حرف الألف

  • إإي شمر: تعبير يقال لمن يغضب من أي كلمة ولو تافهة، فيقولون: يغضب من إإي شمر.
  • آدي آخرتها: تعبير يقال للنتيجة تعقب العمل السيئ.
  • آدي زمان البدنجان: يعتقدون أنه في زمان البذنجان يكثر الجنون.١
  • آدي الزير وآدي غطاه: تعبير يعني أنهما متناسبان؛ أي إن البرهان حاضر، فإذا قلت: إن الغطاء ليس على قدر الزير، أو الزير ليس على قدر الغطاء، فهذا هو الزير، وهذا هو غطاه، يحكمان بيننا.
  • آدي اللي صار وآدي اللي كان: تعبير يعني هذا ما حدث.
  • آه: تعبير يستعمل في اللغة العربية استعمالات كثيرة، قصيرة وممدودة فيقولها من يسمع المغني استحسانًا له، وهي بالمد، ويقولها المريض وهو يتأوَّه، ويمدها على حسب مرضه، ويقولها بالخطف من رأى منظرًا غريبًا، خصوصًا إذا كان مرعبًا، وتقال أيضًا بالمد بمعنى نعم، ومثلها في هذه الاستعمالات ما عدا معنى نعم لفظ الجلالة «الله».
  • آهين: هي تثنية آه فإذا زاد الوجد على العاشق، فبدل أن يقول: آه، يقول: آهين وأحيانا يجمعونها على آهات.
  • آه يا وعدي: تعبير يعني ما أكثر ما ألقاه منك.
  • أبات أعلم في المتبلِّم، يصبح ناسي: تعبير يقال للشخص الذي ينسى ما يذكر له، ولا يتعلم مما يجري أمامه، والمتبلم تُطلق على الأبله والساهي، وخصوصًا من يتعاطى المنزول.
  • أبات مهني وألحس مسني: يقولون: إن فأرًا في الصحراء كان مع فقره حُرًّا، فأضافه فأر القرية، فلما أمسك ندم على ما فعل، وقال: إنه كان خيرًا أن أبيت فقيرًا متهني، ولو اقتصرت على لحس مسني.
  • أب له: إذا رُئي ولد يفعل فعلًا جيدًا أو رديئًا، وقد ورثه عن أبيه إذا كان معروفًا به: قالوا أب له، وقريب منه قولهم: هو ابن مين؟؟
  • الإبرة: هي الأداة المعروفة، وقد أصبحت محورًا يدور عليها كثير من الاعتقادات المصرية، والأدب المصري الشعبي، وقد أخذت هذه الاعتقادات تندثر تبعًا لرقي الأمة واستنارتها.

    كان عامة المصريين يحرمون بيع الإبر بعد العصر، وكان على باب حارتنا «عطار» لو بذلت له عشرة قروش ثمن إبرة بعد العصر لا يرضى أن يبيعها، وأساس ذلك عندهم خرافة شائعة، وهي أن الملائكة الموكَّلة بقسمة الأرزاق تنزل بعد العصر، فتقسم الأرزاق حسب الحالة التي يرون عليها الإنسان، فإذا كان في سعة من العيش زادته سعة، وإن كان في ضيق أعطته على قدره، وهم يعتقدون أن حرفة الخياطة من أبأس الحرف وأفقرها، فهم يكرهون أن تراهم الملائكة على هذا البؤس فترزقهم على قدر بؤسهم، فحرَّموا من أجل ذلك الخياطة وبيع الإبر بعد العصر.

    وعند بعضهم اعتقاد بأن الخياطة بالليل تؤذي الأموات، فهم يكرهون أن يخيطوا شيئًا بالليل، وفي بعض القرى يتشدد النساء في ذلك فلا يُعِرْنَ إبرة لأي سبب بعد العصر، فإذا دعت الضرورة إلى ذلك وضعتها المعيرة فوق رغيف من الخبز وأعطته لطالبة الإبرة فتأخذ الرغيف وعليه الإبرة، ولكن لا تمسها بيدها مباشرة.

    وعندهم نوع من الإبر يسمى «الإبرة الغشيمة» وهي الإبرة التي لا عين لها، وهي في الأصل إبرة أخطأت الآلات التي تصنعها فمرت عليها من غير أن تثقبها، فلما كثر الطلب عليها كان تجار الإبر يستوردونها بتوصية منهم عليها، وكان السبب في الإقبال عليها اعتقاد العجائز أنها تبطل عمل السحر، فهن يأخذنها ويلففنها في خرقة ويضعنها في حجاب من جلد فتمنع العين والسحر.

    وقد دخلت الإبرة في الأدب المصري الشعبي كما دخلت في الأدب العربي، فهي في الأدب المصري سبة للمرأة، فإذا رأت امرأة امرأة أخرى نحيفة جدًّا، وكانت جلدًا على عظم، عيرتها بأنها «إبرة»، وكانت هذه سبة فظيعة يوم كان المثل الأعلى للجمال هو السمن، وكان الخاطب يوصي الخاطبة بأن تكون المخطوبة «بيضاء سمينة غنية وشعرها أصفر»، فأما الآن فقد تغير هذا الذوق، وتغلب حب الرشاقة على حب السمن؛ ولذلك فقدت هذه السبة كثيرًا من قيمتها.

    ومن الأمثال العملية في الإبرة «يفتي على الإبرة ويبلع المدرة»، ومعنى يفتي على الإبرة أنه يفتي بتحريم الإبرة على غيره، ومعنى «المدرة» المذارة وهي التي يذرى بها الحب، وهو مثل يضرب لمن يحرم على الناس صغار الأمور وهو مع ذلك في نفسه يرتكب كبائرها، فهو لغيره يحاسب على الإبرة وهو في نفسه يبلع المدرة.

    ومن أمثالهم أيضًا «الإبرة اللي فيها خيطين ما تخيطش»، وهو مثل يضرب لتعدُّد الرؤساء والخوف من فساد العمل بكثرة الأوامر المتناقضة، فهو شبه بالمثل الآخر: «المركب اللي فيها ريسين تغرق.»

    ومما يتصل بأمثال الإبر أنهم إذا عابوا خياطة خائطة قالوا: «بين الغرزة والغرزة ترقد المعزة»، يعنون بذلك أن غرز الخياطة ليست منسجمة ولا دقيقة، فبين كل غرزة وأخرى فضاء كثير يتسع لرقاد العنزة.

    ومن أمثالهم أيضًا «التركي يحفر البير بإبرة» وهو يدل على عقيدتهم في التركي بأنه صبور على نيل غرضه يصل إليه في دؤوب وصبر، ولو لم يجد وسائله متوافرة استطاع أن يتخذ أي وسيلة مهما صغرت وكمل نقصها بصبره والثبات على قصده.

    وفي القرآن الكريم: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وسَمُّ الخياط هو ثقب الإبرة الذي لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل في خرق الإبرة، فهذا مستحيل وذاك مستحيل، وهذا تعبير جميل عن الاستحالة.

    ومن التعبيرات اللطيفة في ذلك قول الشاعر:

    فلو أن ما بي من جوى وصبابة
    على جمل لم يدخل النار كافر

    أي لو أن ما به من وجد وهُيام وضنى وصبابة نزل بالجمل لهزله وجعله كالفتلة تدخل في إبرة، وإذا دخل الجمل في إبرة دخل الكافر الجنة.

    والعرب جمعت الإبرة على إبر وأحيانًا تجمعها على إبار ككتاب، ومن ذلك قول القطامي:

    وقول المرء ينفذ بعد حين
    أماكن لا تجاوزها الإبار

    وهو معنى ظريف أي إن القول قد يصل في الحز واللدغ ونحوهما إلى حيث لا تنفذ الإبر.

    وشاع في الأيام الحديثة التعبير بقولهم: «السياسة وخز الإبر» ويعنون بذلك سياسة العداء في الخفاء تخز وخزًا من غير أن تسيل دمًا.

  • إبريق: الإبريق إناء من الأواني التي يستعملها المصريون، وله صنبور يصب منه الماء، ويد يمسك منها، وهو يستعمل من الصُّفر أو من النحاس الأحمر، وفي العصور الحديثة استعمل من الصاج، واستغني عن الصنبور بشفة يصب منها الماء، وإذا ذكر الإبريق ذكر الطشت، وكان كثيرًا ما يُستعمل لتنظيف اليدين قبل الأكل وبعده فكان من يريد الأكل يصب على يديه الخادم من الإبريق في الطشت، فإذا فرغ منه غسل يده أيضًا لتنظيفها.

    وكان من الأشياء التي تلاحَظ دائما في جهاز العروس شراء الطشت والإبريق، فلما غَزَتْنَا المدنية الحديثة استغنينا غالبًا بالحنفيات عن الطشوت والأباريق إلا في القليل النادر.

  • أبزيم أو آبزين: هو في لسان العامة اسم لآلة من نحاس أو حديد مستطيلة، وفي وسطها لسان رفيع، تستعمل في السروج، أو براذع الحمير، وفي كتاب الألفاظ الفارسية المعربة «الأبزيم جمعه أبازيم، معرب آبزين» وقد استعمل في العصر الحاضر استعمالات كثيرة، فوضعوه لحزام الجلد، وفي البنطلونات، وعلى وجه أحذية النساء، وكانت امرأة في قرية من قرى الشرقية تختزن أبزيمًا من هذا النوع وتزعم أنه يمنع النزيف من الحبلى وتعيره لكل من أرادته لهذا الغرض من المستعيرات، والنساء المستعيرات له يعتقدن أن لولاه لاستمر النزيف وسقط الحمل، وكانت لا تعيره إلا لمن رهنت عندها حليًّا يساوي عشرة دنانير على الأقل وبعد الحلف على المصحف بأنها ترده، فلما كثرت الأبازيم بطل سحرها.
  • أبلس: أبلس بمعنى تشيطن، يقول: بلاش أبلسة؛ أي لا تتشيطن، وهو مأخوذ من إبليس، كما أن تشيطن مأخوذة من شيطان، وتَمَرَّدَ من مارد، وبعض الناس يستعمل بدل أبلس تأبلس.
  • ابن: أصل كلمة «ابن» للولد المذكر فيقال: ابن فلان وابن فلانة نسبة إلى أبيه وأمه، ولكن العرب أضافت الابن إلى شيء ليست العلاقة بينهما أبوة أو أمومة، فسمت اللص ابن الطريق أو ابن الغبراء؛ وذلك أن اللص يتصل بالطريق اتصال الابن بأبيه، وسمت الليل «ابن الكروان» وهكذا.
    ونجد هذين الاستعمالين بعينهما في اللغة المصرية، فهم يقولون محمد بن علي وحسن بن فاطمة، وكذلك ينسبون الابن إلى شيء له به اتصال وإن لم يكن الثاني ابنًا للأول، ولهم في هذا الباب ألفاظ كثيرة متعددة النواحي فيقولون مثلًا:
    • ابن فن: لمن مهر في صناعة ما.
    • ابن روحه: لمن كان عصاميًّا ربَّى نفسه.
    • ابن فتلة: للمحتال النصاب.
    • ابن سبعة: أي سبعة أشهر؛ أي إنه مكث في بطن أمه سبعة أشهر فقط بدل تسعة يعتقدون أن من كان كذلك كان ضيق الخلق غضوبًا، فهم يطلقون هذه الكنية على كل من كان سريع الغضب.
    • ابن سوق: للبياع المتجول.
    • ابن غرام: لمن سار على هواه ودار على حل شعره (كما يقولون).
    • ابن الليالي: وهو يطلق على من كان من طائفة تحفظ القصائد الغزلية الصوفية، كقصائد ابن الفارض ينشدونها عند إقامة الأذكار.
    • ابن كلمة: وهو يطلق بمعنيين، فأولًا يطلق على من كان سريع التصديق لكل ما يقال له، وثانيًا: لمن كان سريع التأثر بما يقال فكلمة ترضيه وكلمة تغضبه.
    • ابن الحاكم: وهي كلمة كانت تطلق في الزمن الماضي القريب في الأرياف على العسكري والقوَّاس والحاجب الخفير والصيارفة في القرى، يعنون بذلك أنهم مكلفون من قبل الحكومة بأعمالهم، فيجب أن تحترم أوامرهم، ولا يلامون إذا استعملوا شيئًا من القسوة والعنف في أثناء تأدية وظائفهم.
    • ابن الزمن: وهي أيضًا تستعمل استعمالين أحدهما أن تطلق على الخبير المجرِّب الذي رباه الزمان وأفاده حنكة وخبرة، والثاني أن تطلق على الرجل ذي المروءة الذي يُدَّخر عند الحاجة وعند حلول كوارث الزمان.
    • ابن درزي: وتطلق على اللئيم الميال إلى الإضرار بالناس، وهي نسبة إلى الدروز — تلك الطائفة التي تبعت الحاكم بأمر الله ولهم عقائد خاصة بهم — وعامة المصريين يعتقدون فيهم سوء العقيدة، ولذلك يتخذونهم علمًا للسباب.
    • ابن مره: وهذه سُبَّةٌ عندهم يطلقونها على من لم تنجح تربيته وخرج فاسدًا لا يصلح لشيء، وسبب هذه العقيدة أنهم كانوا يرون المرأة بطبعها رحيمة ضعيفة لا تقسو على ابنها ولا تعرف ما ينفع الولد وما يضره، وإذا عرفت وجه النفع والضرر منعتها الرحمة من تنفيذه بالشدة، إنما الذي يشتد ويقسو هو الرجل، فإذا لم يكن للولد أبٌ أو عمٌّ أو أخٌ يربيه ويقسو عليه لا ينجح الولد، وقد دلتهم على ذلك التجارب في زمنهم، ولست أدري ما رأيهم في المرأة الجديدة المتعلمة إذا وكل إليها أمر تربية الولد، فإني لم أجد المثل تغير مع أن الأحوال كلها تغيرت.
    • ابن ساعته: يطلقونه على من لا يستمر على حال، فهو الآن صديق وَغَدًا عدو، وهو الآن على رأي وبعد ساعة على رأي آخر وهكذا.
    • ابن كيف: يستعملونه للدلالة على من أصيب بكيف من الكيوف، ولكن لا يستعملونه في الكيوف السهلة المألوفة كالشاي والقهوة والدخان؛ وإنما يستعملونه في الكيوف الحادة كمن اعتاد الأفيون أو الحشيش وأخيرًا الكوكايين، وقد يطلقون على «الحشَّاش» وحده: «ابن شداد» وسبب ذلك أنه يستعمل «الحشيش» في «الجوزة» ثم يشد منها أنفاسه فهو ابن شداد من أجل ذلك.
    • ابن ناس: للرجل الكريم الأصل ومثله «ابن الأصول» و«ابن السيادة» و«ابن بيت»، وفي عكس ذلك يقولون «ابن اللي هو ابنه» يريدون بذلك أنه غير معروف النسب، فهو كقول العرب: «زياد ابن أبيه.»
    • ابن الضرة: يقال للمكروه الممقوت؛ لأن الضرة تكره ضرتها أشد الكراهية وتكره كل من ينتسب إليها، وخصوصًا ابنها؛ لأنه يشارك أبناءها في مال زوجها وعطفه وعنايته.

      وهناك شتائم كثيرة بُدِئَتْ بالابن وقد كان حظ كلمة «الابن» في السباب والشتائم أكثر من حظ غيرها، وكثرة السباب بالآباء والأمهات دليل على أن المصريين كانوا يعنون بقيمة الأب والأم عناية قد تفوق عنايتهم بتقويمهم للشخص في نفسه أو بعبارة أخرى بقيمته الذاتية.

      واستعملت كلمة «الابن» أيضًا كثيرًا في الأمثال، فقالوا: «ابن الوز عوَّام» و«ابن العنزة يعلم أمه الرعية» و«ابنك حتة من كبدك» و«ابن الحرام يطلع يا قواس يا مكاس» و«ابنه على كتفه وهو داير يدور عليه» ونحو ذلك مما لا يُحصى.

    • ابن أرملة: هو كابن مرة الذي تقدم، يُكَنُّونَ به عن الشاب أو الرجل الذي لم يُرَبِّهِ رجل كأبيه، وإنما ربَّته امرأة كأمه، ومن غريب العوائد أن المرأة في واحة سيوة إذا مات عنها زوجها حبسوها في غرفة مظلمة لا يراها أحد إلا خادمة تقدم لها الطعام وما تحتاج إليه حتى تنقضي عدتها، وهم يزعمون أن عينًا شريرة تلبسها في أثناء تلك المدة فلا تنظر إلى أحد إلا أضرت به وأول ذلك ابنها الذي تربيه.

      وأول شخص تراه عند خروجها من سجنها لا ينجو من الموت، ولذلك يرسلون المرأة إلى عين ماء آخر المدة تغتسل فيها، وفي أثناء اغتسالها ينادي منادٍ في الأسواق يحذر الناس من الوقوف في طريقها.

    • ابن البلد: نالت هذه الكلمة شهرة كبيرة بين الناس، وكان لها مدلول يختلف باختلاف العصور، وقد أدركتها منذ خمسين عامًا تطلق على الرجل الذي يجمع صفات مختلفة في ملبسه وحديثه وهيئته وطريق سلوكه.

      فهو يلبس جبة وقفطانًا وعمامة ويُعنَى بها كل العناية، ولا بد أن تكون هذه الملابس مستوفية لشروط كثيرة، فيجب أن يكون نسيجها خفيفًا لطيفًا، وأن يكون لون الجبة زاهيًا كالأزرق الفيروزي أو الأخضر الفستقي أو الأحمر القرمزي، وأن يكون لون الجبة منسجمًا تمام الانسجام مع لون القفطان، وأن يكون لون الحزام منسجمًا معهما.

      ويجب أن يكون طربوش العمامة خفيف الوزن، وأن تكون العمامة قليلة وأن يكون شال العمامة مفتلًا، وأن تظهر هذه الفتل من الأمام على شكل دبابيس، ويجب أن يكون «المركوب» أحمر خفيف الجلد رقيق النعل صغير الوجه، ويلبس في يده خاتمًا رفيعًا من الذهب فصه فيروز أو ياقوت أو زمرد، وأن يكون وجهه حليقًا دائمًا كأنما خرج من عند الحلاق لساعته، وأن يكون مقصوص الأظفار دائمًا.

      ويجب أن يُعنَى العناية التامة بكل شيء في هندامه، فالجبة والقفطان مهندَستان هندسة تامة لا يشذ أحدهما عن الآخر في شيء مهما قل، والعمامة موضوعة على الرأس بأناقة والمركوب في الرجل منسجم.

      وهو في كل ذلك نظيف أنيق يتحرج من أي شيء يعلق بثيابه أو بأطرافه، وأكثر من شاهدتهم من هذا القبيل كانوا ضعاف البنية نحيلي الجسم عليهم آثار المرض، وذلك لسببين:
      • (١) أن رقة عواطفهم ناشئة غالبًا من ضعف مزاجهم.
      • (٢) أن نوع معيشتهم لا يبعث على حركة ولا نشاط فيستلزم ذلك ضعفًا في صحتهم، يضاف إلى ذلك أن كثيرًا منهم كانوا يستعملون المعاجين و«حق» العنبر ونحو ذلك من المكيفات وفي هذا كله إتلاف للصحة.

      وأما في سلوكه فهو خافض الصوت؛ إذا تكلم ففي أناة ورقة وإذا ضحك فعلى قانون، وإذا مشى ففي تؤدة تامة حتى لا تختل هندسة ملابسه، وإذا رأى أمامه أرضًا مرشوشة عمل لها ألف حساب كيف يتخطاها من غير أن ينال «مركوبه» أذى، ومن غير أن ينال أذياله مكروه، وإذا أكل فالأناقة التامة من تصغير اللقمة والدقة في نظافة أصابعه، والمراعاة الدقيقة حتى لا ينال ثوبه شيء مما يأكل ونحو ذلك.

      ولابن البلد اصطلاحات في كلامه ولوازم يكثر من استعمالها، فهو بين كل كلمة وكلمة يقول: «بلا مؤاخذة» و«بلا قافية» و«يكرم من سمع» و«عن إذنك» و«اسمح لي» و«الأبعد» و«يا سيد» و«أعزك الله» و«أكرمك الله»، ونحو ذلك من الكلمات الشائعة بينهم، الدائرة على ألسنتهم.

      وابن البلد — في العادة — يكثر من التنكيت، ويستعمل في حديثه الكناية والتورية ويعرف مناحي الكلام، ويستطيع أن يرد على النكتة بمثلها أو بأحسن منها، ويجتهد أن يرضي محدثه كل الرضا، فلا يجرح إحساسه ولا يخدش عواطفه ولا يسمعه كلمة قاسية، وإذا رأى الحق يؤلم فلا بأس من الكذب، ويتحرَّى أن يجعل آخر الحديث نكتة ختامية تثير الضحك وتبعث الرضا فيمتلئ المكان بالسرور، ويتفرق الجالسون أو المتحدثون وفي نفوسهم الإعجاب «بابن البلد».

      وقد يسمى «ابن البلد» أيضًا «الذوق» فيقولون فلان ذوق، وهو اختصار لذي ذوق وأحيانًا يسمونه ابن ذوق، والفرق بين «ابن الذوق» و«ابن البلد» أن الأول يراعى فيه حسن التصرف أكثر مما يراعى حسن الشكل وما إلى ذلك، أما ابن البلد فيراعى فيه الأمران جميعًا.

      وقد عرَّف المرحوم قاسم أمين الذوق السليم بأنه الشعاع اللطيف الذي يهدي صاحبه إلى أن يقول ويفعل ما يناسب المقام ويجتنب ما لا يناسبه، وعامة المصريين يعتقدون أن القاهرة أحسن البلاد ذوقًا، فكما أنها «أم الدنيا» فكذلك هي «أم الذوق».

      ومن أقوالهم المأثورة: «الذوق لم يخرج من مصر» ومصر في قولهم هذا يعنون بها القاهرة لا القطر المصري بأجمعه، ويروون في هذا قصة طريفة وهي أن رجلًا كان اسمه «حسن الذوق» كان في منتهى الظرف والكياسة واللباقة رقيق الحس والشعور فغاضبه قوم من المصريين فعزم على الرحلة من مصر، فلما وصل إلى «باب الفتوح» وهو أحد أبواب القاهرة مات هناك، وما يزال قبره في هذا المكان إلى الآن، ويعرف ضريحه «بسيدي الذوق»، ومن أجل هذا قالوا: إن الذوق لم يخرج من مصر، وكلمة الذوق في هذا المثل تدل على المعنيين معًا، فالمراد بها مرة الشعور الرقيق ومرة سيدي حسن الذوق والله أعلم.

    • ابن حظ: يقال للرجل الذي يطلب حظه وشهوته من سكر ونساء ونحو ذلك، ويظهر أن «ابن» هنا بمعنى ذو، ومثله «ابن ناس» ويطلق على النسيب الحسيب، ومثله أيضًا ابن حرام وابن حلال فيقال للرجل الطيب: ابن حلال، وللخبيث الماكر: ابن حرام.
    • ابن دانيال: وإنما اخترناه من الأعلام؛ لأن له شخصية مصرية واضحة كالبهاء زهير.

      كان يفتح دكانًا داخل باب الفتوح، يكحل فيه عيون الناس، ويدر ذلك عليه مالًا قليلًا، شكا كثيرًا من قلته وبؤسه.

      وفي ذلك يقول:

      يا سائلي عن حرفتي في الورى
      وصنعتي فيهم وإفلاسي
      ما حال من درهم إنفاقه
      يأخذه من أعين الناس

      •••

      ويظهر أنه كان يتعاطى المنزول، فله قصيدة رفعها إلى القاضي يشكو زوجته:

      بك أشكو زوجة صيرتني
      غائبًا بين سائر الحضار
      غيبتني عني بما أطعمتني
      فأنا الدهر مفكر في انتظاري
      غبت حتى لو أنهم صفعوني
      قلت كفوا بالله عن صفع جاري
      دار رأسي عن باب داري فبالله
      أخبروني يا سادتي أين داري
      أنا أنسى أني نسيت فلا يخش
      سميري إذاعة الأسرار

      وكان له نكت يتداولها المصريون ويتضاحكون منها شعرًا ونثرًا، من ذلك قوله:

      فسر لي عابر منامًا
      أحسن في قوله وأجمل
      وقال لا بد من طلوع
      فكان ذلك الطلوع دمل

      والمصريون يسمون الدمل والخراج طلوعًا وربما عددته أول روائي مصري، فقد كان يؤلف الروايات تمثل في خيال الظل وبقي بعضها إلى اليوم.

    • ابن رابية أو أولاد رابية: كانوا أسرة معروفة في القاهرة، وكانوا يدعون في الأفراح وتكون من لياليها ليلة يقال لها: ليلة أولاد رابية، وكان عملهم إرهاصًا للتياترو والتمثيل، فكانوا في ليلة يمثلون رواية من الروايات، ولكن مع الأسف كان تمثيلهم مبتذلًا، فهم ينطقون بأقبح الألفاظ ويأتون بأفحش الأعمال ويشمئز من منظرهم وكلامهم ذو الذوق السليم، وقد انقرض هؤلاء وحل محلهم السينما والتمثيل، ومثلهم في ذلك أحمد الفار المشهور، فكان أيضًا يأتي بأعمالهم.
    • ابن كباية: الكباية الكوب التي تشرب فيها الخمرة، وكثيرًا ما يقال هذا القول للتفاخر فيقول الرجل: أنا ابن كباية وكثيرًا ما يدلون به على شدة الصداقة فيقولون: نحن أولاد كباية، أما ابن الحشيش والمعجون ونحو ذلك فيقال: ابن كيف، وهو لذلك يتظاهر بالرقة واللطف.

      وسواء ابن الكيف أو ابن الكباية فهما يكرهان أن يجلس معهما أحد على غير كيفهم، ولذلك يتنادر أهل المجلس سواء في السكر أو في الحشيش على من لم يُجَارِهِم فمثلًا يقولون لبعضهم تنكيتًا على من لم يفعل فعلهم، وفي أثناء الكلام ينظرون إليه «شال الحمام، حط الحمام» تعريضًا له بالخروج، ويقولون: «قالوا للجندي عزل رمى قاووقه» أو «دهده يا سيدي هي لازقة بغرا» أو «دستور يا سيادي.»

    • ابن نكتة: أصل النكتة في اللغة العربية النقطة من بياض في سواد أو من سواد في بياض تقول هو كالنقطة البيضاء في الثوب الأسود، ثم استعملت على طريق المجاز فيما جاء في وسط الكلام من عبارة منقَّحة أو جملة طريفة صدرت عن دقة نظر ولمعان فكر، أو مسألة لطيفة تؤثِّر في النفس انبساطًا، يقولون: جاء بنكتة في كلامه، وقد نكت في قوله، ورجل منكت، ونكات بهذا المعنى، ثم استعملت في النوادر الظريفة تستثير الضحك وتبعث السرور، وفي هذا المعنى الأخير يستعملها المصريون فيقولون للرجل الذي يأتي بالنوادر المضحكة «ابن نكتة».

      وقد اشتهر المصريون من قديم بالميل إلى الضحك وحب الهزل فقد نقل المقريزي عن أبي الصلت «أن أخلاق المصريين يغلب عليها الانهماك في الملَذَّاتِ والاشتغال بالتُّرَّهَات، وفي أخلاقهم من الملق والبشاشة ما أَرْبَوْا فيه على من تقدم ومن تأخر.» ولا نريد أن نناقشه في قوله، فكل ما نريده هنا أنه يصف المصريين بالبشاشة وقد أداهم حب البشاشة هذا إلى حب النكتة.

      وقد يتصل بها قول ابن خلدون، فإنه لما رأى المصريين قال: «أهل مصر كأنهم فرغوا من الحساب.» يريد بذلك أنهم لا يطيلون النظر في العواقب، وتبعه في ذلك تلميذه المقريزي فقال: من أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدخرون عندهم زادًا كما هي عادة غيرهم من سكان البلاد، بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيًّا. وعدم الإمعان في حساب العواقب يستتبع الفرح والمرح؛ لأن الإنسان إذا لم يفكر في العواقب لم يحمل همًّا فيكون مجال النكت عنده فسيحًا.

      ومن غريب ما نلاحظه في هذا الباب أن أشد الناس بؤسًا، وأسوأهم عيشة وأقلهم مالًا وأخلاهم يدًا أكثر الناس نكتة، ففي القهاوي البلدية حيث يجلس الصناع والعمال ومن لا صنعة لهم ولا عمل، وفي المجتمعات الشعبية حيث يجتمع البؤساء والفقراء نجد النكتة بينهم تحل محلًّا ممتازًا.

      ونجد ابن النكتة محبوبًا مقدَّرًا، يُفتقد إذا غاب، ويُبجَّل إذا حضر، كأن الطبيعة التي تداوي نفسها بنفسها رأت البؤس داء فعالجته بالنكتة دواء.

      على كل حال شُهر المصريون بالنكت يعجبون بها ويتفننون فيها وتتناقل بينهم في المجالس، وفيهم من يتحرى أخبار «آخر نكتة» كما يتحرى أخبار آخر ساعة وآخر سعر للقطن في «البورصة»، وقد شُهرت القاهرة بذلك أكثر من غيرها من المدن والقرى؛ لأن «النكتة» تابعة للذوق، فإذا رقي الذوق رقيت النكتة.

      ومما يؤسف له أن الأدباء والمؤلفين لم يُعْنَوْا بتدوين «النكت» عنايتهم بتدوين الأشعار والمقالات ترفُّعًا منهم عن ذلك واستصغارًا لشأن النكت وتحقيرًا لها، وليسوا في ذلك مُنصِفِين، وأقرب مثال لذلك النكت البديعة التي كانت للمرحومين عبده البابلي وحافظ إبراهيم وغيرهما، فإنها تموت تدريجيًّا بمرور الزمان؛ لأنها لم تُدَوَّنْ، مع أن بعض نكت حافظ قد تفوق بعض قصائده، وتدل على حضور البديهة وحسن الذوق أكثر مما يدل عليها الشعر، فحبذا لو التفت الأدباء إلى قيمة النكتة وعنوا بها عنايتهم بالأدب «الكلاسيكي».

      ولكن بحمد الله لم نعدم في المصريين من عنوا بهذا الباب ودوَّنوا فيه، وقد أردت أن أتتبع التأليف في هذا الباب ومشاهير المضحكين في مصر من عهد الفتح الإسلامي؛ ولكني وجدت ذلك يطول، فاكتفيت بإلمامة يسيرة فيما يتعلق بهذا الباب في العصر الحديث.

      ولعل أجدرهم بالذكر مؤلِّف كتاب «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» وهو الشيخ يوسف بن محمد بن عبد الجواد الشربيني، ومن الأسف أني لم أعثر على ترجمة لهذا الرجل، ولكني عثرت في أثناء الكتاب على أن المؤلف حج سنة ١١٠٧ﻫ، وأنه كان واعظًا فهو من علماء القرن الحادي عشر الهجري.

      ولهذا الكتاب الذي يستهزئ به الناس قيمة كبرى، ففيه وصف اجتماعي دقيق لحالة الفلاحين في عصره وبؤسهم وظلم الحكام لهم وأنواع عاداتهم في المأكل والمشرب والزواج وغير ذلك، وفيه تدوين للغة الفلاحين كما ينطقونها وأغانيهم، وفيه حكايات ظريفة مما سمعها أو شهدها لولا أنه لا يعف عن ألفاظ الفحش، ويخيل إليَّ أن المؤلف رأس المدرسة التي عُنِيَتْ بالتنكيت عن طريق اللعب بالنحو والخروج من باب إلى باب من غير مناسبة والمفارقات ونحو ذلك.

      وقد اتبعت هذه الطريقة، فيما بعدُ على لسان الشيخ حسن الآلاتي، وقد كان فكهًا لطيفًا، وكان يجتمع مع بعض أصحابه في البيوت ويتسامرون ويتنادرون ويتكلمون في الجِدِّ والهزل، ثم تسامع بهم الأصحاب فكثروا وضاقت عليهم البيوت فاتخذوا قهوة لطيفة في حي الخليفة بالقرب من السيدة سكينة وسموها المضحكخانة الكبرى، وشاع صيتها في القاهرة، وكان يأتيها الناس من كل ناحية، بل كان يأتيها بعض الأمراء في زي الفقراء ليروا هذه الأعجوبة.

      وكان يدير هذه الجلسة في القهوة جماعة من الظرفاء رئيسهم الشيخ حسن الآلاتي المذكور، فيفتحون موضوعًا ويتنادرون عليه، وينتقلون من باب إلى باب حتى يتقدم الليل، ويتخلل أحاديثهم أحيانًا زجل وأحيانًا قصص وأحيانًا سباب … إلخ.

      وقد مات الشيخ حسن الآلاتي سنة ١٨٨٩م وألف من ذلك كله كتاب دوَّن فيه بعض ما كان يجري سماه: «ترويح النفوس ومضحك العبوس» طبع في ثلاثة أجزاء.

      وأظهر ما في هذا الكتاب من فنون المضحكات فن «المفارقات» فقد ارتقى على يد الشيخ حسن الآلاتي واستخدمه استخدامًا كبيرًا، فيقول مثلًا في مطلق خطاب له: «إلى السيد المهاب والضبع الوثاب الصادق الكذاب عالم العصر ومصلي الظهر وتارك العصر الجاهل بصلاة القصر، الذي بني على ظهره مائة قصر، أعز إخوان ذي المجد الرفيع الشأن من تهابه الخرفان، ولا تحتقره «الشجعان» الضارب بالنقرزان قاهر ابن خلكان مولانا الشيخ رمضان.»، والكتاب مملوء بالقصص والتنكيت، وتهزؤ النحو بالإعراب الماجن والعرضحالات على طريقة الدعابة … إلخ.

      وكان يعاصر حسن الآلاتي ويجري معه في هذا المضمار عبد الله نديم المتوفى سنة ١٨٩٦، فقد أنشأ مجلة أسبوعية اسمها «التنكيت والتبكيت» كما أنشأ مجلة أخرى اسمها «الأستاذ» وفي كلتا المجلتين كان يمزج الجد بالهزل والكلم السياسي وينقد الحياة الاجتماعية في شكل فكاهي جذاب، وتتابع هذا الباب فأنشئت جريدة «حمارة منيتي» وغيرها من المجلات إلى أن كان في أيامنا الكشكول ثم آخر ساعة … إلخ.

      كل هذه مدرسة واحدة بعدت عن الأدب الكلاسيكي واتصلت بالأدب الشعبي، وعُنِيَتْ بالنكت وبالتعبير اللاذع وبالنقد المخفف بالفكاهة.

      والنكتة أنواع، فمنها العقلي الذي يستخرج الإعجاب لما فيه من دلالة على ذكاء، ومنها اللفظي الذي قيمته في التلاعب باللفظ، ومن خصائص النكت العقلية أنها عالمية يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى من غير أن تفقد قيمتها، أما النكت اللفظية فمحلية تفقد قيمتها بترجمتها.

      كذلك تتنوع النكت، فمنها ما يستخرج الضحك القوي العميق، ومنها ما يبعث على التَّبَسُّمِ فقط ومنها ما يدعو إلى الإعجاب فقط من غير تَبَسُّمٍ ولا ضحك، وأكثر ما يثير الضحك هو النكت التي تبنى على السخرية بالغير والاستهزاء به وتحقيره، أما النكت التي لا تشتمل على نقد لاذع ولا على سخرية حادة فتبعث على التبسم أو الإعجاب.

      والأمم تختلف اختلافًا كبيرًا في مقدار حبها للنكات وإعجابها بها فمنهم من شَهَّرَ بها، ومنهم من كان حظه منها قليلًا فاترًا، فأظن أن في العالم الشرقي أشهر أمة بالنكتة الأمة المصرية، وهي في ذلك تفضل الشام والعراق والحجاز، وكذلك في العالم الأوروبي تفوق أمةٌ أمةً في هذا الباب.

      والأمة الواحدة تختلف في تقويم النكت من حيث الكمية والكيفية، وحسبنا دليلًا على ذلك الأمة المصرية نفسها، فقد كانت منذ عهد ليس ببعيد تعجبها النكت اللاذعة، وكلما كانت النكتة ألذع كانت أبدع، والذي يرجع إلى النكت التي كانت تنشر في «حمارة منيتي» و«الصاعقة» و«المسامير» وما ينشر الآن في المجلات المشابهة لها يرى تقدمًا محسوسًا يستدعي الإعجاب، فقد كان ينشر في تلك المجلات نكت صارخة مكشوفة كل الانكشاف عارية كل العري، قد ذكر فيها بصراحة أسماء المهجُوِّين ونسبت إليهم أشنع التهم مع سفاهة لفظ وقبح معنى، وكان الجمهور يتقبل ذلك قبولًا حسنًا؛ أما اليوم فاكْتُفِيَ في كثير من الأحيان بالتلميح مكان التصريح، وباللذع الخفيف مكان اللذع السخيف، وبالكناية بدل الحقيقة، وسيفعل الزمن فعله في استمرار الرقي.

      وهذا تابع للذوق؛ لأنه هو الذي ندرِك به النكت، فكلما رقي الذوق استلطف النكت الراقية واستسخف النكت العارية، ونظير ذلك الذوق في الملابس فالقروية يعجبها الأحمر القاني أو الأصفر الفاقع، والقروي يعجبه الألوان الزاهية على حين أن الممدن والممدنة تعجبها الألوان الباهتة.

      كما نلاحظ أن النكت تختلف باختلاف مقدار ثقافة الأوساط؛ فالجماعة المثقفة ثقافة عالية تعجبها النكت العقلية والنكت التي تثير التبسم لا الضحك، والنكت التي تستدعي الإعجاب لا النكت المؤسَّسَة على الهجاء، ومن هم أقل ثقافة تعجبهم النكت المبنية على اللعب بالألفاظ ويعجبهم التصريح وتعجبهم مرارة النكتة وهكذا، ثم إن النكت ركن أساسي في كل أدب، فمن قديمٍ أولع الأدباء بالمضحكات يحلون بها كتابتهم، ويسترضون بها قراءهم ولا نعلم أدبًا خلا من هذا الضرب من القول، فمن أشهر أنواع الأدب وأكثره ذيوعًا روايات المهازل «الكوميديا» وأساسها ومحورها النكت المضحكة والنقد اللاذع، وكان لها حظ كبير في الأدب اليوناني، وسارت على نهجه الآداب الأوربية.

      والأدب العربي غني بالنوادر والنكت، ومنذ فجر الإسلام عُني الأدباء بتدوين النكت عنايتهم بتدوين المواعظ وترجموا لأشعب المضحك كما ترجموا لجرير والفرزدق والأخطل، فلما جاء عصر التأليف كان للجاحظ وابن قتيبة فضل كبير في توجيه المؤلفين إلى الناحية المضحكة في الأدب، فالجاحظ يؤلف ما يُضحك كرسالة «التربيع والتدوير» ويروي ما يضحك في ثنايا كتبه، وينبه إلى أنه إنما يفعل ذلك ليزيل عن القارئ «السأم».

      وابن قتيبة في أول كتابه «عيون الأخبار» يقول: إنه حلَّاه بالنوادر الطريفة والكلمات المضحكة ليروِّح القارئ من كد الجد وتعب الحق، فالمزح إذا كان حقًّا وكان في أحايينه وأوقاته فرج عن النفوس وبعثها على النشاط.

      ومما يؤسف له أن الذين كتبوا في تاريخ الأدب العربي على النمط الحديث لم يُعْنَوْا ببحث هذا الباب عنايتهم بغيره، فقد عقدوا أبوابًا لدراسة الشعر ولدراسة المقامات والرسائل ولم يعقدوا بابًا للفكاهات يدرسون فيه تطورها مع أنها جزء هام من الأدب كأهمية الشعر والخطابة.

      وفي الحق أن تاريخ الفكاهة هو تاريخ الأدب وجد معه منذ نشأته وترقى أو انحط أيام رقيه وانحطاطه، وكانت عناية الفرنج بالفكاهة ودراستها في أدبهم وتاريخه أكثر من عنايتنا في أدبنا، وعرض لها النقاد عندهم كما عرضوا لكل أنواع الأدب وطبقوا على النكت ما قالوه في الفن الجميل، فكما قالوا «الفن للفن» قالوا «النكتة للنكتة»، والذي يدرس الذوق في الأمة ويريد أن يتعرف مقدار رقيه وانحطاطه يجب أن يدرسه في الفنون وفي الملابس وفي الأزياء وفي النكت.

      وفي المصريين من يحترفون قول النكت واختراعها وروايتها، ومن هؤلاء من يُدْعَوْنَ للحفلات يملأونها سرورًا وضحكًا، ومنهم من يقتصر في ذلك على صحبه وأصدقائه يؤنسهم في مجالسهم الخاصة ويروي لهم كل ما اخترع من النكت، ومنهم من يحترفه من ناحية التحرير في الصحف والمجلات الفكاهة، وقد وصف المرحوم قاسم أمين رجلًا من هذا الطراز فقال: أتعرف حسين بك؟؟ لا، رجل خفيف ولطيف، لا تغيب البشاشة عن وجهه ولم يَرَهُ أحد قط غير مبتسم إذا قال لك نهارك سعيد ضحك، وإذا أخبرته أن الهواء طيب ضحك، وإذا سمع أن زيدًا مات ضحك، زينة المجالس وأنيس النوادي يرى نفسه مكلَّفًا بوظيفة السرور فيها ومنوطًا بنشر التفريح حوله، يستخدم كل شيء لتسلية نفسه وأصحابه فيجد في أهم الحوادث موضوعًا للتنكيت وفي أحسن الرجال محلًّا للسخرية، لو ضحيت حياتك في أشرف الأعمال فلا بد أن يفتش فيها عن الجهة التي يتخذها واسطة للاستهزاء وجعلها أضحوكة للناس.

      ولم يعجبه هذا الشكل فقال: «بين هذا الهذيان القبيح والانتقاد الهزلي الصحيح فرق عظيم، فالانتقاد الصحيح يصدر عن علم وشعور وذوق سليم ينظر إلى مواضع العيوب في الإنسان وجهات الضعف في الحوادث، فيبتسم بالسكون واللطف، وإذا علا صوته للضحك فليس لأن الضحك غاية في نفسه، بل يعده وسيلة للفت النظر إلى شيء يحزنه وأمر يبكيه.» … إلخ.

      ولعل هذه الكلمة من المرحوم قاسم أمين كُتِبَتْ في ظروف قاسية؛ إذ كان هناك هازلون يوجهون إليه نقدًا لاذعًا لموقفه في تحرير المرأة وآخرون يوجهون مثل ذلك للمرحوم الشيخ محمد عبده، وكانوا في نقدهم يسبُّون أفحش السباب وينقدون ألذع النقد.

      •••

      ولأولاد البلد طرق في التنكيت، فأحيانًا يُدْعَى شخصان للمبارزة في النكت وأيهما غلب حكم عليه، ويستعملان في ذلك طرقًا مختلفة ويسمى ما تدور عليه النكت بالقافية، ومن أشهر هذه الطرق أن يقول أحدهما جملة ويرد الآخر إيش معنى ثم يرد الأول، مثال ذلك:

      الأول: عمر الأبعد …
      الثاني: إيش معنى؟
      الأول: فص ملح وداب.
      الأول: الأبعد بين الناس …
      الثاني: إيش معنى؟
      الأول: كمالة عدد … إلخ.

      وقد تتخذ المباراة شكلًا آخر فيقول الأول مثلًا: «الأبعد غراب ونشف» فيقول الثاني: «الأبعد يعطي ملامح للنعجة» فيقول الأول: «سلالم بيت الأبعد اتنين والباقي سلبه» فيقول الثاني: «سقف بيت الأبعد ملاية»، وأحيانًا تدور القافية على شيء يختارانه منها كأن تكون القافية «جنينة» أو «قرافة» أو نحو ذلك، فمن عجز أخيرًا عن المتابعة حكم عليه، ومن غُلب عزي كما يعزى على المصيبة، وقد تكون المباراة شعرًا لا نثرًا، ومن خير الأمثلة على ذلك ما وقع لعبد الله نديم، فقد جمعه عظيم من عظماء طنطا مع جماعة من الأدباتية في محفل عام وجعل جُعْلًا لمن يَغلب وعقوبة لمن يُغلب، وتباروا بالشعر حتى غلبهم «عبد الله نديم» وقد حكى هذه القصة بطولها في بعض كتبه ودَوَّن كل ما قيل فكانت مثلًا من الأمثلة على ما كان يجري إلى عهد قريب في هذا الباب.

  • أبو: الأب في اللغة الوالد، وقد استعملته العرب كنية عن بعض الأشياء، فكنوا الأسد «أبا الحارث» والثعلب «أبا الحصين» والهرم «أبا مالك» قال الشاعر: «أبا مالك إن الغواني هجرنني» وقالوا للرجل الكريم: أبا الأضياف، وقالوا للفتاة: إنها بنت أبيها؛ أي مثله في صفاته، روي عن عائشة أنها وصفت حفصة بنت عمر، قالت: «كانت بنت أبيها»؛ أي شبيهة به في قوة النفس وحِدَّةِ الخلق والمبادرة إلى الأشياء، أما إذا قالوا: ابن أبيه فمعناه أنه غير معروف الأب.

    وعلى العكس من ذلك لا أب له ولا أم له، فإذا قالوا لا أبا له، فأكثر ما يستعمل في المدح؛ أي ليس له أب يتكل عليه؛ وإنما هو يكفي نفسه، وأما لا أم له فيستعملونها في الذم، لأنهم يقولونها للقيط ولمن ليس له أم حرة، بل إنه أمه من الإماء.

    أما في اللغة المصرية فيستعملونها استعمالات مختلفة، فأحيانًا يستعملونها بمعنى ابن فيقولون: أبو يوسف لمن كان اسم أبيه يوسف وأبو محمد لمن كان اسم أبيه محمدًا، وأحيانًا يستعملونها بمعنى والد فيقولون: أبو محمد لمن كان له ولد واسمه محمد.

    وهناك كنى مشهورة لأسماء خاصة فيقولون: أبو عوف لمن اسمه عبد الرحمن، وأبو علي لمن اسمه حسن، وأبو درش أو أبو درويش لمن اسمه مصطفى، وأبو حنفي لمن اسمه محمود، وأبو داود لمن اسمه سليمان وهكذا.

    وتستعمل كناية عن الشجاعة، فيقولون للشجاع: أبو الفوارس وأبو زيد، ويقولون للأسود: أبو سمرة، وللحشَّاش: أبو شداد، وهناك طائفة من الأولياء لهم كناية من هذا القبيل فيقولون للسيد البدوي: أبو طنطا نسبة لاسم البلدة طنطا، ويسمونه أيضًا أبا فراج، ويسمون الرفاعي أبا العلمين، والشيخ الشعراني أبا المواهب.

    ولهم اصطلاحات خاصة في هذه الكلمة فيقولون:
    • أبو علي: للرجل اللطيف الكثير الإنفاق السمح الكريم، وهو إما مأخوذ من الحسن بن علي أو من السلطان حسن سلطان بني هلال فإنهم يلقبونه دومًا بأبي علي.
    • أبو جيبين: لمن ينفق ما معه ولا يبالي، كأنهم يريدون أن له بدل الجيب جيبين حتى إذا نفد ما في أحدهما أنفق ما في الآخر، ويستعملون قريبًا من ذلك أبو جيب مخروق للسفيه المبذر المتلاف.
    • أبو طويلة: للمفرط في الطول مع بلاهة وغفلة.
    • أبو الروس: للكبير الرأس المقسم رأسه إلى أقسام.
    • أبو عين نايمة: للذي يعتاد الصمت مكرًا وخداعًا، وأحيانًا يطلق على الخجول الحَيِيِّ، وفي عكسه يقولون: أبو عين قارحة أو فاجرة.
    • أبو رجل مسلوخة: وهو اسم للعفريت يخوف به الأطفال ويصفونه بأنه مخلوق نصفه الأعلى كالإنسان ونصفه الأسفل كالحمار، وله ذنب وبفخذيه سلوخ في الجلد يظهر منها لحمه الأحمر.
    • أبو قردان: وهو ذلك الطائر الأبيض المعروف، وكان يرى في العهد الماضي أسرابًا كثيرة يتبع الأرض المروية يلتقط ما فيها من الديدان والحشرات الصغيرة، وقد كان الفلاح يحرم إيذاءه لما يرى من منفعته، ثم كثر صيده فقل وتنبهت الحكومة إلى منفعته فحرمت صيده، والعامة تقول في أمثالها «زي أبو قردان هايف ونظيف؛ لأن أبا قردان لا يهمل نفسه، فإذا ناله شيء من قذر اجتهد في إزالته فيحكه بمنقاره حتى يزيله، فهو دائمًا نظيف، وعَدُّوه «هايفًا» لقلة غنائه، وللعامة أغنية في أبي قردان وهي: أبو قردان، زرع فدان، ملوخية وباذنجان فحت في الطين، لقى سكين، دبح أولاده وطلع مسكين. وقد اجتهدت أن أفهم معناها فلم يتيسر لي ذلك.
    • أبو حديد: وهو لقب لشيخ اسمه الشيخ صالح أبو حديد، له مسجد بالقاهرة بشارع الحنفي، يقول علي باشا مبارك في خططه: إنه كان في أول أمره قاطع طريق، وكان له صاحبان أحدهما الشيخ يوسف المدفون في شارع القصر العيني ثم قبض عليهم، فأما الشيخ يوسف فكان يلوذ بلاظ أوغلي فأفرج عنه، وأما الشيخ أبو حديد فاحتمى بمغنية، وادعت أنه مجنون واعتقل لسانه من الخوف، ثم شاع عنه أن له كرامات وقد علق علي باشا مبارك على هذه القصة بقوله: «وجامِعه عظيم لم يُبْنَ لغيره من أهل الفضل والمعرفة والعلم، ولكن هذه عادة قديمة ألفها المصريون من قديم الزمان وطالما نَبَّهَ عليها كثير من المؤلفين في كتبهم.»
    • أبو فروة: وهو اسم أطلقه المصريون على ذلك الثمر المعروف بشاه بلوط، وقد سموه بهذا الاسم لما في داخل قشرته من الوبر والزغب الشبيه بفروة الحيوان.
      وهناك أسماء وكنايات كثيرة بدئت بأبو في التعبير المصري لا يمكننا هنا إثباتها جميعًا، ومن الأمثلة المصرية التي استعملت فيها كلمة أب قولهم: «أبوك ما هو أبوك وأخوك ما هو أخوك» يقولونها عند الشدائد التي ينسى فيها الابن أباه والأخ أخاه، وفي هذا المثل نظر إلى قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وقولهم: «اللي يترك صنعة أبوه وجده يلقى وعده» يريدون بذلك الحض على احتراف حرفة الآباء والأجداد، فإن ذلك أجدى وأنفع وأضمن للنجاح، ومن باب «أبو» أبو زيد الهلالي وسيأتي.
    • أبو دقيق: حشرة صغيرة تنتقل من صورة إلى صورة، فيخلق أولًا في صورة ثم ينقلب إلى صورة أخرى، ثم إلى ثالثة وهو في تغير الصور تتغير طباعه فهو في أول أمره كدودة القز، راسب في قاع البحر، ثم ينخرط في سلك آخر، ثم يعلو على سطح الماء، ثم ينخرط في سلك الحيوانات الهوائية، ويتحلى بكسوة ظريفة الشكل فتكون له أجنحة كاللؤلؤ والمرجان، ويصير غذاؤه من نسيم الهواء.

      ويكون في أول أمره خاليًا من الأجنحة ثم تخلق له ويطير، فمن نظر في تطوره أذعن بربوبية خالقه، وأعجب بما تحلَّى به من جمال أجنحة وجمال شكل، ويقول العامة في أمثالهم «يا أبو الدقيق يا أبو النخال، اركب يا عم انزل يا خال» يقال في تطور الحال من فقر إلى غنى، ومن ترف إلى بؤس.

    • أبو زيد الهلالي: أبو زيد الهلالي شخصية غريبة غامضة لم يذكر لنا المؤرخون شيئًا تفصيليًّا واضحًا عنها، ولكن في ثنايا الكتب بعض نتف قليلة هنا وهناك، كان أبو زيد هذا في القرن الخامس الهجري وهو من قبيلة «هلال»، ونسب إليها فقيل: هلالي، وهلال هذه كانت قبيلة كبيرة بدوية تسكن نجدًا، يجاورهم في مسكنهم قبيلة أخرى اسمها سليم، وكانت هلال وسليم جفاة سلَّابين نهابين يخرجون من ديارهم فيغيرون على أطراف الشام والعراق حتى ضجت منهم الدولة العباسية، وأرسلت في أيام الواثق سنة ٢٣٠ حملة بأمر القائد التركي (بغا الكبير) لتأديبهم على ما ارتكبوا من فساد في المدينة.

      وهاجر قوم من «هلال» و«سليم» إلى مصر ونزلوا أولًا في الوجه البحري، ولكنهم ساروا سيرتهم الأولى من سلب ونهب حتى ضج منهم الناس، فأمر الخليفة الفاطمي العزيز بالله (٣٦٥–٣٨٦) بطردهم إلى الصعيد، ولكنهم فعلوا في الصعيد كما فعلوا في كل مكان من سلب ونهب وتخريب، وكان من بني هلال هؤلاء فروع مختلفة منهم زغبة وربيعة وعدي، فعَمَّ ضررهم واستغاث أهل البلاد من شرهم، وفي خلافة المستنصر الفاطمي ثارت بلاد المغرب عليه فنصحه بعض مشيريه أن يبعث إلى المغرب هؤلاء العرب من هلال وسليم، فإن ظفروا بالثائرين، فقد كسب تلك البلاد وأخضع الثورة وظفر بالخصوم، وإن انهزموا وقى الله مصر شرهم، فأرسلهم سنة ٤٤١ﻫ، وأعطى لكل واحد منهم بعيرًا ودينارين، وقال لهم: قد أعطيتكم المغرب، ففرحوا بذلك وجازوا النيل إلى برقة ببلاد المغرب ونزلوا بها وافتتحوا أمصارها واستباحوها، وكتبوا لإخوانهم في مصر يدعونهم إلى السفر إليهم ويصفون لهم ما هم فيه من خير ونعيم، فأرادوا الرحيل فمنعهم المستنصر حتى يأخذ من كل واحد دينارين فعوض بذلك ما دفعه لمن قبلهم، وسارت سليم وفروع هلال من دياب وزغب إلى تونس كالجراد المنتشر، لا يمرون بشيء إلا أتوا عليه، حتى وصلوا إلى تونس، وقسموا البلاد بينهم وبين قبيلة سليم، فأخذت سليم شرق تونس وهلال الغرب ووقعت بين هؤلاء العرب وبين سكان البلاد الأصليين من البربر كقبيلة زناتة وصنهاجة حروب يطول ذكرها كما وقعت الفتن والحروب بين بعض العرب وبعض، وبعض البربر، وكان ذلك فيما بين سنة ٤٤٠ وسنة ٤٦٠ﻫ، واشتهر في هذه الحروب رجال كثيرون منهم دياب بن غانم وأبو زيد الهلالي، هذه الحروب وهذه الوقائع في القرن الخامس الهجري في بلاد المغرب هي ميدان لسيرة أبي زيد.

      وهذه القصة ثلاثة أقسام: القسم الأول منها يصف تاريخ بني هلال في بلاد السرو (وهي منازل حمير بأرض اليمن)، وكان من أعيان الهلالية جابر وجبير ابنا المنذر الهلالي، وقد رحل جبير بأمه إلى نجد وصار فيما بعدُ سلطانها.

      وكان أن أتى من نسل جابر الأمير حازم والأمير رزق وكانا يحكمان في بلاد السرو، وقد تزوج الأمير رزق «خضراء» بنت شريف مكة، وولدت منه ولدًا أسمر اللون اسمه بركات، وهو الذي لقب فيما بعد بأبي زيد، وقد تعاون أبو زيد وابن عمه حسن بن سرحان بن حازم على فتح الهند في حديث يطول، أما القسم الثاني فتدور حوادثه حول رحلة بني هلال إلى نجد، وقد ألجأهم إلى هذه الرحلة من السرو إلى نجد مجاعة عظيمة في بلاد السرو باليمن.

      وقد استقبل الهلاليون في نجد استقبالًا حسنًا من الملك غانم وابنه دياب (وكان دياب من فرع جبير) ومن بني زغبة وقد وقعت الحرب أخيرًا بين دياب بن غانم وأبي زيد الهلالي لأسباب نسائية يطول شرحها، وانتهت بانتصار أبي زيد وخضوع دياب.

      والقسم الثالث تدور حوادثه حول رحلة الهلالية إلى المغرب، فإن أبا زيد ذهب مع أتباعه إلى تونس ليبحث عن أرض خصبة لمَّا حلت المجاعة بنجد، فلما حلوا بتونس واتصلوا بالبربر حدث أن وقعت «سعدة» بنت الزناتي خليفة وهي من البربر في حب «مرعي» أحد أصحاب أبي زيد، وقد وقعت حروب بين الهلالية والزناتية بسبب ذلك انتهت بقتل الزناتي خليفة، ثم اختلف الهلاليون فيما بينهم على قسمة أملاك الزناتي خليفة، وثارت الحروب بين أبي زيد ودياب وانتهت بقتل دياب لأبي زيد، فاجتمع قوم للأخذ بثأر أبي زيد منهم بريقع والجازية بنت الحسن وانتقموا من دياب وقتلوه، وقد قُتِلَتِ الجازية أيضًا في هذه المعارك.

      هذا موجز مختصر جدًّا لقصة طويلة تقرأ في أيام نَتَبَيَّنُ منها أن حوادث القصة حدثت بين البدو من الأعراب وأن أرضها كانت بين بلاد العرب (من السرو في اليمن إلى نجد في الحجاز) وبين بلاد المغرب من تونس وما حولها، ولم تدخل مصر في هذه الحوادث إلا من ناحية أن الهلاليين أقام بعضهم فيها سنين ثم رحل أكثرهم إلى المغرب.

      ولكن القصة كان لها شأن كبير في مصر، فقد أعجب بها الشعب المصري؛ لأنها مكتوبة بلغة شعبية، ولأن حوادثها بدوية ساذجة، ولأنها تشتمل على بطولة من نوع خيالي أشبه ببطولة الجن، ولأن فيها حبًّا لطيفًا بسيطًا تضحي في سبيله الأفراد والقبائل، لهذا كله كانت القصة محبوبة إلى الشعب المصري، فإلى القريب كان في كل حي رجل يطلقون عليه اسم (الشاعر) وكان في حارتنا بالمنشية رجل اسمه «أحمد الشاعر» كان يخرج بعد العشاء إلى القهوة من داره فتتخذ له منصة عالية يجلس عليها وحوله المستمعون، ويخرج القصة من منديل لفها به، ويأخذ فنجان القهوة، ويبدأ في قراءة قصة أبي زيد، والناس يصغون إلى الحوادث باهتمام وكثير منهم يدخن «التنباك» في الجوزة وصبي القهوة يجيء ويذهب للمستمعين؛ هذا بتعميرة وهذا بقهوة «سادة» وهذا بقهوة بسكر، والمستمعون يختلفون في ميولهم، فمنهم من يتعصب لأبي زيد ومنهم من يتعصب لدياب، وقد يقوم النزاع والسباب والضرب بين الفريقين فإذا جاءت ليلة سينتصر فيها أبو زيد عمل أنصاره «فرحًا» في القهوة فزينوها واستعدوا لها، وإذا جاءت ليلة سينتصر فيها دياب فعل أنصاره كذلك، ولا يزال الشاعر يقرأ وهم يصغون إلى قرب الفجر ثم ينصرفون إلى بيوتهم وأنصار أبي زيد فرحون إذا انتصر، مهمومون إذا انكسر، وكذلك أنصار دياب.

      فكانت هذه القصة تقوم مقام السينما والتمثيل في أيامنا هذه، وكان الشيخ أحمد الشاعر يلقي القصة إلقاء حسنًا، يتحمس في مواقف الحماسة، ويترنم في القصائد.

      وظلت هذه القصص تُتَدَاوَلُ في مصر قرونًا طويلة، وقد قرأها ابن خلدون في القرن الثامن الهجري وأُعْجِبَ بها وببلاغتها، ونقد الناس الذين لا يرون البلاغة إلا فيما كان جاريًا على قواعد النحو والصرف فقال في الجزء السادس من تاريخه بعد أن وصف بلاغتها وجودة أشعارها «إلا أن الخاصة من أهل العلم يزهدون في روايتها ويستنكفون منها لما فيها من خلل في الإعراب، ويحسبون أن الإعراب هو أصل البلاغة وليس كذلك.»

      ولم يفت ابن خلدون أن القصة لها أصل تاريخي، ولكنه زِيدَ عليه وأدخِل فيه كثير من الحوادث المصنوعة والأخبار التي لا يُوثق فيها.

      ومهما كان فالقصة لها أثر حميد في الأوساط الشعبية المصرية في العصور السوداء التي اجتازوها، فقد كانت سمَرًا لذيذًا في ليلهم وحديثًا طريفًا في نهارهم، وكانت تبعث فيهم الغزل اللطيف والحماسة الحارة والعصبية للأبطال، وكانت سلوة لمن لا يحسنون القراءة فيستمعون لنوع من الثقافة طريف.

      وآسف أشد الأسف؛ لأن هذه العادة امَّحت أو هي على وشك الامِّحاء، ولو رقيت وهذبت واستمر القراء يقرؤون في المقاهي قصة أبي زيد وغيرها من القصص لكانت ضربًا من نشر الثقافة جميلًا مفيدًا.

    • أبو لسان زفر: تعبير يعني هجَّاء شرير كثير السب.
  • ابعد عن الشر وغني له: قال وقنِّيله: تعبير يعني ابعدْ عن الشر وغَنِّ له، حتى يبعد، قال ولا تكتف بذلك، بل اجعل بينك وبينه قناة.
  • أبو نضارة أو أبو نضارة زرقة: لقب لرجل يهودي كان يُسمى «يعقوب صنوع» وقد أخرج مجلة في عهد الخديو إسماعيل اشتهرت بالجرأة ونقد الخديو حين لم يكن أحد يجرؤ على هذا، فكان هو والشيخ جمال الدين الأفغاني من أجرأ الناس في النقد هذا في جِدِّهِ وذلك في هزله، وكان من أنصار تعيين البرنس سعيد حليم مكان إسماعيل ويدعو له وقد أقفلت جريدته ونفي إلى فرنسا، فأخرجها باسم «أبو نضارة» حتى لا تُصادَر، وأخرج لهذا الغرض أيضًا مجلة فرنسية هزلية لتكون داعية في الأوساط الأوربية، وعندي مجموعة منها اشتهرت بإتقان صورها وحسن دلالتها.
  • أتاري: يقولون للرجل يأتي بما ينتظر منه، فمثلًا إذا ظهر غنى رجل قالوا فيه أتاريه بيضيع كثير، بمعنى لأنك غني تنفق المال الكثير، وتقال أيضًا للشيء يُتَعَجَّبُ منه فيعرف سببه يقول الرجل للضيف: أتاري الدنيا نورت؛ أي كنت لا أعرف سببًا لهذا النور، ثم ظهر السبب، ويضيفون إليه الضمير أحيانًا فيقولون: أتاريه وأتارينا.
  • الأتراك: كانوا عنصرًا كبيرًا يمثلون طبقة الأرستقراطية من المصريين، وكانوا يأتون من الأناضول أو إستنبول أو غيرهما، ويُعَدُّ المصريون أذكى منهم، ولكنهم يمتازون بالترفُّع والتكبر وحب السلطة والعناد، وهم ينظرون إلى سائر المصريين نظرة فيها احتقار على أنهم خُلِقُوا من دَمٍ أقل من دَمِهِمْ، ولذلك يطلقون عليهم اسم «فلاحين» مقرونة بالازدراء، وقد عُرفوا بالنظافة في بيوتهم وملابسهم كما عرفوا بالترف والنعيم والعيشة الواسعة، وساعد محمد علي باشا على إشراك المصريين في الحكم وفي الجندية، واشتهر التركي بتدينه، ولكن تدينًا شكليًّا تنقصه روح الإسلام فهو يُعنَى بالأدب أمام تلاوة القرآن، وبإقامته الصلاة أكثر مما يُعنَى بتحري العدل ورفع المظالم وعدم الرشوة، ويعتقد أنه إذا ارتكب هذه الجرائم كلها، يرفعها عنه بناء مسجد أو سبيل أو مدرسة، ومع الأسف لقي منهم المصريون الأَمَرَّيْنِ، ومن أمثالهم المشهورة «آخر خدمة الغُز علقة» والغز طائفة من الأتراك، وهو يمثل الإحساس الذي يحسه المصري إزاء التركي، وقد أخبرني صديق من أبناء الأتراك هؤلاء قال: خرج والدي ذات يوم بموكب كالمعتاد وأراد أن يريني سلطانه، فنظر إلى اليسار وكُنَّا نسير على النيل، فرأى أحد الفلاحين، يركب ذهبية جديدة يجرها أربعة من الفلاحين بالحبال، فصاح أبي في الفلاحين أن قفوا، وأمرهم أن يجروا الذهبية إلى البر ففعلوا، ورأى الغني هذا المنظر فنزل، وجاء لأبي فقال له أبي: متى كان الفلاح يركب ذهبية جديدة؟
    الغني: مراحمكم وعدلكم ومراحم أفندينا خديوي مصر وعدله، جعلتنا نستريح ونطمئن ودا شيء يفرحكم ودا خير يسركم.
    والدي: لكن كيف يجوز للفلاحين أن يتشبهوا بأسيادهم ويركبوا الذهبيات؟
    الفلاح: الحمد لله إحنا بنجري ونلعب على حسكم وفي ظلكم وظل أفندينا، والعبد وما ملكت يداه لمولاه فأنا عبدكم وعبد أفندينا والذهبية ملككم وملك أفندينا.
    والدي: أنا أقول لك كيف تجاسرت وتشبهت بأسيادك وركبت ذهبية.
    الفلاح: أستغفر الله العظيم أن أكون أريد التشبه بكم.
    والدي: إذا كنت لا تريد التشبه بنا فلماذا اشتريت الذهبية، وركبتها في البحر كأنك من أسياد البلد؟ وتريد أن يشوفك الفلاحون ويقولون دا له شأن ومقام.
    الفلاح: يا سيدي إن كان لي مقام فهو بفضلكم أنتم وأفندينا.
    والدي: الفلاح من نسل فرعون وفي المثل ليه يا فرعون اتفرعنت، قال: ما لقيت أحدًا يردني.
    الفلاح: أستغفر الله إن كنتم ترون أن في ذلك عيبًا فإني أُشْهِدُ اللهَ ورسولَه أن لا أعود لركوبها أبدًا، وتبت إلى الله على يديك.
    والدي: توبتك مقبولة، ولكن يلزمها تفكيرة.
    الفلاح: لا ورأسك ورأس أفندينا ما أنساها أبدًا.
    والدي: لا لا، لا بد من تفكيرة ولو صغيرة … يا ولد، حضر الخدامون.
    والدي: اربطوه من ذراعيه، وهاتوا النسوة اللي بيملئوا البلاليص دول، وروحوا خليهم يرشوا الأرض حتى تصير وحلة، واسحبوه فوق الوحل ذهابًا وإيابًا ليعرف أولًا قيمة الثياب التي يلبسها، ففعلوا ذلك، وأمر بضربه العلقة، حتى سال الدم من رجليه وركبتيه وظهره، وقال له والدي: إن شاء الله ما تنساش، مع أن هذا الفلاح كان غنيًّا كبيرًا ولا أحب أن أذكر اسمه.

    وكان التركي لا يطيق أن يترأس عليه مصري، ومرة عين رجل تركي «أمير ياخور»؛ أي مفتشًا على المواشي وكان رئيسًا عليه مفتش مصري لزراعة الباشا فأمره مرة أن يرسل بهيمتين من مزرعة إلى مزرعة، فأبى وادَّعى أنه هو الرئيس مع أن مرتبه كان ضعيفًا أي مبلغ ١٧٥ قرشًا، فأمر المفتش الكلَّافين أن يذهبوا بالماشيتين إلى المزرعة الأخرى ففعلوا فذهب التركي معهم وأبى عليهم أن يستخدموا الماشيتين، وسحب بندقيته وأبى إلا أن يأخذ أجره ويترك هذا العمل ففعلوا معه ذلك، والحكايات على ألسنة الناس كثيرة في غطرسة التركي وسوء معاملته للفلاح، وعناده، وضيق عقله وضربه العلقة للفلاح لأتفه سبب، حتى اشتهر عن فلان باشا أنه كان يأمر بضرب الفلاح أو الموظف ثم يأخذ في صلاته.

    ومن الأتراكِ المماليكُ، وكانوا متميزين بسمات خاصة، ومن صفاتهم: أنهم مغرورون يعتدُّون بأنفسهم وبقوتهم كثيرًا، ولما علم أحد الفرنسيين بحملة نابليون على مصر، ذهب إلى مراد بك وأطلعه على هذه الحركة فضحك مراد بك ضحكًا طويلًا فخمًا، يستخفُّ به من قوة الفرنسيين وتفكيرهم في ذلك، وقال: إنهم إذا حضروا سحقناهم سحقًا، فكانت النتيجة أن دارت الدائرة على مراد بك وأتباعه في وقعة الأهرام.

  • أثر النبي: هو حجر فيه صورة رِجل بأصابعها، يزعمون أنه من أثر النبي في الحجر، وهم يتبركون به، وفي ضاحية القاهرة بلدة صغيرة تسمى «أثر النبي» من أجل ذلك.

    وبعض هذه الأحجار يتخذها بعض المشايخ دعاية للولاية، ومقصدًا للتبرك، فيضعها على رأسه.

  • أجرنُّه: أصلها من أجل أنه.
  • الأحجبة: الأحجبة جمع حجاب، وقد اشتهر بين العوام المصريين استعمال الأحجبة، وأشهر من اشتهر بعملها المغاربة من أهالي تونس والجزائر ومراكش، ويليهم في ذلك السودانيون وبعض الفقهاء، والعادة أن يكتبوها بحبر أحمر وأخضر، ثم تطبق الورقة وتوضع في جلد أحمر ويعلقها في رقبته من أراد، ويكون الحجاب تحت الثياب، وبعض الناس يتعمد أن يكتب الحجاب بنجاسة حفظًا من العفاريت، ويقولون: إن الجن أسرع في إنجاز الأغراض من غيرهم.

    وبعض الناس ينقطعون لهذا العمل وبعضهم يغالي فيه وبعضهم يتحجب بالمصحف الشريف؛ لذلك طبع في حجم صغير جدًّا ليوضع في الجيب الصغير، وبعض الأغنياء يضعه في علبة صغيرة من الذهب أو الفضة للتبرك، وقد ألَّف بعض العلماء كتبًا في الأحجبة على اختلاف أنواعها: فحجاب لشفاء المريض، وحجاب لقضاء الحاجات وحجاب لتحبيب الزوج في الزوجة وغير ذلك، ومن أشهرها كتاب «مجربات الديربي».

    وأعرف رجلًا انقطع لعمل الأحجبة، وكان مكارًا خبيثًا تقصده النساء لعمل حجاب لتحبيب زوجها فيها وتقصده أخرى لشفاء ابنها وغير ذلك، فما مضت عليه سنة من هذه الحرفة إلا وأصبح معتوهًا وألزَمَ نفسه بأن يقول كل ليلة يا لطيف خمسة آلاف مرة، ومن الغريب أنه يعتقد أن هذه الأحجبة وأمثالها ضلال في ضلال، ولكنه لا يمكنه أن يتركها بعد أن تَعَوَّدَهَا وأصبحت جزءًا من حياته، وسيأتي أنواع من الأحجبة في مواضعها، وأحيانًا تكون هذه الأحجبة مؤسَّسَة على الوهم، كالذي حكى لي صديق أنه رأى حجابًا قد وقع من ضيف كان نازلًا عنده، ففتحه فلم يجد إلا ورقة من قصاصات إحدى الجرائد.

  • الأحزاب: في مصر أحزاب كثيرة، تقليدًا لأحزاب البلاد الأوربية، ولكنها في أوربة مبنية على اختلاف البرامج، فكل حزب له برنامج خاص، ينتسب إليه من اعتنق مذهبه كحرية التجارة وتأميم المناجم، أما في مصر فتكاد تكون اختلافات أفراد، بعض الناس يتصلون برجل، فيكونون حزبًا، وآخرون يتصلون بآخر، فيكونون حزبًا آخر، والأحزاب في مصر قريبة العهد، بدأت تقريبًا حوالي سنة ١٩٠٦، وكانت في مصر ثلاثة: الحزب الوطني، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، وحزب الأمة.
  • الحزب الوطني: أسسه مصطفى كامل باشا، ودعاه إلى ذلك ما شعر به من تأخُّر صحته وكان برنامجًا واسعًا طموحًا، يغري الشبان باعتناقه وهو استقلال مصر وتكوين دستور البلاد، بحيث تكون الهيئة التنفيذية مسئولة أمام مجلس نيابي تام السلطة، واحترام المعاهدات الدولية والاتفاقات المالية التي ارتبطت بها الحكومة المصرية بالنسبة لسداد الديون، والصراحة في انتقاد الأعمال الضارة، وتشجيع الأعمال النافعة، والعمل لنشر التعليم على أساس وطني صحيح بحيث ينال الفقراء أوفى نصيب، وترقية التجارة والصناعة والزراعة، وبث الشعور الوطني في الشعب وإفهامه حقوقه الوطنية، ودعوته للتعاون، والعناية بالشؤون الصحية، وبث روح المحبة بين المصرين والأجانب، وتقوية العلاقة بين مصر والدولة العلية، والدعاية لمصر في الخارج، ونفي كل شبهة عنها يُلصقها بها خصومها، ويشترط لقبول الأعضاء في الحزب الوطني أن يكون الطالب مصريًّا معروفًا بالأخلاق الفاضلة لم تصدُر عليه أحكام تَمَسُّ شرفَه وسمعته، وألَّا يكون عضوًا في حزب آخر.
  • حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية: «بعد تأليف الحزب الوطني رأى الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد إنشاء حزب آخر وسماه حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية»، وكان من أغراضه خدمة الخديو عباس والدفاع عنه، وخصوصًا أن الحزب الوطني تخلى عن الخديوي وهاجمه، وكان برنامجه تأييد السلطة الخديوية، والمطالبة بتحقيق الوعود والتصريحات التي أعلنتها بريطانيا العظمى عند احتلالها لمصر، والمطالبة بمجلس نيابي في مصر ليكون تام السلطة، وأن يكون التعليم الابتدائي عامًّا ومجانًا، وأن تكون اللغة العربية لغة التعليم في البلاد، وأن تُعطى الوظائف في المصالح المصرية للوطنيين على حسب الكفاءة، وأن تكون محاكمة الأجانب جنائيًّا أمام المحاكم المختلطة، وقد كان رئيس هذا الحزب الشيخ علي يوسف ووكيله أحمد باشا حشمت.
  • حزب الأمة: ألفه المرحومان محمود سليمان باشا وحسن باشا عبد الرازق وأنشأ جريدة له اسمها «الجريدة»، كان رئيس تحريرها أحمد لطفي السيد باشا، وكان الخديوي يخشى أن يكون لسعد زغلول باشا وأحمد فتحي زغلول باشا دخل في هذا الحزب، وتلخص مبادئه فيما يلي: معاضدة حركة التعليم ونشره بكافة الطرق، وجعله إجباريًّا في التعليم الأَوَّلِي والابتدائي، والحصول على حق البلاد الطبيعي في الاشتراك مع الحكومة في وضع القوانين والمشروعات العامة، وتوسيع اختصاص مجالس المديريات، ومجلس شورى القوانين تدرجًا إلى المجلس النيابي، وتوسيع نطاق الجمعية الزراعية، توصلًا إلى تقدم البلاد الزراعي وعدم إهمال الصناعة والتجارة والعمل على ترقيتها، وقد ظهر فيما بعدُ أن سعد باشا وفتحي زغلول باشا يعملان سرًّا على تأييد هذا الحزب، وقد علق عليه اللورد كرومر أملًا كبيرًا في مناهضة الخديوي عباس، ولكن …

    اشتدت المنازعات بين هذه الأحزاب الثلاثة وبلغت حد السِّباب والمهاترة، ثم جاء الوفد فاكتسح هذه الأحزاب كلها، ولم يُسَمِّ نفسه حزبًا، بل قال: إنه نائب عن الأمة كلها ولم يبقَ إلا الحزب الوطني ثم انقسم الوفد أقسامًا، فخرج منه جماعة وتَسَمَّوْا: الدستوريين أو الحزب الدستوري ورئيسهم اليوم الدكتور هيكل باشا، والسعديين وكان رئيسهم إبراهيم عبد الهادي باشا، ومن الأسف أنه عند الانتخاب لا تعرض البرامج ولا يتم الانتخاب عليها، وإنما تعرض الأشخاص، ومعنى الحزب الفلاني أنه ينتمي إلى الرئيس الفلاني، فإما لأنه تربطه به رابطة ما، وإما لاتحاد أعضاء الحزب في عقليات متشابهة.

    ومن الغريب أن مجلس النواب لم يستطع في المدة الطويلة أن يسقط وزارة لم يَرْضَ عنها، وفي الأيام الأخيرة ظهرت هيئة الإخوان المسلمين تدعو إلى العمل بمبادئ الإسلام وتطبيقها على الأمة والتخلق بالأخلاق الفاضلة ونحو ذلك، وقد قتل أخيرًا رئيس الهيئة وهو المرشد العام الشيخ «حسن البنا» لما اتهمت الهيئة بقتل «محمود فهمي النقراشي رئيس الحزب السعدي»، وقد انتشر أتباعه انتشارًا كبيرًا مما يدل على استعداد المصريين لتلبية الدعوة الدينية، ثم كان أيضًا الحزب الاشتراكي وهو يدعو إلى المبادئ الاشتراكية وأصبح له عضو واحد في مجلس النواب يمثله، ويدعو لمبادئه، وعددُه أقل من عدد أي حزب آخر، وقد تَقَسَّمَتْ هذه الأحزاب طلبة الجامعات أحيانًا يتفقون وأحيانًا يختلفون فيتضاربون، وإذا اختلفوا كانت هناك هتافات مختلفة تدل على رغباتهم.

    ولما حدث الانقلاب الأخير، وعُزِلَ الملك السابق، وقبض ضباط الجيش على ناصية الحال، انكمشت الأحزاب، وأصدرت الحكومة قرارًا بضرورة تنظيم كل حزب نفسه، وتطهيره من الأعضاء المتَّهَمين بالرشوة، واغتصاب الأموال، واشترطت تنفيذ ذلك لتكون الانتخابات القادمة على أسس صحيحة، تبنى على مبادئ الحزب لا على الأشخاص، وقد بدأت الأحزاب تفعل ذلك جديًّا، وتستعد لمواجهة الأحوال الحاضرة، ونحن نكتب ذلك والأحزاب كلها قائمة قاعدة في تنفيذ هذه التعاليم.

  • أحلق شنبي لو حصل ده: حلق الشنب كناية عن أن يكون امرأة لا شنب لها؛ أي إذا حصل هذا فأنا امرأة لا رجل.
  • أخليك تمشي ع العجين ما تلخبطوش: تعبير يعني لأؤدبنَّك أدبًا يجعلك تمشي مستقيمًا.
  • إدَّالُه شَلُّوت: تعبير يعني رفسه بالرجل، واشتقوا منه فعلًا فقالوا شلّت له.
  • إدَّالُه قلَم بعزم ما فيه: القلم: الصفع؛ أي صفعه بكل قوته.
  • الأدعية: يكثر المسلمون من قراءة الأدعية، وهي أنواع مختلفة، دعاء للشفاء مثل: «حصنتك بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا ودفعت عنك السوء بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ومثل «اللهم رب الناس أذهب البأس، واشْفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا يا رب العالمين …»

    ودعاء لقضاء الحاجات مثل الصلاة على النبي خمسمائة مرة، وقوله: «أسأل الله الكريم الدَّيَّان الحنَّان المنان الرحيم الرحمن ذا الجود والفضل والإحسان والخير والامتنان بحق ذاته السَّمِيَّة وصفاته المنية وبحق الأئمة الأعلام، نور الهدى ومصابيح الظلام أن تقضي حوائجنا وأن تختم لنا ولأحبابنا ولكل من له حق علينا بالإيمان والإسلام، وأن تُطَهِّرَنَا وإياهم من الذنوب والآثام، وأن تجمع كلًّا من الأشياخ والأحباب والآباء والأمهات في دار السلام بسلام.»

    وبعض هذه الدعوات مأثور عن النبي وبعضه عن الصحابة أو التابعين، وبعضه عن الأولياء والصالحين …

  • إذا حضرت الملائكة ذهبت الشياطين: تعبير يعني إن حضر رجال الخير، ذهب رجال الشر.
  • الأذن: إذا طنت الأذن اعتقد بعض المصريين أن أحدًا يذكر من طَنَّتْ أذنه في تلك الساعة فيضع يده عليها، ثم لا يزال يذكر أسماء من يظن أنهم ذكروه بعد أن يسد أذنه بوضع يده عليها، فإذا ذكر الاسم الذي كان يذكره سكت الطن ويقولون: «إذا طنت الودن اليمين عدو مبين، وإذا طنت الودن الشمال، حبيبي سال» ومن المشهور في كلامهم «يا ودن طني، كل يوم خبر.»
  • ومثل ذلك رف العين: فإذا رفت العين اليمنى تنبأ صاحبها بحدوث شر، وإذا رفت العين اليسرى تنبأ بحدوث خير، وقد أخرجوا فيلمًا حديثًا بعنوان (عيني بترف).

    ومثل ذلك أيضًا أكَلان اليد، فإذا كان في اليد اليمنى كان إيذانًا بأنه سيضرب أحدًا، وإذا كان في اليسرى كان إيذانًا بأنه سيسلم على أحد أو سيقبض فلوسًا، ومثل ذلك خدر الرِّجل وتنملها.

  • أربعاء أيوب: هو يوم الأربعاء الذي قبل شم النسيم، وقد اعتادوا فيه أن يبيعوا نبتًا يقال له البرتوف، يدعون أنه إذا نقع في الماء واغتسل به يوم الأربعاء شفى من الضر، وأنه هو النبات الذي شُفي به أيوب، وفي ذلك اليوم ينادى على نبت آخر ذي رائحة طيبة بقولهم: يا رعرع أيوب.
  • أردغانة: تعبير يستعملونه في المائدة الكثيرة الأكل المشوشة.
  • الأرمن: توجد منهم طائفة لا بأس بها في مصر، وقد اشتهروا بجودة الصنعة وإتقانها، والمهارة في التجارة، وعدم المبالاة بالغربة ولذلك نجحوا حيث لم ينجح غيرهم، وكسبوا من الأموال ما تضخمت به ثرواتهم، وإذا سابقوا الوطني في الصناعة أو التجارة سبقوه.
  • الأروام: هم اليونانيون، وهم طائفة كبيرة في مصر امتازت ببعض مهن، كفتح القهاوي والبارات ومحلات البقالة، والخمَّارات كما امتازوا بالنشاط وجمع المال ولذلك جمع بعضهم ثروات هائلة، وكان لهم من النشاط العجيب ما مكَّنهم من الانبثاث حتى في القرى النائية وبين الفلاحين يبيعونهم الخمور ويبتزون أموالهم ويصبرون صبرًا تامًّا على معيشة تشبه معيشة الفلاحين.

    ومنهم تجار أقطان وحبوب يستطيعون لذكائهم وممارستهم أن يضحكوا على الفلاح المغفَّل، فيستلبونه ماله ويسخرونه في مصالحهم، وربما كان احتلالهم أشد أثرًا من الاحتلال الإنجليزي، وهم شديدو المعرفة بعادات الناس من فلاحين وغير فلاحين وتقاليدهم، فلذلك تكون مداخلهم أعمق، وأساليبهم أدق، ومما يؤهلهم لذلك أنهم سرعان ما يتخلقون بأخلاق أهل البلد ويتعودون عادتهم ويتكلمون بلغتهم …

  • أروح فين وآجي منين: تعبير يعني الرجل عندما يحار، وتسد أمامه المسالك.
  • أزرق: كثيرًا ما يسمى المصريون الأزرق أخضر، تفاؤلًا بالخضرة، وكراهية للزرقة، ولذلك سموا العتبة الزرقاء، بالعتبة الخضراء، وكانت عتبة زرقاء لبيت من بيوت أمراء هذا الحي ويقولون، زرق المسمار في الخلب؛ أي أدخله بسهولة، ويقولون: «نابه أزرق» لمن كان خبيثًا مكارًا.
  • الأزهر: لا يهمنا في كتابنا هذا تاريخ الأزهر وعمارته والدراسة فيه ومركزه من العالم الإسلامي، وإنما يهمنا في موضوعنا هذا عادات الأزهريين، واتصالها بعادات الشعب كله.

    والأزهر بناء كبير، قسم إلى أروقة، فللصعايدة رواق، وللبحاروة رواق، وللشوام رواق، وللأتراك رواق … وهكذا، وكثيرًا ما كنا نشاهد منازعات تحصل ويتبادل فيها الضرب وتثور فيها العصبيات، فأحيانًا تحدث المشاجرة بين البحاروة والصعايدة والعكس، وأحيانًا بين المغاربة والمصريين … وهكذا.

    وكل جماعة عليهم أوقاف خاصة بهم يأخذون من ريعها (الجراية)، سواء في ذلك الطلبة أو العلماء، وهي في القديم تتراوح بين ثلاثة أرغفة وعشرين رغيفًا، وكنت كثيرًا ما ترى على أبواب الأزهر مجاورين يبيعون جراياتهم أو يستبدلون ببعضها إدامًا.

    وفي الأزهر بجانب الأروقة، صحن كبير سماوي قد بلطت أرضه، يتشمس فيه المجاورون في الشتاء، وينامون فيه في ليل الصيف، وكثيرًا ما ترى ملاية بيضاء، أو عباءة سوداء قد فرشت في هذا الصحن ووضعت عليها الزوادة، وهي عبارة عن خبز أخضر للمجاور من بلده فيخشى عليه من التعفن فيضعه في الشمس ثم يجمعه بالليل.

    وكان العلماء ينصبون أنفسهم مدرسين، فإذا سمعهم الطلبة فإما أن يقروهم على تدريسهم أو يقيموهم من أمكنتهم، ثم وضع لهم نظام الامتحان، ويجلس الشيخ إلى جانب عمود إما في الأرض أو على كرسي مجنح مرتفع، ويقرأ درسه في كتاب، ويطيل ويعيد في كل جملة ويفتتها تفتيتًا، والكتاب عادة عبارة عن متن وشرح وحاشية، وقد يزاد أيضًا على هذا كله تقارير، وفي كل كلمة تتوالى على الشيخ الأسئلة، فإذا كان حصيفًا استطاع أن يجيب عليها، ولهم اصطلاحات خاصة في الأسئلة والأجوبة.

    وفي جانب من جوانب الأزهر زاوية تُسمى زاوية العميان ينتسب إليها عميان الأزهر، وقد عرفوا بالجبروت مصداقًا لقولهم: كل ذي عاهة جبار.

    والأزهريون كانوا يقرءون في الفجر التفسير والحديث، وفي طلوع الشمس الفقه، وفي الظهر النحو، وفي العصر العلوم الدنيوية كالجغرافيا والرياضة.

    وفي أركان الأزهر كتاتيب على الطريقة البدائية، وكان في الأزهر ميضأة كبيرة يتوضأ منها الأزهريون فأبطلها الشيخ محمد عبده ووضع مكانها الحنفيات، فادَّعوا أنه أذهب البركة من الأزهر، وقاموا عليه وانتقدوه.

    وفي الأزهر على يمين المحراب الكبير صندوق صغير يقال إن به طِلَّسْمًا يمنع من سكنى العصافير وسائر الطيور.

    وكان قبل الحنفيات صهاريج أربعة تحت الصحن تملأ بالماء ثم يُستقى منها طول السنة.

    وفي جانب الأروقة دواليب كل دولاب يشتمل على خزانات، والطالب إذا تقدم في الطلب أُعطي مفتاح خزانة وضع فيها كتبه وجرايته وما يحتاج إليه.

    ومن عادة الصعايدة إذا أتوا من بلدهم أن يحضروا معهم مئونة نصف السنة تقريبًا من خبز وسمن وجبن وكِشك وعدس وبصل، وأكثرهم يسكن مع بعض زملائه في غرفة واحدة في الوكالات التي حول الأزهر، وفيهم من يتزوج من بلده ثم يحضر إلى الأزهر ويترك زوجته وأولاده، ثم يذهبون إلى بلادهم في أيام البطالة، وغالبهم يباشر أعماله بنفسه من طبخ وغسل ثياب وترقيعها، وأكثر أكلهم وخصوصًا الفقراء منهم، المدمس والفلافل أو الطعمية والمخلل والكُرَّات والفجل والنابت، وكان الزي في زمننا للجميع الجبة والقفطان أو الجلابية والعباية والعمامة، وكثيرًا ما يستعملون فراء الغنم للجلوس عليه في الدرس، وقَلَّ أن يتعهدوا بيوتهم بالتنظيف، ومن الأمثلة التي كانت منتشرة بين الأزهريين قولهم: «العلم زبال» يعنون به أن العلم لا يلائم المظاهر، وإنما يذهب إلى القذرين الذين يشبهون في قذارتهم الزبالين، وشاع بين القاهريين أن من الأزهر ينتشر الجرب، وقد يحصل بين بعض الساكنين في الحجرة الواحدة عناد على غسل الأطباق فيقول كل منهم: «اغسله أنت» وتكون النتيجة عدم غسلها.

    واشتهر أهل الأقطار الأخرى من هنود وشوام وأتراك بالنظافة في الثياب والسكنى.

    وإذا ختموا كتابًا كان من عادة الطلبة أن يأتوا في حلقة الدرس بالمباخر والقماقم والعطريات، فيرشون ماء الورد وينثرون اللوز والتمر ويُقَبِّلون يد الشيخ.

    وكانت العادة أيضًا عند بعض المجاورين أن يطلبوا الإجازات (البراءات) من المشائخ فيكتبوا لهم الإجازات بخطوطهم، وهي تتضمن الإقرار بتحصيل الطالب ومهارته في الفنون.

    •••

    وكان الطلبة يحترمون مشايخهم احترامًا زائدًا ولو كانوا أغنياء والمشايخ فقراء، فيقبِّلون أيديهم ويجرون وراء حمارهم وينظفون بيوتهم إذا لم يكونوا متزوجين ويمتثلون أمرهم، والمشايخ يلبسون الفرجيات، وهي ذات كمين واسعين تتخذ من جوخ أو تبيت.

    والمجاورون يُحترمون في بلادهم فلا يشغلون في السخرة، ولا يجنَّدون في الجيش، ويمكن أن يكون هذا هو السبب في كثرتهم، والغالب أن يتبع الطالب مذهب أبيه فإن كان حنفيًّا فهو حنفي أو شافعيًّا فشافعي وهكذا.

    ولما انحصرت الفتوى والقضاء في مذهب الحنفية تحوَّل كثير إليه للتعيش، وقد كان الطلبة والمشايخ لا يأخذون ماهية إلا الجراية فكانوا يتكسبون من أوجه أخرى كإمامة مسجد وأذانه، ودروس خصوصية وخصوصًا للمستشرقين.

    ولكل رواق عصبية يتعصبها بعضهم ضد غيرهم، وتحدث في الأزهر حوادث كثيرة منها ما يكون ضد الحكومة إذا أرادت التدخل، ومنها ما يكون بين الأزهريين أنفسهم، ومنها ما يكون بين العلماء للتنازُع على المشيخة والوظائف الرئيسية وهكذا …

    ومثال هذه الحوادث أن أحد مماليك محمد علي باشا وكان مجاورًا في الأزهر ضربه بعض الطلبة بسكين فقطع أصابعه من أجل مرتب الجراية فقطعت جرايته وأخذ وسجن ثم نفي إلى بلاده وكان تركيًّا.

    وقد كان العلماء في القديم واسطة جيدة بين الحكومة أو على الأدق الوالي وبين الناس، فإذا شكا الجمهور من شيء وسطوا العلماء في التظلُّم منه، وكان منهم أعضاء في المجلس الذي ألفه نابليون بونابرت عند دخول الفرنسيين مصر.

    وللأزهريين أثر كبير في الحياة المصرية من حيث عاداتهم وتقاليدهم حتى في الأمور السياسية إلى يومنا هذا، فقد كان للأزهر دخل كبير في ثورة مصر سنة ١٩١٩، ويظهر أكبر تأثيرهم فيمن يتعلَّمون في الأزهر من أهل القرى في الأرياف، ثم يعودون إلى بلادهم بعد أن يُتِمُّوا دراستهم أو قبل إتمامها، وقد يكونون مأذونين أو فقهاء كتاتيب أو نحو ذلك، ولبعضهم أثر كبير سيئ، فإصلاح الأزهر ليس أثره قصرًا عليه، بل يتعدَّاه إلى سائر البلاد في العالم الإسلامي.

    هذه هي صورة الأزهر أيام كنت طالبًا به؛ أي من نحو خمسين عامًا، ولكنه تَغَيَّرَ ككل شيء كما تقول الأغنية البلدية:

    كل شيء في الدنيا اتحول
    وحبنا مش زي الأول

    والحق أن للأزهر ميزات: منها أنه رفع راية الثقافة، يوم حوربت الثقافات حتى انكمشت، وأنه كان قِبلة المسلمين في الأقطار الإسلامية كلها، وأن منهجه في التدريس يعلم طلبته الصبر والدقة فلا يقبلون من العبارات إلا ما كان دقيقًا منطقيًّا، ومركَّزًا، ولهم صبر طويل على تفتيتها وشرحها.

  • الأزياء: من أكثر ما يلفت النظر إلى المصريين تنوُّع أزيائهم، وخصوصًا الرجال، وهذا ما يدهش الأجنبي إذا زار مصر لأول مرة فهم يجدون العجب من اختلاف هذه الملابس فجبة وقفطان وعمة، وجبة وقفطان وطربوش، وجلابية وطربوش، وجلابية وطاقية، وبدلة إفرنجية وغير ذلك مما لا تجد له نظيرًا في اللبس الأوروبي، وكذلك المرأة: ملاءة لف، وحبرة؛ وغير ذلك.

    والذي يلاحظ الآن التغيُّر السريع في الأزياء فالنساء تغيرت أزياؤهن بعد السفور تغيرًا كبيرًا، وقبل السفور كانت تتغير عادة الأزياء من حين إلى آخر فمثلًا كانت ثياب النساء في الطبقة العليا والوسطى في عهد محمد علي قميصًا من حرير مختلِف الألوان إما أبيض أو ورديًّا أو بنفسجيًّا أو أصفر أو أزرق ويزركش غالبًا بالحرير أو أسلاك من ذهب، ويكون واسعًا جدًّا وعريض الأكمام وقصيرًا، ثم (شنتيان) يلف به الخصر بواسطة تكة تمر في باكية بأعلاه ويربط من أسفل بالساق ثم يسبل إلى القدمين، ثم (يلك) وهو ثوب يلتصق بالقامة وينسدل إلى القدمين ويلف الجسم بإزار من أمامه من فوق إلى تحت، ويكون مفتوحًا من الجانبين وحزام يحيط بالوسط من حرير أو كشمير أو نحو ذلك، ويلبس السيدات فوق اليلك جبة من الجوخ في فصل الشتاء مقورة من الأعلى وتكون مفتوحة.

    أما غطاء الرأس فطاقية حمراء صغيرة يلف حولها منديل من حرير مزركش وتوضع في مقدمة الطاقية صفيحة مستديرة ويسميها النساء (قرصًا)، والأغنياء منهن يصنعنها من ذهب ويُرَصِّعْنَهَا بالأحجار الكريمة.

    وهن لا يقصصن شعورهن بل يتركنها، أو يضفرنها ضفائر في النهار أو في الليل، وفي السهرات يَتَحَلَّيْنَ بالحلي الكثيرة كالأقراط والعقود والخواتم والأساور.

    ثم دخل على ذلك تغيير كبير في عهد الخديو إسماعيل، فكن يلبسن كذلك الشنتيان، وهو سروايل واسعة تمكن السيدة من الجلوس على الشلتة، وفوق الشنتيان صديري بدون أكمام وفوقه اليلك وهو رداء طويل، وعند الخروج يلبسن الفرجية وهي أشبه بالعباءة الواسعة، ويضعن على رؤوسهن العزيزية وهي غطاء للرأس مغطًّى من الداخل بقماش وفوقه ورد صناعي وتحته اليشمك يغطي الوجه، وهو من القماش الشفاف.

    أما الرجال فكانوا في الغالب يلبسون العمامة سواء في ذلك الأغنياء أو غيرهم والجبة والقفطان والحزام، ثم دخل التغيير على لباس الرجال والنساء جميعًا، فالنساء أصبحن يخرجن بالفساتين التي يلبَسْنها في البيت على شكل أجمل، والرجال فشا فيهم اللبس الإفرنجي من جاكتة وبنطلون حتى بين رجال الأزهر ودار العلوم … وفشا لبس الطربوش أخذًا من الأتراك.

    أما الفلاحون فهم كعادتهم يلبسون الجلاليب الزرقاء، وقليل منهم يلبَسون الزعابيط، وهم يحتفظون بالعمامة على الرأس، وأكثرهم يسير حافيًا من غير جزمة ولا مركوب، والنساء يلبسن الجلاليب السود الطويلة ويغطين رؤوسهن عند الخروج بمنديل ووجوهن بالطرح ويتحلَّين بالحلَق، وأحيانًا بالخلخال وأحيانًا بالأساور.

    وكل أمة تريد الإصلاح عادة، توحِّد زيها كما فعل الأتراك في ثورتهم فلم يستثنَ منهم في لبسهم إلا رجال الدين الرسميين فقد سمح لهم بالعمامة، أما سائر الشعب فقد فرض عليهم لبس البدل الإفرنجية والقبعات، حتى المؤذِّنين، وذلك شعورًا بأن توحيد اللبس أول عمليات التجديد؛ لأنها تبعث في النفوس نشاطًا، وقد بدأ المصلحون في مصر يفكرون أيضًا في توحيد الزي.

  • استحضار الأرواح: من عادة بعض المصريين استحضار الأرواح، بعد أن كانوا يستحضرون الجن، وقد شاهدت مجلسًا لاستحضار الأرواح هذا، رأيتهم قد أطفئوا الأنوار، وأداروا أسطوانة على الفونوغراف، تبعث الهدوء والسكينة، ثم استحضر رئيس المجلس شخصًا ونومه تنويمًا مغناطيسيًّا، وأغرب ما شاهدته رجل قالوا: إنه غير مثقف، وإن أصله مبيِّض فلما نوموه كان يتكلم بالإنجليزية بلهجة هندية، وهو يداوي الحاضرين ويخبر كلًّا منهم بمرضه وطريقة علاجه.

    ولكن طريقة علاجه والحق يقال لم تنجح معي، وقد زعموا أنهم يشاهدون في سقف البيت مناظر أرواح لأشخاص يعرفونهم ولكني لم أر … وحكوا لي أشياء كثيرة من هذا القبيل، وطلبوا مني أن أجلس في حجرة وحدي في الظلام في ليلة الجمعة؛ لأنهم يرسلون الأرواح، ولكني لم أفعل.

    مرة أخرى وإن لم تَكُنْ من هذا القبيل، بل من قبيل الإخبار بالمغيبات زارني رجل تونسي يزعم أنه يقرأ البخت وكان معي صديق، وقد طلب مِنَّا هذا المغربي أن نكتب أوراقًا لما نحب أن نسأله فيه، ثم نضعها في مصحف أمامنا وهو يخبرنا بالأسئلة والأجوبة من غير أن يقرأها.

    وقد ذهب إلى الحمام، وظل يأتي بحركات غريبة ثم عاد إلينا وقرأ بعض الآيات، وقال: إن فلانًا يسألني في ورقة عن اسم أبيه وأمه، ولم يكن أحد في البيت يعرف اسمهما ولا أنا، واسم أبيه كذا واسم أمه كذا، وأخبرني صاحبي أنه صدق في ذلك، ثم سأله عن اسم ابنه فأخبره بصدق، ثم قال له: إنك سألت عن سعر القطن وسيرتفع، وكنت أنا كتبت أسئلة في ورقة، منها سؤال عن مرضي فأخبرني، وذكر دواء لم ينفعني، وكان ممَّا كتبته في الأسئلة: «هل ستقوم الحرب العالمية الثالثة؟ ومتى؟» فقال: إنها ستكون في نوفمبر القادم ولم يحدث فظهر لي من جميع ذلك أن الرجل بالحركات التي عملها في الحمام قد نوَّم نفسه تنويمًا مغناطيسيًّا، وبذلك استطاع أن يقرأ أفكارنا.

    أما الإخبار بالمستقبل فكان مجرد تخمين؛ أي إنه كان يقرأ من أفكارنا ما نعلمه، شأن كل المنوِّمين المغناطيسيين، عندهم من الموهبة ما يستطيعون به أن يقرأوا أفكار الناس، أما قراءة المستقبل فدعوى لم يقُم عليها برهان، والله أعلم.

  • الاستخارة: الاستخارة ضرب من قراءة الغيب، فيستخيرون بالسبحة تؤخذ مجموعة من الحبات اعتباطًا، وآخر حبة هي القول الفصل في أن يفعل أو لا يفعل، وأحيانًا يستخيرون بالمصحف يفتحونه حيثما اتفق، ويستخيرون بورق يقطعونه، ورقة فيها نعم، وورقة فيها لا، ويستخيرون بأول قادم يطلع عليهم، إن كان مليح الوجه أو رديئه، وهي شائعة عند المصريين.
  • الاسترسال: هو خلق من أخلاق العامة أو قاعدة من قواعدهم في المحادثة.

    يفتتح الواحد منهم حديثًا فيترك الحديث لمن بعده فيكمله مع الاسترسال … وذلك ناشئ من ضعف العقلية … ومن الغريب أن نرى ذلك بين المتعلِّمين، فقلَّ أن نرى مثلًا رجلًا يتحدث عن موضوع واحد ثم يتم الحاضرون الكلام فيه وحده، ويأخذك العجب إذا قارنت بين مفتتح الكلام ومختتمه؛ وذلك أخذًا من كتب الأدب عندهم، وهناك نوع من البلاغة يُسمى الاستطراد وهو في معنى الاسترسال كالذي يفعله الجاحظ وابن عبد ربه وابن قتيبة وأمثالهم حتى في الكتب، فترى كتاب الفقه كابن عابدين يغرق في موضوع فقهي، وإذا به يتحدث في إعراب (حاشا لله) وهكذا، ولذلك لا تخلو كتاباتهم من مفارقات طويلة قد تكون لها علاقة بالموضوع بعيدة، وربما كان الرقي العقلي كفيلًا بذهاب هذا العيب.

  • الاستغاثة: يكثر المصريون من الاستغاثة بالأولياء، وهم يختلفون قوة وضعفًا فأهل القرى يستغيثون بأوليائهم في قراهم، وأهل المدن بمشايخهم ومنهم من يعتقدون لهم سلطة عامة كالسيد البدوي وسيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة ولهم في ذلك أناشيد ونذور، وربما بلغ ما يدخل في صندوق النذور للسيد البدوي في ثلاثة أشهر ما يزيد عن ألف جنيه، يدفعها الفقراء المحتاجون لمشايخ المسجد الأغنياء، ولهم في كل شيخ قصائد وابتهالات مثل ما قيل في السيد البدوي:
    يا سيد كم لك من مدد
    يسمو عن وصف أو عدد
    وبكم طنطا أعلى بلد
    بوسيع رحابك يا سيد
    كم جاءك مسكين يبكي
    وعليل من ألم يشكي
    وفقير في حال ضنك
    فأخذت بيده يا سيد …
    أهل التصريف لهم شان
    في الكون رجال شجعان
    والقوم جميعًا فتيان
    وأبو الفتيان هو السيد
    حتى في الحج مع الركب
    تسعى بالجسم مع القلب
    وتكون دوامًا في الدرب
    نحو المختار أيا سيد
    للشدة أنت أبو فراج
    سند للعاجز والمحتاج
    وسبيل الفضل بكم قد راج
    وازداد بسرك يا سيد
    وقع القنديل من الأعلى
    للأرض فلم يكسر أصلا
    نورت بنورك ما أظلم
    من لاذ بك لا يظلم
    وألنت حديد الباب إذا
    جندي جاء يريد أذى
    فنجا من لاذ بكم وكذا
    ينجو من جاء إلى السيد

    •••

    وأعرف صاحبًا لي ركب القطار مع الركاب، فلما وصلوا إلى طنطا قال بعض الحاضرين «الفاتحة» للسيد، فاستنكر هذا الرجل فعلهم فقاموا عليه يضربونه حتى كاد يهلك وما نجا منهم إلا بادِّعاء بعض أصحابه أنه مجنون، ولكل شيخ من هؤلاء الأولياء مولد تقام فيه الأفراح والليالي الملاح، وتختلف في عدد الأيام وفي عظم الزينات وفي الحلوى التي تُباع على الأبواب، وربما كان أعظم مولد للسيد البدوي ولسيدنا الحسين، ويقصد إليهما من كل البلاد وتكثر فيهما الاستغاثات والدعوات.

  • الاستفهام: يعتمد الشعبيون في الاستفهام على الصيغة واللهجة أكثر مماَّ يعتمدون على حروف الاستفهام أو أسمائها، فتستطيع بالمران أن تفهم إذا كانوا يستفهمون أو يخبرون، وكذلك الاستنكار حتى إن الكلمة الواحدة مثل كلمة «الله» تستعمل استعمالات كثيرة تدل على معناها لهجتها؛ فقد تكون للتعجب، وقد تكون للاستنكار، وقد تكون للإعجاب، حسب النغمات، ونحو ذلك.
  • استنجَلِّينا: كلمة دخلت في اللغة العامية حديثًا بمعنى الجنون يقولون: فلان استنجلينا؛ أي بعقله خبل.
  • الأسرة: ويسمونها «العيلة» وهي عادة وحدة الأمة، وكانت كل جملة من الأسر تضمها حارة، والحارات يضمها شارع، والشوارع تضمها المدينة أو القرية.

    وقد كان للأسرة نظام معروف، فكان يضم الرجل الكبير والزوجة والأبناء والبنات وقد تضم أيضًا الأقارب، كالابن وزوجته وولده والأخت المطلقة والحماة وغير ذلك، وقد يضم البيت زوجتين «ضرتين»، ومن أجل كبر الأسرة كانت تكثر فيها المشاحنات والخصومات وقد ينقضي الليل في الحكم بين المتخاصمين والمتخاصمات، وقد ينتهي بالضرب أو الطلاق.

    والأسرة إلى عهد قريب كانت محكومة بالسلطة الأبوية فكل السلطة في يد الأب، والزوجة لا تجرؤ أن تأكل معه، والأولاد يحترمونه فلا يصح أن يدخلوا أمامه، ولا أن يتكلموا بصوت يعلو على صوته، ولا يصح أن يتزوجوا إلا برضاه، والأم لا يصح أن تخرج إلا بإذنه، وبيده ميزانية البيت، وهو الذي يتحكم فيما يؤكل وما لا يؤكل.

    والأسرة أيضًا وحدة اقتصادية كما أنها وحدة اجتماعية، فلكل حارة سوقها القريب منها، تشتري منه الضروريات ولا تحتاج إلى غيره إلا في الكماليات، وهي أيضًا وحدة دينية، فالولد يتعلم منها شعائر الدين وقريب من الحارة المسجد، يصلون فيه صلاة الجماعة وصلاة الجمعة، والمسجد أيضًا يقوم بوظيفة اجتماعية بجانب الوظيفة الدينية فسكان الحارات يتعارفون في المسجد، ويعرضون فيه مشاكلهم الاجتماعية، وفي الأرياف يتحدثون عن حالة الزراعة من قطن وقمح ودودة وما فعل الحر بالزراعة وما فعل البرد وغير ذلك.

    والمرأة في أسرة الفلاحين أحسن منها في المدن فهي تعين زوجها في زراعته فتحلب جاموسته وتصنع سماده وتأتيه بغذائه في الغيط وتعينه في الدرس والجمع، وتفهم في الزراعة مثل ما يفهم على عكس المدنية، فالفرق بين معلوماتها ومعلومات زوجها كبير؛ ولذلك يتفاهم الزوجان الفلاحان في كل شئونهما، وقَلَّ أن يكون ذلك في المدن فقد كانت الزوجة إلى عهد قريب خادمة نظيفة والزوج في وظيفته أو قراءته أو حساباته المالية منعزلًا عن زوجته لا يستطيع إشراكها معه.

    وقد شاهدنا في عصرنا تحول الأسرة من سيطرة الأبِ إلى سيطرة الأم ومن استبداد الرجل إلى استبداد المرأة، وشاهدنا في عصرنا أيضًا أن حجاب المرأة يتحول إلى سفورها، وجهلها إلى تعلمها، وتفريطها في حقوقها إلى الغلو في طلبها، حتى لتريد أن تشارك في السياسة فتَنتخب وتُنتخب، وشاهدنا مزاحمتها للرجل في العمل والتوظف، وشاهدنا كثيرًا من البيوت يكون فيها الزوج موظفًا والزوجة موظفة ويُسْلِمَان أولادهما للمربيات.

    ولما فشا تعليم المرأة قل الاعتقاد بالخرافات والأوهام، ولما سفرت المرأة عرفت كثيرًا من أحوال الرجال، وشاركت في إدارة الأموال وزاد حظُّها في كل شأن من شئون الحياة، ومع ذلك بقيت الأسرة قديمًا وحديثًا خير مُرَبٍّ للأطفال، ولم يوجد ما يُسْتَعَاضُ به عن الأسرة.

    وقد كان في القديم تتعارف الأسرة وترتبط برباط متين خصوصًا من كان منها في حارة واحدة أو شارع واحد، ولكن لما غزتنا المدنية الحديثة قَلَّ اختلاط الأسر فكثيرًا ما ترى أسرة في شقة من عمارة لا تعرف شيئًا عمَّن يسكن بجوارها، تقليدًا للإفرنج في معيشتهم، ومن أجل هذا أيضًا كان من أكبر مظاهر الأسر في الزمن القديم الاشتراك العام في المأتم والأفراح، ومساعدة الأسرة البائسة، وعيادة المريض إذا مَرِضَ في الحارة، والمشي في جنازته، وسؤال كل فَرْدٍ في الحارة عمَّن يساكنه فزال كل ذلك بحكم اعتزال الأسرة.

    والأسرة المصرية كثيرة العطف على أفرادها، وهي تصغي إلى العاطفة أكثر مما تصغي إلى العقل، ومن مظاهر ذلك كثرة الاتصال بموتاها في زيارتهم في كل موسم والطلوع عليهم بالخوص والفاكهة والفطير وقراءة القرآن الكريم والتَّرَحُّم عليهم وغير ذلك، ثم مساعدة الأولاد مهما كبروا واستطاعوا أن يقفوا على أرجلهم، ثم الخوف الشديد من سفرهم والبعد عنهم ولو إلى مسافة قصيرة.

    ومن هذه العلاقات احتفالات كبيرة بمظاهر الزواج والمأتم حتى تقع الأسرة من جراء ذلك في فقر شديد، وقد تُضطر الأسرة إزاء عطفها الشديد إلى ارتكاب ما يضره فأعرف أسرة لم ترض أن ترسل أولادها إلى المدارس خوفًا عليهم، وأعرف أفرادًا من أسرة أخرى فسدوا لكثرة ما يمدهم به آباؤهم وأمهاتهم من الأموال كلما طلبوا … وهكذا، حتى إذا انفصل الولد أو البنت وكوَّنا لأنفسهما بيوتًا خاصة ظل الاتصال شديدًا بينهما وبين الأسرة، ولا بد من أن يرسلوا إليهم كعكًا في العيد الصغير، ولحمًا في العيد الكبير، وهدايا متتالية، وهذا عكس ما نشاهده في الأسر الأوروبية، أعرف أسرة أمريكية مات واحدها في الحرب فنشرت عنه الجرائد، فلما ذهب بعض الأصدقاء للعزاء شَكُّوا في أن يكونوا هم المقصودين لأنهم لم يشاهدوا عليهم أثرًا من آثار الحزن، ونعم إنهم يحزنون ولكن في حدود ضيقة ويحزنون في أنفسهم ويبشون للناس.

    وتجد كثيرًا من الأغنياء في أوروبا وأمهاتهم أو آباؤهم في أشد حالات البؤس، وقَلَّ أن ينفق إنجليزي أو أمريكي على ابنه في التعليم الجامعي، ولكنه إذا أراد الولد عمل بنفسه ليتكسب ويصرف على نفسه كأن يشتغل صبي لبان أو بائع جرائد أو موزع بريد في جامعة أو كنَّاسًا للجامعة أو طباخًا، ثم من مظاهر الأسرة المصرية أيضًا الاتصال والاعتزاز بالأقارب حتى الأبعدين، فها ابن ابن عمه، وهذه بنت بنت خالته، وهكذا حتى ليبلغ ببعضهم الاعتزاز بحارته أو قريته.

    والأسرة المصرية كما يدل عليها ماضيها وحاضرها سائرة إلى السفور وإلى توحُّد الزوجات وإلى التعلم وإلى السلطة النسائية، وإلى مشاركة المرأة في الأعمال التجارية والسياسية وإلى التزوُّج من غير أقاربها وإلى تحديد النسل وعدم الإكثار منه، وإلى ضياع الفروق الكبيرة بين الرجل والمرأة في الترام والقطارات ونحو ذلك، وإلى ضيق نطاق الأسرة والاهتمام فقط بالأزواج والبنين والبنات وإلى الاستقلال المالي.

    وأخشى أن يرجع الأمر إلى ما قاله هيرودوت عن المصريين «إن النساء يعملن في الأسواق والرجال يعملون في البيوت.»

  • أسلوب الكتابة: يختلف أسلوب الكتابة اليوم عن الأسلوب في الأيام الماضية، فقد كان خصائص الأسلوب الماضي قلة المعاني والعناية بالألفاظ والتزام السجع، حتى في أسماء الكتب وعنوان المقالات والإمعان في الجناس والفرح به، وتضمين الكتابة الشعر.

    ولم تكن الكتابة طيعة في أيدي الكثيرين، بل كان الكاتب كأنه ينحت من الصخر، وكانت الكتابة ممزوجًا فيها اللغة العامية باللغة الفصحى، كما يرى في كتاب بدائع الزهور وتاريخ الجبرتي، وكان عبد الله نديم في مجلة الأستاذ ينشر بعض مقالاته باللغة الفصحى وبعضها باللغة العامية.

    ثم رزق الله الأمة مَنْ تحرر من السجع وتحرر من الزينة اللفظية وأطلق لقلمه العِنان، وربما كان من طلائع هؤلاء إبراهيم المويلحي وعبد الله نديم، والشيخ محمد عبده في عهده الأخير، أما من قبلهم كرفاعة الطهطاوي وعبد الله أبي السعود، ومحمد أنس وميخائيل عبد السيد صاحب جريدة الوطن فكانوا يمثلون الخصائص القديمة التي ذكرناها.

    وكان من أكبر ما ساعد على الانطلاق في الكتابة والتدفق وغزارة المعاني الصحافة المصرية، واقتباس الأدباء المحدثين من الأدب الغربي، كما كانوا يقتبسون من الأدب العربي، وكان المثل الأعلى للكتابة مثلًا إنشاء العطار وما كتبه من سجع وجناس وبديع، ثم صار المثل الأعلى حديث عيسي بن هشام لمحمد المويلحي، والنظرات للمنفلوطي، وكلاهما لم يتحرر من السجع بتاتًا، ولم ينطلق صاحبه انطلاقًا تامًّا، فظلَّا يحِنَّان إلى السجع حينًا، وينطلقان حينًا، حتى استوى للأدباء الحديث المرسل، والتحرر من السجع، وحتى بعد تقليد الأدب الغربي ظلت في مصر مدرستان، مدرسة تقلد الأدب العربي القديم في سجعه ونمط بلاغته، ومدرسة تقلد الأدب الغربي في استرساله وعنايته بالمعاني، ومن الملاحظ أن النثر العربي في مصر نجح في تقليده الأدب الغربي أكثر من نجاح الشعر، فقد ظل الشعر مقيَّدًا بالبحور القديمة والقوافي والموضوعات غالبًا، ولم يتحرر تحرر النثر.

  • اسم التفضيل: للمصريين ولع باسم التفضيل، ولهم في ذلك تعبيرات لطيفة وتشبيهات بليغة أعرض للقراء أهمها؛ فهم يقولون: «أبرد من مية طوبة» يقولونه للسمج الثقيل الروح، وإنما اختاروا طوبة؛ لأنه أكثر الشهور بردًا، وأهل الجزائر يقولون في مثله «أبرد من الثلج»، والعرب الجاهلون يقولون: «أبرد من عضرس» والعضرس البرد أو حب الغمام، والمولَّدون يقولون: «أبرد من استعمال النحو في الحساب»، ويقولون أيضًا: «أبرد من شيخ يتصابى وصبي يتمشيخ»، ويقولون: «أبغض من وش التاجر يوم كساد السوق»، وأصله مثل عربي وهو «أبغض من وجوه التجار يوم الكساد»، وفي مثله يقولون: «أبغض من ريح السدب للحيات» والسدب محرفة عن السداب، وهو نبت زهره أصفر ورائحته ليست قوية، وهم يدعون أن رائحته تطرد الحيات والثعابين، ولذلك نجد في كثير من البيوت نبات السدب مزروعًا في «القصاري» وعلماء النبات والحيوان هم الذين يستطيعون أن يذكروا لنا الرأي الصحيح في ذلك، و«يقولون»: «أبخل من كلبة يزيد» ولم أدرِ من يزيد هذا؟ هل هو يزيد بن معاوية أم غيره؟ وربما كان أصل المثل أبخل من كلبة ميت يزيد وميت يزيد هذه قرية من قرى المنوفية «مشهورة بالبخل»، وكلابها أبخل منها حتى يحكوا عن بخلهم وبخلها حكايات كثيرة.

    والعرب من قديم تصف الكلب بالبخل فتقول: «أقبح من قرد، وأبخل من كلب» وفي ذلك يقول الشاعر:

    وأقبح من قرد وأبخل بالقرى
    من الكلب أمسى وهو غرثان جائع

    والعرب القدماء يقولون: «أبخل من مادر» ومادر هذا رجل من بني هلال، بلغ بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل، فبال فيه حتى لا ينتفع به أحد من بعده، ويقولون: «أثقل من جبل الجيوشي»، وهو جبل بالقاهرة قرب القلعة وتشبيه الثقل المعنوي بالجبل معروف مشهور، فأهل الجزائر يقولون: «أثقل من جبل»، والعرب تقول: «أثقل من أُحد»، ويقولون: «أثقل من الكانون» قال الحطيئة يهجو أمه:

    أغربالًا إذا استودعت سرًّا
    وكانونًا على المتحدثينا

    وقد اختلف الشراح في تفسير هذا البيت فقال قوم: إنه يريد بالكانون الموقد، وهو ثقيل؛ لأن العرب كانت تضع حجرين على الجبل وتوقد بينهما النار، فالجبل أحد دعائم الكانون، ومن أجل هذا سموه ثالثة الأثافي، وقال بعضهم: إنه يريد بالكانون شهر كانون؛ لأنه في قلب الشتاء.

    وللمصريين تعبيرات كثيرة في الثقل فيقولون: «أثقل من آخر يوم في رمضان»، و«أثقل من المطالِب بالدَّين»، والموظف يقول: «أثقل من آخر يوم في الشهر»، والمرأة تقول: «أثقل من الحماة» و«أثقل من أخت الزوج.»

    وإذا شكت امرأة لأخرى قالت الأخرى لها: «تشكين ولا حما ولا أخت زوج»، ويقول العامة أيضًا: «ليس أثقل من الإنسان على الإنسان» وهم ينظرون في ذلك إلى قول الشاعر:

    عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
    وصوَّت إنسان فكدت أطير

    ويقول شاعر في وصف ثقيل:

    وثقيل قال صفني
    أنت في الوصف جليل
    قلت قولًا باختصار
    كل ما فيك ثقيل

    ويقولون أيضًا في هذا المعنى «أثقل من الهم على القلب» وهو تعبير ظريف وبعضهم ينطقه «أكثر من الهم ع القلب.»

    وفي عكس ذلك يقولون: «أخف من ريش النعام» يقولونه في الخفة واللطافة، يعبرون به عن الإنسان وعن الكلام وعن كل شيء ظريف، ويقولون: «أجوع من كلب العرب»؛ لأن أغلب العرب الذين يسكنون على حدود المدن المصرية فقراء فكيف بكلابهم، وأهل الجزائر يقولون: «أزلط من فار الجامع» ومعنى أزلط منتوف الشعر، ومنه قول المصريين رأسه زلط؛ أي لا شعر فيها، ومثل قول أهل الجزائر قول الفرنسيين «أفقر من فأر الكنيسة»، والعرب تقول في ذلك: «أجوع من كلبة حومل» وحومل هذه امرأة من العرب كانت تجيع كلبة تحرسها، فكانت تربطها بالليل لحراستها وتطردها نهارًا وتقول لها: التمسي لنفسك لا مُلتَمَس لك، فلما طال ذلك على الكلبة أكلت ذنبها، ويقولون:

    «أقل موال ينزه صاحبه» يعنون بذلك أن الإنسان إذا حفظ موالًا ولو كان تافهًا وأحبه كان سببًا في سروره إذا غنَّاه، ويقولون: «أَمَرُّ من الصبر وأَمَرُّ من الحنظل» وأَمَرُّ هنا من المرارة، والصبر مادة مُرَّةٌ، وفي ذلك يقولون: «أَمَرُّ من الصبر سؤالك للَّئيم»، و«أمر من الصبر سؤالك لغير مولاك»، ويقولون: «أمسخ من الطبيخ الشايط» والطبيخ الشايط هو الطعام الذي يحترق على النار فيسوء طعمه وتفسد رائحته، يضربونه مثلًا لكل شيء كريه لا طعم له ولا معنى له.

    وعلى الجملة فقد أولع المصريون والعرب من قبلهم باسم التفصيل جريًا وراء المبالغة.

  • اسم النبي حارْسَكْ: تعبير يقال لدفع العين، ويقال أيضًا لمن أشرف على مكروه.
  • الأسماء والألقاب: لبعض المصريين أسماء وألقاب غريبة وخصوصًا عند الفلاحين أما أهل المدن، وخصوصًا الطبقة الراقية فتعتني باختيار الأسماء، وكثيرًا ما يستعملون الأسماء التركية كثروت وبهجت وحكمت … إلخ، وفي العصور الحديثة قلَّد الأقباط الإنجليز في أسمائهم، كوليم وجورج، أما الفلاحون والطبقة السفلى من القاهريين فلهم أسماء وألقاب وكنى غريبة مثل: أبو سنة، أبو سبعة، أبو هبل، أبو خربوش، الأعور، الأسود، الأعسر، الأعرج، أبو طبيخ، برغوث، بلاص، جمل، بعرور، حلوف، حتحوت، جحش، جندي، دبور، غراب، سمسار، عجل، فار، شرباش، شرباص، شلتوت، عفن، قط، كرارة، كشك، وزة.

    ومن النكت اللطيفة أن رجلًا كان من بلدة اسمها الزريبة بجوار بلبيس وكان اسمه الحاج علي الفحل، فاستدعي مرة للشهادة بمحكمة الزقازيق، فلما سأله القاضي عن اسمه واسم بلده قال: «علي الفحل من الزريبة» فضحك القاضي.

    ومن أسماء النساء وألقابهم: بعرورة، جندية، عساكر، ستهم، ست الكل، ست الدار، ست الأهل، ست أبوها، ست البلد، زعبوطة، بطة، هندية، هانم، هنومة، مكية، سيدة، مسعدة، مسعودة، سيسبان، ست إخواتها، أم الخير، زحلفة، طربوشة، شعلة، شعلانة.

    ولهم في أسماء الشهور بعض اصطلاحات، فيسمون المحرم عاشوراء، وربيعًا الأول مولد النبي، وربيعًا الثاني مولد الحسين، وجمادى الأول وجمادى الثاني الجمادين، وشوالًا شهر العيد الصغير، وذا القعدة بنات الأعياد، وذا الحجة العيد الكبير.

    ويسمون الجسم كله البدن والجتة، ويسمون الجمجمة النافورة، والشعر النابت على أم الرأس شوشة، والأذن الودن، وطبلة الأذن «صرصور الودن»، والصماخ «بت الودن» وبؤبؤ العين النِّنِّي، والشارب «الشنب»، والفم «الحنك»، والمريء «الزور»، واللحية «الذقن»، والترقوة «الجوزة»، والثدي «البز»، والبطن «الكرش»، ومفاصل الإصبع «العقد»، والإصبع الكبير «الكبير» والسبابة «الشاهد».

  • الأسياد: يستعمل في الغالب للأولياء من أهل عالم الغيب أو الجان، وأحيانًا يكون الأسياد من أشكال مختلفة: هذه عليها أسياد سودانية، وهذه حجازية، وهذه مغربية، وهكذا، ويتضح ذلك في حفلات الزار، فربات الزار تضرب نغمات مختلفة على الدف، لكل نوع من الأسياد ضربة خاصة ولا تفقِّر السيدة إلا إذا دقت دقات مناسبة لهذا النوع من الأسياد التي عليها.

    وتستعمل كلمة الأسياد في لسان الشعب المصري بمعنى العفاريت والأولياء التي تركب الإنسان وخصوصًا السيدات، وتتقمص أجسامهم وأجسامهن، ولهم في هذا تعبيرات مختلفة فيقولون — مثلًا — «جتته مش خالصة»؛ أي جسمه مشغول بالأولياء أو العفاريت، ويقولون: «ركبه عفريت» و«عليه أسياد»، وإنما كانت الأسياد تألف النساء أكثر من الرجال لضعف أعصابهن ورقة مزاجهن واستعدادهن لسلطة الأوهام عليهن.

    ولكل سيد من هؤلاء الأسياد ملابس تناسب جنسه وأغانٍ تناسب لغته ورقصات تناسب أمَّتَه ودقات على الدف تناسب رقصته.

    فإذا كان الشيخ الذي على الست عربيًّا لبست في الزار لبسًا عربيًّا، ورقصت رقصة عربية، وغنَّت لها جوقة الزار غناء بلهجة عربية، وإذا حضر الشيخ على لسان الست تكلم بلهجة عربية، ونظير ذلك إذا كان مغربيًّا أو سودانيًّا أو حبشيًّا.

    ومن أجل هذا يكون للست التي عليها الأسياد ملابس خاصة للزار وحلي خاصة بحفلات الزار، تتناسب والشيخ الذي عليها، وإذا كان الشيخ لم يعرف بعدُ، فإن الكدية والمغنيات تدق لها سبع دقات كل دقة على طريقة خاصة، وعند كل دقة وكل طريقة تلبس السيدة لباسًا من جنسها، فالنغمة التي تعجبها فترقص لها تكون هي الطريقة التي تعرف بها الست، ويعرف بها نوع الأسياد الذين يلبسون جسمها.

    فإذا كانت الأسياد من نجد كان من ضمن الأغنية: يا سيد نجد، يا لابس سيفك، يا محيي ضيفك، يا مدلع في الميدان، يا لابس العباية في الميدان، مكحل عيونه، وراخي شعوره.

    وإذا كان سودانيًّا، فمن أغانيه: يا أبو العباس يا سلطان الرجال، يا حامي الرجال، يا مرحبًا بك يا مرحبًا، يا لابس الياقة والكوفية على العمامة.

    وإذا كانت السيدة سودانية ضربت لها الدلوكة وقالوا: دلكتك يا دلوكة، يا مرحبًا يا دلوكة، عدي البحر على دراعه، طلع النخلة بدماغه، يا فارس بين إخوانه.

    وإذا كانت مغربية سموها عويشة، وقالوا: يا عويشة لله يا مغربية، يا عويشة لله عقبال يومك، حلق عويشة على الخد نادي، حزام عويشة على الخصر ليه، خلخال عويشة رنة برنة، يا عويشة لله يا مغربية، يا عويشة لله ارضي عليَّ، يا عويشة لله من المغرب جيه، يا عويشة لله ارضي عليَّ من تونس جية، من مكة جية وست عظيمة … وهكذا.

    •••

    ولهم نشيد عند البخور، منه قوله: اتكلنا على الله والنبي، الفاتحة لعمر وعثمان وعلي، والعشر الكرام المتدركين بكل ولي … وملوك السما وملوك الأرض، والشهدا والصالحين، واللي انقفل عليهم الدرب، وملوك البر وملوك البحر وإخواننا، يجعلهم راضيين عنا … الفاتحة لستي سكينة وسيدي محمد الخواص الفاتحة لستي سكينة، صاحبة الليلة العظيمة؛ الفاتحة لسكان المغرب عويشة لله، والسادات البكرية والخضر وإلياس، سلام لهم وعليهم، وكمان الفاتحة لسلطان الحبش، كبير مع صغير شيء لله، ولهم الفاتحة.

    •••

    وللأسياد نظام متسلسل الحلقات، من حفلات بخور، ومن حفلات زار، وسيأتي الكلام على ذلك في مادة «بخور» ومادة «زار»، انظرهما في حرف الباء وحرف الزاي.

  • الأشاير: يطلقونها على أدوات الذِّكر التي تتقدمه من رايات وبيارق وطبل ودف ونحو ذلك، وتستعمل عادة في المحافل كمولد النبي ومولد الحسين وإقامة أذكار خصوصية.
  • الأشلا: اسم يطلقونه على ما يطلق عليه اليوم (المستشفى) وهو اسم كريه يقابل بالفزع؛ إذ يظهر أن التمورجية والأطباء كانوا يعاملون فيه المرضى معاملة قاسية، وبقي من آثاره إلى اليوم كراهية إرسال المريض إلى المستشفيات، ويظهر أنه اسم تركي كان يطلق على الثكنة، وكان المستشفى يكاد يقصر على جرحى الجنود، ولذلك كان من مفهوم الأشلا أيضًا الدماء والجروح وما إلى ذلك.
  • الأشياء المقدسة: يقدس المصريون أشياء كثيرة، كحذاء الجلشني، والنعل القديم، يعلقونه على رأس الخيل أو على باب دكان، أو يعلقونه تحت إبط الأطفال، يعتقدون أنه يمنع من تأثير العين.

    ويشترط في مثل هذا النعل أن يكون ملقى في الطريق، لا يُعرف له صاحب، وأن توجد إحدى الفردتين فقط، ويعتقدون أكثر وأكثر في بوابة المتولي، ومعنى المتولي أحد الأقطاب الذين يحكمون الدنيا، وترى بوابة المتولي مربوطًا على مساميرها فتل كثيرة أو شعور أو قطعة من منديل، ويعتقدون في الأضرحة ويتبركون بالمحمل.

    ومما يقدس أيضًا في مصر شجرة الحنفي وشجرة العذراء في المطرية وشجرة الشراكسة ونحوها، ويقدسون أيضًا الخبز فيحرمون المشي عليه ويلتقطونه من الطريق ليضعوه بجانب الحائط، ويقولون: أستغفر الله العظيم، كما يقدسون الورقة المكتوبة ولو كانت قطعة من جريدة لعل فيها آية من القرآن أو اسمًا من أسماء الله إلى غير ذلك.

  • أصبح حاله عَدَمْ: تعبير يعني صار يائسًا، فعدم كل شيء وخصوصًا الصحة.
  • أصحاب العاهات: الاعتقاد الشائع أن أصحاب العاهات جبارون، أخذًا من قولهم: كل ذي عاهة جبار، وذلك كالأعمى والأعرج، ويظهر أن ذلك طبيعي؛ لأن الطبيعة تريد أن تعوض النقص، فصاحب العاهة إذا رأى نقصًا فيه اشْرَأَبَّ إلى القوة ليستر نقصه، فكان جبارًا ليُتحدث عن جبروته فيستر آفته.

    وقد اشتهر بعض أصحاب العاهات ببعض الحرف فقد رأيت مثلًا أن السقائين عمومًا في الواحات الخارجة عميان، ويسيرون فرقًا فرقًا، وكثيرًا من العرج يبيعون الجرائد والمجلات، ومنهم من يستغل عاهته لعطف الناس عليه كبعض الشحاذين، يُري الناس ذراعه المقطوعة أو بَرَصه لاستدرار الإحسان منهم.

    وعلى العموم فالعاهات كثيرة في مصر نسبتها فيهم أكثر من غيرها من الأمم بسبب القذارة والغبار والاعتماد على طب الركة وعدم الإيمان بالأطباء أو الكسل في المعالجة.

  • إصطبل عنتر: هو كهف منقور في الجبل بأسيوط على بعد ساعة بالمشي العادي، وأصله من مقابر قدماء المصريين على دهليزه كتابة هيروغليفية، فيها اسم كاهن من كهنة العائلة الثالثة عشرة، وهذه العائلة على قول علماء الحفائر تولَّت من سنة ٢١٥١ إلى ٢٣٩٨ق.ب. وقد اتخذ هذا الكهف وأمثاله ملجأ للمسيحيين الذين كانوا يفرون من الاضطهاد في مبدأ انتشار النصرانية على عهد الملوك الوثنيين.

    أما لِمَ سُمِّيَ هذا إصطبل عنتر فلم أقف عليه، ولعله مجرد وهم وتخريف كما سموا مصطبة عالية في حي الخضيري، بمصطبة فرعون ويقصده بعض الناس أحيانًا هو وأمثاله من الكهوف لاصطياد العقارب؛ لأن بها عقارب كثيرة وبعضها يكون فيه فص بقدر الحمصة مادته عظيمة، فإذا عثر على عقربة بها فص من هذا اصطيدت العقربة، ونزع منها هذا الفص، ويعتقدون أنه نافع للدغة العقرب.

    وطريقة صيد العقارب أن يلبس الصائد ثوبًا مخصوصًا لهذا الغرض مصنوعًا من الجلد قطعة واحدة، يلبسه من الصدر، ومع الصائد عصا في طرفها قطعة حديد محددة، ولها رأس كرأس السنارة يدخلها الصائد في العقرب، ويخرج بها في النور، فإذا وجد في ظهرها هذا الفص استخرجه في الحال بملقاط من حديد قبل أن تموت، وقل أن يوجد هذا الفص؛ لأنه نادر.

    والعقارب في هذه الكهوف كثيرة جدًّا، وقد شهد كثيرون ومنهم أطباء بنفع هذا الفص في لدغة العقرب فمن لدغته عقرب دهن من هذا الفص عقب لدغه وربط جيدًا فيقف سمها في مكانه ويتجمد حتى يصير كتلة واحدة ولا يسري في الجسم، وبعد أربع وعشرين ساعة يفك الرباط ويشرط المكان المتجمد فيه السم فيبرأ المريض.

  • أطلق مُنادي: إذا ضاع شيء وأجروا بعض أشخاص مخصصين للنداء يقولون: أطلق عليه منادي.
  • الأعراب: يسكن مصر، وبالأخص على تخومها قوم من البدو، يسمون الأعراب وقد كانت سيرتهم في الزمان الأول سيرة غير حميدة لاشتهارهم بالسلب والنهب، وتلك عادة قديمة، حتى ذكرها ابن خلدون في مقدمته، ووصفهم فيها أوصافًا كثيرة.

    واستمر شيء من هذا الحال إلى يومنا هذا فالأطيان التي يسكنها بدو أو حولها بدو تكون ضعيفة الثمن والإيجار؛ لأن البدو ينهبون محاصيلها، وإذا استأجروا لا يدفعون إيجارها، ولهم مع ذلك فضائل من كرم وبساطة عيش، وكان عددهم كبيرًا أيام الحملة الفرنسية، فقد بلغ أيامها نحو مائة ألف نفس تقريبًا منها ثمانية عشر ألفًا إلى عشرين ألفًا فوارس، وهم يحبون الصحراء، ولا يُسَرُّونَ من سكنى الحضر؛ لأنهم كما يقولون يفقدون فيها خشونتهم وبسطتهم وشجاعتهم، وتضعف فيها عصبيتهم، وهم يتأثرون بالعواطف أكثر من تأثرهم بالعقل، ويعشقون الحرية والاستقلال، ويعتزون بنسبهم، ولا يخضعون لنظام، وإذا خاطبوا أميرًا خاطبوه بجرأة، وإذا جد الجد اكتَفَوْا بالقليل من لبن النياق أو بعض التمور، كما اشتهرت نساؤهم بالشجاعة وبالجمال في ذلك يقول المتنبي:

    حسن الحضارة مجلوب بتطرية
    وفي البداوة حسن غير مجلوب

    ويقيم البدو عادة في الخيام، وهي تُصنع من الأوبار السوداء أو السمراء أو من جلود المعز، وتمتاز خيمة الرئيس ببياضها ويقسمون الخيام عادة إلى قسمين، قسم للنساء وقسم الرجال.

    وقد اقتسموا الصحراء المصرية فلكل قبيلة نصيب منها، وكثيرًا ما يختلفون فيتحاربون، ولا يزالون يحبون من الرجل أن يكون فصيحًا، ويحبون التشبيهات في الكلام، وتقل بينهم الأمراض لاستنشاقهم هواء الصحراء، واعتيادهم الرياضات البدنية، ومن هؤلاء التراجمة والأدِلَّاء وهم في أصلهم من هؤلاء القبائل، تعلموا اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية، وهم يلازمون السياح إذا حضروا إلى مصر في الشتاء ويعرفون مسالك الصحراء، ولهم صدق نظر في تقدير المسافات ومعرفة جهة الماء، ومنهم مع الأسف قطاع طريق ومهرِّبو حشيش وإن كان قد قل ذلك اليوم، ومع الأسف أيضًا قد انتفع بهم الإنكليز في ثورة عرابي، فَاسْتَهْوَوْهُمْ بالمال حتى أعانوهم بكل ما يستطيعون، والحكومة تحاول من عهد محمد علي كسر شوكتهم وتقليم أظفارهم وتحضيرهم، حتى إن محمد علي في أحد حروبه مع الأعراب اشترط في الصلح معهم أن يسكن كبار زعمائهم وشيوخهم مدينة القاهرة ليكونوا رهنًا عنده على طاعتهم.

    وقد أراد علي بك الكبير أحد أمراء المماليك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أن يبيدهم، ولكن كانت هذه سياسة خاطئة، فمن الخير الانتفاع بهم والاحتفاظ بشجاعتهم وصد عدوانهم، ومن الأمثال المشهورة على لسان المصريين «ظلم الترك ولا عدل العرب» وهذا يدل على أن ما لقيه المصريون من هؤلاء البدو أسوأ مما لقوه على يد الأتراك مع شدتهم.

  • أعْزنُّه: أصلها: أعز أنه، ثم استعملت بمعنى افرض.
  • أفندي: لقب كان يطلق على الحكام الذين يلبسون الطربوش والبدل، فإذا كان يلبس جلبابًا وطربوشًا قالوا إنه أفندي بظرميط، ومعنى بظرميط أنه ملخبط، فهو أفندي للبسه الطربوش، وابن بلد للبسه الجلباب، وكذلك يسمون الولد يأتي من أبوين أحدهما مصري والآخر سوداني بظرميط، ويسمون أيضًا الفراخ التي تأتي من ديك هندي وفرخة بلدية أو بالعكس بظرميط، ويقولون: «بلاش بظرمة»؛ أي كلام فارغ.

    وأصل اسم الأفندي كان محصورًا في العائلة المالكة في الأستانة، يقابل برنس الإفرنجية، وكان يطلق على السيدة المحترمة أم الأفندي، والآن برطشت الكلمة فصارت تطلق حتى على الفراشين الذين يلبسون البدلة، ويخدمون في الأفراح والمآتم، تمييزًا لهم عن الفراشين ذوي العمم.

  • الأفيون: يستعمل أحيانًا للتدخين في مصر وهو يناسب من غلب عليه السكون والميل إلى التأمل، وأحيانًا يخلطونه بغيره ويسمى المنزول، ويستعمله غالبًا من يريد التخدر عند اتصالهم الجنسي وهو محرم، وهو عادة فاشيَة في بعض العوام وقع في أضرارها كثير من النساء، وهو يخدِّر الأعصاب ويدير الدماغ ويثقل اللسان حتى ليعرف الشخص من كلامه وحركاته بأنه أفيونجي، ومن يستعمله يُسمى أفيونجيًّا.
  • الأقباط: الأقباط هم العنصر المصري الأصيل، وهو الذين يصح أن يقال حقًّا إنهم من قدماء المصريين، وهم عنصر له صفات خاصة أظهرها الانكماش والوجوم والحزن، وربما كان سبب ذلك ما عوملوا به في أيام اليونان والرومان والعرب من العنف، ومن قديم شهروا بالحساب وإدارة الأموال خصوصًا حساب الفدان، ولما تمكنوا من هذه المناصب ومن المال مالوا إلى الأخذ بالثأر من جراء ما لحق بهم من المظالم والاضطهاد، وخصوصًا لما عهد إليهم مساحة الأراضي فاعتبروا أنفسهم أصحاب مصر الشرعيين وسادتها الحقيقيين، وأن المسلمين في نظرهم كانوا فاتحين غاصبين، ويستريح كثير من المسلمين المصريين إلى استخدامهم في الأعمال الحسابية لاشتهارهم بالطاعة، ويلبسون كما يلبس المسلمون سواء في المدن أو في الريف، وهم أميل إلى اللون الأسود أو الأزرق.

    وهم من أكثر الناس تحمُّسًا لدينهم، وذهابهم للكنيسة، ويهتمون بالحج إلى بيت المقدس اهتمام المسلمين بالحج إلى الكعبة، ورجال الدين منهم يلبسون فرجية سوداء تشبه فرجية العلماء المسلمين، ولهم عمامة خاصة سوداء، ولا يتزوجون إلا من أنفسهم، بينما قليل من المسلمين يتزوجون منهم.

    وهم يحتقرون المرأة إذا عقمت، ويجهلون اليوم لغتهم القديمة، وقد كثروا في الوظائف ومهروا في صياغة الحلي، وفي الفيوم يستقطرون ماء الورد، وفي أسيوط ينسجون الكتان، وهم مع ذلك يشاركون في الأعمال الأخرى التي يزاولها المصريون.

    ومن الأسف أن أقيم مؤتمر اتسعت فيه هُوَّة الخلاف بين المسلمين والأقباط وألقيت الخطب تمجد الأقباط، وتندد بالمسلمين، وسمي «مؤتمر الأقباط»، فرد عليهم المسلمون في مؤتمر آخر رأسه مصطفى باشا رياض، ولكن تدارك الله هذه الحركة بالتوفيق بين المسلمين والأقباط في الثورة المصرية فكنت ترى في العربة الواحدة أو في الشوارع عالِمًا مسلمًا وقسيسًا وهما يتعانقان، واشترك في الحركة الوطنية المسلمون والأقباط على السواء.

    وقد اعتادت الوزارة المصرية أن يكون أحد وزرائها قبطيًّا على الأقل، ومن عهد أن قُتِلَ بطرس باشا غالي وكان قبطيًّا ورئيس وزارة مال أولو الأمر إلى أن يكون رئيس الوزارة مسلمًا إلا في القليل النادر.

  • أقدام وأعتاب ونواصٍ: يقصدون أن التفاؤل والتشاؤم يكونان في هذه الأمور الثلاثة، الأقدام وهي الدواب، والأعتاب وهي مدخل المساكن، والنواصي وهي الخيل، ويعنون أن هذه الأمور الثلاثة إما مبختة وتكون مصدر سعد، وإما منحوسة وتكون مصدر شقاء.

    ويعتقدون أن الدابة إذا أكثرت من هز رأسها وهي مربوطة، فتلك علامة على قرب موت صاحبها، والدابة التي تكون شفتها السفلى أطول من العليا دليل الخير والبركة، ويعتقدون أيضًا أن اللون الأحمر القاتم في الدابة دليل الحرون، واللون الأبيض الذي يخالطه شعر أسود دليل القوة والنشاط، وإذا كان الشعر الأسود في بعض الجسم فقط فهو أحسن ما يختار، ويسمونه القروشي.

    وأما المسكن فالباب الذي يفتح إلى الشمال دليل السعادة والخير، والباب الذي يفتح إلى الغرب دليل السيادة والرياسة، والباب الذي يفتح إلى الشرق دليل الصحة والعافية، والذي يفتح إلى الجنوب دليل الفقر والعوز وسوء المصير.

    وكثير من الناس يتوهمون الخير أو الشر في البيوت لمجرد حادثة حدثت لأول مرة، مصادفة إن خيرًا وإن شرًّا …

  • اكفي على الخبر ماجور: تعبير يعني احفظ هذا السر ولا تذعه.
  • الأكل: اعتاد المصريون أن يتناولوا كثيرًا من أنواع الأطعمة، وسكان المدن منهم يكثرون من أكل اللحوم وخاصة اللحم الضأن، وخاصة في عيد الأضحى، أما القرويون فيأكلون لحم الجاموس ولحم البقر ولحم الجمل إذا تيسر لهم.

    والفقراء منهم لا يأكلون لحمًا، وقد يبلغ الفقر ببعضهم ألا يأكلوا لحمًا إلا في العيد الكبير، وهم لا يأكلون لحم الخنزير لتحريمه ويأكلون الطيور الداجنة كالفراخ والحمام، ويأكلون السمك واللبن والبيض وهم ينوِّعون الخضارات، فيأكلون الخبازي والقلقاس والبامية والملوخية والباذنجان والطماطم والقرع والكرنب والفاصوليا، كما يأكلون البقول كالعدس والفول والترمس والبصل، وانتشر بينهم في الأيام الأخيرة أكل البطاطس تقليدًا للأوروبيين وهم يطهون الأطعمة بالزبدة والمسلي والزيت، وهم يختصون بكثرة البهارات كالفلفل والشطة والقرفة والقرنفل، ويكثرون من الليمون وعصره على الأطعمة وخصوصًا البامية والباذنجان، وأساس الغذاء عند المدنيين الخبز من القمح وعند الريفيين الخبز من الذرة، وقد يضعون عليها الحلبة.

    ومما مهروا فيه شواء اللحم، وقد يشوون خروفًا بأكمله، ولذاك شهروا بصنع الكباب، وهو عبارة عن قطع صغيرة من اللحم توضع في أسياخ صغيرة، واشتهر صانعها باسم «الحاتي»، ويبتدئ المصريون الأكل بالشوربة ثم بصنوف اللحوم والطيور وحدها أو مع الخُضَر، ثم بالأرز ويطهونه بالزبد أو عصير اللحم أو بهما معًا، وأحيانًا يكون حشوًا بورق العنب أو نحو ذلك، وأحيانًا يخلطونه باللحم المفروم. وهم يكثرون أيضًا من الفطائر محشوة بالجبن أو اللحم المفروم أو مسقية بالشربات، ومن أطباقهم التي يَعْتَزُّونَ بها «الكنافة» والقطائف والفول المدمس، وهم لا يهتمون كثيرًا بما يفتح الشهية قبل الأكل — ويسميه الإفرنجة (الأوردوفر) — وإن كانوا يُكْثِرون من السلطات المختلفة، كسلطة الطحينة والقوطة واللبن والخيار المخلل، ويختمون الطعام عادة بالحلويات كالفطائر الحلوة والمهلبية ونحوهما، ثم بالفواكه في مواسمها كالبطيخ والخوخ والمشمش والعنب والبلح والموز.

    وهم يأكلون الأصناف تباعًا ولا يقدمونها دفعة واحدة، وقَلَّمَا يستعملون قائمة الطعام قبل الأكل، وإنما يأكلون حسب ما قُدِّمَ لهم مع جهلهم بما يأتي، وكانوا في القديم يأكلون بأيديهم؛ ولذلك يجتهدون في غسلها قبل الأكل وبعده، فلما انتشرت المدنية الحديثة أكلوا بالشوكة والملعقة والسكين، وهم يستحسنون الحديث على الأكل حتى تطول مدته وتكثر لذته.

    وكان الأكل في أيامنا الأولى مرتين: مرة عند الضحى، ومرة عقب صلاة العصر، ثم تَغَيَّرَتْ هذه الحالة في الأيام الأخيرة، فأكلوا صباحًا أكلًا خفيفًا من جبن وزيتون ولبن وقهوة ثم أكلوا ظهرًا ثم أكلوا عشاء، وإذا بدءوا الأكل قالوا: «بسم الله الرحمن الرحيم» وإذا ختموه قالوا: «الحمد لله رب العالمين»، وكان الفقراء ومتوسطو الحال يجلسون إذا أكلوا على السجاد أو البساط وأمامهم الطبلية المستديرة، ثم أدخلوا نظام المائدة المرتفعة يأكلون عليها.

    ومن عادات المصريين أن يُكْثِرُوا من الحَلِفِ على الضيف أن يأكل ولو تظاهرًا حتى يختم، وأن يُكْثِرُوا من ألوان الطعام، ويعتبروها علامة كرم ولو لم يأكل.

    وفي الأفراح يقام الناس حسب مراتبهم، ويُجلسونهم على المائدة ولو لم يكونوا متعارِفِين من قبلُ فتكون أكلة ثقيلة، وبعض الأغنياء يقيمون الموائد ظهرًا وعشاء لكل قادم عليهم أو زائر لهم ولو لم يكن معروفًا أنه سيحضر، ثم اندثرت هذه العادة. وأخيرًا انتشرت فيهم عادة عمل البوفية، وهو طعام مختلف الأنواع من لحم وفاكهة وحلوى، يدعون إليه الضيوف، ثم يتركونهم وشأنهم، يأكلون حسبما تيسر لهم.

  • أكَلْ في المسْمَطْ لسَانْ: المسمط محل بيع حوائج الخروف ونحوه من لسان وفشة وكوارع ورأس.
  • أكل النار: هي عادة منتشرة بين بعض الصوفية فيدَّعون أنهم يستطيعون أكل النار من غير أن يصيبهم أذى، ويدَّعون أيضًا أن الولي الذي ينتسبون إليه يحول بينهم وبين الأذى من أكل النار، مع أنه قد يكون السبب في عدم الأذى استخدام مواد كيماوية تمنع أثر النار حتى لتخلط بعجينة الورق فتمنعه من الاحتراق، ومثل ذلك أكل الزجاج ونحوه.
  • إكمِنُّه: تعبير يستعملونه كثيرًا بمعنى لأن، فيقولون: إكمنه أبوه غني بيضيع كتير، وإكمنه أبوه غني جايب له عربية، وأحيانًا يستعملونها مفردة، ويستغنون عمَّا بعدها، فيقولون إذا رأوا أحدًا يفعل شيئًا في إعجاب ودلال: إكمنه.
  • إلَّا: تستعمل للاستثناء، وهو العادة المألوفة، ولكن الغريب أنها تُستعمل بمعنى «بهذه المناسبة»، يقولون «إلا» فلان سافر؟ «إلا فلان تزوج؟؟»؛ أي بهذه المناسبة هل سافر فلان، وهل تزوج …؟ ويظهر أن أصلها في هذا المعنى: هلا.
  • ألِسْطة: كلمة إيطالية معناها (مستعد، متهيئ) يقولون: (جاي ألسطة)؛ أي على آخر استعداد في الزينة.
  • الألعاب: للمصريين ألعاب كثيرة بعضها عام كالنرد والشطرنج والدومينو، وبعضها خاص مثل ما يلعبه الأطفال من الكورة، وهي على غير النمط الإفرنجي المعروف؛ إذ يكببون كيسًا ويضعون حجرًا يسمونه الميس ويلعبون ألعابًا مختلفة كل لعبة ثلاث مرات حتى يأتوا على آخرها، ومثل الاستغماية هي أن يختبئ أحد الأطفال ليبحث الآخرون عنه، ومثل الكبة وهي حجارة صغيرة يلعبونها على أشكال مختلفة ومثل الطاب إلى غير ذلك.

    ومن الألعاب الألعاب الرياضية، وكانوا يلعبونها قبل تعوُّدهم الرياضية البدنية الإفرنجية، مثل المصارعة، فيتجرَّدون من ثيابهم إلا ما ستر عورتهم، ويتعرون من نصف أبدانهم، ويتصارعون كل اثنين مع بعضهما حتى يغلب أحدهما، وأحيانًا يلبس المصارعون لباس جلد نصفيًّا، ويمسكون بأيديهم ما يسمى بالزخمة من الجلد، وكانت الزفات قديمًا تشتمل على المصارعين يمشون أمام الزفة، ومن أشرف أنواع الرياضة ركوب الخيل، وهي أثر من آثار عهد الفروسية، والمتفنِّنون منهم يقومون بحركات كثيرة عليها.

    وربما كان للمماليك أثر كبير فيها لتمرُّنِهم عليها، وقد خلف ذلك البرجاس، وهو أيضًا معروف في مصر، وهي لعبة مؤداها أن يركض فارسان من جانبين مختلفين، حتى إذا التقيا قذف أحد الفارسين الآخر بأقصى ما في ساعده من القوة والشدة بعصا من جريد النخل وقد يُحدث به جرحًا بليغًا، وقد يموت، ومهارة اللاعب أن يتقي وقع هذه العصا عليه.

    ومن الألاعيب المعروفة لعبة الحاوي فيزمر الحاوي زمارة إذا أراد اللعب، فيأتي المتفرِّجون من الأطفال والرجال والنساء يتحلَّقون حوله، وفي كل لعبة يجمع ما جاد به المتفرجون، وهي ألعاب متنوِّعة كأن يغرس الحاوي في جسمه نصلًا أو رمحًا، وفي الواقع أنه لا يغرسه في جسمه وإنما يغيب في قرابه، ومثل الأكواب التي يحولون فيها البيض إلى كتاكيت ويصبغون الأوراق البيضاء بألوان مختلفة، ولعبة إخفاء النقود وبلع النار وبلع شلات من الصوف الخام ثم يخرجونها منسوجة، وهم ينصبون هذه النصبة عادة في المواسم والأعياد، وقد يجتمع اللعاب فيمثلون رواية هزلية أو يلاعبون قردًا فيعلمونه حركات مختلفة يأتي بها، كالعجوز إذا عجنت، والسكران إذا مشى، والشايب لما يدلع، ونحو ذلك.

    وقد قرأت قديمًا أن رجلًا كان يلاعب القرود في الدولة العباسية فيقول صاحب القرد للقرد: هل تَوَدُّ أن تكون تاجرًا؟ فيهز رأسه أن نعم وصانعًا فكذلك، ثم يسأله: هل تريد أن تكون وزيرًا؟ فيشير لا، لما كان عليه الخلفاء مع الوزراء من قتل ومصادرة.

  • ألف ليلة وليلة: كتاب قصص مشهور، مرت عليه مئات السنين، ولم يعرف المصريون قيمته حتى تَنَبَّهَ إليه المستشرقون فترجموه إلى لغاتهم واستوحوه وقلدوه، فقلدهم العرب وأخذوا يقوِّمونه، وأكثر قصصه مبني على كيد النساء والإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بالحظ، وقد أُلِّفَ في أزمنة مختلفة وأصله فارسي، والعامة تسهر به في البيوت والقهاوي، وقد أحسوا بما ينتج عن العكوف عليه من الكسل فنسبوا إليه الشؤم، وقالوا: إن قراءة الكتاب كله على ليالٍ متوالية في بيت أو قهوة لا بد أن تنتهي بحادث مؤلم خصوصًا خراب البيت أو القهوة، ومما يدل على تأليفه في عصور مختلفة وزيادة النُّسَّاخ فيه أن في بعض نسخة ذكر القهوة من البن، ولم يعم استعمالها إلا في سنة ١٥٠٠م، وكذلك ذكر التبغ ولم يعرف استعماله إلا بعد اكتشاف أمريكا، وهو يفيد الأطفال والسيدات عند قراءته في البيوت للتسلية وتوسيع الخيال ولذة القصص، ويشبهه في ذلك قصة أبي زيد والظاهر بيبرس وأمثالهما.
  • ألفاظ الملق والنفاق: هي كثيرة في اللغة الشعبية، مثل: رب البيت، وسعادتك، وعزتك، وخادمكم المطيع، وعبدكم، ومحسوبكم، يرفع هذا إلى عتبة بابكم، ويقبل الأرض بين أيديكم، ويستجدي من نعمكم، ويدعو لكم بطول العمر والبقاء … إلخ إلخ من مئات الكلمات، وكان من نعم العهد الجديد إلغاء الرتب والنياشين وما يتبعها من ألقاب، ولكن أنى هذا؛ والنفوس مرنت على هذا سنين وسنين، فلا بد من جيل جديد يمرن من جديد على خطاب المساواة.
  • اللي: يستعمل المصريون كلمة «اللي» اسم موصول ويكتفون بها عن كل اسم موصول آخر فهي للمفرد المذكر والمفرد المؤنث والمثني المؤنث وجمع الذكور وجمع الإناث والعاقل وغير العاقل، فلو عقدنا بابًا لاسم الموصول في اللغة العامية لم نجد غير «اللي».

    وقد كثر استعمال هذه الكلمة في اللغة المصرية وكثر ورود الأمثال التي بُدِئَتْ بها، ولنقصَّ عليك طرفًا منها من ذلك قولهم: «اللي أوله شرط آخره نور» يقال للحض على حصول الاتفاق قبل البدء في العمل حتى لا يحصل خلاف بعد، «اللي أكل لحمتها ياكل عضمتها» يقال بمعنى أن من له فائدة الشيء عليه أن يتحمَّل متاعبه، ومثل ذلك قول أهل الجرائم: اللي يحلب الغنم عليه يسرحها.

    «اللي اختشوا ماتوا» يقال للدلالة على فساد الزمان، وأنه لم يبق من الناس إلا مَن قَلَّ حياؤه.

    «اللي تزرعه بإيدك تحصده بإيدك» يعنون أن نتيجة عملك من جنس عملك إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وهذا المعنى كثير الاستعمال، من ذلك قول الشاعر:

    كل امرئ — يا عمرو — حاصد زرعه
    والزرع شيء لا محالة يحصد

    وقوله:

    من يزرع الشر يحصد في عواقبه
    ندامة، ولحصد الزرع إِبَّانُ

    «اللي تسكر به افطر به» يقال تبكيتا للرجل ينفق ماله في الترف والفخفخة وما يضر، على أنه محتاج إلى ما هو ضروري.

    «اللي تصاحبه ما تقابحه» يقال للحث على حسن السلوك مع من تكون الضرورة داعية إلى معاشرته كجار في المسكن أو شريك في العمل أو نحو ذلك.

    «اللي تشوفه راكب على عصا قول له مبارك الحصان» يراد به مجاراة كل إنسان على قدر عقله ومسايرة كل أحد على هواه.

    «اللي تجمعه النملة في سنة يأخذه الجمل في خفه» يضرب للفقير المقتصد قليلًا قليلًا ثم يأتي عليه من يذهب بما يقتصده دفعة واحدة، كغني ظالم يسلبه ماله أو ابن مسرِف يبذِّر ما جمعه أبوه في الزمن القصير.

    «اللي تملكه اليد تزهده النفس» يقال للدلالة على أن النفس تزهد ما ألفت وملكت وتطمع فيما منعت كما قال الشاعر:

    أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

    «اللي تغلب به العبْ به» يقال للحض على استعمال وسائل الغلبة أيًّا كانت شريفة أو غير شريفة.

    «اللي حطيته في الطاقة تلقاه في الطاقة»؛ أي ما ادخرته ينفعك يوم تحتاج إليه فإن لم تدَّخِر لم تجد.

    «اللي عاوز يسرق جمل يحضر له كمامة»؛ أي من أراد شيئًا وجب أن يعد له عدته، ومثل ذلك قول أهل الجزائر: «اللي عاوز يسرق صومعة يحضر لها بير.»

    «اللي فلوسه حرام يعرف باب المحكمة» يمثل عقيدة الناس في المحاكم والتقاضي وأن الدخول في القضايا يُفقر … إلخ، إلخ.

  • الألوان: تختلف الأمم اختلافًا كبيرًا في الألوان من حيث التفاؤل والتشاؤم منها، ومن حيث حبُّها أو بغضها، ومن حيث استعمالها في المناسبات وفي المواقف الرسمية ونحو ذلك.

    فقد اعتاد أكثر الناس (مثلًا) لبس السواد عند الحزن، وقد ذكروا أن أهل الأندلس كانوا يتخذون البياض لباس الحزن، وفي ذلك يقول الشاعر:

    يقولون البياض لباس حزن
    بأندلس فقد من الصواب
    ألم ترني لبست بياض شيبي
    لأني قد حزنت على الشباب

    والمصريون عادة يتفاءلون بالأخضر والأبيض، ويتشاءمون من الأسود والأزرق، فتراهم يقولون: «نهار أسود أو أزرق» إذا أرادوا التعبير عن يوم مملوء بالشر، وفي عكس ذلك يقولون: «نهارك أبيض»؛ أي مملوء بالخير، وقد يكنون عن البركة بشيء شديد البياض فيقولون: «نهارك لبن أو نهارك زي الفل»، ومن تشاؤمهم من الأسود أيضًا أنهم ينادون الرجل الأسود بقولهم: «يا أبيض» تفاؤلًا ونفورًا من السواد، ومن تفاؤلهم بالأخضر تسميتهم «العتبة الخضراء».

    ويغلب على أهل الوقار والرزانة والمتقدمين في السن والطبقة الأرستقراطية أو من يحذو حذوهم لبس البدل السوداء أو القريبة من السواد؛ لأنها تبعث الوقار والهيبة، فهي في ذلك أشبه بلباس الحزن بجامع الرزانة أو الوقار في كل.

    والعرب خاصة والشرقيون عامة — مع تشاؤمهم بالأسود ولبسهم السواد في الحزن — يُعْجَبُون بسواد العيون وسواد الشعر، وإن كان منهم من يميل إلى العيون الزرق أو الخضر والشعر الأشقر، ولكن الغالب حُبُّ السواد فيهما، وهذا طبيعي ومعقول؛ لأن لون بشرتهم يغلب عليه السمرة والأنسب للسمرة سواد العين وسواد الشعر حتى يكون هناك انسجام في الألوان يرتاح إليه النظر، ولذلك كان بغيضًا عند أهل الذوق من المصريين أن يَرَوْا فتاة سمراء قد صفرت شعرها بالأوكسجين.

    والمصريون يقولون: «قلبه أسود» كناية عن أن قلبه مملوء بالحقد والحسد، وفي عكسه يقولون: «قلبه أبيض»؛ أي صريح لا غش فيه، والعرب تستعمل في مكان «أسود القلب» أسود الكبد، قال الشاعر:

    فما جشمت من إتيان قوم
    هم الأعداء فالأكباد سود

    وتقول العرب: سويداء القلب؛ أي حبته، ويقولون: «رميته فأصبت سواد قلبه»؛ أي القلب نفسه وكثيرًا ما يُصَغِّرُونَ سوداء فيقولون: سويداء، ويقولون: أصابه في سويدائه.

    وكان أهل المدينة يطلقون على الحرة (وهي المكان الذي علا سطحه حجارة سوداء كأنها شيطت بالنار) وعلى الليل الأسودين، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «لقد رأيتنا مع رسول الله ما لنا طعام إلا الأسودان» وقد فسره بعضهم بالتمر والماء، ولكن التفسير الصحيح أنهما الحرة والليل؛ لأنها أرادت أن تبالغ في شدة الحال وأن ليس معها إلا الحرة والليل.

    والعرب أيضًا تسمي شخص كل شيء سوادًا، فسواد الإنسان متاعه، والسواد الأعظم العدد الكثير من الناس، وقال بعضهم: «إنما السؤود في السواد»؛ أي إن السيادة الحقة أن يكون الشخص سيدًا عند عامة الناس لا عند خاصتهم؛ لأن الخاصة عدد قليل والسيادة فيهم محدودة المدى بخلاف السيادة على العامة.

    والمصريون يُكَنُّونَ عن الإنسان أحيانًا بأسود الشعر، ومن الأمثال في ذلك «أسود الرأس ما تأمن له»؛ أي لا تأمن شر الإنسان، وفي أمثالهم أيضًا وهو يوضح المثال السابق «ربي أسود الرأس يقلعك» و«ربي أزون المال ينفعك»، والمراد بأزون المال أقل حيوان كالكلب والقط؛ أي إن إسداء الخير للإنسان يعود بالوبال على من أحسن إليه، وخير من ذلك الإحسان إلى أحقر الحيوان.

    ولون الخضرة محبوب عند المصريين يتفاءلون به؛ لأن أكثر لون المزروعات الخضرة، والزرع عماد حياتهم، ولذلك قد يسمون اللون الأزرق أحيانًا أخضر، ويطلقون الأخضر على كل شيء رطب ندي، فيسمون الثوب المبلول الذي لم يجف أخضر، والأرض إذا كانت مرشوشة خضراء، ويظهر لي أن هذا الاستعمال الأخير تحريف عن الأخضل باللام لا بالراء، فالعرب تقول خضل الشيء؛ أي ندي، والشيء أخضل؛ أي ندي مبتل، ومنه قولهم: «عيش خضل»؛ أي طيب ناعم، وشباب خضل؛ أي ناعم مترف، ومنه قول الطويراني في لاميته:

    نعم الألى علمونا من مكارمهم
    غر الخصال وصانونا عن الخطل
    سِرْنا على إثرهم في كل ناحية
    سير النسيم على ذي نضر خضل

    فجاء العامة وحرفوا اللام راء وسموا الشيء الرطب أخضر بدل أخضل، وقد يجوز أن يكون هذا الوصف من الخضرة أيضًا؛ لأن العرب استعملت الخضرة وصفًا للغض الناعم.

    ومما يدل على تفاؤل المصريين بالخضرة قولهم: «ربنا يجعل قدمك علينا صلق أخضر»؛ لأن الصلق لطيف الخضرة، فهم يَتَمَنَّوْنَ أن يكون قدمه أو أثره أخضر حسن العاقبة.

    ولعل هذا كان من الأسباب في اختيار العَلَمِ المصري أخضر؛ لأنه من جهة يدل على أن الأرض المصرية زراعية عمادها الاقتصادي الزراعة، ومن جهة أخرى يدل على التفاؤل بهذا اللون الجميل.

    والعرب كالمصريين لم يستعملوا الألوان بدقة، فخلطوا بين الأسود والأزرق والأخضر فسموا مثلًا السماء خضراء مع أنها زرقاء.

    وفي الحديث «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»، فالخضراء السماء، والغبراء الأرض، وسموا سُمرة الجلد خضرة، فقال شاعرهم:

    أخضر الجلدة في بيت العرب

    وسموا الكتيبة خضراء إذا كان رجالها يلبسون الدروع السوداء، وفي الحديث «إن الحارث بن الحكم تزوج امرأة فرآها خضراء» فطلقها؛ أي سوداء، وقالوا في عكس ذلك «سواد العراق» وهو أرضه الخصبة التي تكثر فيها الأشجار الخضراء والزروع الخضراء، وهكذا خلطوا بين الأسود والأخضر والأزرق.

    والمصريون يعبرون عن اللون إذا اشتد بأنه غامق وإذا خف بأنه فاتح فيقولون: أسود غامق وأحمر غامق وأحمر فاتح وأخضر غامق وأخضر فاتح، وهم يرتبون الأزرق رتبًا فإذا كان زاهيًا قالوا: أزرق صيني، ولعله تشبيه بألوان الأطباق والفناجين؛ لأنها تسمى كلها «صيني»، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «صافي» كلون الجلاليب التي يلبسها العامة، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «سماوي»؛ أي كلون السماء، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «لبني»؛ أي كلون اللبن؛ لأن في لونه زرقة خفيفة.

    وأحيانًا يقولون: «أحمر إنجليزي» إذا كان شديد الحمرة كلون لباسهم الذي كانوا يلبسون من أعوام، فإنه كان شديد الحمرة، ويقولون أخضر غامق، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: أخضر زرعي؛ أي كلون الزرع، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: أخضر فستقي؛ أي كلون الفستق.

    وقد اتخذ العباسيون السواد شعار الدولة الرسمي ولذلك غلا في أيامهم سعر الثياب السود، وكان شعار الثوار البياض فيقولون: «إن جماعة خرجوا عليهم وبَيَّضُوا» واشتهر على لسانهم اللون الأصفر، وقالوا في ذلك كثيرًا، وقد شرحنا هذا في كتابنا فيض الخاطر، والله أعلم.

  • أما غريبة: تستعمل أما هنا بمعنى هذه أو تلك وكذلك تأكيد الغرابة، وتستعمل أما بهذه المعاني في مواضع كثيرة، فيقولون: أما حاجة كويسة، وأما حاجة وحشة، وهكذا.
  • الأمثال: الأمثال نوع من أنواع الأدب، يمتاز بإيجاز اللفظ وحسن المعنى ولطف التشبيه وجودة الكناية، ولا تكاد تخلو منها أمة من الأمم، ومزية الأمثال أنها تنبع من كل طبقات الشعب، وليست في ذلك كالشعر والنثر الفني إنهما لا ينبعان إلا من الطبقة الأرستقراطية في الأدب، فالعجائز في البيوت تؤلِّف الأمثال وطبقة الفلاحين ينبع منها أمثال وكذلك طبقات الصناع والتجار وغيرهم.

    وأمثال كل أمة مصدر هام جدًّا للمؤرخ والأخلاقي والاجتماعي يستطيعون منها أن يعرفوا كثيرًا من أخلاق الأمة وعاداتها وعقليتها ونظرتها إلى الحياة؛ لأن الأمثال عادة وليدة البيئة التي نشأت عنها، فالعربي البدوي في الصحراء نجد أمثاله مشتقة من عيشته من جمال وخيام وأرض وجدب وخصب ومطر ونحو ذلك، والذين يسكنون السواحل يشتقون أمثالهم من البحر والسفن والصيد والسمك ونحو ذلك.

    كما نستطيع أن نفهم من الأمثال مبلغ إدراك الأمة للأشياء، وما تثيره في أنفسهم من معانٍ، ومبلغ ذوقهم في التشبيه واقتدارهم على انتزاع وجوه الشبه بين المشبَّه والمشبَّه به.

    كما أنها تدل على ما يستحسنه الشعب وما يستقبحه أو على الأقل ما تستحسنه الطبقة التي نبع منها المثال وما تستقبحه، فيستطيع الباحث في أمثال أُمِّهِ أن يعرف ما الذي تكرهه وما الذي تحبه، وما الذي تُكْبِرُهُ وما الذي تحتقره، كما يستطيع أن يعرف منها مقدار تقديرها للأخلاق من كرم وبخل واقتصاد وإسراف وخيانة وأمانة وغدر ووفاء وحرية وعبودية.

    كما يستطيع أن يعرف منها مقدار تدينها وعدم تديُّنِهَا، وما هي الروابط التي بين الشخص وبين أسرته وبينه وبين أصدقائه وبينه وبين أمته إلخ …

    فإذا جمعنا — مثلًا — الأمثال المصرية التي قيلت في المرأة أمكننا أن نعرف منها نظرتهم إلى المرأة، وإذا جمعنا الأمثال المالية أَمْكَنَّا أن نعرف منها نظرتهم الاقتصادية وهكذا.

    ولكن يعترض الباحث في الأمثال صعوبات كثيرة منها: أن الأمثال لا يُعرف قائلها حتى تستطيع أن تعرف من أي وسط نبعت، هل قالها ريفي أو حضري، وهل قالها سوقي أو أرستقراطي؟ والناس — عادة — يهتمون بقائل الشعر، فكثير من الشعر يمكننا معرفة قائله، أما المثل فلا؛ فقد تقوله عجوز في بيتها أو فلاحة في حقلها، أو صانع في مصنعة، ثم يسير القول في الناس من غير اهتمام بقائله، كما أنه يصعب تحديد تاريخ المثل في أي عصر قيل، وقد يكون هذا هامًّا جدًّا لأنَّا كثيرًا ما نجد أمثالًا متضاربة فهم يقولون — مثلًا — «القرش الأبيض ينفعك في اليوم الأسود» ويقولون: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» فهذان مثلان متناقضان ينصح أولهما بالتدبير والثاني بالتبذير، فهل نبعا من وسطين مختلفين، أو قيلا في وقتين أو حالتين مختلفين، ومثل قولهم: «ابن الوز عوام»، وقولهم: «باب النجار مخلع»، فبين هذين المثلين شبه تناقض.

    نعم إن بعض الأمثال يمكن معرفة تاريخها بدلائل مختلفة، فقد جمع لنا — مثلًا — الأبشيهي في كتابة «المستطرف من كل فن مستظرف» طائفة من الأمثال العامية المستعمَلة في زمنه، وقد كان مؤلفه في القرن الثامن الهجري.

    وأحيانًا يدل المثل نفسه على التاريخ الذي قيل فيه مثل: «آخر خدمة الغز علقة» فإن المثل يدل على أنه قيل في مدة حكم الأتراك لمصر.

    كما أن بعض الأمثال يدل على نوع الوسط الذي نبعت منه مثل: «النوتي في حساب والريس في حساب» فإنه يدل على أنه نبع من وسط المراكبية، ومثل قولهم: «إيش عرف الفلاح بأكل التفاح» فإنه يدل على أنه نبع من وسط الحضريين، ومثل قولهم: «اللي مالوش شيخ شيخه الشيطان» فإنه نبع من وسط مشايخ الطرق، وهكذا. ولكن هذا قليل، وأكثر الأمثال لا يعرف قائلها ولا تاريخها ولا منبعها.

    ومما يفيد الباحث في الأمثال مقارنة أمثال الأمم بعضها ببعض كالموازنة بين أمثال الإنجليز والفرنسيين والألمان والمصريين والشاميين والمغاربة ونحو ذلك، وهذه المقارنات تدل على أن بعض الأمثال يكاد يكون عامًّا بين الأمم، وهو ما اتصل بالإنسان كإنسان، وما اشترك فيه الناس من تجارب الحياة مثل: تقدير المال ووجوب التدبير ومثل: «معظم النار من مستصغر الشرر» ومثل: «إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب» ومثل القول بأن الورد يظهر بين أشواك، ونحو ذلك من المعاني التي تكاد تتفق فيها الأمم؛ لأنها نتيجة تجارب مشتركة أدت إلى نتائج متحدة.

    وهناك — على العكس من ذلك — أمثال تختلف فيها الأمم إمَّا من حيث اختلاف التعبير، وإمَّا من حيث اختلاف البيئة، وإما من حيث اختلاف الظروف الاجتماعية، فإذا قال المصري: «إن اصطلحات الضراير يخرب البيت» فهذا مثل لا يمكن أن يقوله الفرنسي أو الإنجليزي الذي لا يتزوج إلا واحدة، وإذا قال الشرقي: «إن اشتريت الحمار حضر له المنخسة» فلا يقوله الغربي الذي ليس في بلده حمير، وإن قال الفرنسي: «أفقر من فأر الكنيسة» فالمسلم لا يشتق أمثاله من الكنائس وهكذا …

    وهذه مقدمة صغيرة لدراسة الأمثال.

    وللمصريين أمثال كثيرة منها ما شاركوا فيه الأمم الأخرى؛ لأنها نتائج تجارب إنسانية عامة — كما قلنا — ومنها ما هي خاصة بهم؛ لأنها نتيجة بيئتهم ونوع معيشتهم، ومنها ما هي خاصة بطائفة من الطوائف دون عامة المصريين؛ لأنها نبعت من وسطهم وقيلت في شأن من شؤونهم، وبعض هذه الأمثال في منتهى الحكمة والدقة، وبعضها نتيجة نظر قاصر وتجربة ناقصة وعقل سخيف.

    والآن نعرض لبعض الأمثال مرتبة حسب الموضوعات لا كما يفعل المؤلفون في ترتيبها حسب الحروف الأبجدية:

    «حمارتك العرجاء ولا سؤال اللئيم.»

    وكثرت في الأيام الأخيرة الأمثال الدالة على الاستعباد والخضوع للحكام، مثل قولهم: «إن ابتليت بظالم جاريه»، «حاكمك سيدك»، «يا بخت من كان النقيب خاله»، «اللي تشوفه راكب على العصا قوله له مبارك الحصان.»

    ويقول أهل الجزائر في هذا المعنى:

    «إذا قال سيدك ديب قل ما أعتاه» ويروون أن سيدًا رأى في مزرعته حيوانًا فنادى خادمه احذر الذئب، فقال الخادم: إنه ثعلب، فقال السيد: إنه ذئب، فقال الخادم: إنه ثعلب، فرفع السيد عصاه وضرب به رأس الخادم بعد أن ذهب الثعلب، فقال الخادم ما دمت تقول إنه ذئب فهو ذئب ما أعتاه، فقيل هذا المثل … إلخ.

    ومثل قولهم: «إن فاتك الميري اتمرَّغ في ترابه.»

    وقولهم: «أنا أول من أطاع وآخر من عصى»، «إن كنت في بلد يعبدوا الجحش حش وادي له»، «إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي» … إلخ.

    ومن الأمثال التي تدل على علاقة الحاكم بالمحكوم:

    قولهم: «آخر خدمة الغز علقة»، وهو مثل وُضِعَ أيام كان المصريون تحت حكم الأتراك والغز طائفة منهم، وهو يدل على أن المصريين قد لاقوا العَنَتَ من حكم الترك.

    وقولهم: «ظلم الترك ولا عدل العرب»، وهو يدل على أنهم قد لقوا من بدو العرب أكثر مما لقوا من ظلم الأتراك.

    وقولهم: «أكمن أبوك سنجق داير على حل شعرك» يدل على أن من ينتسبون إلى السناجق وهم ضباط الأتراك كانوا يعيثون في الأرض فسادًا، ويسيرون تبع هواهم.

    وقولهم: «ارقص للقرد في دولته» يدل على خضوع المصريين لكل حاكم في أيامه مهما ظلم.

    وقولهم: «رايح فين يا صعلوك بين الملوك» يدل على احتقارهم أنفسهم أمام العظماء كأنهم من طينة أخرى.

    وقولهم: «راحت من الغز هاربة قابلوها المغاربة»، والمغاربة قوم من الجنود كانوا يُجَنَّدُونَ من المغاربة للغزو؛ أي إنهم هربوا من شر فوجدوا أشر منه.

    قولهم: «ضرب الحاكم شرف» قولهم: «جندي الكرا ما يحاربوش»؛ أي إن الجنود الذين يُجَنَّدُونَ بالكراء لا يَصْدُقُونَ في الحرب.

    وقولهم: «يا فرعون من فرعنك قال مالقيتش حد يردني.»

    وقولهم: «لا تلابط البدوي ولا تجاريه» (الملابطة المصارعة)؛ أي إنك إن لابطته فقد يغلبك، ولا تُجَارِهِ؛ لأن البدو مشهورون بسرعة العدو.

    «لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة وست أشهر»، «زي التركي المرفوت يصلي لحد ما يستخدم.»

    «ما حدش يقول يا جندي غطي دقنك» (الجندي الأمير التركي)؛ أي لا يستطيع أحد أن يشير عليه بالخير إذا أراد الشر.

    «الولد ولد ولو حكم بلد.»

    «حاكمك سيدك» وهو يدل على الاستسلام للحاكم المستبد.

    ومن الأمثال الدالة على حالة المرأة:

    قولهم: «الأصيلة ما تتَّاقلش بمال.»

    وقولهم: «تحت البراقع سم ناقع.»

    «تاخدي جوزي وتغيري، ما تخيلي»، «تُبقَى عورة وبنت عبد ودخلتها ليلة الحد.»

    قالوا هذا لأن العادة أن يكون الزواج ليلة الجمعة أو الإثنين، فأن يكون الزواج ليلة الأحد نكبة أخرى.

    «الغزالة تغزل برجل حمار» ومثله: «لَبِّسِ الخنفسا تبقى ست النسا.»

    «زي أم العروسة فاضية ومشبوكة.»

    «وفري نفسك يا حماتي ما لي إلا مراتي.»

    «لَبِّس البوصة تبقَى عروسة» (البوصة: القصبة من غاب أو نحوه)، فإذا ما وضع عليها ما يُصْنَعُ من فضة أو ذهب ولبس فيها سميت عروسة.

    «الغجرية ست جيرانها.»

    «خد من الزرايب ولا تأخذ القرايب.»

    «خد المليح واستريح.»

    «قالوا خدوا جوز الخرسة اتكلمت.»

    «الخنفسة عند أمها عروسة»، ومثله «القرد في عين أمه غزال.»

    «الراجل ابن الراجل اللي عمره ما يشاور مرة.»

    «الراجل ومراته زي القبر وأفعاله»؛ أي إن السر الذي بينهما لا يُذاع.

    «الحما حمة، وأخت الجوز عقربة صمة.»

    «قالوا يا جحا مراة أبوك بتحبك، قال: يمكن اتجننت.»

    «قعاد الخزانة ولا جواز الندامة» الخزانة الحجرة الصغيرة.

    «فاتت ابنها يعيط وراحت تسكت ابن الجيران.»

    «الفاجرة داريها والحرة عاديها.»

    «البايرة لبيت أبوها.»

    «بوس إيد حماتك ولا تبوس إيد مراتك.»

    «بنت الدار عورة» والمراد أنها غير مستحسنة؛ لأنها في اليد.

    «بنت الفارة حفارة.»

    «بنت الحرافة تطلع دراسة.»

    «البنات بسبع وجوه.»

    «بره وردة وجوه قردة.»

    «جَوِّزوا مشكاح لريمة ما على الاثنين قيمة.»

    ومن الأمثال الدالة على الحالة الاجتماعية والأخلاقية:

    «زي بعجر أغا ما فيه إلا شنابه.»

    «زي ساعي اليهود لا يودي خبر ولا يجيب خبر.»

    «الدنيا بدل يوم عسل ويوم بصل.»

    «الدنيا زي الغزية ترقص لكل واحد شوية.»

    «الوش وش حاج والطبع ما يتغيرش.»

    «لا شجرة إلا وهزها ريح.»

    «خدلك من كل بلد صاحب ولا تأخذ من كل إقليم عدو.»

    «خدوا من فقرهم حطوا على غناهم» يضرب للغني يستنزف ما عند الفقير ومثله: «عاز الغني شقفة، كسر الفقير زيره؛ جت الفقير وكسه، ما أقل تدبيره.»

    «الخسارة اللي تعلم مكسب.»

    «الخشب اللين ما ينكسرش.»

    «خفف أحمالها تطول أعمارها.»

    «خفها تعوم»، والضمير على السفينة.

    «خلق ناس وتحفهم وكبب ناس وحدفهم.»

    «خلي بينك وبين الجرب غيط.»

    «خبطتين في الرأس توجع.»

    «خل المية مية وأردب»؛ أي احتط بالزيادة.

    «من شاف بلوة غيره هانت عليه بلوته.»

    «التنا ولا الغنى» التنا: الثناء والسمعة.

    «ثوب غيرك ما يليقش عليك.»

    «غاب القط العب يا فار.»

    «الغايب ما لوش نايب.»

    «الغربة تعلم.»

    «غشيم ومتعافي.»

    «الغضبان خي المجنون» خي: أخ.

    «ضبة خشب تحفظ العتب» (الضبة: القفل الذي يركب على الباب ويقفل بها) يقولون: إنها تمنع من السرقة.

    «الضحك على الشفاتير والقلب يصبغ مناديل» الشفاتير: الشفاه، والمعنى (الضحك في الظاهر والقلب يبكي).

    «الضرب في الميت حرام.»

    «ضعيف وياكل ميت رغيف.»

    «ضلالي وعامل إمام، واللهِ حرام.»

    «ضيع سوقك ولا تضيع فلوسك»، أي لا تشتر إلا إذا وثقت بالربح، فإذا لم تثق فاحفظ فلوسك.

    «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب.»

    «أصحاب العقول في راحة.»

    «ياللي بترقص في الظلام مين حاسس بيك.»

    «يا فاحت البير ومغطيه، لا بد من وقوعك فيه.»

    «يا معزِّي بعد سنة يا مجدِّد الأحزان.»

    «زي الإبرة تكسي الناس وهي عريانة.»

    «قال له نام لما أذبحك، قال دا شيء يطير النوم.»

    «كدب مساوي ولا صدق مبعزق.»

    «كل بير قصادها بلَّاعة.»

    «كل شيء عند العطار، إلا حبني غصب.»

    «أعط العيش لخبازينه.»

    «أقل شيء يرضي الخاطر.»

    «أقل موال ينزه صاحبه.»

    «تدبل الوردة ورائحتها فيها.»

    «لا إنسان ولا حلاوة لسان.»

    «راحت الناس وفضل النسناس.» أي إن الخيرين ذهبوا ولم يَبْقَ إلا الأشرار.

    مثله قولهم: «ما بقي على المداود إلا شر البقر»، «ياكل ويشرب ووقت الحاجة يهرب»، «يا مؤامنة للرجال يا مؤامنة للمية في الغربال»، «يا مستكثر الزمان أكثر»، «يا حامل هم الناس، خلِّيتْ همك لمين»، «يا باني في غير ملكك يا مربِّي في غير ولدك.»

    «زبال في إيده وردة» يضرب لمن يتجمَّل بما لا يتفق وحالته.

    «الزمار ما يغطيش دقنه»، «زبلة ويقاوح التيار»، «زرعت لو كان، وسقيته يا ريت، طرحت ما يجيش منه» يضرب للمتمني ولا يعمل، ويتكل على أمانيه، «زي الخروب، قنطار خشب على درهم سكر»، «زي روايح أمشير، كل ساعة في حال» (الروايح: الرياح)، «زي الطبل، صوت عالي وجوف خالي»، «زي فقراء اليهود لا دنيا ولا دين»، «زي المش كل ساعة في الوش»، «داهية تخفي الشِّرْك» (الشرك: المشاركة)، «الدخان القريب يعمي» يعنون أن المصايب لا تأتي إلا من الأقارب.

    «دور الزير على غطاه لما التقاه» يدل على اتصال الإنسان بما يناسبه.

    «واحد شايل دقنه والتاني تعبان ليه.»

    «الوسخة تفرح ليوم الحزن.»

    «اربط الحمار جنب رفيقه، إن ما تعلم من شهيقه، يتعلم من نهيقه»، «أسيادي وأسياد أسيادي، اللي يعولوا همي وهم أولادي.»

    «النحس مالوش إلا أنحس منه.»

    «النهاردة دنيا وبكره آخرة»، «النواة تسند الزير.»

    «لقمة جاري ما تشبعني وعارها متبعني.»

    «لما اتفرقت العقول كل واحد عجبه عقله، ولما اتفرقت الأرزاق ما حدش عجبه رزقه.»

    «لو شاف الجمل حدبته وقع وانكسرت رقبته.»

    «ما تتم الحيلة إلا على الشاطر.»

    «ما تيجي المصايب إلا من الحبايب.»

    «ما تعرجش قدام مكسحين.»

    «ما شتمك إلا من بلغك.»

    «ما قدرش على الحمار اشَّطر على البردعة.»

    «مالقوش في الورد عيب قالوا له يا أحمر الخدين.»

    «ما تعملش كيس حرير من ودن خنزير.»

    «ما يعجبك البيت وتزويقه، دا اللي جوه نشفان ريقه.»

    «من جاور الحداد ينحرق بناره.»

    «من حبه ربه واختاره جاب له رزقه على باب داره.»

    «ساعة لقلبك وساعة لربك.»

    «ساعة الحظ ما تتعوضش.»

    «الساهي تحت رأسه دواهي.»

    «اللي مالهوش قرابة مالهوش عداوة.»

    «شابت لحاهم والعقل لسه ما جاهم.»

    «الشحاتة طبع.»

    «شخشخ يتلموا عليك» يريدون الدلالة على طمع الناس في المال.

    «الشرا يعلم البيع.»

    «شرارة تحرق الحارة.»

    «الشرط عند الحرت، ولا الخناق في الجرن»، وهو يدل على أنه من وضع الفلاحين.

    «الشكك يفلس التاجر الألفي»؛ أي صاحب الألوف.

    «شيِّلني وأنا أشيلك.»

    «الردا طويل واللي جواه عويل.»

    «الرقص نقص.»

    «الحيطة الواطية كل الناس تنط عليها.»

    «قالوا: أبو فصادة بيعجن القشطة برجليه، قالوا: كان بان عليه.»

    «قالوا: الله يلعن اللي يسب الناس، قال: الله يلعن اللي يحوج الناس لسبه.»

    «ناموسة وعاملة جاموسة.»

    «قالوا للأعور: العمى صعب، قال: نصف الخبر عندي.»

    «قالوا للغراب: ليه بتسرق الصابونة قال: الأذية فيَّ طبع.»

    «قالوا للمشنوق: غطي رجليك، قال: إن رجعت ابقوا عاتبوني.»

    «قالوا: يا جحا عد موج البحر، قال: الجايات أكثر من الرايحات.»

    «قالوا: يا جحا فين مراتك؟ قال: بتطحن بالكرا، قالوا: فين طحينك؟ قال: كريت عليه! قالوا: كنت خلي مراتك تطحنه!»

    «قالوا: يا كنيسة اسلمي، قالت: اللي في القلب في القلب.»

    «قبل ما أقول يا أهلي يكونوا جيراني غاثوني.»

    «القفص المزوق ما يطمَّعش الطير.»

    «القفة اللي لها ودنين يشيلوها اثنين.»

    «قول له في وشه ولا تغشه.»

    «الفار وقع من السقف قال له القط اسم الله عليك.»

    «في الوش مراية وفي القفا سلَّاية.»

    «اقنع بالحاضر لغاية ما ييجي الغايب.»

    «اقطع العرق يسيح دمه.»

    «أعمى ويسرق من المفتح.»

    «الأصل الردي يردي على صاحبه.»

    «العيب من أهل العيب مش عيب.»

    «العيان ما حد يعرف بابه، والعفي ما أكثر أصحابه.»

    «عيوبي لا أراها، عيوب الناس أجري وراها.»

    «الظن السوء بيودي جهنم.»

    «البيت بيت أبونا، والغرب يضربونا.»

    «بيت العنكبوت كثير على من يموت.»

    «بيت النتاش ما يعلاش.»

    «البهيمة العشري ما تناطحش.»

    «صاحب الحق عينه قوية.»

    «صباح القرود ولا صباج الأجرود.»

    «صبري على نفسي ولا صبر الناس عليَّ.»

    «صلح خسران ولا قضاء كسبان.»

    «إذا كان اللي بيتكلم مجنون يكون اللي بيسمع عاقل.»

    ومن الأمثال الدالة على اعتقادهم في القضاء والقدر والحظ قولهم:

    «إذا حل القضا لا ينفع طب ولا دوا.»

    ومثله قولهم: «وقت القضا يعمى البصر.»

    «تحوش الوحوش، غير رزقك ما تحوش.»

    «تبات نار تصبح رماد، لها رب يدبرها.»

    «السعد ما هوش بالشطارة.»

    «قيراط بخت، ولا فدان شطارة.»

    ومن أمثال التي تدل على الاقتصاد:

    «الدراهم مراهم، تخلي للعويل مقدار، وبعد ما كان بكير، سموه الحاج بكار.»

    «هاتي يا مدره ودي يا سدرة»، السدرة: إناء من نحاس يشبه القدر يغسلون فيه أواني القهوة.

    «هز فلوسك ولا تهز دقنك»؛ أي عرض فلوسك للمطالب ولا تعرض عرضك.

    «مال تجيبه الرياح تأخذه الزوابع.»

    «مال الكنزي للنزهي.»

    «مال الوقف يهد السقف.»

    «من حف في غموسه أكل عيشه حاف»؛ أي من أفرط في إدامه أول الأكل اضطر آخر أكله أن يأكل خبزه من غير إدام، والمعنى من أفرط في الصرف من غير حساب ندم على ما فات.

    «معاك مال: ابنك ينشال، معاكش ابنك ما ينشالش»، «خد من التل يختل.»

    ونظيره: جبال الكحل تفنيها المراود.

    «الفلوس زي العصافير تروح وتيجي»، «يقطع الطشت الذهب، اللي تطرش فيه الدم.»

    والمتأمل في هذه الأمثال يستخرج منها أخلاق المصريين في العهد الماضي، فهم يمجِّدون حكامهم، ويطيعون أوامرهم، ولا يثورون لمَظْلَمَة، وهم يعظمون من انتسب إليهم، ثم إن تجاربهم دلَّتهم على كثير من أنواع المعاملة والاعتقاد، كعدم ثقتهم بالإنسان، واحترام الغني واحتقار الفقير، ثم إن علاقتهم بالمرأة علاقة مبنية على سوء الظن، فالأخت تأخذ زوجها من حجر أختها، وهم يعتقدون في الأصالة أكثر مما يعتقدون في الجمال.

    ثم هم يؤمنون بالقضاء والقدر والحظ، حتى إن مقدارًا من الحظ خير من مقدار كبير من المهارة، ثم هم يقوِّمون المال تقويمًا كبيرًا، فالقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، وإذا كان مع الإنسان مالٌ عَزَّ وعَزَّ بنوه، وإذا لم يكن معه مال ذَلَّ وذَلَّ بنوه.

    كما أنه مما يلاحظ أن الروح المصري المرح ظاهر في الأمثال بما فيها من سخرية لاذعة وتشبيهات مضحكة، ويستطيع المتأمِّل أن يستخرج بدقة نظره أكثر من هذا.

  • الأمراض: يشترك المصريون مع غيرهم في الأمراض وتكثر عندهم أنواع خاصة أكثر من غيرهم، من أشنعها «الدوسنتاريا» وهي كثيرة في مصر، يكثُر معها الإسهال، ثم مرض الكبد للحر ولكثرة شرب الماء، وقد ينشأ عن الدوسنتاريا البواسير، وتتفشى بينهم الأمراض الديدانية لعدم نقاوة الماء الذي يشربه الفلاحون، ثم الأمراض الجلدية كالجرب وحب النيل، وقد يكون حب النيل هذا خاصًّا بمصر، وهي حبوب تظهر على الجلد في أيام فيضان النيل ولذلك سموها «حب النيل»، وأحيانًا يسمونها «حمو النيل» وكذلك «القوبة والجدري»، ولشدة الحر والغبار تكثر بينهم أمراض العين، يقول بعض الرحالة من الفرنج: «إنه شاهد في مروره في شارع من شوارع القاهرة عشرين أعمى، وعشرة عورًا، وعشرين احمرَّت جفونهم وسال منها الصديد»، والرمد في المدن أكثر منه في الأرياف، ويضيف بعضهم إلى أسباب الرمد التي ذكرناها شدة الضوء لسطوع الشمس سطوعًا قويًّا، وكذلك ينتشر في مصر مرض السيلان والزهري، وهم لا يعتقدون أن سببه اتصال غير شريف، بل قد يكون الفزع أو البرد الشديد، ولذلك لا يستحيون كثيرًا من ذكره أو الإصابة به.

    ومنها الأمراض السرطانية وهي الحمد لله قليلة في مصر، وكذلك الأمراض كالسل فإنها قليلة في مصر، بالنسبة لغيرها وكذلك الأمراض العقلية.

    ومن الأمراض المتوطنة حمى التيفوس والتيفود، ولكن من فضل الله أن الطب الحديث بدأ يتغلب عليهما.

    ويكثر بين المصريين — مع الأسف — مرض البول السكري، ولكنه أخف نوعًا من المرض السكري في الأقطار الأخرى.

  • أُم: يستعملها المصريون بمعنى الوالدة، كأم حسن، وأم حسين، وأم خليل، ويستعملونها ككلمة أب، بمعنى صاحبة كأم الخلخال، وأم العباية، وأم الشال، وأم الجلابية الحمراء، واشتهر عنهم تكنية امرأة كانت في عهد الخديو إسماعيل بأم الشعور، وكانت ماهرة في اللعب على الحبل والإتيان بحركات بهلوانية غريبة، وكانت تُستَدْعى في أفراح الأغنياء، كما اشتهرت الطعمية بأم الفلافل، نسبة إلى الفلفل؛ لأنه يوضع فيها؛ وكما اشتهرت السيدة زينب بأم هاشم وأم العجايز، ومن ذلك أم علي وأم قويق.
    • أم علي: أم علي طعام مشهور لذيذ الطعم، يصنع من الرقاق الرفيع واللبن والسمن، فإذا فردت راقات منه وضع في منتصف «الصينية» جوز ولوز وزبيب وبندق مكسر، ثم أكملت الصينية مع إضافة اللبن والسمن أيضًا، ثم تدخل الفرن فتكون أكلة لذيذة.
    • أم قويق: هي البومة، ويتشاءم منها العامة كثيرًا، فإذا صاحت في بيت فذلك إنذار بمصيبة تحل بأهله فيخرب، يقولون لمن كان سيئ الطالع: «وش البومة»، وربما كان السبب أنها طائر ليلي ليس فيه ميل للاستئناس ويميل إلى العزلة، وكذلك يذهب إلى الخرائب.
  • أنا أحبه حب يفوق الوصف: تعبير يعني أنه لا يوصف لشدته.
  • أنا بدِّي: تعبير بوُدِّي؛ أي أحب كذا، فأنا بدي أتزوج؛ أي بودي أتزوج.
  • أنا في حالي وأنت في حالك: تعبير يعني أنا في شأني وأنت في شأنك، ومثلها روح في حالك، ومثله راح ألاقيها منين واللا منين؛ أي لا أدري من أي جهة تأتي المصائب، من هنا أو من هنا.
  • إن، وإذا: يستعمل المصريون كلمتي إن وإذا في معنى واحد تقريبًا، ولا يفرق بينهما الفرق الدقيق المعروف في النحو، واستعمالهم «إن» أكثر من استعمالهم «إذا»، ولذلك كثرت في لسانهم الأمثال المبدوءة بإن، وقَلَّتِ المبدوءة بإذا، وأحيانًا يروى المثل بالوجهين، فبعضهم يرويه بإن وبعضهم يرويه بإذا.

    ومن أشهر أمثالهم في هذا الباب قولهم: «إن كنت في بلد يعبدوا الجحش حش وارمي له» وهو مثل يدل على حب الاستسلام والميل إلى الخضوع والطاعة ولو كان الأمر باطلًا، وكره الثورة والمجاهرة بالحق، وقد وردت أقوال كثيرة في هذا المعنى مر بعضها، ومثل قول المعري:

    ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا
    تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل

    ومن أمثال «التلمود»، «إذا كان الثعلب ملكًا فانحنِ له»، وفي أمثال أهل الجزائر: «إذا وجدت الناس يعبدون العجل فعليك بالحشيش.»

    وقال الشاعر:

    تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم
    ولاقهمو بالجهل، فعل ذوي الجهل
    وخلِّط إذا لاقيت يومًا مخلطًا
    يخلط في قول صحيح وفي هزل
    فإني لقيت المرء يشقى بعقله
    كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل

    ومن طريف ما يُحكَى في ذلك أنه لما ولي جلال الدين الزينبي الوزارة دخل عليه شاعر اسمه أبو الفضل والمجلس حافل بأعيان الرؤساء والوجهاء، فوقف بين يديه وأظهر السرور والفرح ورقص، فقال الوزير لمن يفضي إليه بسره: قبَّح الله هذا الشاعر! إنه يشير إلى ما تقوله العامة في أمثالها «ارقص للقرد في زمانه.»

    وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

    إذا رأيت امرأً وضيعًا
    قد رفع الدهر من مكانه
    فكن سميعًا له مطيعًا
    معظمًا من عظيم شانه
    فقد سمعنا بأن كسرى
    قال قديمًا لترجمانه
    إذا زمان السباع ولى
    ارقص على القرد في زمانه

    ومن الأمثال العامية في ذلك:

    يا اللي تعاشر الناس
    وتريد منهم نصافة
    كن بينهم نسناس
    إوع تبين حصافة

    وهذه الأقوال وأمثالها أثر من آثار عصور الاستبداد والظلم، فطلبوا من الناس أن يكونوا آلات صماء وأحجارًا جامدة، تطيع ولو ظلمت، وترضى ولو نكبت، وتقبل الحاكم ولو كان قردًا، وتطيع الأمر ولو كان فاسدًا؛ فلما انتبه الناس وقررت قواعد الحرية وَجَبَ أن يتغير مثل هذه الأمثال ويطلب من الناس ألا يقبلوا الظلم ولو أُكْرِهُوا عليه، وأن يقولوا الحق ولو أوذوا في سبيله، وأصبحت هذه الأمثال أثرية تفيد المؤرخ ولا تفيد الأخلاقي.

    ومن الأمثال المبدوءة بإن قولهم: «إن شفته بيسب اعرف إنه بيحب.»

    وهو قول حكيم مبني على دراسة نفسية عميقة، فقد يظهر الإنسان غير ما يضمر خصوصًا في الحب، وقد سبق مجنون ليلي إلى هذا المعنى فقال:

    كلانا مظهر للناس بغضًا
    وكل عند صاحبه مكين

    وقريب من هذا المعنى وإن لم يكن منه تمامًا قول البهاء زهير:

    سميت غيرك محبوبي مغالطة
    لمعشر فيك قد فاهوا بما فاهوا
    أقول زيد وزيد لست أعرفه
    وإنما هو لفظ أنت معناه

    ومن قولهم: «إن جار عليك الزمن جور على دراعك»، وهو مثل لطيف، ومعناه إن اشتد عليك الزمان فأصابك بالفقر وقلة الرزق، فاشتد أنت على ذراعك وأكثِر من العمل بيديك والجد في طلب الرزق لتغلب بجدك جد الزمان في حربك، وفي هذا المثل قوة رائعة.

    ومن قولهم:

    إن أقبلت باض الحمام على الوتد
    وإن أدبرت بال الحمار على الأسد

    ومعناه إن أقبلت الدنيا وحسن الحظ سهل العسير وحصل البعيد، كأن يبيض الحمام على الوتد، وإن ساء الحظ حصل ما لم يكن في الحسبان فيذل العزيز حتى يبول الحمار على الأسد، فعند إقبال الدنيا يسهل كل عسير وينقلب التراب ذهبًا، وعند إدبارها يتعقد كل سهل وينقلب الذهب ترابًا ويتحكم الحمار في الأسد، وهو من الأمثال الكثيرة في اللغة العامية التي تدل على إيمان شديد بالقدر وبالحظ.

    ويقولون: إن اصطلحت الضراير يخرب البيت.

    وذلك لأن عداوة الضراير أمر محتم وأمر طبيعي؛ لأن كل واحدة ترى أن الأخرى سلبتها حقها في الزوج، فإذا اصطلحتا واتفقتا فلا بد أن يكون هناك سبب غير طبيعي فقد تتفقان على الإضرار بالزوج؛ لأنه عدوَّهُما المشترك، فقد أغضب كلًّا بزوجة عليها، وقد تتفقان على الانتقام من حماتهما؛ لأنها كذلك عدوهما المشترك، وقد تتفقان على غير ذلك، وفي كل هذا هدم للبيت وعمل على خرابه.

    ويقولون: «إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر»؛ أي إما كبار الأمور وإلا فلا، وقريب من هذا المعنى قول الشاعر:

    لنا الصدر دون العالمين أو القبر

    ويقولون: «إن جابوا للمجنون ألف عقل على عقله ما يعجبوش إلا عقله.»

    أي إن الضعيف العقل لا يعترف بضعف عقله، بل يعده من أحسن العقول ويعد أحكامه من أحسن الأحكام، ومن أحسن ما قيل في ذلك: إن كل إنسان راضٍ عن عقله وساخط على حظه.

    ويقولون: «إن كانت الدعوة تجوز ما كان بقى صبي ولا عجوز»؛ أي إن الله لا يستجيب كل دعوة ولو كان يستجيبها لما بقي أحد؛ لأن كل إنسان لا يسلم من غاضب يدعو عليه.

    ويقولون: «إن لبست الخيشة برضه عيشة»، تقوله الجميلة التي تستغني بجمالها الطبيعي عن جمالها الصناعي.

    وأخيرًا: «إن كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله.»

  • إنت ممروع ليه؟: تعبير يعني متكبر متعنطز ليه.
  • إنت اللي فيهم: تعبير يعني الشخص البارز الذي يُعتمد عليه من بين أصحابه.
  • إن شاء الله: تعبير يكثر على ألسنة المصريين، فهم إذا وعدوا بعمل شيء شفعوه غالبًا بقولهم: إن شاء الله، اعتمادًا على قوله تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، وهو يعتذر إذا لم يفعل الشيء بأن الله لم يشأ، وقد علَّق الأمر على المشيئة وهي كما ترى لا تقال إلا لشيء ينوي عمله في المستقبل، ولذلك يستخفون جحا عندما سئل أين حمارك؟ فقال: ضاع إن شاء الله؛ لأنه تعبير عن الماضي، ويعبرون بها أيضًا عند الأمل في الشيء، فيقولون: سأغتني إن شاء الله، وستتزوجين زواجًا حسنًا إن شاء الله وهكذا.
  • إن عامت قرقشت، وإن غرقت قرقشت: تعبير يعني أنهم لا يهمهم ما يحدث، فإن لديهم من الرزق وهدوء البال، ما يجعلهم يضربون صفحًا عن كل ما يحدث، وهو دليل على الأنانية البحتة.
  • إن كان اللي بيتكلم مجنون، خلي السامع يبقى عاقل: تعبير يعني أنه لا يصح أن يجاري السامع المتكلم في كل ما يقول، فإن تكلم أحد بالكلام الفارغ، فلا يصح للسامع أن يجاريه.
  • أنَهْ: تستعمل بمعنى أنا، فيستخفون الوقف على الهاء الساكنة بدلًا من الألف وقريب منها: إنهو بمعنى أيها، فيقول أحدهم «إنهو الأحسن من دول»؛ أي أيهم من هؤلاء.
  • انتقال الجبل: أسطورة من أساطير الأقباط، وقصة مخترعة من أقاصيصهم، خلاصتها: أنه كان لبعض سلاطين مصر وزير يهودي أسلم، والعداوة بين اليهود والنصارى معروفة، فأراد الوزير أن يوقع الملك بالنصارى، فقال له: «إن إنجيلهم يقول: لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هنا، فينتقل»، فاستصوب الملك هذا الرأي، وأمر فاستحضر البطريرك وكبار الأقباط من رجال الدين، وسألهم عن هذه الآية، وهل هي واردة في الإنجيل فقالوا له: نعم فقال الملك: إذًا لا بد من تحريك الجبل عمَّا كان، وإلا محوت أثركم، فاستمهلوه ثلاثة أيام، ولما خرجوا دعوا القسوس جميعهم في مكان واحد، وصاموا لله، وواظبوا على الصلوات، وطلبوا من الله، ومن السيدة مريم، رفع هذه الغشاوة عنهم وفي صبيحة اليوم الثالث نام البطريرك وهو واقف فكلمته السيدة مريم وقالت له: إذا دخل الكنيسة إنسان وعلى كتفه جرة ماء، وهو بعين واحدة فأمسكه، فإن خلاص الشعب على يديه، وإياك أن يهرب منك؛ فلما انتبه من نومه، تربص لذا الأعور، حتى إذا سار أمامه أمسكه البطريرك؛ وكان هذا الرجل إسكافيًّا اشتهى امرأة كشفت عن ساقيها، ليقيس لها حذاء، ثم ندم على ما وقع منه، وقلع عينه بالمثقاب الحديد، وترك تلك الحرفة، وصار سقَّاء، وبينما البطريرك والإسكافي يتكلمان، وفد رسل الملك عليهما، فذهبا إلى القصر، فأخذهما الملك إلى جبل الجيوشي وقال: أريد أن تنقلا هذا الجبل من مكانه فقال له البطريرك: إننا نريد أن يطلب المسلمون من الله نقل الجبل قبلنا، لنرى أيقدرون على ذلك أم لا؟ فاستصوب الملك رأيهم، ودعا المشايخ والقضاة المسلمين، فتوضأوا وصلوا وصرخوا بالأذان، فلم يتحرك الجبل، وطلب البطريرك أن يمتحن اليهود كذلك، ففعلوا فلم يتحرك الجبل، وأخيرًا جاءت جموع النصارى والبطريرك والإسكافي، فأمرهم البطريرك أن يصرخوا بصوت واحد مرتفع، صرخة واحدة: إننا نأمرك أيها الجبل بحق من أرساك وثبتك في هذا المكان أن تنتقل من موضعك وتجيء إلينا، ولا تؤذي أحدًا من خلق الله، فتحرك الجبل من موضعه، وجاء إليهم، وصرخ الملك يطلب من البطريرك أن يقفه في مكانه، فلما انصرف الناس استحضر الملك البطريرك إليه سرًّا، وصرف جميع مماليكه، ومن كان عنده، وقبل يد البطريرك، واعترف بأحقية المسيحية وتَنَصَّرَ، وذهبا إلى الكنيسة سرًّا، واعتنق المسيحية وتعمَّدَ، وخزي المسلمون خزيًا كبيرًا، ولما علم بذلك بعض عقلاء المسلمين تَنَصَّرُوا أيضًا، وقد صنع المسلمون قصة على هذا النمط يرفعون فيها شأن الإسلام والمسلمين، وكلتا القصتين خرافة ظاهرة.
  • إهئ مهئ: إهئ حكاية صوت المرأة الخليعة عند الضحك، ومهئ لإتباع إهئ.
  • أهل السماح الملاح: تكثر هذه الكلمة في صفة الأجواد الخيرين، ومن الظريف ممَّا يحكى أن أحد المغنين كان يغني: أهل السماح الملاح فين أراضيهم.

    فأجابه محمد البابلي: محجوز عليهم في البنك العقاري؛ أي لجودهم وسماحتهم، خربت بيوتهم.

  • أوراد: الأوراد جمع ورد، والورد عادة دعاء طويل بعض الشيء يُتْلَى في وقت معين، وكان لكل شيخ طريقة عادة ورد أو أوراد تتلى في أوقات معينة، مثل ورد السحر، وورد يقرأ عند الخوف من الأمواج يُسمى ورد البحر، والناس عادة يحفظون هذه الأوراد، خصوصًا الأوراد التي تنسب لشيخهم الصوفي، وهم يتلونها مرارًا، ومن أضرارها اعتماد الناس عليها في قضاء حوائجهم، وبسط رزقهم، ولذلك يتركون العمل اعتمادًا عليها، كما اعتمدوا عليها في تكفير الذنوب، والاستكثار من الحسنات، بدلًا من أن يعتمدوا على الأعمال الصالحة.
  • الأوقاف: الأوقاف كثيرة في مصر؛ وهي نوعان: أوقاف أهلية، كأن يقف الرجل على أولاده وأقاربه، ويخصصها أخيرًا عند انقراضهم إلى جهة بر لا تنقطع، وأوقاف خيرية، كالوقف على المساجد، والفقراء والمساكين والأسبلة، وهي كثيرة في مصر كما ذكرنا، ولولا أن الملوك الظلمة كانوا يلجأون إلى الأوقاف السابقة ويحلونها، لكانت مصر كلها تقريبًا وقفًا على مرور الزمان.

    ويلاحظ أن الأوقاف عادة تهمَل ولا يُعْتَنَى بها اعتناء المُلَّاكِ لأملاكهم، فإذا مررت بالشوارع ورأيت بيوتًا مهملة، وأرضًا خربة، فاعلم أن ذلك وقف؛ ولذلك كان حافظ إبراهيم يقول: «مَثَلُ الأوقاف والمباني المملوكة للأفراد كالجدري في وجه المدينة.»، حتى الأوقاف التي تديرها وزارة الأوقاف كانت تُسْتَغَلُّ استغلالًا سيئًا، وكثيرًا ما يصرف ريعها على موظفي الوزارة، فلا يبقى للمستحقين إلا القليل، أو لا يبقى شيء، وكثيرًا ما كانت الأوقاف نهبًا للملوك والأمراء، وكبار المزارعين، ومطمعًا لذوي الجاه والسلطان، يستولون عليها، أو يستأجرونها بأرخص الإيجار، وأعرف أن دار الكتب مثلًا وقف عليها نحو ألف ومائتي فدان، لا تغل إلا القليل، كما أن هذه الأوقاف من ناحية أخرى سببت العطل لمن وقفت عليهم اعتمادًا عليها فأسرفوا في شهواتهم، وعاشوا عيشة عاطلة من غير عمل وكانت الأوقاف ضررًا عليهم وعلى الأمة، ولو تُرِكُوا وشأنهم لاعتمدوا على أنفسهم، وبحثوا لهم عن عمل يرتزقون منه، وكثير من المستحقين يلجأون إلى اليهود، يستدينون منهم على أوقافهم، بأرباح فاحشة، فلما رأت الحكومة التركية مثل هذه الأضرار، ألغتها على يد مصطفى كمال، وتبعه المصريون في إلغاء الأوقاف الأهلية ففعلوا بذلك فعلًا مجيدًا.

  • الأوِّلة آه والتانية آه: قولة مشهورة في الأغاني، يقولون فيها: الأوِّلة آه والتانية آه والتالتة آه، ثم يعودون إلى الأولة آه، ويزيدون عليها كلمة، وهكذا إلى الثالثة، ثم يعودون إلى الأولة، ويزيدون على الكلمة الثانية كلمة ثالثة، وهكذا إلى الثالثة، وهي طريقة مشهورة عند المصريين.
  • أول ما نبدي نصلي ع النبي: تعبير يقوله القاصون في أول قصصهم.
  • أوَنطة: كلمة يونانية بمعنى (حيلة) «أفنتا»، يقولون: (دا شغل أونطة) و(بلاش أونطة) و(سينما أونطة هاتوا فلوسنا) و(فلان أونطجي)؛ أي صاحب حيل وخدع.
  • إيده خفيفة: تعبير يقال لِلِّصِّ الماهر.
  • إيه بس ذنبي: تعبير يقوله الرجل أو المرأة عند وقوع عقوبة عليه بذنب لا يعلمه.
  • إيه ياخد الريح من البلاط: تعبير يعني إذا حدثت كارثة لشخص فقير، فماذا تأخذ الكارثة منه.
  • أيوه: هي كلمة كثيرة على لسان المصريين، بمعنى نعم، وتسأل أحدهم: هل فعلت كذا، أو هل ستفعل كذا، فيقول أيوه؛ أي نعم، ولعلها اختصار من: أي والله، بدليل أن بعضهم ينطق بها كاملة، فيقول: أي والله.
١  البدنجان: هو اللغة الشعبية للباذنجان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠