذا المؤتمر واشترط على نفسه أن يأتي بالأدلة والبراهين على صحة دين الإسلام، وكذلك اشتراطه بأن يجيب على الاعتراضات والأسئلة فيما لو عرضت شُبْهة من الشُّبَه بما يطابق العقل فما عليه الآن إلَّا أن يبدأ فيما تكفَّل به واشْتَرَطه على نفسه، ثم جلس وقام بعده المندوب العثماني وقال ما ملخصه من الخطبة التي ألقاها باللغة الفرنسوية: اقتضت حكمة الله تعالى أيها الأفاضل أنه عندما يرسل الرسل إلى الأمم التي تعبد ما سواه أنه يرسلهم بتعاليم ومعجزات مناسبة لأحوال وأطوار هذه الأمم لتكون الحجة أبلغ والبرهان أقوى؛ ولذلك إذا اطلعنا على سيرة كلِّ نبيٍّ وعلى كلِّ ما أيَّده به الله من المعجزات نجد أن شريعة سيدنا عيسى عليه السلام ومعجزاته خِلاف شريعة سيدنا موسى ومعجزاته وهلم جرًّا.

وما ذلك إلَّا لأن أمة كلِّ نبي تغاير الأخرى في المعتقدات والعوائد كما تقدَّم، ولأجل بيان هذا الإجمال أقول: لما أرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى إلى فرعون وهو أحد ملوك الفراعنة الذين حكموا مصر كان هذا الطاغية قد زاد في طغيانه إلى أن ادَّعى الربوبية في الأرض وطمحت به نفسه إلى أن يصعد إلى أسباب السماء، وبلغت به درجة الكفر إلى أن قال للمصريين: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، كما حكى الله ذلك عنه، وبلغت به درجة الغرور بالملك إلى أن قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، فلما جاء موسى عليه السلام يدعوه إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، كبر عليه الأمر فلم يؤمن فأيَّد الله نبيه ورسوله موسى بالمعجزات وهي الأمور الخارقة للعادة وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثلها، فمن هذه الآيات والمعجزات إرساله تعالى القمل والضفادع التي ملأت بقاع الأرض ومنازل القوم، حتى ضاقوا بها ذرعًا، ولم يقدر إلههم فرعون على وقاية نفسه ووقايتهم منها، وكذلك صيرورة ماء البحر والآبار إلى دماء، حتى كادوا يهلكون عطشًا، وكل ذلك لأجل أن يُظهِر الله سبحانه وتعالى لفرعون وجنوده أنهم ضعفاء لا يملكون من الأمر شيئًا وأن فرعون لو كان إلهًا حقيقة لما عجز عن دفع هذه المصائب التي حلَّت به وبقومه.

ولما كان السحر في ذلك العصر فاشيًا، وكان العلماء بارعين قالوا: إن موسى ساحر فحاجَّهم موسى وطلب منهم المناظرة يبرهن لهم أنه نبي مرسل لا ساحر، فأمر فرعون بعقد مؤتمر يحضره كلُّ السحرة الماهرين في علم السحر، وفعلًا أرسل في المدائن حاشرين أن ائتوني بكل ساحرٍ عليم، وكان موعدهم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، فلما جاء اليوم الموعود وحضر السحرة وكان أغلبهم من مدينة «عين شمس» بمصر، أمرهم فرعون بأن يعملوا عملهم، فألقوا سحرهم وهو عصي وحبال كانت معهم فصارت أفاعي ملأت الأرض، حتى صار المنظر مريعًا من تلك الحيات، فأوحى الله — سبحانه وتعالى — إلى نبيه موسى بأن يلقي العصا فألقاها فإذا هي ثعبان التقف كلَّ الحيات التي ألقاها السحرة ففزع فرعون وجنوده، أما السحرة فإنهم اعتقدوا أن فعل موسى خارج عن طاقة كلِّ ساحر، وأنه لا بدَّ وأن يكون نبيًّا صادقًا فآمنوا به، وصدقوه، وخروا لله ساجدين، وقالوا آمنا برب موسى وهارون.

ولكن فرعون مع وضوح الدليل على عجز السحرة أخذته العزة بالإثم، فلم يؤمن وقال للسحرة إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل؛ إذ آمنتم به قبل أن آذن لكم، فلم يرجعوا عن اعتقادهم في صدق نبوة موسى وصبروا على أذى فرعون لمَّا تبين لهم من الدليل القاطع والحجة الدامغة؛ إذ العقل لا يقبل أن يعتقد أنَّ ما فعله موسى من قبيل السحر؛ حيث أفرغ السحرة جهدهم في إلقاء السحر، حتى لم يبقَ باب لديهم إلَّا طرقوه، ولما لم يجد فرعون من طريقة بها يدحض حجة موسى اعتمد على قوته فأمر الله سيدنا موسى أن يرحل من أرض مصر هو وقومه الذين آمنوا معه من بني إسرائيل فرحل فتبعه فرعون، حتى إذا قارب اللحوق به على ساحل البحر الأحمر أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق ومرَّ به موسى وقومه فاتَّبعهم فرعون وقومه، وبعد ذلك نجا موسى ومن معه أما فرعون فإنه أدركه الغرق هو وقومه، ولما أحس فرعون بالهلاك قال: إني آمنت أنه لا إله إلَّا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فلم يقبل منه هذا الإيمان؛ لأنه لولا خوفه من الغرق لم يقُلْ هذه الجملة، ولو كان مؤمنًا حقًّا لكان صدَّق موسى من قبلُ لما أتاه بالآيات الأخرى السابقة.

وكذلك فعل موسى مع بني إسرائيل بعد هذه الحادثة من المعجزات التي يقبلها العقل والتي هي مناسبة لحالة قومه، فإنهم ارتدوا بعد الإيمان وأخذوا ينتقلون من حالة الكفر إلى حالة الإيمان، وكان موسى يظهر لهم من الآيات ما ليس في طاقة البشر أن يأتوا بمثله.

ومثال ذلك أنه لما استسقاه قومه قال الله له: اضرب بعصاك الحجر فضرب فانفلق منه اثنتا عشرة عينا تجري منها المياه، هذه أيها الأفاضل سيرة موسى عليه السلام مع فرعون والذين اتبعوه، فترون منها أن الدلائل والمعجزات التي أتى بها كانت مطابقة لحالة القوم في ذلك العصر. ولما أرسل الله — سبحانه وتعالى — عيسى بن مريم عليه السلام كان فنُّ الطب في ذلك العصر راقيًا جدًّا، فأيده الله بالمعجزات التي يعجز عنها أكابر الأطباء فكان يُبْرِئ الأكمة، والأبرص، والأعمى بإذن الله تعالى، وكذلك كان يُحيي الموتى، وهكذا كان إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الأمم السابقة، ولما أرسل الله تعالى نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام أيَّده بمعجزات باهرات، وآياتٍ بينات، وأكبر هذه الآيات وأوضح هذه البراهين الدالة على صدقه هو القرآن الذي تحدَّى به فصحاء العرب؛ لأنهم كانوا في ذلك العصر على جانب عظيم من الفصاحة والبلاغة، فلما عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن قالوا: إنه قول شاعر، فقال لهم: إن كان هذا قول شاعر وفيكم من يقول الشعر فأتوا بسورةٍ من مثله، أو أي آية من آياته فعجزوا جميعًا.

وكذلك كانت المعجزة في نفس النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان أفصح العرب لسانًا وأوضحهم بيانًا مع كونه أميًّا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فجاءهم بالشريعة الإسلامية وقرَّر قواعدها وبيَّن أحوالها، وكان يعلِّم العرب من أمور الدين ما لم يقدر أن يأتي بمثله أكبر العلماء المشترعين من يوم أن خلق الله العالم إلى يومنا هذا.

فكون هذه المعجزات وهذه الآيات وهذا الدين الذي سأبين لكم قواعده يأتي بهما رجلٌ أميٌّ لم يعرف القراءة ولا الكتابة، مع ما كان عليه العرب من الفصاحة والبلاغة لدليل على أنه النبي الصادق وأن دينه هو الدين الصحيح الذي يقبله العقل كلَّ القبول، كلُّ ما تقدم يا حضرات الأفاضل أتيت به استدلالًا على أن صاحب الشريعة الإسلامية وهو سيدنا محمد بن عبد الله نبي حقًّا ورسولٌ صدقًا.

جاءنا هذا النبي عليه السلام بأصل هذا الدين وهو الشهادة بأن الله واحد في ذاته وفي صفاته، لا شريك له في ملكه وأنه قادر على كلِّ شيء، وأنه ليس له شكل مخصوص محسوس بحاسة البصر حتى يحويه مكان، بل هو بخلاف كلِّ ما يتصوره الذهن وأنه لم يلد ولم يولد.

أما كونه واحدًا في ذاته وفي صفاته فهذه قضية مقبولة عقلًا؛ لأنه لو كان في هذا الكون آلهة متعددة لفسدت الأرض؛ لأنه لو فُرِض ذلك لحصل الخُلْف فيما بينهم، والقاعدة المعروفة عقلًا أن تعدُّد الرؤساء في مصلحة واحدة مخلٌّ بها، مفسدٌّ لها؛ إذ ربما تكون إرادة هذا الإله اقتضت أن يخلق خلقًا لم يرد خلقه الإله الآخر، ولا يخفى ما في هذا من المنازعات وتضارب السلطات، وهذه أيضًا يتناول الشركة إذ لو كان للإله شريك لفسدت الحال أيضًا؛ لأنه لو أراد مثلًا أحد الشريكين أن يجعل المحيط الهندي أرضًا يابسة، والثاني اقتضت رغبته أن يبقى على ما هو عليه لوقع الخلاف بينهما، وعلى هذا إما أن يتفقا وإما أن يختلفا، فإن اتفقا فلا بدَّ من وقوع أحد أمرين: إما جعل البحر يابسًا، وإما بقاؤه على ما هو عليه، وعلى كلا الأمرين فالذي ينفِّذ مرغوبه دون الآخر يوصف بالقدرة ويوصف الآخر بالضعف؛ لأن العدول عن رغبته إلى إنفاذ رغبة الآخر يُعد نقصًا في قدرة الثاني، وهذا لا يجوز في حقِّ الإله، وإن اختلفا فلا بدَّ من غلبة أحدهما وهو أيضًا داخل فيما تقدَّم من وصف أحدهما بالعجز والضعف أمام الآخر القوي، وهذا لا يجوز أيضًا في حقِّ الإله.

فنتج من هذا كله أن الإله لا بدَّ وأن يكون واحدًا، وأنه لو كان له شركاء لخرب الكون ولم يدُمْ يومًا واحدًا عامرًا.

وأما استحالة كونه معينًا محسوسًا بحاسة البصر فهذا أيضًا لا يقبله العقل؛ لأنه إذا كان كذلك يكون قد تحيَّزته الجهة، ومتى تحيزته جهة مخصوصة تكون قد خلت منه باقي الجهات الأخرى، وهذا ينافي العلم بكل شيء في الوجود؛ إذ يكون علمه منحصرًا في الجهة التي هو فيها وهذا لا يكون من شأن الإله الذي لا يخفى عليه شيء في السماء أو الأرض، ورُبَّ قائل يقول: قد يجوز أن يكون له علم بكلِّ شيء في الجهات التي لم يكن موجودًا فيها، فردًّا على هذه الدعوى نقول: وما هو الداعي إذن لوجوده في جهة مخصوصة دون الأخرى مع أن الكون كله ملك له يتصرف فيه كيف يشاء؟ وإن قيل إنه ينتقل من مكان إلى آخر نقول أيضًا: وما هو الداعي لهذا التنقل وهذه الحركة؟ إن كان لأجل تعهد الخلق فهذا أيضًا باطل؛ لأن التنقل وتعهد الخلق يقضي بأنه عاجز عن تعهد خلقه في وقت واحد، وهذا أيضًا من دلائل استحالة وصف الإله بالقدرة، وأما استحالة كونه والدًا أو مولودًا، فهذا لأنه لو كان كذلك لكان مثل الحوادث، وعلى هذا يَرِد الاعتراض الآتي:

إذا كان الإله والدًا فهو يقضي بأنه كان مولودًا قبل أن يكون والدًا وبصرف النظر عن هذا الاعتراض، فإنه إن كان والدًا يكون شبيهًا بخلقه ومتى كان الإله شبيهًا بخلقه بطل كونه إلهًا لما يقتضيه معنى التنزيه عن التشبيه بالمخلوقات شأن الإله الحقيقي، وإذا كان مولودًا يَرِد أيضًا الاعتراض الآتي:

إذا كان الأمر كذلك ووالده إله قبله فهذا يقضي بالدور والتسلسل؛ إذ هو يقضي بأن والد الإله إذن كان مولودًا لوالد آخر، وهذا الوالد يكون إلهًا أيضًا وهلم جرًّا، وهذا لا يقبله العقل البتة.

فنتج من كلِّ هذا أن الإله لا بدَّ وأن يكون واحدًا في ذاته وصفاته، وأنه لا مكان له يحويه، وأنه لم يكن والدًا ولا مولودًا.

•••

هذا هو ملخص الخطبة التي ألقاها المندوب العثماني، ولولا خشية الإطالة لذكرتها حرفيًّا، ولما تلا حضرته الخطبة كان الكلُّ ملقيًا إليه سمعه مصغيًا إلى ما يقوله، وفي أثناء ذلك كانت علامات الدهشة، والاستغراب، والإعجاب به ظاهرة من ملاحظات العيون؛ إذ كلُّ واحد كان يلقي بلحظاته إلى الآخرين، شأن المندهش المستغرب، ولكن هيبة الموقف جعلت القوم كأن على رءوسهم الطير.

•••

وبعد ذلك قام أحد المندوبين الأمريكان وقال ما معناه بالاختصار: قام حضرة المندوب المسلم وقال في ضمن كلامه: إن موسى ضرب البحر فانفلق … إلخ، وضرب موسى البحر بالعصا وانشقاقه له هذا أمر غير مُسلَّم؛ لأن البحر لا يُشَق لإنسان مهما كانت درجته، وإنما كون موسى وقومه اجتازوا البحر ونجوا وفرعون اجتازه فغرق، فهذا كما ورد في التاريخ المُعوَّل عليه أن البحر كان في حالة المد والجزر، واجتياز كلٍّ منهما كان في حالة الجزر ولكنهما لما توسطا في البحر حصل المد فغرق فرعون وقومه، وموسى نجا من الغرق هو وقومه؛ لأنه لم يدركه المد، وزيادةً على ذلك كان متقدِّمًا أمام فرعون، ومكث المندوب الأمريكاني يتكلم بنحو هذا الكلام، ولما انتهى من سفسطته قام المندوب العثماني مفنِّدًا أقواله بما معناه بالاختصار:

ليس للمعترض وجه في الاعتراض لأني قلت أولًا إن انفلاق البحر لسيدنا موسى هو معجزة، ولا شك أن المعجزة أمر خارق للعادة المألوفة، وذلك أن موسى لما ألقى العصا وصارت ثعبانًا والتقفت كلَّ ما فعله السحرة لم يصدقوه، وقالوا إن هذا أيضًا من قبيل السحر فأمره الله بالمسير نحو البحر وضربه بالعصا؛ ليظهر لهم معجزة أقوى من الأولى، وأيضًا قد كان أخبر سيدنا موسى قومه بأنه ستظهر معجزة أخرى على يديه والمراد بها انفلاق البحر.

وعلى فرض أنه حصل مد وجزر في البحر، فبحر مثل البحر الأحمر مهما كانت درجة الجزر فيه فلا يمكن لأيِّ أحد أن يمر منه لبُعد عمقه، اللهم إلَّا إذا كان سباحة، ولو كان سباحة فغير ممكن ذلك أيضًا؛ لأنه كان فيمن معه النساء، والأطفال، والأمتعة، والجمال، والدواب، فمن المحال أن يمر الكلُّ سالمين.

وبصرف النظر عن هذا وهذا، فلماذا حصل المد والجزر في هذا اليوم المخصوص والساعة والدقيقة المخصوصتين؟

لا شك أن الجواب عن هذا معروف بالبداهة لدى كلِّ ذي مُسكة من العقل.

ولما انتهى المندوب العثماني من ردِّ الاعتراضات أبدى كلُّ الحضور استحسانهم لما ألقاه، وأُعجِبوا به كثيرًا.

أما المعترض فإنه صار كأنه أُلْجِم بلجام من حديد؛ حيث لم يجد في كلام المندوب وجهًا للاعتراض مرة ثانية، وبعد ذلك قام المندوب الثاني الأمريكاني وتكلَّم في أصول الديانة المسيحية، ثم تبعه آخر إيطالي، فآخر ألماني والكل كانوا متفقين في الموضوع الذي تكلموا فيه، ولولا أن المقام لا يسمح بسردِّ ما قالوه تفصيلًا لكنت أتيت به كذلك، ولكني أُرجِئ هذا إلى الجزء الثاني من هذه الرحلة؛ إذ الغرض الوحيد أن أذكر أعمال الجلسات مُلخَّصة تلخيصًا، نظرًا لتشوُّق القراء إلى الإحاطة بها إجمالًا بادئ بدء.

•••

هذا الذي ذكرته هو خلاصة ما دار البحث فيه في الجلسة الأولى من المؤتمر، وبعد أن انتهى المندوبون من مباحثاتهم ارفضَّت الجلسة بعد أن حُدِّد لها ميعاد بعد يومين من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى.

هذا، وقد صارت خطبة المندوب العثماني حديث القوم في النوادي العمومية والخصوصية، وبلغ إعجاب القوم بها أيما مبلغ معجبين بما أثبته فيها من المباحث التاريخية الدقيقة.

وبينما القوم في فرح وسرور؛ إذ كان المرسلون المسيحيون في كدر زائد؛ لأنهم ما كانوا يظنون أن اليابانيين يحفلون بالديانة الإسلامية لحدِّ هذا القدر، ولكن الحق غالبٌ على أمره مهما حاول إبطاله المبطلون.

(٦٠) الجلسة الثانية من المؤتمر

في اليوم التالي لليوم الذي عُقِدت فيه الجلسة الأولى للمؤتمر اجتمع جميع الأعضاء مرة أخرى، ولما انتظم عقد الجمع قام الكونت «هيجيكان» خطيبًا وقال ما معناه: إننا نرجو منكم أيها الأعضاء الأفاضل أن لا تدخلوا بنا في مضائق يعسر علينا الخروج منها، وإلَّا ضاعت الفائدة المقصودة من عقد هذا المؤتمر؛ إذ الغرض الوحيد هو الوقوف عند دين نتخذه الدين الرسمي للحكومة اليابانية، وإني أرى كما يرى غيري ممن حضروا هذا الاجتماع من الأمة اليابانية أن الوقت أضيق من أن يسع كلَّ هذا التطويل في المناقشات، ثم جلس وقام بعده المندوب العثماني، وبدأ يشرح بأوضح عبارة ويبين الحِكَم والآداب التي يرمي إليها الدين الإسلامي في كلِّ تعاليمه من سنن وفرائض وغير ذلك من المعتقدات الإسلامية وأفاض في هذا الموضوع، حتى استوفى المقام نصيبه من الإيضاح والتبيين، ولا داعي لذكر ما فاه به الآن؛ حيث إن الوقت لا يساعد على ذلك، ثم قام بعده المندوبون الإيطاليون، فالألمانيون، وواحد أمريكاني، وكل واحد منهم خطب بما في وسعه في أصول وقواعد الديانة المسيحية، وبعد أن انتهى كلُّ خطيب من كلامه جاء دور المناقشات فتناقش الأعضاء فيما بينهم، وإني وإن كنت قد دوَّنت أغلب المواضع التي دارت فيها المناقشات فإني أرى من اللائق عدم ذكرها كما هي خشية الإطالة أولًا، وخشية أن يتهمني بعض المسيحيين بالتعصب الديني ثانيًا، الأمر الذي أتجنبه، وإن لم يكن حذرًا من هذه التهمة فلأجل أن في هذا الوقت الحالي كثُر القيل والقال في موضوع التعصُّب الذي اتهمت أوروبا به المسلمين ظلمًا، وعدوانًا، وزورًا وبهتانًا.

•••

هذا ولما انتهى الأعضاء المنتدبون من المناظرة والمناقشة قام جناب الكونت «كاتسورة» وقال ما مفاده: أيها السادة المنتدبون الأفاضل إننا الآن قد وقفنا على الغرض المقصود لنا، ولا نرى حاجة إلى إعادة البحث والمناقشات، بيد أن الغرض الذي أشرت إليه مُتفرِّق بيننا؛ فمنا من استحسن الدين الإسلامي واعتنقه، ومنا من استحسن الدين المسيحي واعتنقه، ومنا من فضل شريعة بوذا، ومنا من بقي على شريعة «كونفوشيوس» وغير خافٍ على حضراتكم أن حرية الأديان مطلقة في بلادنا فكلُّ فرد من اليابانيين يعتنق الدين الذي يختاره بلا إكراه ولا إجبار كما أنه لا حرج عليه إذا اعتنق دينًا ثم عدل عنه إلى غيره، وإني بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن جلالة إمبراطورنا المعظَّم وسائر إخواني الذين حضروا هذا المجتمع أقدِّم لحضراتكم جميل تشكراتنا وممنونيتنا على حُسْن عنايتكم بالقيام بما عُهِد إليكم، وكما أني أخصُّ كلَّ فرد منكم بهذا الشكر وهذا الثناء كذلك أرجو أن تبلِّغوا بالنيابة عن جلالة الميكادو وسائر الأمة اليابانية إلى ملوككم الفخام الذين اختاروكم لهذه المهمة كلَّ عبارات الثناء والإطراء والولاء الخالص، ثم إن إرادة جلالة الإمبراطور اقتضت أن يرْفَضَّ المؤتمر، وقد اكتفينا الآن بما سمعناه من الخطباء، وإذا رأى جلالته أن يُعاد انعقاد المؤتمر مرة أخرى، فعلنا كما فعلنا في هذه المرة وطلبنا رسميًّا من الدول والحكومات إرسال مندوبين. وإني أُعْلِنُ ارْفِضاض المؤتمر باسم جلالة الميكادو، كما أُعْلِنَ افتتاحه باسم جلالته أولًا، وعلى هذا انتهت مهمة المندوبين ولم يُعقَد المؤتمر بعدها إلى هذا الحين.

(٦١) لماذا لم يُسلم الميكادو؟

إن السبب في عدم إسلام جلالة «متسوهيتو» إمبراطور اليابان ليس اعتقاده في عدم موافقة الدين الإسلامي للعقل؛ لأن هذا يمكن أن يقال معه لو صحَّ أنه كان اعتنق دينًا غيره، لا سيما وأن اعتبار الدين الإسلامي عنده وعند باقي رجال المؤتمر من اليابانيين اعتبارًا أكسبه صفة الامتياز عن باقي المذاهب الأخرى التي دار البحث والمناقشة فيها في جلسات المؤتمر؛ لأن الأدلة والبراهين التي أتى بها المندوبون العثمانيون كانت كلُّها موافقة للعقل كلَّ الموافقة.

ولكن هذا الإمبراطور بعيد النظر في الأمور السياسية، ومن بُعد نظره فيها هو أنه يراعي حال الأمة، فلمَّا لم يجدها وافقت على دينٍ تتخذه كي يكون الدين الرسمي لها، لم يصرح بالدين الذي يعتنقه؛ إذ ربما صرَّح مثلًا بأنه اختار الدين الإسلامي ولكن الأمة لم توافقه على ذلك، فهنا يكون خلافٌ بينه وبينها، وهو ما لا يرضاه ولا يُسلِّم به مطلقًا، وهنا يُلاحَظ أن خضوع الأمة اليابانية للميكادو ليس منشؤه الرهبة والخوف، بل الرغبة والحب، فإذا فعل الميكادو ما لا ينطبق على رغبات رعيته انتقلت من يده قلوبهم، وقالت ألسنتهم ما شاءت قلوبهم، والأمة إذا قَدَرَت أن تقول قدرت أن تفعل، ويُلاحظ أيضًا أن كلَّ ما يبدو منها لو حصل ما لا ترغبه لا بدَّ وأن يكون صادرًا عن إجماع واتفاق كلمة، وأمة هذه درجتها في الترقي لا يمكن أن تنفصم عُرى اتحادها وائتلافها حيال أيِّ أمر من الأمور.

فالميكادو رجل عاقل يحكم أمة عاقلة تربَّت على الفضيلة ومعرفة مالها وما عليها، وما يجب أن تفعله، وما يجب أن تجتنبه في كلِّ ظرف من ظروف الأحوال.

والذي يقارن بين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي من اليابانيين، والذين تمذهبوا بالمذاهب الأخرى منهم مع اعتبار المدَّة والعدد يَجْزِم بأنه لا يمضي عَقْد من قرن إلَّا ويكون المسلمون اليابانيون يُعَدون بالملايين؛ لأن المبشرين من أهل تلك المذاهب وفدوا إلى اليابان منذ أعوام والذين تمذهبوا بمذاهبهم لا يتجاوز عددهم مليونين تقريبًا.

وأما الذين وفدوا وبشروا بالدين الإسلامي فهم لم يفدوا إلَّا منذ سنة، ولم يمكثوا خمسة أشهر وأسلم على يدهم نحو الاثني عشر ألفًا، وأكثر من نصفهم أسلم على يدنا في مدة لا تتجاوز الثلاثين يومًا، فبهذه المقارنة يمكن أن يقال إن الدين الإسلامي سيكون دين اليابان الرسمي في المستقبل.

(٦٢) ماذا يترتب على إسلام اليابان؟

ذهب الناس مذاهب شتَّى في الحكم على النتيجة التي تكون من إسلام الأمة اليابانية، فمنهم من يقول إن إسلام هذه الأمة يُحدِث انقلابًا هائلًا في كيان العالم الإسلامي بأجمعه، وهذا الانقلاب لا بدَّ من أن يؤثِّر تأثيرًا سيئًا في الإسلام، ولا حاجة بنا إلى تفصيل العلل التي استند عليها أهل هذا الرأي، ومنهم من يقول إن إسلام اليابانيين يعيد ماضي مجْدِ هذا الدين الذي طوته الأيام والليالي، ويُحيي ما اندثر من معالم عزه وتمكينه، ويغرس في نفوس الأمم جمعاء هيبة الإسلام كما كان في تلك العصور السالفة، ويعللون هذا القول بأن الأمة اليابانية هي الدولة الشرقية التي انفردت بسموِّ المنزلة، وعظم الجاه والمهابة في نظر كلِّ الدول والحكومات في الشرق والغرب، فإذا أسلمت فلا بدَّ من أن ينضم إليها مسلمو الصين والهند أيضًا لداعي الجوار فيتألف من هذه الأمم الثلاث قوة إسلامية كبرى في البر والبحر، وبذلك يعتز العالم الإسلامي بأجمعه ويكون الميكادو في هذا الحين كصلاح الدين الأيوبي، ومن ماثله من ملوك الأندلس الذين أيَّدوا مركز الخلافة ولم يؤثِّر استقلالهم فيها تأثيرًا يُذكَر، وتكون كلُّ الممالك الإسلامية المستقلة متحدة الكلمة باسم الدين وإن كانت لم تجتمع تحت جامعة الحكم، وتكون طوكيو قبلة مسلمي الشرق الأقصى كما أن دار السعادة قبلة مسلمي الشرق الأدنى.

•••

ولقد حادثت كثيرًا ممن لقيتهم من أهل الصين والهند في هذا الصدد، فكلٌ قال بهذا القول ولم يقل بما اعتقده الفريق الأول.

وأكبر دليل على أن إسلام اليابان لا خطر فيه، بل فيه كلُّ الخير للجامعة الإسلامية هو:
  • أولًا: إن الأمة اليابانية إنما بلغت هذه الدرجة من الاستعداد للأخذ بأسباب العلوِّ والرفعة.
  • ثانيًا: إن الدين الوحيد الذي تضمَّنت أحكامه من العبادات والمعاملات كلَّ ما به سعادة الأمم على تباين الأجناس والعوائد فهو بلا ريب يزيد في استعداد القوم إلى الرقي المادي والأدبي، والذي يؤيد هذا أنهم يبحثون عن الدين الموافق للعقل، فهم إذا قاموا بالشعائر الدينية لا يقومون بها بصفتها عبادات أو أوامر أو نواهي فقط، بل ينظرون إلى الحِكَم والمقاصد المودعة في هذه العبادات والمعاملات، ويعملون بها كما يؤدونها بصفتها شعائر دينية.

فإذا حجَّ منهم أناس كثيرون مثلًا واجتمعوا في تلك الأماكن المقدسة بغيرهم من المسلمين سألوا كلَّ أهل قُطر عن أحوالهم الاجتماعية، وعن كلِّ باقي بلادهم من أسباب الحضارة وغير ذلك مما يزيدهم معرفةً بأحوال إخوانهم المسلمين، وفي هذا من النفع العام ما لا يحصيه قلم وينفد دونه مداد المحابر.

وقس على هذا كلَّ ما يتعلق بتأييد الجامعة الإسلامية، فإذا كانت أوروبا تتخوف من إسلام الأمة اليابانية، فما بالك إذا انضمَّ إليها الصين والهند وتصبح قوة عظمى في الشرق الأقصى تقف أمام الغرب، لا شكَّ أن أوروبا تكون في هذه الحالة كالريشة المعلقة في الفضاء من هذا الخطر الأصفر التي تعبر عنه بذلك، خصوصًا وأنه في هذا العهد الأخير ظهر في عالم الوجود شيء يقال له الجامعة الإسلامية التي لا تخلو أفكار الساسة من الجولان في أمرها، وكل يوم نسمع في الصحف شيئًا كثيرًا عن الكلام فيها.

هذا وإن المسلم الغيور على دينه المتغالي في سبيل إعزاز جامعته يودُّ بكلِّ قلبه أن يصبح الدين الإسلامي هو الدين الرسمي لهذه الأمة الشرقية الحية ليعتزَّ بها جانب الدين، وتقوى بها شوكة المسلمين، وما ذلك على الله بعزيز.

(٦٣) منزلة مولانا السلطان في اليابان

إن المركز الذي أصبح فيه جلالة الخليفة الأعظم إزاء المشاكل السياسية التي تولِّدها أوروبا من حين لآخر لهو المركز الذي لا يقف فيه إلَّا من وُهِب من الحكمة ومن السياسة ما يُعَد من خوارق العادات، ومن اطَّلع على مجريات السياسة الحميدية في الظروف الحاضرة، وفيما مضى من عهد توليته الخلافة لا يُعَد هذا القول منا مبالغة وغلوًّا عن كنْه الحقيقة، ولسنا الآن بصدد شرح الحوادث التاريخية السياسية التي ظهرت فيها آثار سياسته الفاضلة، فإن هذا شيء مُلِئت به بطون الدفاتر وأسفار المؤرخين.

وإنما الغرض الوحيد هو أن نذكر شهادات أساطين السياسة الذين حكموا الأمم، وأُسْنِدت إليهم مراكز سامية من الحكومات الدستورية وغيرها ليقف الجاهل بالتاريخ على الحقيقة التي حجبتها عنه سحب الأضاليل والأراجيف التي يبديها كل يوم أعداء الدولة والمِلَّة ويزداد العارف بها يقينًا على يقين، ولسنا أيضًا بهذا الاعتبار نسرد كلَّ الجمل المأثورة التي فاه بها أولئك الأساطين ونقلتها الصحف والرواة إلى سائر أنحاء المعمورة كقول بسمرك داهية الألمان عند احتضاره: «وددت لو مُدَّ لي من حياتي لأقف على نهاية ما ترمي إليه سياسة سلطان آل عثمان.» بل نذكر هنا شهادة إمبراطور اليابان وهي في شرعة الإنصاف توازي ألف شهادة كشهادة بسمرك وغيره من أكابر رجال السياسة الغربيين، وتقديرنا شهادة الميكادو هذا التقدير مسبب عن اعتبارات ثلاثة:
  • أولًا: كونها شهادة سلطان لم تحتكَّ مصالح دولته بمصالح الدولة العلية، حتى إنه للآن لم توجد سفارة في طوكيو للدولة العلية؛ لأنه إذا كان الميكادو بمجرد اطلاعه على مقدار حكمة جلالة السلطان بواسطة الأخبار التي تُنقَل والعلم المجرد عن احتكاك المصلحتين، فما بالك إذا كانت هناك علاقات بين عرش الخلافة الإسلامية وعرش دولة اليابان.
  • ثانيًا: إن الميكادو ملك شرقيٌّ وهو ولا شك أكثر اعتناءً بمعرفة أحوال الممالك الشرقية منه بالممالك الغربية، فإذا حكم على ملك من ملوك الشرق بصفة من الصفات، فلا بدَّ وأن يكون حكمه نتيجة قضية صحيحة المقدمات.
  • ثالثًا: ومع هذا الاعتناء فإن اعتناءه باستطلاع أحوال الدولة العلية حائز صفة الامتياز بالزيادة؛ لأن جلالة الخليفة الأعظم هو أكبر سلطان شرقي؛ لأنه ممثل للأمة الإسلامية بأجمعها ولأنه الرابع والثلاثون من ملوك العائلة العثمانية الذين كانوا ولم يزالوا سياج الإسلام المنيع وحصنه الرفيع.

هذا ولما دارت رحى الحرب الروسية اليابانية بعث جلالة مولانا السلطان سعادة برتو باشا أحد قواد الجيش العثماني مندوبًا حربيًّا، كما تفعل باقي الدول الكبرى في مثل هذه الحرب، فلما وفد برتو باشا إلى اليابان صدر أمر جلالة الميكادو بأن يُحتفَل به احتفالًا عسكريًّا جامعًا لكلِّ ضروب الحفاوة والإجلال، ثم دعاه إلى مأدبة خصوصية به، وأظهر له مزيد العناية وهو على مائدته ولاطفه ملاطفة فائقة، ورحَّب به ترحيبًا بالغًا نهاية الشرف، وحادثه في شئونٍ عديدة بعبارة تدل على جليل احترامه لجلالة الخليفة، ومما قاله في حديثه ما معناه: إنني أحتفل بك الآن بصفتك ممثِلًا للخليفة الإسلامي الذي أنا أُجله كلَّ الإجلال، وأشهد له بسمو المدارك، وبُعد مراميه السياسية، الأمر الذي يجعل الشرق يفخر بهذا السلطان، فإذا وضع السياسي المحنك هذه الحادثة أمامه عرف منها مقدار ما تؤثِّره العلائق الودية بين أمراء الشرق وملوكه بصرف النظر عن الأديان والعقائد والعوائد؛ لأنه كفة الميزان الأخرى عن هذا هو الوجود الحي.

وليس الخطر الأصفر الذي تتوقعه أوروبا من حين لآخر إلَّا نتيجة مثل هذه المجاملات الودية بين ملوك الشرق.

ونعرف أيضًا أن أول خطوة يخطوها الشرق في هذا السبيل هو اتصال أسباب المودة بين دولة اليابان والدولة العلية؛ لأنهما الدولتان اللتان من شأنهما أن تكونا قابضتين على الشرق، هذه في الشرق الأدنى، وتلك في الشرق الأقصى، لا سيما إذا اعتنق الميكادو دين الإسلام الذي استحسنه في جلسات المؤتمر كما قدمنا، فإن الحالة تكون كما كانت في عصر صلاح الدين الأيوبي حذوك النعل بالنعل.

وهذه الفكرة لم تغب عن الفاتيكان البابوي، أو بعبارة أخرى عن قبلة المذهب الكاثوليكي، فإن البابابيوس الثالث عشر لاحظ هذه الملاحظة وتوقَّع اليوم الذي فيه يعتنق الميكادو دين الإسلام، فيقف أمام النصرانية موقف المناظر، فلما احتفل الميكادو بالمندوب العثماني ذلك الاحتفال الشائق، وشافهه بتلك العبارات الرقيقة بعث هو أيضًا بمندوب من قبله يُدعَى المسيو «أوكونال»، وزوده بما يقوله للميكادو، فلما حضر وقابله مقابلة رسمية قال له المندوب ما معناه: إن قداسة البابا يشعر نحوكم ونحو أمتكم بشعور الانعطاف، وهو يُعجَب كثيرًا بهمة اليابانيين وشهامتهم وحبهم لوطنهم، ويروقه كثيرًا ما وصلت إليه من المدنية، ويخص جلالتكم بمزيد الانعطاف وأنه يرغب كثيرًا في أن يؤكد العلائق الودية بين الفاتيكان وبين عرش دولة اليابان بتقديم خدمة دينية، وغير هذا الكلام مما يناسبه مقام من يخطب الود من آخر، وكأن جلالة الميكادو تذكر المثل الياباني عندهم وهو: «أكرم الغريب ولا تجهل نواياه.» فشكر للمندوب انعطاف البابا وجامله بما يليق بأن يُجامَل به من يُظهِر الودَّ بغير إخلاص، ولم يطلب أدنى شيء مما قَدِمَ البابا نفسه لأدائه.

ومِثْل الميكادو لا يخفى عليه نوايا أوروبا في الشرق، ولا يصدِّق المجاملات التي تظهرها ملوك أوروبا في الشرق، وهو وإن كان حالف دولة إنكلترا، فإن مرجع هذا إلى السياسة فقط؛ إذ هي في كثير من الأوضاع تقضي بأن يحالف ملك شرقي آخر غربيًّا.

وهذا معنًى سياسي دقيق لا يخفى على البصير، وهو أن مركز البابا في أوروبا سياسي كما أنه ديني؛ لأنَّ تقرُّب رئيس ديني من رئيس سياسي يُعلَم منه أن الرئيس الديني له حظٌّ في السياسة، وإلَّا لما وجدت المناسبة الرابطة لتحالف اثنين يختلفان في الأمر الذي يدعو في الغالب إلى التحالف وهو اتحاد جهة العلاقة.

والخلاصة من هذا كله أن جلالة الخليفة الأعظم له منزلة كبرى في نفس الميكادو ورجال دولته لا تغيرها زخارف السياسة الأوروبية في أيِّ يوم من الأيام.

(٦٤) همم اليابانيين ووطنيتهم في زمن الحرب الروسية

من نظر في ناموس هذا الاجتماع الإنساني، وتأمَّل في ارتباط كلِّ فرد من بني الإنسان بالآخر من حيث الحاجة إلى التعاون وتبادل المنفعة في معترك الحياة، عرف جليًّا أن الأغنياء من كلِّ أمة هم أولى الناس بأن لا يدعوا الدرهم والدينار في خزائنهم؛ لأنهم بذلك يكونون قد جنَوا جناية كبرى على المجتمع الإنساني؛ لأننا إذا عرفنا أن الغاية من اكتساب الدرهم والدينار هي سد العَوَز وقضاء ما يحتاج إليه الإنسان من ضروريات المعاش لوجدنا أن مثل روكفلر، وكارنجي، وروتشلد وغيرهم ممن تُعَد ثروتهم بالملايين يكفي أحدهم من ثروته جزء من ألف ألف من مجموعها، فإذن لا بدَّ من أن يكون الباقي بعد هذه الكفاية وقفًا على منفعة بني الإنسان، إما بالأثمار أو بالزراعة وغير ذلك من الأعمال التي تقضي بأن يعمل فيها غيره بكسب ما يقوم بحاجته، وقد حذَّر الله — سبحانه وتعالى — الأغنياء من اكتناز المال وعدم استعماله في كثير من المواضع، وأنذر الذين يكنزون الذهب والفضة بأنها ستُكوَى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.

هذه المقدمة أتينا بها لبيان أنَّ الغني لم يكن ليُعطَى هذا الغنى لأجل أن يختصَّ به دون غيره من بني جنسه، وكما يكون استعمال المال في الوجوه النافعة بين الأفراد، فكذلك الأمر في مجموع الأمة؛ لأن الأمة التي يبلغ تعدادها الألف والمليون من النفوس إذا احتاج مجموعها إلى المال كان الواجب على كلِّ غنيٍّ فيها أن يبذل من ماله ما يؤدي به هذا الواجب نحو وطنه وأمته وإلَّا يُعَد خائنًا عاقًّا وكفى بهذا الوصف حِطَّة من قدْره، وهو في هذه الحالة يكون دون الفقير في النفع لبلاده، بل لا يصدق في حقِّه هذا الوصف؛ لأن الفقير قد يكون أنفع منه لأنه لو كان يكتسب في اليوم درهمًا واحدًا ويبذل في سبيل نفع أمته وبلاده جزءًا من هذا الدرهم فهو الكريم حقيقة؛ إذ حقيقة الكرم أن يجود المرء وهو في شدة العَوَز، هذا وإننا كثيرًا ما نقرأ في الصحف ونشاهد بأعيننا الأغنياء يجودون بالأموال الطائلة في سبيل نفع أمتهم ووطنهم، ونعجب كثيرًا إذا سمعنا أن فلانًا حَبَسَ كذا من الأعيان مما يبلغ ريعُه كذا من الجنيهات، وفلان وهب كذا من آلاف الجنيهات في سبيل ارتقاء العلوم أو إعانة الفقراء، ولكن ما فعله اليابانيون في إبَّان الحرب الروسية يدعو إلى الإعجاب أكثر وإلى القارئ البيان.

•••

لما حدثت هذه الحرب رأت الحكومة اليابانية أن تقترض مبلغ ٦٠ مليون ينٍّ من بعض البنوك، فلما علم بذلك أغنياؤهم هزَّتهم الأريحية ودعتهم الوطنية إلى أن يتبرعوا بما يعجز عنهم سواهم من أغنياء الأمم الأخرى، ولست في هذا بمبالغٍ لأني عرفت ذلك حين وجودي في تلك البلاد معرفةً ممن باشر هذا التبرع بنفسه ورآه بعيني رأسه لا كما يرى الإنسان إلَّا شيئًا بالمناظر المجسمة.

فأول ما ذاع خبر هذا القرض عُمِل اكتتاب عام اشترك فيه الآلاف من الموسرين وفي قليل من الزمن جُمِع مبلغ ١١٢٠٠٠٠٠ عبارة عن ١١٢٠٠٠٠ جنيه مصري، ولم يقف الاكتتاب عند هذا الحدِّ، بل فُتِحَت اكتتابات أخرى في سائر البلاد اليابانية، وإننا الآن نذكر أسماءهم على سبيل الفخر بهذه الهمم الشمَّاء التي قلَّت أن لا توجد في غيرهم من أغنياء الأمم الأخرى، وهاك البيان:

ين عبارة عن جنيه
١١٢٠٠٠٠٠ ين عبارة عن ١١٢٠٠٠٠ جنيه مصري.
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه البارون تانسيبوا
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه المركيز شانتو مالو
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه البرنس فالتادوار
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه البرنس موري
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه المركيز ماييدا
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه المركيز شيمادتبرون
مليونًا ١٠٠ ألف جنيه المستر فوروكاوا
نصف مليون ٥٠٠ ألف جنيه المركيز دانتومار
نصف مليون ٥٠٠ ألف جنيه المركيز هوسوكاوا
نصف مليون ٥٠٠ ألف جنيه المستر واتانابي
نصف مليون ٥٠٠ ألف جنيه المستر هاراتومبتاو
٤٠٠ ألف ٤٠ ألف جنيه المركيز جابالوني
٤٠٠ ألف ٤٠ ألف جنيه المستر دانتيرفوش
٣٠٠ ألف ٣٠ ألف جنيه المركيز توكوجاوا
٣٠٠ ألف ٣٠ ألف جنيه المستر إيويا
٣٠٠ ألف ٣٠ ألف جنيه المستر جيمون
٣٠٠ ألف ٣٠ ألف جنيه المركيز إنشاناو
٢٠٠ ألف ٢٠ ألف جنيه المستر هوريكوشي

هذا هو جميع المُتبَرع به في ذلك الوقت، ولا شك أن القارئ الكريم عندما يجد أن مبلغًا مثل هذا جاد به ثمانية عشر رجلًا من القوم يعجب جدًّا لهذا الكرم وهذه الوطنية، ولكن يكون استغرابه أكثر إذا علم بما جاد به المسيو ادكاروا فإن هذا الرجل كان عنده متحف جمع فيه من غريب الآثار القديمة، ما تقدِّر قيمته بخمسة وثمانين ألفًا من الجنيهات، فباعه بهذا المقدار وقدَّمه إلى الميكادو الذي امتدح له وطنيته، وقال إني أودُّ أن يكون في بلادي المئات من أمثالك في الوطنية، وهذا العمل الجليل لا يقل عما فعله المسيو «فيدون بيس»، فإن هذا الرجل جاد بالنفس والنفيس؛ وذلك أنه كان يملك منتزهًا جميلًا وعنده ولدان لم يرزق سواهما من البنين، فلما علم بأمر عزم دولته على اقتراض المبلغ المتقدم ما كان منه إلَّا أنه باع ثلثي المنتزه بمبلغ ٥٠ ألف ين عبارة عن ٥٠٠٠ جنيه مصريٍّ، وأخذ هذا المبلغ ونجله الأكبر وتقدم إلى الميكادو وقال له: ليسمح لي سيدي ومولاي بقبول هذا المبلغ وبقبولي أنا وابني هذا متطوعين في العسكرية؛ لأني ابتعت بهذا المبلغ ثلثي منتزهي وأبقيت الثلث ليكون مورد معاش زوجتي وابني الصغير، فأُعجِب الميكادو به كلَّ الإعجاب وشكر له هذه الأريحية، هذه هي مروءة أهل اليابان نحو وطنهم وشعورهم لدى الظروف التي تقضي بأن يؤدِّي كلُّ واحد منهم هذا الواجب لبلاده وأمته، ومن العجب أنهم لا يعدُّون هذا من باب الأمور التي يُمدَح عليها الإنسان؛ لأنهم يعدون هذا التبرع فرضًا لازمًا لا يجب شكر القائم به؛ لأن المرء لا يُمدَح على فعل الواجب، وهذا أيضًا من الأمور التي يُمدَحون عليها.

فلْيحكُمْ معنا القارئ الكريم على شهامة هؤلاء الرجال، وكأني به يقول إن سيرتهم هذه لا تُسطَّر بالمداد بل تكتب بماء الحياة والتبر، أو بأطراف المُدَى على رقاق الأكباد.

(٦٥) شهامة اليابانيين في زمن الحرب الروسية

إننا نقرأ في كتب سيرة من تقدَّم من الشجعان وخطباء حومة الميدان في عصر الجاهلية كعنترة الفوارس، والحارث بن عباد، وعمرو بن معد يكرب، والحارث بن ظالم وغيرهم، فيقف الفكر موقف المندهش من تلك الشجاعة التي تُضرَب بها الأمثال من سائر الأجيال، وقد يُخيَّل للقارئ أن الزمن لا يسمح بوجود أناس كهؤلاء في النجدة والشجاعة وقوة البأس، ولكن الذي شاهد حالة اليابانيين أثناء حروبهم مع الروسيا يقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ إذ آلاف منهم يمثلون هؤلاء الشجعان في حماسهم وقوة بأسهم، ولم يقتصر الأمر فيهم على الرجال، بل اشترك النساء معهم في هذه الفضيلة؛ إذ كان الموت عندهم في سبيل حب الوطن أشهى من الماء العذب في الهجير، وصوت المدافع لديهم ألذ في أسماعهم من رنات المثالث والمثاني وشَجْوِ الأغاني، والدماء المتلطخة بها أجسامهم أبهى في نظرهم من الديباج وفاخر الثياب.

لما دارت رحى هذه الحرب كانت محال الملاهي ومعاهد التمثيل في بلاد اليابان أندية، ويجتمع فيها الرجال والنساء من كل الطبقات، وتُلقَى فيها الخطب الحماسية وتُمثَّل الروايات التي تبعث في القوم روح الغيرة على الوطن إلى غير ذلك من الأناشيد الوطنية التي تُجرِي دمَّ الشجاع في العروق، وتحبِّب الموت إلى النفوس في سبيل الذود عن الوطن والمحاماة عن الجامعة القومية، وكلما أُنْشِدت أنشودة أو مثلت رواية أو عمل أي مظهر من هذه المظاهر كان الحضور يصيحون بقولهم: «بنزاي بنزاي»، ومعنى هذه أن الحياة في الموت في سبيل الدفاع عن شرف الوطن.

ومما حدث في ذاك الوقت وتناقلته جرائد العالم مُعجبَة بهمة وشجاعة اليابانيين أنه مُثِّلت رواية في أحد المراسح وموضوعها أن الروس قبضوا على اثنين من اليابانيين وحكموا عليهما بالإعدام رميًا بالرصاص، فلما مُثِّلت هذه الرواية كانت إحدى النساء ضمن الحضور فأثَّر فيها المنظر تأثيرًا عظيمًا وتخلل الحماس بين الدم واللحم منها، وقالت على ملأ الحاضرين: لو كنت أستطيع الذهاب إلى الحرب لكنت أشارك أبناء وطني في حومة الميدان، ولكن سأفعل ما ينيلني هذه الإرْبة، ثم بعد انقضاء وقت التمثيل كلَّفت ولدها الوحيد البالغ من العمر نحو الخمس والعشرين سنة بأن يذهب إلى نظارة الحربية ويتطوع في الجيش، فأجاب ابنها طلبها وتوجه إلى نظارة الحربية وقدَّم تطوعه فلم يُقبَل منه؛ لأن قانون العسكرية عندهم لا يُجِيز قبول الوحيد في الجيش، سواء ذلك في زمن الحرب أو غيره فعاد إلى أمه كاسف البال حزينًا وأخبرها بالأمر، فلم يكن منها إلَّا أنها أخذت بيده ودخلت غرفة في البيت وتناولت سكينًا، وقالت له: اذهب إلى الحرب؛ حيث لا أمَّ لك تكون وحيدها وبَقَرَت بطنها بالسكين، وهذه الحادثة وقعت في شهر أبريل سنة ١٩٠٤، فهكذا تكون الوطنية وهكذا يكون حب الوطن، وبمثل هذه المرأة فلْيَقْتدِ القواد والأبطال:

ولو كان النساء كمثل هذي
لفُضِّلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال

فليقارن القارئ بين هذه المرأة وبين المرأة الروسية التي أرادت أن تظهر بمظهر المدافع عن وطنه في نفس هذه الحرب، فكان فعلها ينطبق عليه: «ليتها لا تزني ولا تتصدق.» وذلك أن إحدى الفتيات الروسيات لما بلغها خبر تدمير الأسطول الروسي في بورت آرثر خلعت عذار الحياء والعفاف وأخذت تبيع عرضها للفُساق، فلما علم بها البوليس وقبض عليها قالت: إني فعلت هذا لأجل أن أجمع شيئًا من المال أُكْتَتبُ به ضمن المكتتبين في إنشاء الأسطول.

ولو أنها ماتت كمدًا ولم تفعل هذا الفعل الذميم لكانت حقيقة خدمت الوطن خدمة تُذكر فتشكر.

وإذا كانت شهامة نساء اليابان بلغت هذه الدرجة فكيف إذن تكون شهامة الرجال، لا شك أن الرجال يكونون في هذه المزية أقوى من النساء، وعليه نورد هنا ما وقع لاثنين قبض عليهما الروس وحكموا عليهما بالإعدام رميًا بالرصاص، فكتب كلاهما خطابًا إلى أهله يعزِّيهم على فقده، أما الأول فكتب إلى والده، والثاني كتب إلى أولاده وهذا نص الخطاب الأول بعد الديباجة:

إنك يا والدي العزيز قد أدَّبتني أحسن التأديب، وربَّيتني أفضل التربية، واعتنيت بي كلَّ الاعتناء منذ ظهوري في هذا الوجود إلى هذه اللحظة التي أنا أخاطبك فيها، ومع اعترافي لك بهذا الفضل الذي لا يُقاوم بشكران، وإن بذلت فيه جهد استطاعتي، فلا أزال واقفًا عند حدِّ العجز والتقصير، بل كلما تقدمت أنا في العمر وأنت في الشيخوخة زِدتُ في التقصير، ولم أكافئك على حسن عنايتك بي؛ لأنك كلما ألمَّ بي شيء من نُوَب الزمن تشعر بمثل ما أشعر به من الألم ويقع بقلبك أسوأ وقع، فأنا دائمًا سبب تعبك وإقلاق خاطرك، فاغفر لي يا والدي هذا التقصير واجعله منةً لاحقة بمننك السابقة، وإني الآن يا والدي لا أجد وسيلة توصلني إلى رضاك عني سوى هذا الموقف الذي أنا واقف فيه الآن، أنت تعلم يا والدي أني ذهبت إلى منشوريا لأؤدي واجبًا نحو وطني وإمبراطوري المُعظَّم وأداء هذا الواجب هو الفخر الباقي مدى الأعصار، فاعلم يا أبت أني اليوم واقف موقف الإعدام أسيرًا لدى الروس، وفُوَّهات البنادق مُصوَّبة نحوي. وإني ليسرني كثيرًا أن أموت وأنا قائم بمهمتي التي انتدبني إليها وطني وإني أيضًا أشعر بل أوقن أن هذا الموقف يسرُّك أكثر؛ إذ ترى لك نجلًا لابسًا حُلة أرجوانية من الدماء هي حلة الشرف الذي ألبسنيها وطني المحبوب، كما لا أشك في أنك تقول مفتخرًا إن لي ابنًا يموت موت الأشراف في سبيل الدفاع عن كرامة وطنه وإمبراطوره الجليل، وهذا هو أكبر مُعزٍّ لك على فقدي كما أنه أعظم تسلية لي على تقصيري في خدمتك جزاء عنايتك بي وحجتك إياي فإذا تصورتني بعد هذا الحين فتصورني وأنا في أسمى درجات الفخار.

وهذا هو الخطاب الثاني بعد الديباجة:

اعلموا يا أبنائي الأعزاء أني لم أحتمل ألمَ فراقِكم ولم أذهب إلى منشوريا إلَّا لأجل أن أدافع عن الوطن وأفديه بنفسي، وامتثالًا لأمر إمبراطورنا المُعظَّم، ولكني آسف كلَّ الأسف؛ إذ لم أتمكن من إتمام واجبي؛ لأني أُسِرْت ووقفت موقف الإعدام وجنود الروس محيطة بي، ولكني لم أحفل بهم وببنادقهم المُصوَّبة نحوي، بل أنا ثابت الجأش لم يتزعزع لي قدم ولم يرتعد مني عضو، وكنت أود أن أعود إليكم بعد أن أتمِّم واجبي مُكلَّلًا بأكاليل النصر ولكن حال القدر دون ما أريد فلا يحزنكم موتي بعيدًا عنكم؛ لأن أباكم مات ميتة الفخر والمجد، فافخروا بأبيكم الذي قُضي عليه وهو يحامي عن أوطانه واتخذوه قدوةً لكم ولا تهملوا في دروسكم وبروا بوالدتكم وأقاربكم، واعملوا بما فيه خيركم وخير الوطن ورضاء إمبراطورنا المحبوب.

فإذا كان هذا مبلغ ما وصل إليه اليابانيون في حبِّ الوطن العزيز فنعم القوم، ونعمت وطنيتهم.

أما الأمر الذي كان يأسف عليه هذان الرجلان هو أنهما كانا يودان من صميم فؤادهما أن يعيشا وينظرا الروس مدحورين في ساحة الوغى ويعودان إلى بلادهما حاملين راية الانتصار، وأن يقفا أمام إمبراطورهما مهنِّئين إياه بالفوز المبين، وهذان الخطابان تناقلتْهما أغلب الصحف إعجابًا بشهامة اليابانيين:

ذي المعالي فَلْيَعْلُوَنْ من تعالى
هكذا هكذا وإلا فلا لا

(٦٦) المرأة اليابانية

إذا كان علماء العمران يعدون المرأة عضوًا عاملًا في الهيئة الاجتماعية، ويوجبون تعليمها العلوم والمعارف لجلال مركزها، وإذا كانوا يجعلون تمدُّن الأمم التمدن الحقيقي متوقفًا على كمال تربيتها فإن المرأة اليابانية هي المثال الصحيح على هذه الدعوى، وإذا كانت المرأة اليابانية وصلت إلى هذه الدرجة في التربية الصحيحة والآداب الفاضلة على قرب عهدها بالمدينة، فكيف بها إذا مرَّت عليها القرون وهي تجدُّ وتجتهد في هذا السبيل؟!

تُولَد اليابانية ولا تصل إلى الخامسة من سنين حياتها حتى يُدخِلها ولي أمرها المدرسة، ومهما كان فقيرًا ذا خصاصة في العيش، فإنه يكدُّ ويكدح في سبيل الإنفاق عليها ويقدم الاهتمام بها على كلِّ أمر يهمه في الحياة، حتى بلغت بهم درجة الاعتناء بتربية البنات إلى أن يُعَد من لم يدخل ابنتَه المدرسة من أحطِّ الناس منزلةً وأسفههم عقلًا ويصمونه بوصمة العار.

وهم ولا شك لم يقدروا المرأة هذا القدر إلَّا بعد علمهم بنفعها في المجتمع الإنساني، وتحققهم أن أول خطوة يخطوها الإنسان في التقدم إنما هي نتيجة ما وصل إليه في تربية أمه، وتلقَّاه عنها من المبادئ الأدبية التي غرست في نفسه بذور الفضيلة بكلِّ أنواعها، ولو اختبرنا أحوال المرأة اليابانية في أدوار حياتها من يوم دخولها المدرسة إلى اليوم الذي تصير فيه زوجة للبعل، ومربية للأبناء نجدها عنوان الكمال والفضيلة وحسن الآداب، فالتي في مهد التربية المدرسية فهي تعرف مقدار محبة الوطن معرفة تامة كأن حب الوطن علم من العلوم التي تتلقاها في المدرسة فهي تطبِّق العلم على العمل.

والتي حصلت منهن على العلوم ونالت شهادتها تعمل وتشتغل بما يفيدها ويفيد عائلتها في الأمور المادية والأدبية معًا، والتي تقترن منهن تكون في بيتها مدبِّرة محسِّنة حالتها وحالة بعلها المعاشية بفضل ما تتلقاه من العلوم، والآداب، وأنواع الكمالات، والتي ليس لها بعل ولها أولاد تقوم بتربيتهم أحسن تربية حتى تؤهلهم إلى أن يكونوا سعداء في الحياة، وهكذا تجد المرأة اليابانية في كلِّ أحوالها وأطوارها مثالًا للعفة، وكرم النفس، وغير ذلك من الصفات الممدوحة.

وقد ظهرت آثار تربية المرأة اليابانية في الحرب الأخيرة فإنها أظهرت من محبتها لوطنها ما لا يُظَن أن امرأة في العالم غير اليابانية تظهره مهما كانت منزلتها في التربية والتعليم.

ومثال هذا أن التلميذات منهن لما كنَّ يفرغن من دروسهن يشتغلن الأكسية، والأربطة، وكل ما يقدرون على صنعه من الملابس العسكرية ويقدمنه إلى جمعية الصليب الأحمر التي كانت يوجد فيها أطباء لمداواة جرحى الحرب، وقد قدمن كثيرًا من صنع أيديهن عند سقوط بورت آرثر، واهتممن بذلك كلَّ الاهتمام؛ حيث الجرحى في هذه الواقعة كانوا يُعَدُّون بالآلاف، هذا فضلًا عن اشتراكهن مع الرجال في كلِّ احتفال أو مظاهرة بخصوص الانتصار على الروس، مما لا يفوقهن فيه الرجال بشيء من الأشياء.

وقد ذكرنا في غير هذا الموضوع خبر المرأة اليابانية التي أمرت ولدها الوحيد بالتطوع في الحرب ولما لم تقبل منها الحكومة تطوعَه لكونه وحيدها، قتلت نفسها بالسكين أمامه حتى لا يكون هناك عائق يمنعه عن التطوع في خدمة الوطن التي هي من الواجبات المفروضة عليه.

•••

هذا ما وصلت إليه المرأة اليابانية بفضل التربية والتعليم، والمرأة الشرقية قد امتازت بمزية السبق في ميدان الحضارة على غيرها من نساء الأمم الأخرى، ولكن إذا صادفت من يعتني بشأنها؛ إذ الاستعداد موجود فيها والقابلية لتأثير التربية الفاضلة متوفِّرة عندها، وهي أذكى من المرأة الغربية بحسب الفطرة ولْنتخذ مثالًا على ذلك نساء العرب في العصر الأول فإنهن كنَّ على جانب عظيم من حيث أدب النفس وكمال العقل، ولهن محاورات ومخاطبات مع الملوك والأمراء وكنَّ يُظْهِرْنَ فيها من البلاغة وحسن البيان ما لا يقدر على الإتيان بمثله في هذا العصر أعلى البلغاء كعبًا وأكمل الناس عقلًا.

والذي يطالع سيرة الوافدات منهن على النبي — صلَّى الله تعالى عليه وسلم — وعلى سيدنا معاوية بن أبي سفيان يتحقق صَدْق ما قلناه.

فلو اعتنى المصريون الاعتناء الحقيقي بتربية الجنس اللطيف، لما كنا نرى من هذه المفاسد والأمور الموجبة للأسف شيئًا يُذكَر.

ومن الخَرَق، والحمق، والجهل العميق أن تعتقد أن تعليم المرأة مفسد لأخلاقها مُعَرِّض عرضها للابتذال، فإن العلم وحسن التربية يكفلان نفي هذه الأوهام، بل هذا هو الضلال المبين.

ولو سلَّمنا جدلًا بأن تعليم المرأة المصرية العربية العلوم يسهِّل لها طرق الفساد، فإن فسادها وهي متعلمة أخف ضررًا من فسادها وهي جاهلة؛ لأن علمها يُعرِّفُها كيف تُحسن الفساد ويحضها على عدم ارتكاب هذه المفاسد.

والقاعدة أن الجاهل إذا سلك سبيل الغي جلب لنفسه الضرر من حيث لا يشعر، أما المتعلم فإنه ينهج هذا النهج على نموذج به يحفظ من كرامته بمقدار ما تعلَّم، ولله در القائل:

قالوا البنون عليهم
مدار سعد الحياة
فقلت كيف نسيتم
يا قوم حظ البنات

وليس مرادنا بتربية المرأة الشرقية هو مجرد تعليمها العلوم العصرية والفنون اليدوية، بل مرادنا أن تكون تربيتها بحسب أصول وقواعد الشريعة الإسلامية؛ لأن آداب الدين الإسلامي إذا أُضيف إلى هذه العلوم كانت المرأة الشرقية في عداد الطبقة العالية من حيث طهارة النفس، وتنزيهها عن ارتكاب الدنايا، واكتساب المحامد، والتخلق بالأخلاق المُرضية؛ لأننا نشاهد غيرها من النساء اللاتي تعلمن العلوم خاليات من هذه الفضائل التي جاءت بها الشريعة الإسلامية التي من ضمنها الحجاب.

ولا يخفى أن الدين هو أساس كلِّ فضيلة وتعليم العلوم إذا لم يكن شاملًا للتعاليم الدينية فلا يفيد الفائدة المقصودة من تربية المرأة التربية الحقيقية، وتهذيبها التهذيب الحسن.

(٦٧) وطنية اليابانيين

ليس المراد من ذكر هذا العنوان أن نسطِّر عبارات المدح والإطراء للأمة اليابانية، فإن هذا مذكور في غير هذا الموضع من هذه الرحلة، وإنما المراد هو أن نذكر بعض ما تفعله هذه الأمة من الأفعال الدالة على تفانيهم في حبِّ وطنهم إلى درجة لم تكن تُعهد في سواهم من الأمم الأخرى.

•••

كنت ذات يوم جالسًا في إحدى المحلات العمومية قريبًا من البلاط الإمبراطوري، فرأيت أحد باعة الصور يعرض صورة في الشارع فتأمَّلت في لوحة من الألواح فرأيت مصورًا فيها سبعة من قواد اليابانيين وجنودهم، وأمامهم عساكر من الروس كثيرو العدد موجِّهون نحوهم فُوَّهات البنادق والمدافع، كأنهم يريدون منهم التسليم وهؤلاء يأبون أن يسلموا أسلحتهم فوجهت نحوهم المدافع.

فلما عرف الجنود اليابانيون أنهم ميتون ولا محالة أخذ كلُّ واحد منهم قطعة من الخشب وصاروا يضربون على البنادق، كما يضرب المغني على العود، كما أنهم أمسكوا بيدهم اليمنى سيوفهم واضعين أطرافها في بطونهم، ففهمت من هذه الصورة البسيطة معنى جليلًا، وهو أن الياباني عنده الموت في سبيل الدفاع عن وطنه أشهى من الحياة، وإن أصوات المدافع التي تُوجَّه نحو هؤلاء الجنود أشهى عندهم من نغمات الأوتار إن لم تماثلها.

فلينظر العاقل إلى هذه الأفعال وليقارن بينها وبين الصور التي تُعرض في مصر وغيرها من البلدان المصرية للمبيع، تلك الصور التي تمثِّل الوقاحة والسفه بمعناهما الحقيقي.

وبالجملة فإن الصور التي تُباع في اليابان أفضل من الجرائد الأخرى المصورة، ووجه الأفضلية أن هذه الصور تبعث في النفوس الشجاعة لعِظَم التأثير، بخلاف الجرائد المصورة التي قد تصوِّر صورًا سياسية لا نصيب لها من هذه المزية البتة.

(٦٨) البوليس الياباني

البوليس الياباني من أرقى بوليس في العالم في الأدب، ومعرفة الواجبات، ومن غريب ما رأيت في نظام البوليس هناك أن كلَّ عسكري يحمل معه مذكرة غير التي يذكر فيها الوقائع والحوادث، وهذه المذكرة فيها أسئلة وأجوبة مطبوعة، وهذه الأسئلة والأجوبة كلها فيما يتعلق بالوطن، ومكارم الأخلاق، كأن يذكر في السؤال مثلًا ماذا استفدت من هذه الحرب الروسية اليابانية؟ وماذا يجب على الفرد من الجنود إذا طرقت الحرب أبواب البلاد؟ وماذا يجب على القائد أن يفعله؟ … وإلخ، وهذه من الاختراعات البديعة في نظام البوليس وفي تربية نفوس القوم على حبِّ الوطن.

ومما يوجب الإعجاب بحرص القوم على الأمن أن البوليس إذا وجد غريبًا يشتري بعض الأشياء يراقب حركاته، وسكناته في حالة الشراء، ويعرف مقدار المشترى إن كان بالوزن أو الكيل أو غير ذلك ويصرف مقدار الثمن ثم يعد النقود التي مع المشتري وهكذا.

وذلك أني ابتعت بعض الفواكه من حانوت فكهاني فجاء البوليس وعدَّ النقود التي أخذتها بعد خصم ثمن المبيع، وكنت أعطيت البائع قطعة ذهب قيمتها نصف جنيه أفرنكي، وعرف ثمن مقدار ما اشتريته من الفواكه، فتذكرت في الحال بوليسنا المصري ووددت أن يكون عنده بعض الشيء من هذه الفضائل بدلًا من أن يجعل سلطته منحصرة في معاكسة الحوذية، وصغار الباعة في الشوارع والارتشاء من المحال التي تحوي المقامرين وغيرهم من عوامل الإفساد في البلاد، وفَّقه الله على سنن الاستقامة وأخرج رجاله الجهلاء الخونة ليسود الأمن في البلاد.

(٦٩) عوائد اليابانيين في جنائزهم

إن اليابانيين على اختلاف مذاهبهم ما بين بوذي، ووثني، ومسيحي يدفنون موتاهم في مقبرة واحدة ولكنهم يضعون علامات مخصوصة على كلِّ قبر بها يعرف المدفون فيه إن كان من الوثنيين، أو البوذيين، أو المسيحيين كما سيأتي بيانه، ولكلِّ أهل مذهب صفة مخصوصة في جنائزهم.

أما البوذيون فلهم صفة غريبة في جنازاتهم فإذا مات أحدهم يضعون النعش على عربة يتقدمها رجال يحملون قطعًا من الشجر بأيديهم، وهذه القطع مربوط فيها قطع صغيرة من الغاب مزدوجة وعلى كلِّ قطعة مكتوب عليها اسم من كان صديقًا وخلًّا للميت في حال حياته بحروف واضحة، بحيث يمكن كل أحد ممن يمشون في الجنازة من أهل البلاد قراءتها، ومقدار عدد هذه القطع يكون عدد الذين كان الميت صديقًا لهم، ويقصدون بذلك إظهار محبتهم للميت كما كانوا يظهرونها له في حال حياته، وهذه عادة قديمة لديهم ليست مُحدَثة.

وتوجد جمعية للبوذيين يُقال لها حملة الشجن، ومن وظيفة رجال هذه الجمعية أنهم يمشون في الجنازة أمام النعش ومن بينهم رجل يحمل فوق رأسه قبعة عريضة مُزيَّنة وهذه القبعة يسمُّونها قبعة الميزان.

وهذا الرجل يحمل فوق كتفيه علبتين كبيرتين يزعمون أن إحداهما مجموعٌ فيها أعمال الميت الحسنة، والأخرى أعماله السيئة، ووجود هاتين العلبتين ضروري في الجنازة لا يمكن التخلف عنه بأية حال من الأحوال ولو كان الميت عندهم من المتفق عليه أنه من الصالحين الذين لم يفعلوا سيئة قط في حياتهم.

ثم يعقب رجال جمعية حملة الشجن بعض الكهنة، وهؤلاء لهم لِباسٌ مخصوص يغاير لباس رجال الجمعية المذكورة، ومع هذه المغايرة فإن لون لباسِ كلِّ واحد منهم يغاير لون لباس الآخر؛ حيث يختلف بين أسود وأخضر وأصفر وأحمر ورمادي ما عدا البياض، ولعل السبب في عدم لبسهم اللباس الأبيض هو أن هذا اللون لون الفرح لا الحزن.

وهؤلاء الكهنة يركبون العربات في سيرهم أمام الجنازة كل اثنين في عربة خاصة بهما.

وفي آخرهم عربة فيها رجل منهم شكْلُ لباسه مغاير للباقين، ولونه عنابي ويظهر أن هذا الرجل هو الرئيس عليهم، وبعد هؤلاء المتقدمين النعش، أهل الميت فأصحابه ومعارفه.

والكلام عندهم في أثناء سير الجنازة ممنوع قطعيًّا كأنهم يَعَدُّون الصمت من قبيل التفكر والاعتبار.

أما الوثنيون فإنهم يقدمون النعش أولًا محمولًا على عربة، ثم يليها أهل الميت وأقاربه، ثم أصحابه وأصدقائه، وهم مخالفون لكلِّ أهل دين ومذهب في لباس الحداد؛ إذ العادة أن السواد هو لون الحداد، ولكن هؤلاء يلبسون الثياب البيضاء خصوصًا إذا كان الميت عزيزًا، وهم لا يمنعون الكلام في الجنازة بخلاف البوذيين؛ لأن من مبادئهم المذهبية أن العاقل لا يظهر حزنه وجزعه، حيث إن الموت واقع على كلِّ إنسان، وإذا كان أحدهم عنده شيء من المكدرات يعمل جهده في إزالته ويبدلها بالفرح والسرور حتى لا يظهر عليه أثر الحزن.

•••

أما المسيحيون فإنهم كغيرهم من سائر المسيحيين في البلدان الأخرى؛ حيث يتقدم الجنازة رجال من القسيسين وبعض تلامذة يحملون المباخر ويرتِّلون بعض الأناشيد الدينية المعتادة في مثل هذه الحالة، ثم بساط الرحمة، ثم النعش موضوعًا على عربة سوداء يجرها أربعة من جياد الخيل، وبعد النعش أقارب الميت فالمشيعون، وبعد الصلاة عليه في الكنيسة يذهبون به إلى القبر لدفنه.

•••

أما العلامات التي بها يُعرَف قبر البوذي من الوثني من المسيحي فهي أن الوثنيين يجعلون هيئة ميِّتهم في القبر كهيئته وهو جنين في بطن أمه، بحيث يضعون يديه على وجهه وركبتيه ملتصقتين بصدره، ويضعونه في صندوق مربع على مقتضى هذه الهيئة ويدفنونه، في قبر مريع لا يزيد شيئًا من اتساع حجم الصندوق، وكأنهم يفعلون هذا لأجل أن يشبهون الميت بالجنين، والقبر بالبطن، وعلى هذا ينتظرون ولادته مرة أخرى يحيى بعدها حياة أبدية.

أما البوذيون فهم كالمسيحيين يضعون الميت في صندوق على قدر طوله، ويضعونه في صندوق مربع على مقتضى هذه الهيئة ويدفنونه في قبر على قدر الصندوق في الاتساع، إلَّا أن المسيحيين يضعون فوق القبر صليبًا، وبهذه الصفة يُعرَف البوذي، والوثني، والمسيحي.

•••

أما المسلمون فإننا علَّمناهم كيفية الغسل والسير في الجنازة وتكفين الميت على الطريقة الشرعية مما لا حاجة إلى ذكره هنا.

(٧٠) التعليم في بلاد اليابان

ليس مرادنا من عقد هذا الفصل هو أن نبين أن أصل تقدُّم اليابانيين المادي والأدبي، وعلو كعبهم في مضمار الحضارة هو نشر التعليم العصري، فإن هذا من القضايا المُسلَّمة؛ إذ العلم هو أساس كلِّ سعادة الأمم وإنما المراد أن نبيِّن كيف اعتناء القوم بأمر التعليم، هذا الاعتناء الذي لم تشاركها فيه أمة أخرى شرقية كانت أو غربية فضلًا عن أن تسبقها فيه.

إن اليابان كانت قبل هذا القرن كباقي أمم الشرق من حيث الجهل السائد فيها، ولم تكن تعرف من المدنية شيئًا يُذكَر، ولكنها حين شعرت بهذا التأخر وعرفت مزية العلوم ونشرها في البلاد، وتعميمها بين الأفراد اندفعت اندفاع الشَّرِه الجوعان إلى لذيذ الطعام، وفتحت المدارس على اختلاف أنواعها، وفي قليل من الزمن خطت خطوات كثيرة في سبيل التقدم والمدنية لم تكن لتخطوها أمة غيرها في أضعاف هذا الزمن القصير؛ إذ يمكن لو عملنا نسبة بينها وبين أية أمة متمدِّنة غيرها أن نقول إن ما كانت تخطوه اليابان في هذا السبيل في يوم تخطوه غيرها في أسبوع، وما تخطوه في أسبوع تخطوه غيرها في شهر وهكذا، حتى لقد عدَّ بعضهم هذا التقدُّم الباهر من خوارق العادات ومن القوى التي هي فوق طبيعة البشر، ولما كان القصد من نشر التعليم في الأمم هو تثقيف العقول وتهذيب النفوس واستعداد الأفراد لأن يكونوا رجالًا يخدمون أوطانهم ويفيدونها بفضل ما تعلموه، لا مجرد الحصول على نفس العلوم والاكتفاء بأن المرء يكون عالمًا بغير أن يظهر أثر هذه العلوم؛ اتبعوا القوم طرقًا في التعليم بها يغرسون في نفوس الناشئة حبَّ الوطن، وما يجب عليهم نحوه حتى إنهم يجعلون ذلك في المسائل العلمية والقواعد الموضوعة في أصول كلِّ فن، هذا وقد كنت كتبت رسالة بيَّنت فيها طرق التعليم في بلاد اليابان وبعثت بها إلى جريدة المؤيد الغراء، ونُشِرَت في تاريخ ١٨ أبريل سنة ١٩٠٧ عدد ٥١٤٣ حين كانت الجرائد تشغل أعمدتها بالكتابة سلبًا وإيجابًا في موضوع تعليم العلوم باللغة العربية، كما أن المباحثات دارت بين أعضاء مجلس الشورى بعد أن اقترحتْه الجمعية العمومية وهذا نصها:

إن كلَّ من يتحدث بحديث عن الأمة اليابانية وما وصلت إليه من الرقي المادي والأدبي فإنه يسند كلَّ شيء في ذلك إلى العلوم والمعارف التي أقبلت عليها منذ ثلاثين عامًا إقبال الشَّرِه الحريص على لذيذ الطعام ونفيس الكنوز، واقتدائها بأمر يبين في الأخذ بأسباب المدنية، ولكن إذا أراد أن يعرف الشرقي سرعة ترقي هذه الأمة تلك السرعة الغريبة التي لم تُوفَّق إليها أمة من الأمم في الماضي والحاضر وقف وقفة الحائر؛ لأن الدرجة التي وصلت إليها في الرقي لا يكفي لها قرن من الزمان، ومبلغ ما يقف عنده جهد الفكر من التعليل هو الرغبة الزائدة والإقبال الفائق من سائر طبقات الأمة واهتمام الحكومة والأهالي معًا بنشر العلوم.

ولكن كلَّ هذه العلل وإن كانت قريبة للصحة فإن هناك سببًا آخر يعادل كلَّ هذه العلل، بل يمكننا أن نقول إن تلقِّي العلوم بدون التأثير الذي يؤثره هذا السبب يُعد ناقصًا نقصانًا عظيمًا، إن لم نقل أنه لا يُجدي نفعًا إلَّا مجرد الاتصاف بالعلم فقط مع فقدان الاتصاف بالعمل به وحصول النتيجة المقصودة في تلقِّيه، وإني أكتفي في إيضاح هذا السبب بذكر حادثة حدثت في اليابان في أثناء الحرب الأخيرة بينها وبين الروس، ونقلتها الصحف الروسية وغيرها من الصحف الأخرى السيارة فيما تسطِّره لقرائها من غريب الأخبار وعجيب الحوادث.

اتفق في ذلك الحين أن أحد مُكاتِبي الجرائد الروسية زار إحدى المدارس اليابانية الابتدائية، وطلب من رئيس المدرسة مشاهدة التلامذة في فصولهم فأدخله في أحد الفصول وكانت حصة الجغرافيا، فسُرَّ من حالة التعليم وأُعِجب بنجابة التلامذة وحُسن أسلوب المعلم في التدريس، وفيما هو كذلك؛ إذ أبصر خريطة تمتاز عن جميع الخرائط برسم أناس في زي اليابانيين فدَنَا من الخريطة وشاهد مرسومًا فيها منشوريا وكوريا مُبيَّنًا فيها المواقع، والبلدان، وجميع المرتفعات والمنخفضات، والأرض الصالحة للزراعة وغير الصالحة، والسهول، والحزون، والمضائق، والجبال، والوهاد، والمناجم، والأنهر، والبحيرات، والغابات، وهؤلاء الأشخاص المرسومون في الخريطة رجال من اليابانيين يقيسون المسافات بين كلِّ بقعة وأخرى، ومقادير ارتفاعها عن سطح الماء وانخفاضها وغير ذلك من المسائل التي تجعل الطالب كأنه يرى منشوريا وكوريا رأي العين بحيث لا يغيب عنه منها قيد شبر، فعجب من هذه الصدفة الغريبة، وزاد عجبه من ذكاء اليابانيين وفضل اختراعهم الأساليب المؤثِّرة في نفس الطالب كأنهم يقولون لهم بلسان الحال إن امتياز رسم منشوريا وكوريا عن باقي الرسوم إنما نقصد به تفهيمكم أننا سنطرد الروس من هذه البقاع، ولكن قبل أن نعرِّض جنودنا للخطر في مخارمها وفجاجها بعثنا رجالًا يعرفون المواقع الصالحة لمرور الجيش منها، بحيث يأمن فيها من الأخطار وتسهل عليه أسباب الانتصار.

ثم زار فصلًا آخر، وكانت حصة الرسم، فوجد الطلبة يرسمون والخريطة أمامهم، فلم يبدأ باختبار الطلبة، بل نظر إلى الخريطة؛ إذ ربما يكون مرسومًا فيها ما يماثل الرسم الأول في الفصل الأول، فوجد بورت آرثر مرسومًا وواقعة دموية بين الجنود اليابانية والروسية قرب هذا الرسم، ولكن الجنود اليابانية مهاجمون من الجهة التي تمكِّنهم من الدخول في القلعة، كما رأى أشلاء القتلى والدماء قد ملأت الفضاء وألسنة النيران تخرج من فُوَّهات المدافع والبنادق، والدخان قد انعقد مع الغبار المثار، وحجب الغبراء عن الخضراء، فكاد يطير لبُّه من الإعجاب والدهشة، والمصادفات الغريبة؛ إذ تصور أنه لا بد من انتصار اليابان على الروس وأخْذِ بورت آرثر عنوة وقهرًا.

ثم زار فصلًا آخر فرأى مثل ما رآه في الفصلين السابقين، وهو أن التلاميذ يشتغلون بحل مسائل حسابية أُتِي بها شواهد على القواعد المتعلقة بجوهر الفن، ولكن صورة المسألة مركبة من جيش من اليابانيين يريد أن يجتاز مضيق «موتو» في كذا من الساعات فكم يكفي من الرصاص لكلِّ جندي وهو يجتاز هذا المضيق إذا كان ما يطلقه في الدقيقة الواحدة كذا منها؟ وكم يكفي من الرصاص إذا كان عدد جنود الجيش كذا؟ وهنا مرسوم أمامهم طول المسافات بين مواقعه الحربية.

هذا ولما رأى المكاتب كلَّ هذه الأحوال الغريبة في طرق التعليم دُهِش دَهَشًا أدَّاه إلى أن يعتقد أن القوة العقلية التي تُودَع في مثل هؤلاء التلاميذ سنًّا وحداثة لا تؤهلهم إلى فهم المغزى من هذه الصور السياسية العلمية، وكاشف الناظر بهذا الاعتقاد، فما كان جوابه له إلَّا أن قال: إن عندنا مثلًا مشهورًا وهو أن الياباني الصغير يفعل فعل الرجل الكبير، فكان هذا الجواب عنده أغرب لما وقر في نفسه من أن هذه الأمة بلغت من العزة مبلغًا ضُرِب به المثل، وفيما قاله له ناظر المدرسة إننا نُلقِي في قلوب الناشئة حبَّ الوطن بهذا الأسلوب لنضمن له رجالًا في المستقبل يتقلبون في المناصب فيجب أن يكون كلُّ فرد منهم مُلمًّا بالفنون التي تؤهله لأن يملأ كرسي المنصب كفاءة واستحقاقًا.

فبعث المُكاتب في الحال إلى جريدته بوصف ما شاهده وبين مقدار دهشته واستغرابه.

•••

هذا ولما كنت في اليابان أردت ذات يوم أن أقف على عدد المدارس هناك وعدد المعلمين والطالبين ومقدار ما تصرفه الحكومة في هذا السبيل، فأطلعت جناب المسيو «جازنيف» على إرادتي هذه فقال لي: إني كنتُ أريد أن أدعوك إلى زيارة نظارة المعارف قبل أن تخاطبني في هذا الخصوص، وفي الحال توجهنا إلى النظارة وكان في صحبتنا حضرة الفاضل السيد حسين عبد المنعم، ولما وصلنا إلى دار النظارة وجدناها دارًا مشيدة البناء جميلة الرواء، بابها صنع أدق صنعة وأجملها؛ حيث هو كناية عن شبه قوصرة قائمة على أربعة أعمدة بديعة الشكل متينة البنيان، ولما اجتزنا الباب رأيت ساحة أفسح من صدر الحليم شُرِّفت بالرخام المختلف الألوان مما يروق الناظر، ويسر الخاطر والشرفات بارزة بمنظر بديع دلَّ على ترقي فنِّ البناء في هذه البلاد، ثم وصلنا إلى غرفة جناب المسيو «تاراويزي»، ووظيفته تعادل سكرتير النظارة في مصر، فاسْتَأْذنا بالدخول ولما دخلنا غرفته قابَلَنا ببشاشة تامة ولطف دلَّ على كرم أخلاقه، وكمال تربيته، وجميل آدابه، وحادثَنا أحسن حديث، فكان يحسن التكلم والاستماع، وكان حضرة السيد حسين عبد المنعم يترجم بيننا، ومن العجب أنه مع هذا الإكرام والاحتفاء الفائق لم يطلب لنا قهوة ولا شايًا ولم يقدِّم لنا السيكارة كما هي العادة عند أمم الغرب والشرق، ولعل هذا عادة عندهم والعادة يجب الوقوف عند حكمها، وهذا لا يُعَد نقصًا من آداب القوم؛ لأن الإكرام بتقديم مثل ذلك ليس كإكرام حسن الاستماع والكلام والمقابلة باللطف والبشاشة.

وبعد برهة أطلعناه على رغبتنا في معرفة ما قصدنا لأجله الزيارة، فأمر أحد مستخدمي النظارة بأن يذهب معنا إلى حيث نريد، فأدخلَنا في غرف بعض الكُتَّاب والعمال فإذا هي مفروشة بأفخر الفراش مُزيَّنة بالنقوش كأحسن ما يوجد في قصور الأغنياء والأمراء وبها الكراسي والمقاعد الغريبة الصنع، إلى غير ذلك مما تزيَّن به الغرف في أحسن القصور وأفخر الدور.

ولما دخلنا في غرفة بعض الكَتَبة وهي الغرفة التي فيها دفاتر الإحصائيات طلبنا الدفتر المُرصَد فيه تعداد المدارس والمعلمين والطالبين فأحضره لنا فوجدنا في أول ورقة منه الجدول الآتي:
اسم المدرسة عدد التلامذة عدد الفصول مقدار المعلمين نوع المدرسة

هذا هو الجدول ثم هاك التعداد:

٢٥ جامعة كبرى تُدرَّس فيها كلُّ العلوم، ٩٤ مدرسة عالية كالطب والحقوق، والمهندسخانة، والزراعة، والمعلمين، والصيدلية، والولادة، والبيطرية، ٢٣٦٥ مدرسة صناعية عالية، ٥٢٥٠ مدرسة صناعية درجة ثانية، ١٧٦٥ مدرسة تجهيزية، أما المدارس الابتدائية في اليابان فهي تنقسم إلى ثلاث درجات فمنها ٩١٥٤ مدرسة ابتدائية درجة أولى، و١٥٢١٦ درجة ثانية و١٦١١٢ درجة ثالثة فيكون مجموع المدارس كلها ٤٩٩٩١، هذه هي المدارس الموجودة في اليابان على اختلافها، وإن مجموع عدد المعلمين والمتعلمين فيها فهو ٨٨٦٤٥٦٠ متعلمًا ذكرًا وأنثى وعلى هذا فنسبة المتعلمين من الذكور هو ٨٥ في المائة ومن البنات ٥٧ في المائة، وعدد المعلمين في المدارس الابتدائية ٢٤٢٨٩٢، والمدارس الثانوية ١٤١٢، والمدارس العالية ٧٧٣٤.

ومقدار ما تصرفه الحكومة على المعارف مليونان ونصف من الجنيهات، على أن أجرة المعلم لا توازي نصف قيمة أجرة المعلم في مصر، وليس هذا من بخل الحكومة عليهم ولكنهم يجعلون أخذهم القدر الزهيد في سبيل الأجر هو لأجل أن يسدوا عَوَزهم من خصوص المعاش، ويقولون إن عدم أخذنا المبالغ الباهظة في سبيل أجر التعليم هو خدمة أخرى للوطن يجب علينا أداؤها.

ولما كانت المعارف في بلاد اليابان مقتبسة من الغرب كان المعلمون فيها من بادئ الأمر من الأوروبيين، ولما أخذ القوم فيها بنصيب وافر أَنْشَئوا الكليات التي تخرَّج منها الأساتذة الأكْفَاء من كلِّ أنواع العلوم؛ أخذوا يقللون من المعلمين الغربيين ويستخدمون بدلهم من الوطنيين حتى أصبح المعلمون في كلِّ المدارس من الوطنيين، وكأنهم في هذه الحالة يقولون إننا أمة شرقية خالفت كلَّ أمم الشرق؛ حيث اكتفت برجالها الذين تعلَّموا واكتفت عن جلب المعلمين من الأجانب ولهم الحق في هذا الفخار؛ لأن ثمرة العلم هي أن تكون الأمة قائمة بذاتها غير مستعينة بسواها في بلوغ الدرجات العالية من الحضارة والمدنية.

ومن غريب ما وقع في بلاد اليابان ونقلته الصحف مُعجَبة به ومستغربة له أيما استغراب فيما يتعلق بنتائج التعليم الراقي في بلاد اليابان ويدل على أنهم أخذوا حظًّا وافرًا في الصناعة؛ أن أحد الغربيين كان يحادث الكونت «كاتسورة» رئيس الوزراء سابقًا، وتطرق في الحديث إلى الانتقاد على اليابانيين في أنهم لم يصنعوا مراكبهم الحربية في معامل أوروبا، بحيث لو صنعوها فيها لكانت بحريتهم على الأقل تعادل بحرية دولة من دول الطبقة الأولى بين العالم، فقال الكونت كاتسورة: إن هذا اللوم يجب أن يُوجَّه منا إلى أوروبا التي لم تصنع مراكبها الحربية وأسلحتها في معامل اليابان التي تُعَد بالمئات لأنها لا تفضلنا في شيء من خصوص العلوم والفنون والصنائع، ثم لم يكتف بهذا القول حتى أطلع هذا الأوروبي على المعامل التي تُصنَّع فيها المراكب الحربية والأسلحة والأحواض التي أُعِدَّت للبوارج فرأى ما لم يكن يعتقد وجوده من قبل.

وقد حدا بهما الحديث إلى ذكر الحرب فقال الكونت كاتسورة ما معناه: إن من الظلم البيِّن أن يتهمنا إنسان بأن هذه الحرب لها أدنى تعلُّق بالدين أو بتفضيل جنس على جنس؛ لأننا نعتقد أن بني الإنسان هم إخوة، وكل فرد منهم محتاج إلى الآخر في معترك الحياة وأن المنافع المادية والأدبية يجب أن لا تقتصر على جنس دون آخر، بل كل إنسان يتبادل هذه المنافع مع الآخر بلا نظر إلى الجنس والدين، وإننا حين أعلنا الحرب رسميًّا جمعنا رؤساء الأديان وأمرناهم بأن يخطبوا في الناس بأن هذه الحرب سياسية وأنها بين اليابان والروس فقط وغير ذلك مما ينفي عن الأذهان ما عساه يعلق بها من أن هذه الحرب غير سياسية.

وإن محاربتنا الروس لا محرِّك لها في الحقيقة، إلَّا كوننا نظرنا إلى هذه الدولة بعد ما وطئت قدمها منشوريا، فرأيناها أشبه شيء بالوحش المهاجم الذي يريد أن يفترس الشرق، فأعملنا كلَّ قوانا في صدِّ هذا الوحش ومحاربته بكلِّ ما أمكن من وسائل الدفاع، وإن أوروبا مدينة لنا بهذا الجميل؛ لأن توطيد قدم الروسيا في الشرق واستيلائها على مثل منشوريا خطر على دول أوروبا بأجمعها لأن الروس لا حدَّ لمطامعها تقف عنده، فمن كلام الكونت كاتسورة هذا يُعلَم مقدار ما وصل إليه سواس اليابان من التنوُّر ومعرفة ضروب السياسة، وهذا كله راجع إلى العلم الذي بذلوا ويبذلون فيه كلَّ ما في وسعهم ليل نهار.

هذا الذي ذكرته بالنسبة للتعليم، وأما بالنسبة للفنون الأخرى مثل الطب وغيره فهو قد بلغ مبلغًا يحق أن نجعله درسًا أمامنا، ولا أريد أن أذكر هنا من فنِّ الطب عدد الصيدليات والمستشفيات، وإنما أذكر ما قد وقفت عليه من اعتناء القوم بأمر الصحة مما يدل دلالة واضحة على أنهم قد أخذوا نصيبًا وافرًا من صناعة الطب لم تماثلهم فيه أمة من الأمم الأخرى.

وذلك أنه توجد حبوب يأمن من يتعاطاها من أخطار داء الدسنتارية، وهذه الحبوب تُستعمَل عند كلِّ الطبقات من الأمة، حتى إن الحكومة جعلتها من الأشياء الضرورية للجنود وهي مفيدة أيضًا من حيث البرد فإن من يتعاطاها يقوى على احتمال البرد القارص والزمهرير الشديد التأثير، وكلُّ جندي كان في زمن الحرب يحمل معه علبة فيها عدد وافر من هذه الحبوب وكثيرًا من العقاقير الطبية؛ حيث الجو في منشوريا وحالة الطقس فيها مهلكة خصوصًا في زمن الحرب الذي كانت تتولد فيه الأمراض المختلفة، فكانوا يحملون من العقاقير ما يُلائم كلَّ مرض يخشون وقوعه، وبسبب تعاطي القوم هذه الحبوب تجد صحتهم متوفرة وأجسامهم سليمة صحية وقواهم تامة، والجندي يتعاطى من هذه الحبوب في كلِّ يوم ٢٦ حبة، وجملة ما يُنفَق منها في طوكيو في اليوم الواحد نحو ٣٥٠٠٦٠٠ تقريبًا.

•••

هذا ولما نظرت أمم الشرق إلى هذه الأمة التي بلغت من الرقي الهائل مبلغًا عظيمًا أخذت ترسل إليها الشبان ليتلقوا العلوم في مدارسها، وكلياتها، ومصانعها حتى إنه يوجد عدد عظيم من أبناء الصين يزاحمون الطلبة اليابانية في المدارس هناك.

وقد أُلِّفت لجنة في الهند في حيدرأباد الدكن تحت رياسة حضرة المولوي الهمام عبد القيوم أفندي، وهو من النابغين الذين عرفوا مزية المدنية الحاضرة وحنَّكتهم حوادث الأيام، وقد جمعت الأموال اللازمة للإنفاق على الشبان الذين تريد أن ترسلهم اللجنة إلى اليابان وهي سائرة بكلِّ اهتمام ونشاط.

فانظر أيها القارئ الكريم إلى هذه السعادة التي منحتها أمة اليابان، وارفع معي صوتك بإخلاص إلى الله — سبحانه وتعالى — داعيًا راجيًا أن يُلْهِم الأمة الإسلامية ما ألهم هذه الأمة المتمدِّنة التي اعتنت بشأن العلوم والمعارف، وبذلت جهدها في تعليم الناشئة، حتى تخرَّج من مدارسها من رفعوا شأن أوطانهم وصاروا يعدون في مصافِّ الرجال العاملين على سعادة أمتهم وبلادهم.

وليس هذا مقام تقريظ اليابانيين فإن الأيام وحدها وصفحات التاريخ قد سجلت لهم الفخار الباقي بقاء الأعصار وتوالي الليل والنهار.

ومما نستشهد به الآن على تعلُّم اليابانيين الترسخانة الحربية التي قلَّ أن يوجد مثلها في بلاد العالم.

•••

صحبت ذات يوم جناب المسيو جازنيف والسيد حسين عبد المنعم في زيارتي دار الصناعة الحربية «الترسخانة»، فتوجهنا إليها فإذا هي ليست بدار بل هي بلدة كبرى لكثرة ما فيها من العمال الذين يُعَدون بالآلاف، وناهيك بمكان فيه الآلاف ممن يشتغلون في صنع الآلات الحربية لدولة كدولة اليابان.

دخلنا هذه الدار فاستقبَلَنا بعض الرؤساء وقد غاب عني حفظُ اسمه واسم وظيفته، فأطلعنا على محال صنع المدافع والبنادق والأسلحة البيضاء وعمل الديناميت والبارود والرصاص فإذا حركة العمل في جدٍّ فائق، ونشاط ما بعده نشاط، وليس استغرابي من حركة هؤلاء العمال بأقل من استغرابي لحركة العمال الذين يصنعون السفن الحربية من مدرعات، وبوارج، ومراكب التوربيد؛ إذ دخلنا في غرف ولا أقول إنها غرف لاتساعها، بل أقول إنها صالونات؛ إذ الغرفة على قدر حجم السفينة وارتفاع سقف غرفها يماثل ارتفاع سقف محطة العاصمة، ووجدنا تسعة مراكب تُصنَّع في تسع غرف وهي تُصفَّح بالفولاذ فعرفت أنها مدرعات، وما زلنا ننتقل من مكان إلى آخر حتى عجبت كلَّ العجب، وفي الوقت نفسه تذكرت حديث المسيو كاتسورة مع ذلك الأوروبي الذي انتقد على اليابان؛ حيث لم تصنع آلاتها الحربية في المصانع الأوروبية وما أجابه جنابه من الجواب المُسكِت المفحم، وفي الحال رفعتُ أكفَّ الضراعة إلى الله — سبحانه وتعالى — أن يرفع من شأن دولتنا العلية وأن تكون هي الدولة الأولى في العالم أجمع ذات الطول، والحول، والقوة.

(٧١) السائحون الوافدون إلى اليابان

عرفت الحكومة اليابانية أن السائحين الوافدين إليها لم يفدوا إلَّا ليستفيدوا منها الفوائد العظمى فضربت ضريبة عليهم تختلف قيمتها بحسب درجات الوافدين، وأقل ما يؤخذ على الفرد الواحد «ين» والين عشرة غروش بالعملة المصرية.

وقد بلغ عدد ما أخذته من السائحين في سنة ١٩٠٣ «١٨٧٠٨٠٠٩» ين، وفي سنة ١٩٠٤ «١٢٩٠٠٥٤٥» ين، وفي سنة ١٩٠٥ «٢٥٣٥٤٠٠٠» ين، وفي سنة ١٩٠٦ «٢٥٩٤٢٦٠٧» ين، وهذا ولا شك باب من أبواب الإيرادات في الحكومة اليابانية التي بها ترقت ماليتها بالنظر لمصرفها، فلو أن حكومتنا جعلت ضريبة على السائحين، (ولو غير الإنكليز) لحصلت منهم على مبالغ طائلة لا سيما وأن الفوائد التي يتحصَّل عليها السائحون من مصر أكثر منها في اليابان، ولكن شتان بين أمة عرفت كيف ترقى بلادها وأمة إلى الآن تجود على الغرباء وهي في أشد الحاجة إلى ما تجود به، هدانا الله إلى سبل الرشاد ومواضع السداد.

(٧٢) الصحافة في اليابان

إذا كانت الصحافة في كلِّ أمة هي عنوان تقدُّمها، ودليل ارتقائها، فإن لها في اليابان التأثير الأقوى في تقدُّم هذه الأمة، وقد عرفتُ ممن عرفتهم من الصحافيين هناك أن اليابانيين زاد اعتناؤهم بأمر الصحافة من عهد الحرب الصينية الأخيرة التي انتصر فيها الجيش الياباني انتصارًا باهرًا، وسطَّرت الصحف في العالم عبارات الثناء عليه وعدته من أرقى جيوش الدول دربة، وأقواهم بطشًا، وأضافت إلى ذلك مدح الأمة بأسرها فزادت رغبة القوم في قراءة الصحف وأقبل الكتاب والأدباء على الاحتراف بحرفة الصحافة.

والصحف في اليابان كما هي في سائر الأمم الراقية من حيث النوع والمشرب؛ فمنها اليومية، والأسبوعية، والمصورة، والهزلية، ولكن المشارب وإن كانت مختلفة فإن هذا الاختلاف كله راجع إلى مصلحة الوطن بحيث لا يُسمَع بجريدة مشربها المطاعن الشخصية، ولا يوجد صحفي دخل السجون بسبب الطعن الشخصي إلَّا القليل والقليل لا حكم له.

أما المجلات فهي عديدة هناك منها الشهرية والنصف شهرية والأسبوعية، والذي نظرته أن أغلب الجرائد السياسية الكبرى تصدر في طوكيو عاصمة المملكة، وأشهر الجرائد اليومية في اليابان هي جريدة دجي دجي شمبو، وجيجي شيمون، كوكومن، ياماتسو ستمبون، يوروزو، ساهي شمبون، جه جوبان، شمبون كاري، المورنتن بوستن، طوكيو نتشي، أخبار طوكيو، تيمس اليابان، والجرائد الهزلية كثيرة إلى درجة فوق العادة والإقبال على مطالعتها عظيم من سائر الطبقات، وقد عرفت أيضًا أن أخبار المؤتمر الديني كانت بعيدة عن علم أصحاب الجرائد أيام انعقاد جلساته، فعجبت من ذلك ولكن التمست العذر للحكومة؛ لأن من اليابانيين من اعتنق الدين الإسلامي ومنهم من اعتنق المسيحية، ومنهم البوذيون والوثنيون، فإذا نشرت المحاورات والمناقشات التي دارت بين أعضاء المؤتمر المنتدبين من الدول لا يُؤمَن من تولُّد الأحقاد في نفوس أهل المذاهب الدينية، وهذا غاية ما يصل إليه الفكر في معرفة السبب، وكل ما كان يصل إلى علم الناس من أخبار المؤتمر إنما هو مما يصل إلى علمهم عادةً من أخبار الدوائر الخصوصية وهي لا تخلو من بعض الحقيقة إن خلت من جملتها، ومن الغريب أن الجرائد لم تلاحظ على الحكومة أدنى ملاحظة في هذا الخصوص مع الحرية التامة المُعطاة لها في القول والانتقاد، وهذا قاصر على سكان العاصمة وأما سكان باقي الجزائر اليابانية، فلم يكن عندهم أدنى علم بما حصل في المؤتمر لبعد المسافة بينها وبين العاصمة ولعدم نشر الأخبار في الصحف، وقد تقابلت مع بعض أصحاب ومحرري الصحف الكبرى وزرتهم ودارت بيننا مباحثات سياسية وأدبية فبهرني ما وصل إليه الرجل الياباني في الذكاء، والفطنة، والأخلاق الفاضلة، وسعة المدارك، وكان أحدهم يحسن الحديث إذا حدث والاستماع إذا حدث، وأفضل من عرفته منهم: الموسيو بريازن سان صاحب جريدة شمبون كاري، والموسيو هاريكوجاوا مدير جريدة دجي دجي شمبو، وهما من الكُتَّاب البارعين العارفين بضروب السياسة أتمَّ المعرفة.

وقد سُئِلت عن أشياء كثيرة منها علاقة الأمة المصرية بسموِّ الجناب الخديوي المُعظَّم في مثل هذه الظروف، وأمور أخرى تتعلق بسياسة البلاد فكنت أجيب بما أعلمه ولا حاجة إلى ذكره هنا.

(٧٣) الخطباء في اليابان

إن للخطابة في كلِّ أمة تأثيرًا عظيمًا في كلِّ الأوضاع سياسية كانت أو دينية فالخطيب هو كالقائد لزمام قلوب الأمة وأجسامها إلى حيث الغرض الذي يرمي إليه في خطابه، وعلى قدر بلاغة الخطيب يكون التأثير.

وإني لم أشاهد خطبًا سياسية في مدة إقامتي في اليابان، ولكن شاهدت خطب البوذيين الذين يلقونها للوعظ والإرشاد، فكنت أتأثر التأثير العظيم، وإن كنت لم أعرف اللغة اليابانية ولكن التأثير حصل من حركات الخطيب من جهة صوته علوًّا وارتفاعًا، وانفعالاته النفسية في الإلقاء؛ حيث وُجِدْتُ في مجتمع لهؤلاء فرأيت الخطيب مُمسِكًا بيده قطعة من الأبنوس الأسود طولها ثلاثون سنتيمترًا تقريبًا، يشير بها الخطيب عند علوِّ الصوت وانخفاضه، ورأيت القوم وهم سكوت كأن على رءوسهم الطير مُنصتِين إلى قول الخطيب والتأثر ظاهر عليهم ظهورًا جليًّا.

وقد عرفت أن البوذيين لهم مدارس خاصة بهم، يتلقَّى فيها الطلبة أصول المذهب البوذي ويتمرنون على الخطابة، حتى إذا حصلوا على الشهادة وُزِّع بعضهم على القرى والبلدان للوعظ والإرشاد، أما هذه المدارس فهي أشبه شيء بمدارس الإكليروس في الديانة المسيحية والذين يتخرجون منها لا وظيفة لهم في الغالب إلَّا الوعظ والإرشاد.

ولا شك في أن خطبهم في المواضع السياسية تكون أعظم منها في المواضع الدينية؛ لأنهم مع اختلافهم في المذاهب متفقون في حبِّ الوطن والخطابة فيه تؤثر في الجميع تأثيرًا أعظم، وتبعث في نفوسهم الحماس والحمية والهمة والغيرة على الوطن.

(٧٤) القصاصون في اليابان

إن كثيرًا من العوائد المستهجنة في الأمم التي لم تعرف للمدنية معنًى، لو كانت عند الأمم المتمدِّنة لظهرت بخلاف المظهر الذي تظهر به عند تلك الأمم، ومن هذه العوائد القصص التي يلقيها القصاصون، ففي مصر إذا مررت بالشوارع الوطنية تجد في قهاويها القصاصين الذين يحدِّثون العامة بسيرة عنترة، وسيف بن ذي يزن، وأبو زيد، والملك الظاهر بيبرس، وغيرهم ولكن هذه القصص وإن كان لها في الأصل حقيقة ولكن الزيادات التي تُضاف إليها تدخلها في دائرة الخرافات ولذلك ترى السواد الأعظم في الأمة المصرية، وإن شئت قلْ في الأمة الإسلامية، يعتقدون اعتقادات باطلة في حوادث تاريخية وهم معذورون؛ لأنهم يرون أن كلَّ حكاية يحويها كتاب هي حقيقية واقعية، وقد علَّل بعضهم هذه الأفعال من قلب الحقائق إلى أمور لا دليل عليها.

ولكن كل هذا راجع إلى شيوع الجهل في هذه الأمة، ولو كانت مترقية لألَّفت في سيرة عنترة وسيف بن ذي يزن كتبًا لا تحوي إلَّا الحقائق؛ ليكون للعامة والخاصة اعتبار بهذه السير، ولنأخذ عادة اليابانيين مثالًا على ما نقول.

إن القصاصين في اليابان هم أناس متخرِّجون من مدارس أُنشِئت لهذا الغرض، فتراهم لا يقصون على القوم إلَّا السير الحقيقية التي لها في التاريخ ذكر، فإذا وُجِد القصاص في محل عمومي وأخذ يلقي قصته لا يكاد يفرغ منها حتى ترى القوم نفحوه بالدراهم الكثيرة، ولكن ماذا يفعل بهذه الدراهم؟ وماذا يكون عقب فراغ القصاص من حديثه؟

•••

إذا فرغ القصاص من قصته تجد في الحال هذه القصة مَطبُوعة وموزعة على الحضور؛ لأنه توجد مطبعة في كلِّ محلٍّ يوجد فيه القصاص، ثم تُوزَّع القصة على الحاضرين بصفة البيع فيشترونها والقيمة التي تُجمَع يُعطَى منها القصاص قيمة أتعابه والباقي يحفظ في صندوق خاص بالكنيسة لأجل أن يوزع على الفقراء وعلى الأعمال الخيرية.

فلْينظرِ العقلاء إلى قصاصي اليابان وإلى قصاصي مصر، ثم ليحكم على كلتا الأمتين؛ ليعرف الفرق بين من تشربت عوائدها بالمدنية وبين من تشربت عوائدها بالهمجية.

(٧٥) الأعياد في اليابان

إن لليابانيين أعيادًا سنوية يُجلُّونها، ويحترمونها، ويحتفلون بها أجمل احتفال ويتظاهرون بالمظاهرات الدالة على وطنيتهم ويبذلون قصارى الجهد في الافتنان من ضروب الزينات الفاخرة، ويلبسون فيها أحسن الأزياء ويتبادلون كئوس الصفاء والمودة والإخاء، ويبذلون فيها الخيرات لذوي الحاجات إلى غير ذلك من صنوف الإحسان لبني الإنسان.

وأجلُّ هذه الأعياد عندهم هو عيد مؤسس العائلة المالكة أول إمبراطور في اليابان وهو الإمبراطور «جيمو» الذي ارتقى إلى عرش الإمبراطورية في سنة ٦٦١ قبل الميلاد وموعد الاحتفال به في يوم ٨ مارس من كلِّ سنة، ثم عيد تذكار جعل مدينة طوكيو عاصمة للمملكة، وذلك في عهد جلالة متسوهيتو الميكادو الحالي وموعد الاحتفال به في ١٠ أبريل من كلِّ سنة؛ حيث في مثل هذا اليوم من سنة ١٨٦٨ جُعِلت طوكيو عاصمة لليابان بدل مدينة كيونو، وقد تقدَّم أنه كانت لليابان عاصمتان طوكيو وكيوتو، وكانت طوكيو مقرًّا لعائلة الشجن التي كانت تنازع الإمبراطور في الملك، ولهم أعياد أخرى بمكان من الاعتبار عندهم لم أر حاجة إلى ذكرها الآن.

(٧٦) يقظة الحكومة اليابانية حيال أفعال مبشري المسيحية

من المعروف لدى كلِّ سياسي خبير بدخائل السياسة الأوروبية أن الغربيين يتخذون الدين وسيلة توصلهم إلى مقاصدهم السياسية، وقد كانت حوادث الصين وثورة البوكسر أعظم درس لليابانيين في هذا الخصوص؛ لأن ثورة البوكسر أصلها ناشئ عن الإرساليات الدينية المسيحية التي تجاوزت حدَّ الاعتدال في التبشير بالدين المسيحي حتى أحرجت صدور الصينيين فكان ما كان.

وقد حصلت أوروبا على أغراضها بهذه الوسيلة فصار لها نفوذ في الصين، بل امتلكت فيها بقاعًا لم تكن تملكها بأية وسيلة غير الوسيلة الدينية.

•••

ولما جعلت دولة اليابان الديانات حرة في بلادها ووفد إليها المبشرون استعملوا نفس الطرق التي كانوا يستعملونها في الصين ولا حاجة إلى ذكرها هنا، بل غاية ما يقال هو أنهم لم يتبعوا طرق الاعتدال في دعوة اليابانيين إلى اعتناق الدين المسيحي، وأيضًا فإنهم أخذوا ينتشرون في الجزر اليابانية ويفتحون المدارس لأجل نشر العلوم في الظاهر، وفي الحقيقة ونفس الأمر أنهم جعلوها متجرًا لكثرة المصاريف التي يتكبدونها وهم في هذه البقاع.

فلما رأت الحكومة اليابانية منهم أنهم لم يتبعوا الخطة التي من شأنهم أن يتبعوها أنذرتهم إنذارًا رسميًّا ونقلت الصحف أخبار ذلك على اختلافها، كما نُقِل إلى سائر أنحاء المعمورة ومما جاء في هذه الإنذارات ما معناه: أنكم أيها المبشرون لما قدمتم إلى بلاد اليابان لأجل نشر تعاليم الديانة المسيحية، وفتح المدارس لتعليم الناشئة العلوم العصرية حمدنا قصدكم، وشكرنا لكم غيرتكم على النوع الإنساني، وقابلناكم بالترحيب وسهَّلنا لكم كلَّ الوسائل التي بها تتمكنون من الإقامة بيننا إقامة الراحة والأمان على الأرواح، والأموال، والأعراض، شأننا مع كلِّ غريب يفد إلى بلادنا لأجل نفع ابن جنسه، ولكننا لم نلبث إلَّا قليلًا حتى رأيناكم خالفتم سُنة الاعتدال في هذه الأحوال، ورسمنا لكم الخطة التي تسيرون عليها وأبلغناكم إياها رسميًّا عساكم تكونون جاهلين بأخلاق وعوائد البلاد، وحتى لا يكون لكم عذر فيما بعد إذا عاملناكم بخلاف معاملتنا الأولى، فلم تلتفتوا إلى هذه الخطة ولم تعملوا بها ونبذتم ما رسمناه لكم وراء ظهوركم.

أما الآن وقد فعلتم هذا فإن الحكومة تنذركم إنذارها الأخير وتحذركم عواقب الخروج عن حدِّ الاعتدال، فإن عملتم بما رسمناه لكم أولًا فبها ونعمت، وإلَّا حلَّ بكم ما حلَّ بأمثالكم في بلاد الصين.

•••

والذي يطلع على هذه الإنذارات ويدقق النظر في لهجتها يعلم مقدار ما وصل إليه المبشرون من الضيق في بلاد اليابان؛ لأن من شأن المبشرين في غير هذه البلاد أنهم يفعلون ما يشاءون مع الأمم التي يوجدون بين ظهرانيها وهي عريقة في الهمجية لا تدري الضار من النافع؛ ولذلك نجد كلَّ بلاد احتلتها أوروبا في البلاد العريقة في الهمجية قد وطئها أقدام المبشرين قبل جنود الدولة المحتلة، فهم حسبوا أن كلَّ أمة لم تكن متدينة بالدين المسيحي يجوز عليها ما جاز على غيرها ولو كانت على نصيب من العلم والمدنية، وهذا من الخَرَق في السياسة بمكان.

(٧٧) تجوُّل في بعض بلاد اليابان

بعد أن أقمنا في مدينة طوكيو نحو الأسبوعين أردت أن أتجول في بعض بلاد اليابان، ووافقني على ذلك حضرة الحاج مخلص محمود والسيد حسين عبد المنعم، واخترنا الذهاب إلى مدينة كيوتو عاصمة اليابان القديمة؛ لأنها المدينة الوحيدة بين سائر مدن اليابان بعد طوكيو من حيث جودة هوائها واستكمالها أنواع الحضارة والمدنية، ولما فيها من كثرة المنتزهات الجميلة والمسافة بينها وبين طوكيو نحو الست ساعات تقريبًا لراكب السكة الحديدية.

ركبنا القطار وفي أثناء الطريق كنَّا نطل من نوافذ العربة على الجانبين فنرى الغابات الكثيرة، والأشجار، والأرض المكسوة بساطًا سندسيًّا من النباتات والزراع يفلحون الأرض، ويتعهدون الزرع إلى غير هذا من المناظر التي تروق العين وتسرُّ الخاطر.

ولما كان من شأن المسافرين صحبةً أن يتجاذبوا أطراف الحديث كان حضرة الحاج مخلص محمود يحدثنا عن أحوال الروسيا وما يلاقيه الرعايا هناك من أنواع الظلم والاستبداد مما لم يُسمَع بمثله إلَّا في عهد الرومانيين، وعلى الخصوص الرعايا المسلمون الذين كان يقص علينا من أحاديث اضطهاد الروس لهم، وظلمهم إياهم ما يجري شئون العيون بدل الدمع دمًا، ويدع القلب الذي كأنه قُدَّ من الصخر إلى الرأفة بهم والتوجع لهم، الأمر الذي دعانا إلى تصديق كلِّ ما تنقله الصحف السيارة عن المظالم التي يعانيها المسلمون هناك، وقد يتسع بي مجال القول إذا سردت كلَّ ما قصَّه عليَّ من هذا القبيل، ولكن أذكر بعضها على سبيل الاستشهاد على أن الروسيا لم تجرِ على السياسة الفاضلة حيال رعاياها المسلمين.

فمن ضمن هذه المظالم كثرة الضرائب التي تضربها عليهم وعلى باقي الرعايا يكون المسلمون فيها مخصوصين بالزيادة، فمثلًا إذا كانت الضريبة على غيرهم قرشًا على الفرد الواحد تكون على المسلم قرشين أو قرشًا ونصفًا على الأقل، وكذلك إذا أراد المسلمون أن يفتحوا مدارس لتعليم أبنائهم العلوم بلغتهم التترية الأصلية تحظر عليهم تلك الحكومة وتأبى إلَّا أن يكون التعليم باللغة الروسية، وهذا ولا شك يُعَد من الاستبداد الذي لا تأتيه دولة تدَّعي أنها نصيرة السلم وحليفة المدنية، وما زال الحاج مخلص محمود يقص علينا أمثال هذه الأحوال وعلامات التأثر بادية في وجهه، فكنت ألاطفه في تفريج همه، وإزالة غمه، وكذلك كان يفعل السيد سليمان الصيني في تهدئة روعه، وبل غليله الذي جعله كأنه شعلة من نار تتَّقِد، ومما قاله الحاج مخلص هذا: إن الله سبحانه وتعالى لما علم أن دولة الروس تمادت في الغطرسة وعدم المبالاة بأية دولة أخرى، وبلغ بها ضرر بني الإنسان مبلغه أراد أن يخذلها، ويكسر من شوكتها ويقلِّل من اعتبارها في أعين الناس وسائر الدول والأمم على يد هذه الأمة اليابانية التي خذلتها في ميدان القتال، وجعلت أرض منشوريا مقابر لرجالها ودمَّرت أسطولها وطردتها من منشوريا وأخرجتها مرغمة مقهورة بعد تلك الأنفة والعظمة، وأبطلت قول القيصر ووزرائه وقواده: «لأؤدبن اليابان مائة مرة.» إذ انقلب هذا المعنى إلى الروس فأدبتْها اليابانُ ألف مرة ومرة على نهر اليالو، وأضعاف ذلك في مياه تشيوسيما وأضعاف أضعاف ذلك في بورت آرثر.

•••

هذا، وبعد أن قطعنا بعض محطات في سيرنا أحسسنا بالجوع واخترنا أن لا نأكل غير الخبز والسمك، فلم يتيسر لنا ذلك فرأينا بعض الباعة في إحدى المحطات يحملون علبًا أشبه شيء بصناديق صغيرة الحجم مربعة من الخشب يبلغ حجم الواحدة منها عشرين سنتيمترًا، وعلمنا أن بداخلها شيئًا من المأكولات فاشترينا ست علب لكلٍّ منا علبتان، يساوي ثمن الواحدة أربعة أخماس القرش الصاغ، وفتحناها فإذا فيها الأرز المفلفل اللذيذ الطعم في جانب من العلبة وفوقه قطعة من العجة المتخذة من بيض الدجاج وفيها لقمة من الخبز ومن الجانب الآخر قطعة من السمك المقلي في الزيت وشيء قليل من الخضراوات لم نعرف اسم نوعه، ويفصل الأرز عن غيره قطعة من الخشب الرقيق، وبأسفل العلبة شيء من الحمص الكبير الحبات مطبوخ ومملح وكلُّ هذه الأطعمة اللذيذة تُسمَّى «بنتو» كما يسمِّي الترك أنواع الخضراوات المطبوخة مع بعضها «طورلي»، ولكن الفرق بين الصنفين كبير في الطعم واللذاذة، فاستفدنا بشراء هذه العلب أكلًا لذيذًا واكتشفنا مجهولًا لم نكن نعرفه.

ومن الغريب أن الملعقة التي يؤكل بها الأرز قطعتان من الخشب صغيرتان؛ إحداهما لليد اليمنى والأخرى لليد اليسرى، والتي لليد اليمنى مجوفة عريضة والتي لليسرى أقصر منها، وأقل في العرض، ووظيفة هذه تهيئة الأرز لتلك بحيث يسهل عليها تناوله.

والعلبة الواحدة منها أشبعت كلًّا منا على جوع شديد، ولما فرغنا من الأكل رأينا الوابور يسير بين فضاء من الماء شبيه بالبحيرة يشبه لونُ أرضِه القبة الزرقاء، ينبت في وسطه العشب فكأنه بساط بديع النقوش أجاد صنعه الصانع، ووسط هذا المتسع جبال تكسوها الغابات التي جعلت هذه الجبال ذات منظر جميل يحبس عليه نظر العيون، وهذه الغابات غرسَها الوثنيون في الزمن الغابر؛ حيث كانت لهم منازل ومعابد في هذا المكان وبجوار هذه البحيرة مدينة كبيرة جميلة المنظر لم نستطع النزول فيها واسمها مدينة «انسو»، ولهذه البحيرة ذكر في التاريخ؛ إذ كان يأتي إليها الشعراء، والكُتَّاب، والفلاسفة للتريض فيها ويجعلونها ميدانًا تتسابق فيه جياد قرائحهم وأقلامهم؛ ولذلك حفظ التاريخ لها ذكرًا بين صفحاته كما حفظه للرصافة والجسر من ذلك العصر.

•••

وبعد أن اجتزنا هذا الفضاء مرَّ الوابور بين متسع آخر، ولكنه مكسوٌّ بالأشجار والدوحات الكبيرة والغابات البديعة المنظر أكثر من الأول، وبعد نحو العشرين كيلومترًا تقريبًا وصلنا إلى مدينة «أواوسكا»، وهي واقعة على نهر مُسمًّى بهذا الاسم وتتخللها الخلجان كما كان الخليج في القاهرة، وفي هذا النهر جزيرة صغيرة في هيكل ضخم البنيان بناه الوثنيون لآلهتهم في الزمن الغابر، وهذه الجزيرة وهذا الهيكل أشبه شيء بجزيرة أنس الوجود الموجودة في النيل المصري عند أسوان.

أما مدينة «أواوسكا» فهي ذات شهرة في التاريخ؛ لأنها كانت عاصمة «السيكون» وهو أحد الملوك اليابانيين الذين أخضعوا كوريا لحكمهم وسلطتهم، ولما كان هذا الملك مشهورًا في تاريخ ملوك اليابان بنوا له في هذه الجزيرة تذكارًا كالبرج ضخم البناء، وكل هذه المناظر الجميلة كانت داعية ارتياح النفس، فكنا نتناول أحاديث الفكاهة والنوادر المستظرفة والأدبيات الشعرية وغير ذلك من الأحاديث اللطيفة، والناس ترمقنا بعين الاستغراب؛ لأننا أغراب وأصحابي مختلفو شكل الأثواب، ومن أغرب ما رأيناه في مسيرنا أن الوابور مرَّ في سيره على كوبري فوق نهر، وهذا الكوبري كان قبل أن يصل الوابور مُعلَّقًا في الفضاء بواسطة أعمدة منصوبة لرفعه ووضعه بمهارة غريبة، فلما وصل القطار أُنزِل هذا الكوبري على النهر، وبعد مرور القطار رُفِع ثانيًا، وهذا دليل على ما وصلت إليه أمة اليابان من الرقي الصناعي بواسطة العلوم التي تلقَّوها واجتهدوا في نشرها.

(٧٨) مدينة كيوتو

وصلنا إلى هذه المدينة فإذا هي بين رياضٍ مؤنقة في داخلها وضواحيها مع نظام أبنيتها، وسعة طرقاتها، وطيب هوائها، وجمال موقعها الجغرافي الطبيعي، فضلًا عن كثرة المعامل الصناعية والفابريقات التي تُعَد بالمئات، وهي واقعة على شاطئ بحيرة ينبت فيها الأعشاب والشجيرات، مما أكسبها منظرًا دعاها لأجله اليابانيون بجنة اليابان.

وإذا كان يُوصَف المتأدب ذو الأخلاق الفاضلة بالمَلك «بفتح اللام» فيكون أهل هذه المدينة من أفضل الأجناس؛ لأن أخلاقهم وآدابهم خصوصًا مع الغرباء في الدرجة القصوى من الاعتبار.

والذي استلفت نظري كثيرًا تأدُّب البوليس فيها بحيث إذا سأله واحد عن أيِّ مكان وكان قريبًا منه وداخلًا في دائرة اختصاصه يدلُّك بنفسه عليه، ويسير معك حتى تصل إلى المحلِّ المقصود لك، وإذا كان بعيدًا أوصلك إلى الجندي الذي بجانبه في نقطة أخرى وهذا يوصلك للآخر حتى تصل إلى المحلِّ الذي تريده.

•••

وبما أن شكل الملابس التي علينا لم يألف رؤيتَها اليابانيون كنَّا نمر في الشوارع والعيون شاخصة إلينا مُحدِّقة بنا، وبينما نحن في المسير وإذا برجل هندستاني مسلم اعترض طريقنا وصافحنا مصافحة الأوِدَّاء وخاطبنا بلسان لم يعرفه غير حضرة السيد سليمان الصيني، ومعناه أنه رجل مسلم هندستاني حضر للاتجار وله سبع سنوات متغرِّب عن أهله، وهو يريد أن نكون ضيوفه في شرب الشاي؛ إذ الرابطة الدينية جذبته إلينا فهو يريد الائتناس بنا ساعة من الزمان، فشكرنا له شعوره وغيرته الدينية وأجبناه إلى رغبته، وفعلًا توجَّهنا إلى منزله فأحضر لنا الشاي وأخذ يلاطفنا ونؤانسه مدَّة من الزمن.

وبعدها انصرفنا على وعْد منه أنه يجيء إلينا في طوكيو إذا سمحت له ظروف الأحوال، وهذا الرجل من الذين أدَّبهم الدين الإسلامي فأحسن تأديبهم، ثم إن ظروف الأحوال لم تساعده على أن نحظى به مرة ثانية في طوكيو، وبعد أن أقمنا في هذه المدينة نحو اليوم والليلة رجعنا مرة ثانية إلى طوكيو سالمين.

(٧٩) العودة إلى الأوطان

إني أدع إلى القارئ الكريم تقدير شوق الغريب إلى أوطانه بعد أن طرحته النوى عنها مطارحها إلى أبعد بلاد الله نحو بلاده؛ لأني كنت لا يهنأ لي طعام ولا شراب حينما كنت أفرغ من العمل الذي لأجله غادرت أوطاني وأختلي بنفسي مفكِّرًا في الأحوال والأطوار التي تطرأ على المرء في حياته، ولكن كانت تسليتي هي الخدمة الدينية التي قمت بها وتحمَّلت المشاق لأجلها.

هذا ولما قضينا في بلاد الشمس المشرقة نحو اثنين وثلاثين يومًا عزمت العودة إلى وطني ومسقط رأسي وكان بصحبتي رفيقي، فلم يكد يسمع بهذا النبأ من عرفتهم من أهل اليابان خصوصًا الذين أسلموا منهم على يدنا حتى حضروا إلينا يوم الوداع، وكلهم أسف على فراقنا راغبين في بقائنا بين ظهرانيهم أيامًا عديدة، ولكن بيَّنَّا لهم وجه العذر وعرَّفناهم أننا لا ندع فرصة تمكننا من العودة إليهم إلَّا اغتنمناها، ولما جاء ميعاد السفر صحبنا جناب المسيو جازنيف والمسيو أرانتيبور وإخوته إلى يوكوهاما، ولما وصلناها كان الأسف الشديد تبدو علاماته على وجه كلٍّ من المسيو جازنيف والمسيو أرانتيبور وإخوته وحينئذٍ تحقَّقنا من صحة إسلامهم، ولما جاء ميعاد إقلاع الباخرة ودَّعناهم والقلب ملؤه الأسف الشديد.

غادرنا بلاد اليابان بعد أن قضينا بها نحو اثنين وثلاثين يومًا وبعد أن عرفت من أحوال هذه الأمة الراقية ما لم يكن يخطر على بال وبعد أن قمت بمهمتي، وبعد أن صرفت من جيبي الخاص ما قدَّرني الله تعالى عليه بدون التماس مليم واحد من أحدٍ من الناس سواء كان في مصر أو الخارج وهذه يدي شهيدة عليَّ بذلك، وقمنا على باخرة من بواخر الشركة الصينية ومكثت تمخر في عباب اليم نحو واحد وعشرين يومًا، حتى رست في مياه كلكته، وقد مرَّت في طريقها على جزر وبلدان كثيرة تقدَّم وصفها والإطناب فيها في غير هذا الموضع ممَّا لا داعي لذكره الآن.

(٨٠) شذرة من تاريخ الهند

أذكر هنا باختصار شيئًا من تاريخ الهند إتمامًا للفائدة فأقول:

إن للهند تاريخًا مملوءًا بالحوادث العجيبة البعيدة عن تصديق العقلاء من خصوص عوائد ومعتقدات أهل هذه المملكة وما جرى فيها من الوقائع ممَّا لا طائل تحته لو ذكرته هنا، ولكن أذكر بعض الوقائع والحوادث التي تتعلق بأحوال الهند السياسية.

•••

كان الملك سيزوستريس أحد ملوك الفراعنة قد غزا بلاد الهند بالجنود المصرية وحصلت بينه وبين جيوش الهند وقائع دموية، تغلَّب فيها على بعض ولايات ومقاطعات وحمل من الغنائم والأموال شيئًا وافرًا، ثم أعقبته الملكة سميراميس وفتحت عدة مدن واستولت عليها، وفعلت كما فعل سيزوستريس من أخذ الغنائم وغير ذلك، ومن هذا يُعلَم أن الجندي المصري وصلت به شجاعته وإقدامه إلى أن وطئت قدمه أرض آسيا الكبرى.

ثم قصد الهند بعد ذلك الملك داريوس هستاسب ملك فارس وأوغل فيها وفتح عدة ولايات وأدخلها في أملاكه، وجاء بعده إسكندر المكدوني الفاتح العظيم، وغزا بلاد الهند بجيش جرار يبلغ زهاء المائة والعشرين ألفًا، وأخذ يغزو البلاد والمدن ويفتح الممالك الهندية ويستولي على الغنائم حتى فتح عدة ممالك، وكان يريد أن يستولي على الهند كلِّها بحيث لا يترك شبر أرض لم يدخل تحت حكمه، ولكن جنوده وقواده لم يوافقوا على ذلك فقفل راجعًا بعد النصر الباهر والفتوحات العديدة.

•••

ولما ظهر الإسلام في الوجود وأخذت فتوحاته تمتد في شرق البلاد وغربها، ذهب جيش من المسلمين إلى الهند تحت قيادة رجل يُقال له محمد قاسم أحد قواد بني أمية في خلافة الوليد وذلك سنة ٧١١ للميلاد، وكان هذا القائد شجاعًا مقدامًا خواض غمراتٍ بطل غارات، والجيش الذي غزا به الهند من العرب لم يتجاوز عدده الستة آلاف مقاتل ممن ولدتهم الحروب ورضعوا ثدي الوقائع، فأخذ يُلاقي بهذا العدد القليل جيوش الهند فيهزمها ويفرقها في الآفاق، ويجندل الأبطال حتى أوغل في داخلية البلاد والنصر حليفه والفوز ظهيره أينما سار، وكان كلما فتح بلدًا يعرض على أهله الإسلام فمن أسلم وكان سنه فوق السبعة عشر عامًا سلم ونجا، ومن أبى قتله، أما النساء والأطفال فكان يأخذهم سبيًا ويستعبدهم.

ومن الوقائع الشهيرة التي أحرز فيها المسلمون النصر الباهر وهي من الغرابة بمكان، أنَّ هذا القائد الباسل الْتَقَى بجيش من الهنود عند مدينة حيدرأباد الدكين يبلغ الخمسين ألفًا تحت قيادة رئيس يُقال له الراجا الظاهر، فاشتبك الجيشان في القتال، ودارت رحى الحرب ومع قِلَّة عدد المسلمين استظهروا على جيش الهند وقُتِل الراجا وابنه، ولجأ المنهزمون إلى المدينة فحاصرهم المسلمون حتى ضاقوا ذرعًا ونفدت من المدينة الأقوات، وصاروا في حالة سيِّئة، ولما يَئِسوا وأيقنوا بالهلاك جمعوا النساء والأولاد وودَّعوهم الوداع الأخير، وجمعوا الحطب وأحرقوهم عن آخرهم خوفًا من وقوعهم في يد العرب المسلمين، وبعد ذلك خرجوا لقتال المسلمين وهم مستميتون فلاقاهم المسلمون لقاء الأبطال وما زال القتال متواصلًا حتى أفنوهم عن آخرهم، وكانت ابنة الراجا فيمن أُخِذ في السباء وهي على جانب عظيم من الحسن والجمال، فأرسلها محمد قاسم هدية إلى الخليفة الوليد، ولما مثلت بين يديه أعجبه جمالها وأراد التسري بها فقالت له: لا تفعل ذلك أيها الملك؛ لأني لست أهلًا لما تريد، ولا يليق بملك مثلك أن يأكل فضلة أحد رعيته، فلما سألها عن السبب قالت له: إن القائد الذي حاربنا قعد مني مقعد الرجل من المرأة، فغضب الوليد وأرسل من يأتي له بمحمد قاسم لينتقم منه، فلما ذهب الرسول واستدعى محمد قاسم أجاب بالطاعة، ولكنه مرض في الطريق ومات، فحُمِلت جثته إلى الخليفة، ولما وُضِعت بين يديه أحضر الفتاة، وقال لها: كيف ترين من فعل معك تلك الفعلة الشنعاء؟ فقالت: أيها الملك إني لم أقل ما قلته إلَّا لأجل أن أنتقم لأبي منه والحقيقة أنه لم يفعل شيئًا مما أخبرتك به، ففرح الخليفة وتسرَّى بها.

وبعد موت محمد قاسم جمع الهنود قواهم واستعدوا لقتال المسلمين وفعلًا حاربوهم، وأخرجوهم من بلادهم واستخلصوا منهم كلَّ البلاد التي أخذوها.

•••

وفي سنة ٩٦٧ ميلادية غزت الأعاجم بلاد لاهور الهندية تحت قيادة رجل فارس يُقال له سويكتاجي حاكم ولاية كندهار، والآن هي ولاية فارسية عاصمتها غزنة فقهر ملك لاهور واستولى على عدة مدائن ضمَّها إلى ولايته التي هي الآن حكومة أفغانستان، وكانت في ذلك العهد إحدى ولايات العجم، ولما مات هذا الحاكم خلفه ابنه محمود الغزنوي وذلك سنة ٩٩٧ ميلادية وكان محمود هذا عالي الهمة فحدَّثتْه نفسه بالاستقلال وفعلًا استقل بملكه وحارب الأعجام وانتصر عليهم، ووالى الغزوات في بلاد الهند واستولى على بلاد عديدة ضمَّها إلى مملكته، ومكث ملكًا نحو خمسة وثلاثين سنة ثم تُوفِّي، ونقل خلفاؤه عاصمة السلطنة من غزنة إلى لاهور، ثم خلف العائلة الغزنوية العائلة الغورية، ومن أشهر ملوكها السلطان محمد الغوري الذي امتدت الفتوحات الإسلامية في عهده في بلاد الهند امتدادًا عظيمًا، ثم أعقب هذه العائلة شعوب المغول ومن أشهرهم تيمورلنك الذي له ذكر في التاريخ خصوصًا في عهد ابتداء تأسيس الدولة العلية.

•••

وهكذا استولى ملوك من المغول والفرس على بلاد الهند حتى وطئتها قدم الإفرنج، وأول من دخل فيهم في هذه المملكة البرتغاليون وذلك سنة ١٤٩٧ وهم الذين اكتشفوا رأس الرجاء الصالح ودعوه بهذا الاسم، وفي مدة خمسين سنة صارت لهم أملاك ومراكز تجارية في بنكال، ثم إنهم لم يحسنوا معاملة الأهالي فأبغضوهم وتعمَّدوا الأذى معهم، ولما دخلت البورتوغال في حكم الإسبان وكانت إسبانيا مضطربة من خصوص أملاكها الأميركية فخسرت أملاكها الهندية تدريجًا، ثم جاء بعدهم الفلمنكيون الذين مكثوا في بلاد الهند حتى دخلها الإنكليز فحلُّوا محلَّهم وامتلكوا الهند نهائيًّا.

•••

وأول تداخل الإنكليز في الهند كان سنة ١٦٠٠م؛ إذ شكِّلت شركة إنكليزية تجارية للمتاجرة في الهند الشرقية، وأول بلد اتخذتها هذه الشركة مركزًا لتجارتها هي مدينة سورات، ومكثت هذه الشركة إلى سنة ١٦٤٠م، وفي هذه السنة وهبها أحد الولاة قطعة أرض تبلغ مساحتها خمسة أميال مربعة فبنت الشركة فيها منازل، ومركزًا للتجارة ثم اشتروا من والٍ آخر قطعًا أخرى وبنَوا فيها مراكز أشبه بخانات من حيث التجارة، وأشبه بالمراكز الحربية من حيث إنهم كانوا يضعون فيها الأسلحة خوفًا من إغارة الأهالي عليهم، وأول مرة ظهر فيها طالع سعد إنكلترا أن ابنة الشاد جهان صاحب مدينة دلهي أُصِيبت بحروق كادت تقضي عليها لولا أحد الأطباء الإنكليز الذي أرسلته الشركة لمعالجتها، ونالت الشفاء على يديه فسأل الشاد هذا الطبيب أن يطلب ما يريد في مقابلة أتعابه وأظهر له سرورًا وارتياحًا، فطلب الطبيب منه أن يُصدِر أمره بإعطاء الرخصة للشركة في أن تنشئ مراكز تجارية في كلِّ أنحاء المملكة بدون أخذ رسوم غير التي تدفعها في سورات، فأصدر الشاه أمره بذلك، وفي سنة ١٦٦٢ على عهد الملك كارلوس الثاني ملك إنكلترا تنازل الشاد للشركة عن جزيرة بومباي نظير مبلغ معلوم جاعلًا هذا التنازل هبةً منه لإنكلترا، فنقلت الشركة مركزها في سورات وجعلته فيها، وأقامت حاكمًا إنكليزيًّا عليها فصارت هذه الجزيرة قطعة من أملاك إنكلترا.

وفي هذه الأثناء دخل الفرنسويون بلاد الهند للتجارة، وفي زمن قليل صار لهم نفوذ فوق نفوذ إنكلترا ولكن نجم سعدهم أفل؛ حيث حظُّ إنكلترا كان آخذًا في الصعود، وقد حصلت عدة وقائع بين الإنكليز والفرنسويين بسبب المنافسات فاز فيها الجندي الإنكليزي على الفرنسوي، وهكذا أخذت الشركة الإنكليزية تقوِّي نفوذها، حتى عوَّضت إنكلترا بالهند ما فقدته من أملاكها الأمريكية وهي تحت حكمها الآن حتى يفعل الله ما يشاء.

(٨١) مدينة كلكته

هذه المدينة هي عاصمة الهند الإنكليزية، بل هي أكبر مدينة في سائر الأقطار الهندية وإذا أردت أن أصف إلى قرَّاء هذه الرحلة بالتفصيل كلَّ ما حوته هذه المدينة من ضروب المدنية وصنوف الحضارة لحدا بي هذا إلى الإسهاب الممل؛ إذ وصْف مدينة هي عاصمة البلاد ومملكة لها في التاريخ ذكْرٌ مجيد من يوم أن خُلِقت الأرض إلى هذا العهد لا يكفي لأجله إلَّا مجلد ضخم يكون سِفْرًا على حدته لا أن يكون موضوعًا في المواضيع التي تُكتَب فيها مثل هذه الرحلة؛ ولهذا أذكر عنها ما لا بُدَّ من ذكره ملتزمًا خطة الإيجاز.

•••

هذه المدينة واقعة على ضفة نهر هوجلي الشرقية ويقابلها على الضفة الغربية محطة هورا، وهي المحطة الكبرى التي تتفرع منها سائر الخطوط الحديدية الرابطة سائر العواصم الأخرى بالعاصمة الكبرى، ولا تكاد تمضي ساعة حتى ترى القطارات ذاهبة وآيبة بين قطارات البضائع والركَّاب مما يُؤخَذ منه أن الحركة التجارية في كلكته هي كأعظم ما يكون في العواصم والمدن الأوروبية.

أما انتظام الطرقات والشوارع ومنظر الأبنية فيها فحدِّث ولا حرج، وناهيك بمدينة يقطنها نحو ١٣٠٠٠٠٠ من النفوس هي قاعدة الإمبراطورية الهندية، كيف تكون حالتها العمرانية من هذا القبيل، وأعظم الشوارع اتساعًا، وأجملها منظرًا وأكثرها عمارية هو شارع سيتفوررود، وفي هذا الشارع يُوجَد المسجد الجامع وبه أيضًا أغلب محالِّ الأوروبيين التجارية، ومنازلهم الفاخرة، والتياترات ومحال الملاهي، ويليه في الأهمية شارع هربين رود فشارع درام تلد فشارع بوبزار، وكلُّ هذه الشوارع عامرة بالمحال التجارية والعمارات ذات المنظر البديع والرواء الجميل.

وبمدينة كلكته كثير من الأسواق الحافلة بأنواع البضائع الثمينة وأهم هذه الأسواق وأكبرها السوق المُسمَّى «باربازارا»، و«ناي بازارا»، بحيث إذا مرَّ الغريب بأحد هذه الأسواق يصير موزع النظر لما حوته من الخانات والمحال التجارية الكبرى التي تبهر العقول وتأخذ بمجامع القلوب، أما معامل النسيج فهي تُعَد بالمئات ومنها تُصدَّر الأقمشة الحريرية وغير الحريرية إلى سائر الأقطار الهندية وإلى غيرها من البلاد الأخرى.

أما هواء كلكته فهو معتدل وقد أخبرت أن هذا الاعتدال حصل بعد أن زالت المستنقعات التي كانت تنبعث منها الروائح المنتنة المسببة لكثير من الأمراض والأوبئة وبعد أن وُجِدت المنتزهات وغرست الأشجار الملطِّفة للهواء، وبالجملة فإن مناخ مدينة كلكته كأحسن مناخ يوجد في أعظم بلد متمدِّنة.

(٨٢) سكان كلكته

أما السكان في هذه المدينة البالغ تعدادهم نحو المليون وثلاثمائة ألف فهُمْ من أهل نحل ومذاهب متعددة، والمسلمون منهم يبلغ عددهم نحو المائتي ألف نسمة، والباقون من البنغالية والهندوس والملوارية، وعوائد القوم هناك وأزياؤهم وصورهم تختلف باختلاف الأجناس؛ فالبنغاليون يغلب عليهم السواد وضخامة الجسم وهم يلبسون نوعًا من اللباس يُقال له «لنفوته»، وهو عبارة عن إزار طويل يُلَف على الخصر ويؤخذ طرفه ويدخل من بين الرجلين ويرشق عند منتهى سلسلة الظهر، وما بقي من سائر الجسم يبقى في الغالب عاريًا، وهذا الشكل من اللباس لا يكون إلَّا عند الأمم التي لم تعرف للحضارة معنًى وهو قبيح لا يليق بالآداب، وهذا الذي شائع في السواد الأعظم من هذه الطائفة، أو بعبارة أخرى الطبقة الوسطى منهم، ومن أخلاق البنغاليين أنهم سِلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم، ولا يألفون الذل إلَّا قهرًا وبعد نفاد جلدهم، وبما أن البنغالين هم أكثر الأهالي عددًا فإن أغلب مستخدمي الحكومة وعمال المحال التجارية والمصانع منهم، وهم كاليهود يبذلون الجهد في جمع الدرهم.

ومنهم الكفرة وغالب العامة منهم ولكن أملاكهم على كثرة عددهم كثيرة، أما الملواريون فهم في الزي أقرب إلى البنغاليين ولكنهم يخالفونهم في إرخاء الإزار وستر باقي الجسد، ووضع منديل أو قلنسوة على رءوسهم، ولونهم أبيض مع اعتدال القامة، وشيء من تقاسيم الحسن والجمال، وليس لهم اهتمام بالشئون السياسية، ولهم ولعٌ لا مزيد عليه في جلب الدرهم ولذلك استغواهم البنغاليون بدعوى أنهم سيربحون في وراء الثورة مالًا كثيرًا، أما المسلمون سواء كانوا من الهنود أو غيرهم فإنهم يلبسون السراويل والقميص والسدريات الطويلة، والعلماء منهم يلبسون الجبة والفرجيات، وبالجملة فإن لباسهم أحسن لباس أهل الهند جميعًا فقراء كانوا أو أغنياء.

(٨٣) حالة التعليم في الهند

إننا إذا عملنا نسبة بين تعداد أهل الهند وبين حالة التعليم في هذه البلاد، نجد درجة التعليم فيها منحطة والمدارس الموجودة في كلكته، وغيرها من المدن الأخرى غير وافية بالحاجة المطلوبة وإن ما تنقله الجرائد من أخبار إنشاء المدارس لا يُؤخَذ منه أن الهند خطت في سبيل التعليم الخطوات الكافلة لأن يتخرج من أهل البلاد رجال ينهضون بها إلى حيث الدرجة التي تصبح بها البلاد الهندية في مصافِّ الأمم الراقية.

•••

إن في الهند مدارس تابعة للحكومة وأخرى تابعة للأهالي ولكن نسق التعليم فيها ناقص بالنسبة لما تقتضيه حاجة الأهالي من التعليم الراقي؛ إذ ليس هناك مدارس للمعلمين، كما يوجد بمصر وكلُّ الذين يُعَدون من الطبقة المتنوِّرة من أهل البلاد إنما هم متخرِّجون من مدارس إنكلترا.

نعم وُجِدت كلية عليكرة، وهي وإن كانت مدرسة عالية ولكنها حديثة عهد الوجود؛ ولذلك لم تظهر لها نتيجة، على أن الأهالي في حاجة شديدة إلى أمثال هذه الكلية، وقد يعلِّل بعضهم عدم كثرة المدارس العالية بعلل قد يكون لها نصيب من الصحة عند من لهم إلمام بحل الطلاسم السياسية، وذلك أن الحكومة الإنكليزية ترى من صالحها أن لا يترقَّى الأهالي؛ لأن في ترقيهم نهوضهم، وفي نهوضهم نزوع إلى طلب الاستقلال وهو ما لا ترضاه دولة إنكلترا، ولو كانت هذه الدولة تريد أن ترقى الأمة الهندية لساعدت على إنشاء الكليات والمدارس العالية وهي قادرة على ذلك.

وقد كان للحكومة مدرستان في كلكته لتخريج القضاة والمحامين، ولكنها فصلتهما عنها لما وقع بين الحكومة والبنغاليين في الخلاف، إحداهما مدرسة «تسمن ريش كالج» وناظرها يُدعَى «سنربذروبنرجي بابو»، وهو زعيم ثورة البنغالية وصاحب ومدير سياسة جريدة «بنغالي أخبار» اليومية التي تصدر باللغة الإنكليزية، والمدرسة الأخرى تُسمَّى «سنتي كالج»، وناظرها يُدعَى «هرنبوميتر» وهو أيضًا من زعماء الثورة البنغالية، وقد يمكننا أن نلتمس العذر للأهالي في عدم مقدرتهم على ترقية حالة التعليم؛ لأنه لا يوجد فيهم من يوفر الطرق الموصلة إلى ذلك بغير واسطة الحكومة، وكأن إنكلترا وفرنسا تعاهدتا على إماتة الأمتين التونسية والهندية ميتة أدبية للغرض المتقدم.

هذا وإن هذه النهضة الحديثة التي نهضها الأهالي من الهند من جهة التعليم تبشِّر بمستقبل حسن زاهر رغم العوارض السياسية، وذلك راجع إلى شعور الذين نبغوا وتعلَّموا في مدارس إنكلترا وعرفوا مقدار حاجة البلاد إلى التعليم الذي من ورائه استقلالها وسعادتها، وهم وإن كانوا يلاقون ما يلاقون ممن يتملقون إلى رجال الحكومة من الإنكليز ويعملون بما يوافق أغراضهم فقد تمسَّكوا بعرى الصبر والجد، ومن كان كذلك لا يُحرَم من ثمر اجتهاده ولكلِّ مجتهد نصيب.

(٨٤) شعور مسلمي الهند نحو الخلافة العظمى

لا يوجد مسلم في الأرض وفي قلبه مثقال ذرةٍ من الإيمان إلَّا وعنده شعور حي وانعطاف نحو عرش الخلافة الإسلامية؛ لأن حبَّ المسلمين لخليفتهم أمر طبيعي غرسه الدين في قلوبهم، ولكنهم يتفاضلون في هذا الشعور وهذا الانعطاف قِلَّة وكثرة، وإن هذا التفاضل يظهر بأجلى مظاهره بين المسلمين الذين تحكمهم الدول الأجنبية عنهم دينًا ودنيا؛ لأنهم في هذه الحالة يكونون أشبه شيء بالغريب عن وطنه الذي بينه وبينه عقبات وموانع لا طاقة له على اجتيازها حتى يصل إليه وتقر عينه بمنظره وتنتعش روحه بنسيمه وطيب هوائه، فهو أبدًا يحن إليه وإن كان في خصب من الأرض وسعة من العيش، ويزداد عنده هذا الحنين كلما صادف أنواع المتاعب في غربته، وهذا خير مثال للمسلم الذي يعيش تحت سلطة غير سلطة الخليفة.

هذا، وإن لمسلمي الهند شعورًا نحو عرش الإمامة الكبرى هو أكبر دليل على أنهم أشد مسلمي الأرض تعلُّقًا بهذا المقام، وقد ظهر أثر هذا التعلق في ظروف أحوال ليس العهد منها ببعيد.

فمنها اكتتابهم بالمبالغ الوافرة لسكة حديد الحجاز، واحتفالاتهم الباهرة لهذا الغرض وإلقاء الخطب الحماسية حثًّا على الاكتتاب، حتى إنهم في مدينة كلكته جعلوا لكلِّ حارة صندوقًا تُوضَع فيه الإعانات كما أنهم جعلوا لها جباة خصوصيين، كما أن الأغنياء جاد كلُّ واحد منهم بما لم يَجُدْ به أحد من أغنياء المسلمين من الأقطار الأخرى، وقد ذكرت في جريدتي «الإرشاد» أخبار الاحتفالات ونَصَّ الخطبِ التي كانت تُلقَى فيها والمبالغ التي جاد بها الموسرون وأرباب الغيرة منهم.

ومنها إظهارهم الاستياء المتناهي إبَّان مسألة العقبة حتى إنهم بعثوا بتلغراف إلى البرلمان الإنكليزي يُظهِرون به مقدار ما خالج أفئدتهم في تحامُل إنكلترا على الدولة العلية، الأمر الذي لم يفعله غيرهم من باقي المسلمين.

وبما أن الكبراء في كلِّ أمة هم مثال لكلِّ الأفراد المكوَّن منها مجموعها، فإني أذكر هنا بعض الأفاضل الذين هم دعاة هذا الانعطاف السامي غير مُفضِّلٍ واحدًا على الآخر؛ لأنهم فيه كالحلقة المفرَّغة التي لا يُعلَم طرفاها، وهم حضرات الأفاضل: المولوي شرف الدين القاضي في محكمة العاصمة العليا المُعبَّر عنها «بهيكوت»، وجناب القانوني البارع شرف الدين عمر، وهو من الشبان المتخرِّجين من مدارس لوندرة، وقد بلغ في الذكاء والفطنة مبلغًا يُغبَط عليه، وحضرة الأصولي المتفنِّن أبو الحسن خال القاضي في محكمة العاصمة الابتدائية، وحضرة المولوي عبد الجبار الذي خدم البوليس أجلَّ خدمة، وحضرة المفضال بدر الدين حيدر، والسيد زهر الدين، والمولوي شمس الهندي، وحضرة المفضال الحاج نور محمد زكريا زعيم المسلمين بالعاصمة، وخُلُق هذا الرجل قُلْ فيها ما شئت وشاء لك المدح والثناء، وحضرة المفضال جناب شمس العلماء العلامة المحقِّق المولوي أحمد المدرس الأول بالمدرسة العالية، وجناب الفاضل المولوي ولاية حسين المدرس الثاني بهذه المدرسة، وحضرة الشهم الأديب الشيخ علي حسن جوهر من أكابر تجار العاصمة وهو وحيد العصر في كلكته أدبًا وظرفًا وذكاءً، وله باعٌ في الشعر البليغ يدل على سبقه في هذه الصناعة، وحضرة العلامة المفضال اللغوي الشهير الذي حاز علوم المعقول والمنقول المولوي عبد المجيد المرادبادي المدرس الأول بالمدرسة الصالحية، وحضرة الأستاذ العلامة الدكتور نور محمد الشندي مدرس الطب والرياضة في المدرسة الإسلامية بالعاصمة، وسعادتلو المفضال محمد بك العمري البيروقي ابن محمد أفندي رشيد وهو من أشهر التجار في الهند، كما أنه من أشهر علماء التاريخ والجغرافيا ولا بأس بعلمه في الفقه، ذو كرم باهر، وحياء كامل، لا يميل إلى اللغو، حرُّ الضمير، وهؤلاء الأفاضل المتقدمين تلقَّوا العلوم والآداب على أكابر علماء الهند وفضلائهم، عدا حضرتي الفاضلين الشيخ حسن جوهر، وسعادة محمد بك العمري؛ فإن الأول تلقَّى العلوم في مكة المشرفة، والثاني من متخرجي مدارس الدولة العلية التي يحبها ويتفانى في الإخلاص إليها.

وكلهم قد اتفقت قلوبهم وانعقدت خناصرهم على محبة حضرة العلامة الشيخ أحمد موسى المنوفي وإجلاله واحترامه، نفع الله بهم الأمة الإسلامية والشبيبة الهندية.

(٨٥) الصحافة في الهند

إذا بحثنا بحث المدقق في أحوال وأطوار الأمم في هذا العصر نجد أن الأمة التي تكثر فيها الأحزاب السياسية أو ما شاكلها في الاختلافات في العوائد المذهبية، تكون الصحافة فيها رائجة، ومثالنا على هذا رواج الصحافة في الأمم التي فيها الحكم الذاتي أو المجالس النيابية أما إذا كانت الأمة مخالفة لهذه الحالة، فإن الصحافة فيها تكون بطيئة الترقي، وإن كانت على جانب من الحرية أو يكون ترقيها من حيث كثرة العدد لا من حيث التأثير.

وقد توجد هذه الأسباب الباعثة على ترقِّي الصحافة في أمة لم تبلغ مبلغًا عظيمًا في الرقي العلمي، فيكون التأثير بنسبة هذا الرقي العلمي الأدبي وهو الحاصل في الهند، فإنه يوجد الخلاف بين أهل المذاهب هناك مع وجود التأخر الأدبي؛ فلذلك كانت الصحافة لها تأثير بحسب النسبة المتقدمة؛ إذ توجد جرائد يومية وأسبوعية بعضها باللغة البنقالية واللغة الهندية والبعض الآخر باللغة الإنكليزية، ولكن نسبة عدد هذه الجرائد إلى عدد الأهالي قليلة جدًّا، ومع هذه القلة فإن من هذه الجرائد ما يصدره البنقاليون وكلها ترمي إلى غرض واحد هو تنفير الأهالي من الإنكليز وإغراء المسلمين إلى الانضمام إليهم، ومنها ما يصدره الإنكليز وكلها ترمي إلى غرض واحد وهو تحذير المسلمين ونصحهم بأن لا تغتروا بأقوال تلك الصحف، أما الجرائد التي للمسلمين وهي قليلة فخطتها معتدلة ومطالبها التي تطلبها من الحكومة هي نفس المطالب التي تكون من أمة شعرت بحاجتها إلى الترقي الأدبي مع الاعتدال في اللهجة والتزام خطة الأدب، وقد يطول بنا المقام في وصف خطة كلِّ جريدة على حدتها؛ ولذلك نكتفي بذكرها مجردة عن كلِّ ملاحظة؛ إذ في ما أجملناه بلاغ للعاقل السياسي.

فمن أشهر الجرائد الوطنية هناك جريدة «أديتر بنقالي»، وجريدة «عمبريتابازار تبركا»، وجريدة «أندين مرر»، وجريدة «بندامترام»، وهذه الجرائد يومية وتُحرَّر باللغة الإنكليزية.

ومن أشهر الجرائد الإنكليزية؛ أي التي يدير سياستها الإنكليز جريدة «إنكليشان»، وجريدة «استبتمان»، وجريدة «ديلي نيوز»، وجريدة «إثيالي»، وغير هذه الجرائد، وكلها أيضًا يومية وأعدلهم خطة وميلًا إلى المسلمين جريدة إنكليشان.

ويؤخذ من ميل الجرائد الإنكليزية إلى المسلمين أن الحكومة تنظر إليهم نظر الاحترام بخلاف غيرهم؛ لأن هذه الجرائد الإنكليزية هي بالطبع لسان حال الحكومة.

وإن نظر الحكومة إلى المسلمين هذا النظر لا يُؤخَذ منه أنها تفعل هذا عن إخلاص؛ لأن السياسة خصوصًا عند الإنكليز تقضي بأن يحترم المرء غيره وهو في الحقيقة لا يريد له الخير، ولو كانت الحكومة أو بعبارة أخرى دولة إنكلترا تريد بهم الخير لمنحتهم الحكم الذاتي.

•••

أما المجلات العلمية فلا تكاد تذكر هناك لقلتها؛ ولذلك لا أقول عنها شيئًا.

(٨٦) ترجمة حياة الشيخ أحمد موسى

هو ذلك العالم العامل، والأستاذ الفاضل، بحر العلم الذي ليس له ساحل، وطود العرفان، الموفى على جبلي نعمان، رضع أفاويق العلوم صبيًّا، وجنى ثمار الآداب فتيًّا، حتى أصبح قدوة فضلًا وأدبًا، واتخذ سبيله في بحر المكارم عجبًا، دينٌ أبعده عن الشبهات، وطهارة نفس جمَّلته بأجمل الصفات، وورع حال بينه وبين الشهوات، وعلم طبَّقه على العمل بإخلاص نية، وصدق طوية، غيور على حرمة الدين، حريص على مصلحة المسلمين، إذا تكلَّم يزيِّن كلامه التبيان، وإذا صمت كان صمته من البيان، يطرب سميره كأنه يسمع الألحان، أو ثمل ببنت ألحان، هو النواسي إلَّا أنه طاهر الذيل، عفيف الميل، والأصمعي في النوادر المستظرفة، والنكت المستطرفة:

وخطيب لو قام بين وحوش
علَّم الضاريات بر النفاد

هو الدرة التي لا تُعرَف قيمتها إلَّا بعد ظهورها من المحار وخروجها من قاع البحار، كريم يرى النيل عند المواهب لا يكفي لشارب، ووطني يَعُدُّ ابن وطنه أقرب الأقارب.

عفوف النفس إلَّا في المعالي
فذو طمع عظيم أشعبي
يظن الظن تلفيه يقينا
أما جربت ظن الألمعي

هو في الهند كالسيف انتُضِي من الغمد على أنه يحن إلى وطنه حنين الفنيق إلى عطنه، ترمقه الأبصار، أينما حل وسار، بالتجلة والاعتبار، ولا غرو إذا كان كذلك فهو كالغيث أينما وقع نفع، ومجمل القول أنه طود عليٌّ، ونجم هَدِيٌ، وعلم تقيٌّ، وبحر علم زاخر، وبدر فضل زاهٍ زاهر، أو كما قال الشاعر:

كريم متى أمدَحْه أمدَحْه والورى
معي وإذا ما لمته لمته وحدي

وإني مهما بالغت في الثناء والإطراء، واستعرت ألسنة البلغاء فلا أبرح عن موقف العجز عن إيفاء هذا الفاضل ما هو خليق به من شكره على حسن عنايته بي، واحتفائه الفائق بصديق لم تتصل بينه وبينه أسباب المودة، إلَّا من طريق المخاطبة بالمكاتبة لا بالاختبار والمعاملة، ولا شية في هذه فإن القلوب جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف من قبل أن تُخلَق لها الأجسام.

وإني وإن كنت عاينت مصاعب في رحلتي إلى اليابان، فلم يكن شيء أشد صعوبة لديَّ من عدم مرافقتي هذا الفاضل؛ لأنه عقب أن خاطبني في هذا الأمر ألمَّ به مرض عاقه عن السفر كما أخبر بهذا واعتذر.

ولكن الله سبحانه وجلَّ شأنه لا يحرم العبد من الثواب إذا عزم على فعل الخير ولم تساعده المقادير على الشروع فيه فهو مشكور مأجور.

وهذا هو تاريخ حياته:

هو أحمد بن موسى بن مصطفى بن إسماعيل، من عائلة النحولة المشهورة بمديرية المنوفية، وُلِد سنة ١٢٨٠ﻫ في بلدة طليا التابعة لمركز أشمون أحد مراكز مديرية المنوفية، ولم يكد يخرج من سنِّ المراهقة حتى أخذ والده يعتني بتربيته، فأدخله مكتب أحد فقهاء البلدة فحفظ القرآن الشريف حفظًا جيدًا، وتلقَّى مبادئ القراءة والكتابة، ولما بلغ الخامسة عشرة من سنِّه وهو السن الذي يؤهله إلى احتمال آلام الفرقة أرسله إلى الأزهر المعمور سنة ١٢٩٥ﻫ، فانكب على تلقي العلوم بأنواعها على أفضل المشائخ وأجلِّ العلماء، وأظهر براعة فائقة، وذكاءً نادرًا، حتى أُعْجِب به كلُّ من لازمه في حلقات الدروس من الطلبة والمدرسين، وبعد زمن فاجأته نوائب الدهر وحوادث الأيام بموت والده، فمكث بعد ذلك زمنًا قليلًا ثم دعته ظروف الأحوال إلى الاشتغال بالتجارة فاشتغل بها نحو سنة وبضعة أشهر، وبما أنه أحرز شهرة في أثناء تلقِّي العلم بالذكاء وسعة الاطلاع، كانت الطلبة تفد إليه للاستفادة فكان يُلقي عدة دروس في علوم المعقول والمنقول، ثم رأى أن التجارة قد شغلته عن العلم فتركها إذ لم يكن اشتغاله بها لضيق أبواب المعاش.

•••

ثم بدا له أن يتجوَّل في بلاد القطر للوقوف على أحوال المسلمين من جهة أمور الدين وغير ذلك، شأن السائحين في كلِّ أمة وزمان، خصوصًا مَن حِرْفَتُهم إفادة العلوم من أئمة المسلمين، فتوجه إلى الصعيد سنة ١٣٠٥ﻫ ووِجْهَته مدينة أسوان، وعرج في طريقه على مدينة قنا لزيارة ضريح ولي الله سيدي عبد الرحيم القنائي، ونزل ضيفًا كريمًا على قاضي مديرية قنا في ذلك الوقت؛ إذ كانت بينهما صداقة وكيدة ورابطة أزهرية متينة، وبينما هو مار مع القاضي في بعض الشوارع إذ رآه بعض طلبة العلم وكان أوان عطلة الأزهر فتعلَّقوا به ورجوه في إقراء بعض الكتب فلبَّى طلبهم ودرَّس العقائد النسفية في علم التوحيد، وقد طُلِب منه أن يقرأ بعض كتب أخرى فاعتذر بالسفر، ولما حان وقت رحيله من قنا وُدِّعَ وداعًا شائقًا لائقًا بعالمٍ فاضل مثله، خصوصًا من الطلبة الذين اغترفوا من بحر علمه واستناروا بضوء فهمه، فغادر قنا والقلوب تشيِّعه وهي آسفة على فراقه داعية له بالسلامة في الحِلِّ والترحال.

وقد مرَّ في طريقه على بلدان كان فيها موضوع الإجلال والاحتفال ممن عرفوه أيام طلب العلم بالأزهر، وقد انتهى به السير إلى حلفا، وكانت ثورة الدراويش في إبَّانها، وتوقد نيرانها، وصادف أن أحد كبار الضباط في الجيش المصري الذي كانت بينه وبينه سابقة صحبة، كان في حلفا فاحتفل به وأكرم نزوله، وطلب منه أن يُلقي بعض الدروس المفيدة على أئمة الجند، ففعل ذلك وكان ما ألقاه في تفسير الذكر الحكيم، وكان بودِّه أن يتجوَّل في بلاد السودان، فلم يوافقه ذلك الضابط لأسباب لا حاجة إلى ذكرها هنا فعدل عن عزمه، وبعد قليل توجهت رغبته إلى السفر إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج وزيارة قبر خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وكاشف صديقه الضابط برغبته فأعدَّ له ذهبية، وكل ما يلزم من معدات السفر، وكان عزم فضيلته أن يسافر من طريق القُصير، ثم وُدِّعَ باحتفال من أهل حلفا لا يقوم به وصف البليغ، خصوصًا من صديقه ذلك الضابط الكبير وكل ضباط الجيش، لا سيما الأئمة الذين أفادهم بعلمه وفهمه، وفيما هو سائر في النيل في الذهبية، علم به بعض طلبة العلم في بلدة يُقال لها حجازة من أعمال مديرية قنا التي رست عليها الذهبية، فطلبوا منه أن يقرأ لهم بعض كتب في النحو والفقه، فاعتذر بعزمه على الحج، فألحوا عليه وتوسلوا ببعض أكابر البلدة؛ حيث تعهد له أحدهم بالسفر معه إلى الحجاز لتأدية الفريضة فأجاب الطلب، وعادت الذهبية إلى حلفا ودَرَّسَ بعض كتب في النحو والفقه على مذهب الإمام مالك — رضي الله عنه — وزادهم دروسًا أخرى في القرآن والحديث، وأقام في هذه البلدة محترمًا مبجَّلًا من الصغير والكبير، ولما جاء أوان سفر الحج غادرها قاصدًا القصير وذلك سنة ١٣٠٧ﻫ.

ولما وصل إلى جدة أقام بها أربعة أيام ثمَّ توجَّه إلى البلد الأمين، وأدَّى المناسك وقصد المدينة المنورة، وزار قبر المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وهناك حصل بينه وبين فضيلة الأستاذ التقي النقي الشيخ سيد محمد علي السنوسي الشهير شيخ الطريقة السنوسية تعارف ومودة، فأقام تسعة أشهر وهو يزاول مطالعة العلوم مع صديقه السيد محمد المذكور ويفيد المسلمين في كلِّ أمور الدين، وقد أجازه الشيخ السنوسي بقراءة كلِّ العلوم في كلِّ فن، لما رآه فيه من الكفاءة والأهلية، ثم بعد ذلك عاد إلى مكة، لانحراف صحته وكان قد سبق له بها تعارف مع الأستاذ العلامة الشيخ محمد صالح صهر الشيخ إبراهيم الرشيدي المشهور فنزل عنده ضيفًا كريمًا، وفي أثناء إقامته بمكة عرف حضرة العلامة الدراكة الشيخ إسماعيل الغراب فلازمه سنة، وهما يطالعان كتب الحكمة والفلسفة، ثم غادر مكة قاصدًا بلدة المروعة ببلاد اليمن؛ حيث اتصل به أنها بلدة حافلة بالعلماء الأجلاء، فوصلها في المحرم من سنة ١٣٠٩ﻫ وهناك عرف كثيرًا من أفاضل العلماء وفي مقدمتهم حضرة العلامة السيد حسن عبد الباري شيخ المدرسين، وحضرة العلامة السيد محمد الطاهر مفتي البلدة.

ثم أراد الذهاب إلى بلاد الهند فرحل مع بعض الأعراب في قافلة عانى معهم بعض وعثاء السفر، ولكنه بعد أن وصل إلى الهند اختار أن يذهب إلى الصين، وأخذ يجوب في هاتيك الأصقاع وكلما سمع بعالم في بلدة رحل إليه، فإن وجده على علم أقام معه ما شاء الله له أن يقيم، وقد مرَّ ببلاد كثيرة من مستعمرات إنكلترة وهولاندة، وعرف كثيرًا من العلماء الفضلاء، وقد لاقى احتفاءً زائدًا في بلاد الصين؛ حيث درس عدة كتب في المذهب الحنفي؛ لأن أهل الصين كلهم متمذهِبون بهذا المذهب وفضيلته مذهبه مالكي فدرَّس لهم كتب غير مذهبه فأفاد وأجاد، وفي أواخر سنة ١٣١٨ﻫ قفل إلى كلكته عاصمة الهند، ولم يكن يستقر بها قدمه، حتى ظهر فضله وشاع ذكره والتفَّ حوله كثير من أهل الفضل واحتفوا به احتفاءً باهرًا، وألحوا عليه بأن لا يغادرهم، بل يقيم معهم في عاصمة بلادهم، وكان أكثر القوم إلحاحًا عليه هو ذلك العالم الفاضل الحاج محمد نور زكريا، وجماعة من العلماء والأعيان وقد كان الواسطة الكبرى في إجابة ملتمسهم حضرة الوجيه السيد يوسف بن السيد أحمد الزواوي صاحب مسقط التاج العربي المشهور، وكان من أعز أصحابه فلم تسعه المخالفة خصوصًا وأن حضرات المتقدم ذكرهم من أفاضل علماء كلكته عرضوا عليه إمامة المسجد الكبير، ولما أجاب الطلب ونالوا منه الأرب، عُيِّنَ إمامًا للمسجد الجامع من أول المحرم سنة ١٣١٩، بل عُهِد إليه جميع شئون المسجد فأقام إلى الآن إمامًا محترمًا مبجلًا يجله الأمراء ويحترمه العلماء.

•••

على أن ذلك لم ينسه وطنه المحبوب فهو يحن إليه كلما لمع بارق وذر شارق، وكأنه يقول:

إذا كان أصلي من تراب فكلها
بلادي وكل العالمين أقاربي

(٨٧) كلمة حق لا بأس بها

إلى سمو الخديوي، إلى العلماء، إلى الأغنياء، إن الجناب الخديوي هو أكبر أمير بين أمراء المسلمين بعد مولانا السلطان، بل هو ساعد الخلافة الأيمن الذي ينظر إليه العالم الإسلامي المنتشر في طول البلاد وعرضها نظر الإجلال والاحترام، وإن العلماء في مصر هم مطمح أنظار مسلمي الأرض كافة؛ لأن الأزهر كما قلنا في غير موضع من هذه الرحلة هو المعهد الديني الوحيد الذي يرسل أشعة العلم إلى سائر الجهات التي يقطنها المسلمون، وإن الأمة المصرية هي الأمة التي حافظت على البقية الباقية من أخلاق، وعوائد، ولغة العرب، الذي نشأ الدين في ربوعهم، فكلُّ أمر يهم الإسلام والمسلمين يهم الجناب الخديوي والعلماء والأمة المصرية بنوع خصوصي لهذا الاعتبار.

ولا شك أن عقد المؤتمر الديني في بلاد الشمس المشرقة هو من الأمور ذوات البال التي من شأن المسلمين أن يجعلوها من الأهمية بمكان، والذي يذهب إلى هاتيك البلاد ويشاهد البعثات الدينية الأخرى المسيحية، وينظر إلى آثار أعمالها يأسف كلَّ الأسف؛ حيث يرى مبلغ اهتمامها بأمر الدين المسيحي، حتى إن المبشرين يُعَدون بالمئات، ولا يُرَى من يبشر بالدين الإسلامي إلَّا نفر يُعَدون على الأنامل ولا يتجاوزون حركات العوامل، فمن لنا بمن يضمُّ صوته إلى صوتنا مخاطبًا أولًا سمو الأمير بقوله: يا سمو الأمير، إن الله — سبحانه وتعالى — قد وهبك من الغنى والثروة ما لم يهبْه لسواك من أمراء المسلمين، وهذه الأوقاف ينمو إيرادها كلَّ سنة نموًّا محسوسًا، فهل لك في أن تؤدي إلى الدين خدمة ترفع من ذكرك في الملأ الأعلى وتحرِّك لسان كلِّ مسلم بالثناء عليك؟ وهي ممكنة لديك سهلة عليك ألا وهي الجود بجزء يسير من مجموع ما تستغله من كلِّ عام في سبيل نشر لواء الإسلام في بلاد اليابان؛ إذ تساعد به بعثة دينية ترسلها للتبشير به وهداية القوم إليه، يقولون يا سمو الأمير: إن الناس على دين ملوكهم، ولا شك أنك إذا صنعت هذا اقتدى بك أغنياء الأمة، التي أنت ممثِّل لها وقائد زمامها، فتؤلف بدل البعثة بعثات لا سيما وأن إظهارك الاهتمام بهذا الأمر يبعث في النفوس الرغبة في الذهاب إلى بلاد اليابان واستسهالها كلَّ صعب يصادفها في هذا السبيل.

يقول الشاعر يا سمو الأمير:

ليس بالمغبون حظًّا
من شرى عزًّا بمال
إنما يدخر الما
ل لحاجات الرجال

وأي عزٍّ، وأي شرف، وأي فخر بعد خدمة الدين الذي أولى بأن يُبذَل في سبيله المال الطارف والتالد.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ، فأيقن، ولا نخالك إلَّا موقنًا، أنك إذا صرفت درهمًا واحدًا أو دينارًا واحدًا تربح في مقابلته عشرة أضعافه، بل أزيد من ذلك، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، إن هذا الصوت الذي يناديك يا سمو الأمير ليس صادرًا من أحد الأفراد الذين تجمعهم بك جامعة الدين، بل هو صوت كلِّ مسلم عرف مركزك وأحاط علمًا بكنه منزلتك بين المسلمين، فإن أجبت الداعي وسعيت خير المساعي فقد حقَّقت آمال المسلمين فيك، وربحت ثناءهم عليك ودعائهم لك بالرشد والسداد، هذا فضلًا عن الثواب العظيم الذي تناله من ربِّ هذا الدين القويم.

إن هذا الأمر يا سمو الأمير ليس له أدنى تعلُّق بالسياسة ولا بشئون الحكومة حتى يُقال إن ظروف الأحوال تحول بين سموكم وبين اكتساب هذه المكرُمة، وإنما هو أمر ديني محض لا يعارضك فيه معارض، ولا ينازعك فيه منازع، ولو كان الأمر كذلك لكان للبعثات الدينية الأخرى صفة سياسية وهو بخلاف الواقع.

إلى العلماء

وأنتم أيها العلماء، ويا ورثة الأنبياء، ويا من هم بمنزلة النجوم في هداية الأمة، بل ويا قادتها إلى سبيل الخيرات كيف تقاعدتم، وتكاسلتم، وأحجمتم عن أداء هذا الواجب الديني؟!

ألستم كهؤلاء المبشِّرين الذين خرجوا من ديارهم، وفارقوا أهلهم، وعشيرتهم، وجابوا القفار، وقطعوا عرض البحار تارةً يلفحهم الهجير، وأخرى يضرهم الزمهرير؟ كل ذلك في سبيل نشْر دينهم في تلك البلاد، ولم يكن ذهابهم إليها بمجرد علمهم بعقد المؤتمر، وإنما كان قبل هذا بأعوام، أهُمْ خُلِقوا من حديد حتى تكون قواهم فوق قوى البشر في احتمال مشاق السفر أم دينهم أوضح من دينكم حُجةً وأقوى محجة؟ أم ذهبوا بدعوة خصوصية دون سائر الناس؟ ليس هذا ولا ذاك، وإنما الهمم تتفاوت والعزائم تتبارى والواجبات صادفت من يؤدِّيها ويقوم بها.

تمحلنا لكم اسم العذر من سكوتكم عن محو هذه البدع التي فشت وانتشرت في البلاد، وكثر من جرَّائها الفساد، وحطَّت من كرامة الدين، وقلنا إن الذنب للحكومة التي أباحت فتح بيوت المومسات العاهرات، وسهَّلت للشبان الدخول في الحانات، ومغازلة الغانيات الراقصات جهارًا بلا خفاء ولا استحياء، فقولوا لنا — يرعاكم الله — ما عذركم في عدم تأليف لجنة منكم تذهب إلى بلاد اليابان أو الصين للدعوة إلى الإسلام؟

قولوا لنا وقولكم الحق وأصدقونا الحديث وأنتم أهل الصدق، أتُؤلَّف اللجنة من السماسرة والتجار؟ أم من كلِّ بنَّاءٍ ونجار؟ أم من الصيدليين والميكانيكيين؟ وأنتم بين جدران الأزهر تتلون الكتاب، كتاب الله، وتفسرون معناه، وتدرسون حديث الرسول وعلوم المعقول والمنقول، وتُلقَّبون بالألقاب الجليلة ما بين العلَّامة وصاحب الفضيلة.

إن وظيفتكم ليس في الزي واللباس، وليست قاصرة على حمل الكراس، بل وظيفتكم تأييد الدين، ورعاية شأن المسلمين، فالدعوة إلى الإسلام أولى منكم بالاهتمام، ألم تفهموا معنى قول سيد الكائنات: «إنما الأعمال بالنيات.» ألم تقرءوا في الكتاب المبين قوله تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ؟

أتُرَى لو عُقِد هذا المؤتمر الديني في عصر الخلفاء الراشدين، أو في دولة الأمويين والعباسيين، أكان العلماء في تلك العصور يعتريهم قصور أو تقصير عن الذهاب إلى بلاد اليابان؟ أم كانوا يذهبون إليها سعيًا على الأقدام؟ خصوصًا وأن هذا العصر قد سهلت فيه أسباب السفر، فقطار سكة الحديد، يقطع عرض البيد بلا تعب ولا إعياء ولا حثًّا على السير بالحداء، وهذه السفن تجوب البحار بقوة البخار لا يعطلها ركود الرياح، ولا قِلَّة خبرة الملاح، تقطعون فوقها من المسافات، في قليل من الساعات، ما لا تقطعونه في عشر أمثالها لو كنتم على ظهر اليَعْمَلات، أو الجياد الصافنات. لا يمنعكم الهجير، ولا الزمهرير، عن متابعة المسير، هذا فضلًا عن الأمان، في كلِّ مكان.

•••

الآن لنا العذر أن ملأنا الفضاء بالبكاء، أو مزق الأسف الأحشاء، أو وقفنا على جدث الإمام، مفتي الأنام الشيخ محمد عبده وقلنا: أيها الأستاذ الحكيم والفيلسوف العليم، أسامع فننادي أم عدتك عن السماع العوادي؟ أتُرى لو كنت في زمرة الأحياء، وسمعت بهذا الخبر من عقد المؤتمر، أكنت تعيره الأذن الصماء؟ أم كنت تشحذ حدَّ الهمة الشماء، والعزيمة القعساء، وتدعو الأغنياء إلى بذل المال لتأليف وفد من خيرة الرجال، الذين لهم قدم في فلسفة الدين راسخة، وهمة في خدمته شامخة، تزودهم بعلمك وإرشادك، وحكمتك وسدادك ليذهب إلى بلاد اليابان، لنشر لواء الإسلام؟

لا والذي أمره الأمر، والذي يعلم السر والجهر، وحَكَم عليك بسكنى القبر، لو كنت فينا حيًّا ما كنت تقصِّر عن هذه الخدمة الدينية، وإحراز هذه الفضيلة السنية، فرحم الله أيامًا كنت فيها تسدد من الفعل والقول، وسقى الغيث زمانًا كنت فيه صاحب الحول والطول، وعزانا عليك بخلف عنك تلقى عهود المعالي، ومنك استقى شآبيب الشرف العالي؛ ليكون منك خير العوض، بل الدواء الشافي مما حلَّ بالأمة من المرض. وأسكنك في دار النعيم والملك الكبير، إنه السميع المجيب القدير.

فاتقوا الله أيها العلماء وراقبوه، وأدوا وظيفتكم في الهيئة الاجتماعية وإلَّا فعلى الإسلام والدنيا السلام.

إلى الأغنياء

أما أنتم أيها الأغنياء والموسرون، فإنكم خالفتم سيرة كلِّ ذوي الغنى واليسار من الأمم الأخرى، تلك السيرة التي أنتم بها أولى وأجرى؛ إذ أنتم تجهدون أنفسكم ليل نهار في كسب الدرهم والدينار، وتبذلون ما تجمعونه في سبيل الملاهي والعقار، ومظاهر الأبهة والفخار، أو في لعب القمار، أو تكتنزونه خوفًا من الدهر، أن يوقعكم في شرك الفقر، أو تدلون به إلى الحكام، طمعًا في رتبة أو نيشان، أو يساعدكم على ظلم فلان وفلان.

أما هؤلاء فإنهم يبذلون أموالهم في نشر العلوم والصنائع، وغير ذلك من وجوه المنافع، وبذلك سادت الأمم الراقية وارتقت بمقدار انحطاطكم في الهمم، أليس من الخسران المبين أنكم تمنعون زكاة المال ولا تؤدون شكر المنعَم به عليكم، وتذهبون في كلَّ صيف من كلِّ عام إلى أوروبا وتبدرونه ذات اليمين وذات الشمال في سبيل شهواتكم النفسية، وبعد صرف الدرهم والدينار تفدون محتقبين الأوزار، والذل والعار على حين أنكم ترون الأغنياء من الأمم الأخرى تجود بالمال للبعثات العلمية والدينية، وترقية العلوم العصرية، ماذا عليكم لو فتحتم اكتتابًا لتأليف بعثة دينية تسافر إلى بلاد اليابان وتنشر التعاليم الدينية، والعقائد الإسلامية، على أن المال لديكم لا يوزن بالميزان، بل يكال بالقفزان، هلا يوجد منكم ألف ولو على وجه التقريب يجود كلُّ واحدٍ بنصف ما يصرفه في شهواته البهيمية؛ ليكون بذلك قد خدم دينه ووطنه ونفسه، أما دينه فلأنه سعى في الدعوة إليه، وأما وطنه فلأنه بفعله هذا يجعل الأمم الأخرى ترمق المصري بعين الاعتبار، وأما نفسه فلأنه أكسبها فضيلة من أعظم الفضائل.

هذه كلمتي قلتها وإني على يقين بأنها لا تعدم منصفًا، كشف الله عن بصيرته حجاب الضلال، ولا تلبس عليه الحق بزور المقال، كما أنها لا تعدم مَن مِن خُلقه المجادلة في الله بغير علمٍ ولا هدًى، والله يرشدنا إلى الطريق المستقيم.

(٨٨) كلمة إلى الأدباء

قيل في الأمثال لكلِّ مقامٍ مقال، ولا يخفى على حضرات أمراء الكلام، ومستخدمي الأقلام، القائدين البلاغة بزمام، أن المواطن التي في زخرفتها كناية وتشبيهًا، وغير ذلك من الأنواع البديعية، والعدول عن ذكر الحقائق إلى التراكيب المجازية، إنما هي المواطن التي لا تُعرَض إلَّا على أهل الصناعة الأدبية، أو المقامات الملوكية، أو الرسائل الغرامية، ولكن في المواطن التي يُعرَض فيها الكلام على الخواص والعوام، فلا حاجة فيها إلى تلخيص المعاني، وزخرفة المباني، وهذه قاعدة سنَّها القدماء من الأدباء، فيجب عليَّ عدم الإتيان باللفظ الغريب، أو التأنُّق في التركيب، وإلَّا فهو بالعتب أولى، والسلام. ا.ﻫ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠