حرف السين

  • السائس: هو رجل يلبس صديريًّا وسروالًا ويتحزم على السروال، ويمسك بيده عصا طويلة، وكان يتقدم عربات الأغنياء ويقول: وسع وسع؛ يحمي الراكب من الزحام، ويسهل له عقبات الطريق.

    وقد بطل ذلك في الغالب بسبب السيارات، ومن أعماله أيضًا أن يغسل العربة وينظفها، وقد يعهد إليه أيضًا أن يتعهد الخيول التي تسير بهم، وهم في الغالب يحسنون العدو، وقد تستخدمهم السيدات في الذهاب بهن إلى بيوت لا يحببن أن تعرف، فيتخذن منهم أمناء على الأسرار.

  • ساعة لقلبك، وساعة لربك: تعبير يقال للحث على تخصيص وقت للهو، ووقت للجد.
  • الساهي ياما تحته دواهي: تعبير يعني أن الساكن الرزين، قد يخفي سكونه شرًّا كثيرًا.
  • السباب: معجم المصريين في السباب معجم واف، ذو ألفاظ متعددة، وكلما مضى زمن زيدت هذه الألفاظ.

    وكثيرًا ما يستعملون في السباب أسماء الحيوانات كالخنزير والكلب والحمار، وربما كان من أشنع السباب عندهم السباب بالدِّين، كابن النصراني وابن اليهودي، ويا كافر، وبعض أنواع السباب فاحشة يخجل منها المثقف، وأشد من ذلك كله التظاهر بالبصق على المسبوب.

  • سبارس: ترى كثيرًا من الأطفال ذكورًا وإناثًا يمشون في الشوارع وبيدهم كوز صغير يلمّون فيه أعقاب السجاير، ويسمون «أولاد سبارس» ثم يفركون هذه الأعقاب ويبيعونها لمن يصنع من دخانها سجاير جديدة؛ وهي ضارة جدًّا؛ لأنها فضلًا عن ضرر الدخان قد تكون محملة بالميكروبات التي سارت إليها من شرب المريض أو من الأرض.

    وأيضًا فهم يقولون: إن الأعقاب تتجمع فيها أكثر مضار الدخان، ولهؤلاء الأطفال تقاليد متعارفة بينهم في الاختصاص بالشوارع وفي ترابطهم، وكثيرًا ما يكون لهم كبير يرجعون إليه في منازعاتهم.

    ومنهم من يجمع إلى هذه الحرفة النشل، وهم يتحينون الفرص في أماكن التدخين كالقهاوي ونحوها، وفي مركبات الترام.

  • السبحة: عقد يكون عادة من تسع وتسعين حبة، أو ثلاث وثلاثين، وقسمت هذا التقسيم ليقال عليها إحدى عشرة مرة، أو ثلاثًا وثلاثين: سبحان الله، وفي القسم الثاني: الحمد لله، والثالث: الله أكبر، ويختمونها بلا إله إلا الله.

    وتستعمل أيضًا في الاستخارة، فيأخذها الآخذ حيثما اتفق؛ فإذا انتهت بما يدل على العمل كان معناها العمل، وإذا انتهت حباتها بما يدل على النهي كان معناها عدم العمل، وتستعمل أحيانًا لمجرد الذكر، وهي تكون عادة من أحجار وأخشاب مختلفة؛ فالفقراء يستعملونها من طين ملون بالأسود، والمتوسطون من حب أسود يسمى يسرًا، يعتقدون أنه ييسر الأمور، أو من خشب العرعر، والأغنياء يستعملونها من الكهرمان أو من نوع يسمى «البنزاهير» وهو حجر يجلب من بعض جبال الأفغان.

    وتستعمل كلمة السبحة أيضًا في جماعة من الفقهاء، وخصوصًا كفيفي البصر، يجتمعون ويقرءون السبحة؛ وهي سبحان الله، ويقولونها مئات المرات، ويختمونها بأسماء الله الحسنى وبعض الأدعية؛ وهي في العادة تقال لميت مات وتوهب لروحه، وجرت عادة المصريين أن يعملوا يومها «لقمة القاضي» وهي نوع من العجين يقطع قطعًا ويقلى في الزيت، ويأكل منها قارئو السبحة، ويوزع منها على الأقارب والجيران.

  • سبعة: يقدس المصريون عدد سبعة؛ لأن الله خلق الدنيا في ستة أيام واستراح في اليوم السابع كما يقولون؛ والسموات سبع، والأرضون سبع، وأيام الأسبوع سبع، ولذلك يجري هذا العدد على ألسنتهم كثيرًا فيقولون: «السبعة وذمتها»، و«الديب فات فات، وذيلة سبع لفات»، «وسبع صُنع في إيديه، والهم حاطط عليه»، ويتكلم بالسبع تلسن، ويغنون: «سبع سواقي بتنعي لم طفولي نار»، وهكذا.
    وكثير من الأدعية تطلب من صاحبها أن يكررها سبع مرات، وقد نال بعض هذه المزية عدد السبعين فيقولون: ستين سنة، وسبعين يوم، وفي القرآن الكريم: إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً … إلخ.
  • السبوع: هو اليوم السابع من ولادة الطفل، فالطبقة الوسطى والعليا يعتنون بذلك اليوم فيطبخون فيه كشكًا بفراخ، ومن أمثالهم: هو فرخة بكشك؛ أي إنه عزيز كالمولود؛ لأن الكشك بالفراخ يذكر بذلك المولود، ثم يدقون ملحًا في هاون، ليعتاد الطفل سماع الصوت القوي، ويرشون في ذلك اليوم ملحًا في البيت حفظًا له من العين، ويغنون: برجالاتك، برجالاتك، برجالاتك، حلقة ذهب في اوداناتك، والرجالات جمع رجل، ويظهر أن الأغنية مأخوذة من أغاني البدو، كما تدل عليه صيغة الغناء؛ أي برجالك برجالك، تلبس الذهب، والبدو يجمعون الرجال على رجالات، والودن على الودانات.

    وفي يوم السبوع وقبله وبعده يشرب المغات، وهو نبات هندي أميل إلى الصفرة، ويزرع الآن في مصر أيضًا، يدق وتوضع عليه بعض عقاقير يعرفها العطارون حتى يصير ناعمًا، فإذا أريد عمله حمر في السمن، ثم أضيف عليه الماء حتى يغلي، ثم يضاف عليه بعض اللوز المقشر المكسر والسكر، ثم يعبأ في فناجين ويشرب، ويعتقدون أنه نافع للوالدة؛ لأنه يشد أعصابها التي أنهكتها الولادة.

    وعلى العموم فاليوم السابع في كثير من الحالات له تقديس خاص كسبوع الزواج وسبوع الميت، إنما لم يشتهر كسبوع الطفل عند الولادة.

  • السبيل: اعتاد الناس أن يتقربوا إلى الله ببناء سبيل لشرب الماء؛ لأنه كان عزيزًا، وكانوا يخزنون الماء في الصهاريج، ثم يرفعونه لشرب الناس، وأحيانًا يتفننون في عمارته تفننًا جميلًا، ويبنونه على شكل ضخم جميل «سبيل أم عباس»، ويكتبون عليه بالذهب، ويجعلونه دورين، وأحيانًا ثلاثة، ويكون هذا السبيل ملجأ للعطشى.

    وقد يبنون بجانبه كتابًا، وأحيانًا يبنون هذا السبيل لشرب الحيوانات كالأحصنة والأفراس والحمير والبغال، مما يدل على الرأفة بالحيوان، والتقرب إلى الله بأكله وشربه.

    وفي القاهرة أسبلة كثيرة من هذا القبيل، وهذه حسنة من حسنات المصريين.

  • ستعنت عيله بصباغ اللَّمُون: أي بالله.
  • ستنّه لحدّ ما ييجي الترياق من العراق: تعبير يعني انتظر طويلًا.
  • السجاد العجمي: أولع بعض المصريين بالسجاد العجمي، يفرشونه في الحجر، ويعلقون القطع الصغيرة منه على الحوائط، ويفرشون منه قطعًا صغيرة للصلاة عليها، وبالغ بعضهم فاقتنى مجموعة منها وصرف فيها أمواله مع كثرتها، وكلما كانت السجادة أقدم عهدًا بالغ في ثمنها التجار ولو كانت مهلهلة، وقد مات الدكتور علي باشا إبراهيم رحمه الله قريبًا، وكان كل ماليته سجادًا.

    وهم يفضلونه على السجاد المصري والسجاد الإفرنجي؛ لأنه أمتن وأجود، وقد اتجه قوم حديثًا إلى السجاد المصري لما أحسن وأتقن، واستغنوا به عن السجاد العجمي.

  • سَحَب عليه لسانه: تعبير يعني وجّه إليه سبّه وهجاءه، ويقولون: إنه تعبير مصري قديم.
  • السَّحّ النَّحّ: يقولها الأطفال في اللعب بقرون الخروف، وخصوصًا في خروف العيد الكبير، يقولون: السح النح، يا خروف نطح، وربما لاحظوا الكلمات التي تنتهي بحروف الحاء لاستثارة الخروف للنطح.
  • السحلب: من مشروباتهم في الشتاء السحلب، وهو نبات يأتي من الهند، يدقونه حتى يكون ناعمًا، ثم يضيفونه على الماء والسكر فيربو ويسبّب الدفء.

    وقد يضيفون عليه القرفة المدقوقة على وجهه، وقد يستعملون اللبن بدل الماء، وهو كثير الاستعمال عندهم في الشتاء.

  • السخرة: السخرة كانت تطلق على نوعين: تسخير الأهالي من غير أجر في المصالح العامة كحفر الترع وحراسة الجسور، خصوصًا أيام الفيضان، من طغيان ماء النيل، وإما تسخير الأهالي في أطيانهم، كأن يؤخذ الفلاح ومحراثه ومواشيه لحرث أرض الغني بلا مقابل؛ كما تؤخذ امرأته لتساعد، وتؤخذ حمارته ليحمل عليها التبن والعليق لمواشي الغني، ويؤخذ ابنه ليقف على المحراث، حتى إذا رأى كومة من الحشيش اقتلعها، وتؤخذ بنته لتساعد أمها في تجهيز الطعام لوالدها …

    ولهذا كان يهرب الفلاحون من أجل هذه السخرة، وسموا سنة من السنين كثر فيها هذا الظلم في التسخير بسنة «الطفشة»؛ فكانوا يؤرخون بها، ولا تسمع واحدًا يذكرها إلا وهو يتحسر أو يبكي، وكان من أنواع السخرة والمظالم «الملح» فقد كانت الحكومة تحتكره وتفرضه على القرى، وكل قرية عليها مقدار من الملح محدد تحضره إلى العمدة، وكنت ترى أسرابًا من الفلاحين يسيرون في الطرقات نحو المركز حاملين الأكياس والمقاطف، أو آخذين نصيبهم من الملح المخصص لهم، وإذا لم يأخذ رجل ملحه اتهم بأنه يستعمل الملح الخارج عن احتكار الحكومة، وهي تهمة فظيعة، وقد أبطل رياض باشا أيام كان رئيسًا للوزارة في عهد توفيق باشا السخرة بأنواعها، وعاقب من سخر الناس في مزارعه، ولو في مزرعة الخديو، ولذلك كرهه الأغنياء ونقموا عليه، واتهموه بأنه خسر الفلاحين عليهم؛ كما يتهم اليوم من يريد تعليم الشعب، وفر كثير من بلادهم وتركوا أوطانهم هربًا من الضرائب المتوالية، رسمية كانت أو غير رسمية؛ أو هربًا من السخرة، وكان من نتائج هذا أن تظاهر الناس بالفقر، فيرتدون الثياب القديمة ويسيرون على أقدامهم بدل الركوب خوفًا من أن تلمح الحكومة فيهم الغنى فتثقل عليهم الضرائب.

  • السرطان: يطلقونه أحيانًا على حيوان رديء يكون في البرك، يدخل في بطونهم مع الماء فيكبر فيها، ومن أجل ذلك لا يشبع صاحبه مهما أكل.

    وهو ما كانت تسميه العرب قديمًا «الصفر»، وفي الحديث «لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر»، وربما أطلقوه على ما يسمى هذه الأيام بالدودة الوحيدة، ثم أطلق هذه الأيام على نوع من الورم الخبيث لا يزال ينمو حتى يموت صاحبه، ولم يوقف للآن على دواء له.

  • السّرية: السرية، والجمع سرايا، هي الجارية التي يملكها الإنسان، ويحل له أن يتصل بها، وقد تنسل منه أولادًا فتسمى إذ ذاك أم ولد، وكثيرًا ما تعتق الأم عندما يفطم الولد إرضاء لها، وبعض الزوجات تمنع أم الولد من الدخول في البيت بعد ذلك غيرة منها، ولكي ينساها الولد ولا يتعلق بها. (انظر جارية ورقيق).
  • سعة الرزق: من أراد أن يوسع عليه في زرقه ويقبل عند الخلق، فليدع هذا الدعاء عقب كل صلاة، خصوصًا بعد صلاة الجمعة:

    بسم الله الرحمن الرحيم … يا الله، يا واحد، يا موجود، يا جواد، يا صمد، يا باسط يا كريم يا وهاب، يا ذا الطول والإحسان يا حنان، يا منان، انفحني منك بنفحة خير، تغنيني بها عمن سواك إنك على كل شيء قدير، إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا … ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، نصر من الله وفتح قريب … اللهم يا غني اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك واحفظني بما حفظت به الروح في الجسد، وانصرني بما نصرت به الرسل، ولا تشمت بي أحدًا إنك على كل شيء قدير.

    ولهم حكايات شعبية كثيرة تدل على أن الاعتماد على الله والطلب منه خير من الطلب من الأغنياء، كما أن لهم حكايات تدل على الاشمئزاز من سعة الرزق، كالذي سمعته أمس من أن امرأة رجل غني عاتبته في أنه يشتغل طول يومه في الأعمال ولا يسعد أهله في الجلوس واللعب معهم، وأرته رجلًا فقيرًا وزوجته يسكنان في كوخ أمام القصر، كان يصنع المزامير من الغاب ويعطيها لامرأته تبيعها، وبعد أن تبيعها تحضر له خبزًا وفجلًا فيأكلان ثم يغنيان ويرقصان، فناداه الغني وعاتبه على أنه لا يزوره، فقال له: نحن قوم فقراء، وإذا طلبنا شيئًا فمن الله ولا حاجة لنا إلى مخلوق، والعيشة معدن ولله الحمد، فنفحه الغني بثلاث ورقات بثلاثمائة جنيه، وقال له: حسّن بها حالك، فذهب إلى زوجته يقلبان النظر فيما يتاجران فيه: إن تاجرا في البيض قد يمشش، وإن تاجرا في الغنم أو البقر فقد تموت، وهكذا ظلا يقلبان النظر فيما يعملان، وعلاهما الهم وتركا المزمار والرقص. وأخيرًا ذهب الفقير إلى الغني ورد له الثلاثمائة جنيه؛ وعاد يزمر ويرقص!

  • السفر: السفر قطعة من العذاب، وهم يكرهونه ويكرهون الرحلة من بلدهم إلى بلد آخر ولو في قطرهم، فلا يرضون أن يرحلوا ولو ضاقت بهم المعيشة؛ ولذلك قل أن تجد مغامرًا يذهب من جهة إلى جهة أخرى، وقد كان اللورد كتشنر يريد أن يعمر جزءًا من أراضي البحيرة فحبب الفلاحين الانتقال إليها، ورغب كل أسرة بملك خمسة أفدنة، وتسهيل الزراعة عليهم، فلم يفلح مشروعه لالتصاق الفلاحين بالطين، وكل يوم نسمع بكاء وشكوى من موظف انتقل من القاهرة إلى بلدة قريبة أو بعيدة، ومصالح الحكومة كانت مملوءة بالرجاءات من هذا القبيل، وكثير من أوقات الوزارة وكبار الموظفين كانت ضائعة في هذه الرجاوات، بل قد كنت يومًا منتدبًا في وظيفة بوزارة المعارف فكنت أرجى كثيرًا في نقل موظف من شبرا إلى السيدة زينب، ومن العباسية إلى شبرا، ليكون الموظف بجوار بيته؛ وكنت أغتاظ من ذلك غيظًا شديدًا، وحُدثت أن هذه العادة موروثة عن قدماء المصريين، فقد كانت هذه أخلاقهم، وصادف أن لي ابنًا أرسل في بعثة إلى إنجلترا فكانت أمه تطيل البكاء عليه ولو كان في هذا مصلحته، وتود لو استطاعت أن يوظف بجانبها.

    وتسمع الغرائب في مغامرات الأوروبيين وحبهم للارتحال، وربما كان من أسباب ذلك أيضًا أننا أمة لم تتعود الحروب والأسفار والهجرات التي تتطلبها، وربما كان أيضًا من الأسباب أن أكثر المصريين فلاحون زراعيون، والزراعة تتطلب القرار، والالتصاق بالأرض، ويكثر في أغانيهم الرغبة في الرجوع إلى الوطن والشكوى من الغربة، ويكثر المصريون أيضًا من شكوى فراق المحبين في شعرهم وزجلهم مثل أغنية «يا وابور قوللي رايح على فين» ونحو ذلك، وربما كانت هذه عادة المحبين دائمًا قديمًا وحديثًا.

  • السفرجية: السفرجي هو الذي ينظم المائدة عند تحضير الأكل، ويقدم أطباق الطعام؛ وهو منسوب إلى سفرة، نسبة تركية؛ والسفرة عند الأتراك المائدة.

    والغالب أن يكون أكثر السفرجية من النوبيين لإتقانهم هذا الباب.

  • السقَّا: كان يحترف توزيع الماء على البيوت قبل دخول الحنفيات فيها، والسقاءون يحملون القرب على ظهورهم من الجلد مملوءة بالماء الحلو أو المالح، وقد يحملونها فارغة ومعهم برميل كبير مملوء بالماء ركبت فيه حنفيات من الخلف، يجره حصان أو حمار، فإذا ناداهم أحد فتحوا الحنفية وملئوا القربة، والسقا ينادي «سقا عوض» ولا أدري معناها، وهو يعامل أصحاب البيت بإحدى طريقتين: إما بشرطة على الباب كلما أتى بقربة خطّ خطًّا، وهذه عرضه للمسح؛ وإما بخرزات زرقاء يعطيها لصاحب البيت، كلما أتى بقربة أخذ خرزة، فإذا انتهى الخرز علم أنها بلغت عشرين قربة مثلًا، وقد كان سقا الحريم هو رئيس الخدم، وقد زالت هذه الحرفة بانتشار الحنفيات في البيوت وإنشاء حنفيات عمومية، ومن عادة المصريين إذا رأوا ببغاء أن يقولوا له: «أبوك السقا مات»، ومن أمثالهم أيضًا: «جوزها سقا وتبات عطشانة»؛ وأحيانًا يحمل السقا قربته على حمار، أو قربتين وأكثر على عربة صغيرة.
  • سكتناله دخل بحماره: تعبير يعني سكتنا عن شره، فتوغل في شره.
  • سِكْتِرْبرة: تعبير يعني اخرج برة.
  • سكران طينة: يقولون للمفرط في السكر: سكران طينة ولعلهم يريدون أنه سكر وأفرط في السكر إلى أن صار فاقد الشعور كالطينة، أو يريدون أنه لفرطه في السكر قد صار فاقد الشعور فيقع في الطين، وقد ورد هذا الاستعمال في بعض الشعر المتقدم.
  • سكران سكرة يَنِّي: ومثله دا سكر طينة؛ أي غارق في السكر.
  • السلطان سليم: هو السلطان سليم العثماني، وإنما عنينا بترجمته؛ لأن ما نال مصر على يده ويد خلفائه أثر فيهم تأثيرًا كبيرًا، حتى إن كثيرًا مما نراه في أخلاق الشعب المصري إنما هو أثر من آثارهم، وقد أتى بعد المماليك الشراكسة (انظر شركسي).

    وقد دخل القاهرة في جنود كثيرة وموكب عظيم، وقد جمع الأمراء الباقين على الحياة وأمنهم على حياتهم بعد أن وبخهم على مقاومتهم، وبصق في وجوههم، وأمر بحبسهم في القلعة، ثم أمر بضرب أعناقهم، وفي يوم آخر قتل أربعة وخمسين أميرًا، وصارت أجسامهم مرمية على الأرض تنهشها الكلاب والذئاب وتفسد الجو، حتى صار النساء يعطين المشاعلية (حمالي المشاعل) أموالًا كثيرة لدفن أزواجهن، وفي تلك الأيام زاد الطين بلة هجوم البدو من العرب للسلب والنهب والقتل في البلاد، وأغاروا على عدة بلاد من بلاد الشرقية، ونهبوا ما فيها من مواش وأدوات، وسبوا النساء والصبيان وباعوهم بأبخس الأثمان، حتى قال شاعرهم:

    يا دهر بع رتب المعالي مسرعًا
    بيع الهوان ربحت أم لم تربح
    قدم وأخر من أردت من الهوى
    مات الذي قد كنت منه تستحي

    وشنق بعض الأمراء، وكانوا محبوبين فكثر عليهم الحزن والأسف، وقد خلت البلاد للسلطان سليم وتمكنت الدولة العثمانية من الديار المصرية فصارت مصر ولاية بعد أن كان سلطانهم أعظم السلاطين، وذلك أن السلطان سليم أناب عنه (خير بك)، وترك بمصر خمسة آلاف فارس وخمسمائة من رماة البنادق والرصاص، ولما خرج خرج معه ألف جمل محملة من الذهب والفضة، غير التحف والنحاس والصيني والخيول والبغال والإبل، وقد سلبت رجاله ووزراؤه من مصر وبلادهم ما لا يدخل تحت حصر.

    ولحق مصر من الضرر الشامل مدة إقامة عساكره بها ما لا يُوصف، وعمت البلية، وبطل منها خمسين صنعة، ولم يجلس في القلعة، ولا أنصف مظلومًا من ظالم، بل كان مستغرقًا في لذته وسكره مقيمًا في المقياس بين الصبيان المرد، وترك الحكم لوزرائه، ولم يكن يظهر إلا وقت سفك الدماء، وعساكره دنيئون قذرون يأكلون في الأسواق على ظهور الخيل، يتجاهرون بقلة الدين وشرب الخمر، وغالبهم لا يصلي ولا يصوم، وليس لهم أدب ولا ذمة، ومع ذلك فقد أسعده الحظ، واتسعت مملكته من الفرات إلى مصر، وأخذ معه ابن السلطان الغوري، وقد أرسل إلى القسطنطينية قبل خروجه كثيرًا من علماء مصر وأشرافها وتجارها، وعددًا من أهل كل حرفة، فتعطل بمصر كثير من المصالح، ومن خوف الناس من جنوده كان الأعيان يستأجرون بعض العثمانيين ليحفظوا بهم بيوتهم، وصار هؤلاء الجند العثمانيون إذا رأوا رجلًا ماشيًا في الطريق قالوا: إنه شركسي يريدون الفتك به، فيستشهد بالناس أنه ليس شركسيًّا، وإنما هو مصري، فيقولون له: اشتر نفسك من القتل بدفع شيء من المال، فيفعل ذلك؛ وصار كل من عادى عدوًّا من المصريين دس إليه عند العثمانيين، ونهبوا القماش والسلاح والخيل والبغال والجواري والعبيد من كل شيء جليل، ونهبوا الذهب والسروج الذهبية والبلور والعقيق والخلع المطرزة بالذهب، ثم تغالوا حتى أخذوا أموال الأوقاف، ولم يردعهم أحد؛ فغالوا في الضرائب، وأخروا صرف ماهيات الشراكسة نحو ثمانية أشهر ثم دفعوا لهم منها شهرين؛ وقتلوا الكلاب الكثيرة حتى قال قائلهم:

    تأملوا ما جرى بمصر
    من حادث عم بالعذاب
    فما رعى الترك في دماء
    فكيف يرعوا دم الكلاب

    وقد نظم ابن إياس في ذلك قوله:

    نوحوا على مصر لأمر قد جرى
    من حادث عمت مصيبته الورى
    زالت عساكرها من الأتراك في
    غمض العيون كأنها سنة الكرى

    (يريد بالأتراك الشراكسة الذين أزال ملكهم العثمانيون).

    وأتى إلينا عسكر سيماهم
    حلق الذقون ولبس طرطوريرى
    لا يعرف الأستاذ من غلمانه
    وأميرهم بين الأنام تحقرا
    جل الإله مصدقًا عما حكى
    في سورة الروم العظيمة أخبرا
    ولاه رب العرش سلطانًا على
    مصر وهذا الأمر كان مقدَّرا
    لهفي على الأبواب كيف تكسرت
    وخلت أماكنها وصاحبها سرى
    لهفي على نهب القماش وبيعه
    وبأبخس الأثمان صارت تُشترى
    لهفي على فك الرخام ونقله
    من كل بيت كان يبدو مزهرا
    زالت محاسن مصر من أشياء قد
    كانت بها تزهو على كل القرى
    لهفي على الفرسان كيف تقطعت
    أعناقها بيد العدو إذ افترى
    صارت على الطرقات من أجسادهم
    رممًا حكت عيد الضحى الأكبرا
    لهفي على ذاك الحريم وهتكه
    من بعد صون في الحريم مخدرا
    لهفي على عيش بمصر وقد خلت
    أيامه كالحلم ولَّى مدبرا
    يا رب إنا بالنبي المصطفى
    والأنبياء وكل سادات الورى
    نسألك كشفًا للكروب بسرعة
    واعف عن الإجرام عفوًا واغفرا
    قد جاء لابن إياس شعر قاله
    لكن منه النظم يحكي جوهرا

    … إلخ.

    وقد توالى على مصر ولاة طغاة يعينون من قبل السلاطين العثمانيين، ونقرأ تاريخهم وأحداثهم في مصر فنرى مع الأسف سلسلة من المساوئ، وتقرأ تاريخ ابن إياس فيفزعنا ما يقول، وقد كان إسلام أكثرهم إسلامًا ظاهريًّا، فالإسلام عندهم جلوس في أدب عند سماع القرآن، ووضع مصحف صغير في علبة ذهبية أو فضية من غير مراعاة لعدل ولا صرف، وأكثر ما ترى في تاريخهم سفك الدماء، وإسراف في المال والشهوات، وكثرة المصادرات، ويعتقدون أنهم يستطيعون أن يكفروا عن كل هذه السيئات ببناء مسجد أو سبيل، كالذي حكي أن أحدهم عمر مسجدًا اغتصب أكثر مواده من حجارة ورخام وأخشاب من مساجد وبيوت أخرى، حتى أطلق عليه المصريون الفكهون «المسجد الحرام».

    فقال ابن إياس: «إن المصريين طويلو الألسنة؛ نعم إنهم طويلو الألسنة كثيرو التندر قصيرو الفعال.»، وقال مرة أخرى لرجل منهم إنه ظلم ظلمًا كثيرًا ثم حج، معتقدًا أنه كفر بذلك عن سيئاته، فقال قائل:

    حججت البيت ليتك لا تحج
    فظلمك قد فشا في الناس ضجوا
    حججت وكان خلفك حمل ذنب
    رجعت وفوق ذلك الحمل خرج

    (انظر بدائع الزهور لابن إياس).

    ثم كان الولاة الذين تولوا بعده ظلمة قساة جبارين نهابين مرتشين مما أذل المصريين، وحقر نفوسهم، ولا تسأل عما كان يفعله الكشاف والملتزمون وغيرهم من الأتراك العثمانيين، حتى إن العوام أكثروا من الأمثلة وتناقلوا الحكايات التي تدل على ظلمهم وغبائهم ورشوتهم وتدينهم دينًا ظاهريًّا ونحو ذلك.

    نعم إنهم امتازوا عن المصريين بالنظافة والجمال والأناقة في المعيشة، ولكن هذا لا يقاس بجانب جبروتهم وسوء سلطانهم، فربما كان تأثيرهم السيئ في المصريين أكبر أثرًا.

    وقد حكموا قرونًا طويلة قابلها المصريون بصبر عجيب، حملهم عليه في الغالب طبيعتهم واتحادهم في الإسلام، ولذلك لم يتحملوا جزءًا منه من الفرنسيين لمخالفتهم للمصريين في الدين؛ فظلت كل يوم ثورات تقض مضاجعهم حتى خرجوا، وكذلك الأمر مع الإنجليز.

    لقد لقي المصريون كثيرًا من العذاب والذل في العصور المختلفة، من فراعنة، ويونان، ورومان، ومن ابن طولون في عسفه وفخفخته، ومن الإخشيديين في ذلتهم وضعتهم، والفاطميين في تخريفهم وكثرة سفكهم للدماء، والأيوبيين في الخلافات الشديدة بينهم وزجهم المصريين معهم، والمماليك في طيشهم وغرورهم، ولكن هذا كله لا يساوي ما لقي الشعب المصري من العثمانيين، فقد حط عليهم من الهم والغم والذل، والنفخة الكذابة، والخنوع للألقاب والرتب، وتقويم الناس بحسب أطيانهم لا بحسب مَلَكاتهم، ما لم يكن له نظير وما بقي في أثره إلى اليوم.

    ولذلك كان انفجارهم في العهد الحاضر انفجارًا عظيمًا، يدل على تحملهم الكثير.

  • سلَّم عليه سلام الماوردي على بياع الفسيخ: تعبير يقال للأرستقراطي النظيف يسلم على السوقي القذر، فهو يسلم عليه بأطراف أصابعه أو من تحت أطراف لسانه.
  • سمن على العسل: تعبير يقال للشخصين يمتزجان امتزاجًا تامًّا.
  • السن: كان المصريون قبل هذه الأيام يحترمون السن احترامًا كبيرًا، فالصغير يحترم الكبير والأولاد يحترمون آباءهم، فلا يدخنون أمامهم، ولا يرفعون صوتًا عليهم؛ وأكبر الإخوة عادة يقوم مقام الأب، وإذا دخل كبير الأسرة عليهم وكانوا يدخنون أخفوا السجاير، وكانوا في القديم إذا مر مسن محترم على رجل وهو يدخن شُبُكًا وضعه بجانبه لإخفائه، ومن هذا القبيل احترم الرؤساء، فمن لم تكن له رتبة احترم ذوي الرتبة، والفلاح يحترم العمدة أو شيخ البلد، وإذا مر فوجد العمدة نائمًا على الباب لم يستطع أن يمر عليه، وإذا كان راكبًا نزل عن ركوبته، وعلى العموم يحترم من هو أقل سنًّا من هو أكبر سنًّا، ومن كان من طبقة، الطبقة التي هي أعلى منه، وهكذا … ويظهر أيضًا هذا الاحترام في المخاطبات، فمن كتب لمن هو أكبر سنًّا أو جاهًا افتتح خطابه بقوله أبي أو سيدي أو والدي، وإن كان نظيره قال له أخي.

    ومن هذا القبيل تعاظم الجنس؛ فقد كان الإنجليز في السودان يحرِّمون على أهل البلد أن يسيروا أمامهم وهم ركوب، بل لا بد أن ينزلوا عن ركوبتهم احترامًا لهم.

    وبعض الأوروبيين عادة يأنفون من ركوب بعض «الملوَّنين» معهم في السفينة أو في القطار أو في مطعم.

    وهذه العادات كلها سائرة إلى الفناء، ومن هذا القبيل ما كانت عليه المرأة من المبالغة في احترام زوجها، وقد كانت منذ سنين تقف أمامه لتتلقى أوامره وتدعوه يا سيدي، ولا تستطيع أن تأكل معه، وقد تقف أمامه عند الأكل بالكباية فيها الماء وتخضع له أكثر من خضوع الخادمة له، وتتخذ كل الوسائل لنيل رضاه وتوفير أسباب السعادة له، ثم تغير الحال فبدأت بالمساواة ثم بخضوع الرجل للمرأة.

    والله بالمستقبل عليم.

  • السهرات: كان في الزمان الماضي تقام سهرات خاصة في بيوت خاصة، يدعى إليها نخبة من الفتيان والفتيات، يقضون لياليهم في البيوت في أنس، وسمر، وترف؛ وقد يقودون بعض أصحابهم معهم.

    ولكي يحتفظوا بسرية هذا كانوا يعصبون أعينهم ويركبونهم عربات إلى البيت المقصود، فإذا وصلوا فكت العصبة، وبعد الانتهاء يعودون كما جاءوا لئلا يعرفوا في أي مكان كانوا … وكانت تذاع أخبار غريبة عن رجال من الجيش يدعون إلى بيت كبير، يتوصل إليه بسرداب ثم لا يظهر لهم أثر بعد، وقد أخافت هذه الشائعات أناسًا كثيرين من إجابة الدعوات إلى هذه السهرات السرية.

  • سوارس: كان في القاهرة عربات كبيرة مسقوفة تحمل الركاب من شارع إلى شارع، يجرها جياد، وربما سميت سوارس باسم منشئها، كميدان سوارس الذي سمي باسمه؛ وكثيرًا ما يكون الركاب على الجانبين، وفي الوسط توضع الزكائب والأخراج والقفف فيصعب على المارّ أن يتخطاها، وكثيرًا ما تحدث منازعات بسبب ذلك، وقد حدثت لي شخصيًّا حادثة من هذا القبيل، إذ كنت أحمل بيدي كتابًا من أربعة أجزاء وأردت أن أخطو القفف فلمست رجلي امرأة فسبت، فلما زجرتها صوتت، وكان ما كان مما لست أنساه، وقد جرت الحادثة إلى المحاكم.
  • سور القرآن: يعتقدون أن سور القرآن وآياته ليست للدعوة الإسلامية، ولكن لكل سورة خواص، كالشفاء من الأمراض، والسعادة، ومواجهة الحكام، فيقولون مثلًا: إن من أراد أن يصلح بين زوجين أو أخوين متخاصمين، فليكتب في قرطاس بماء ورد وزعفران وشيء من مسك: بسم الله الرحمن الرحيم، يحمد فلان بن فلانة لفلان بن فلانة، أو فلانة بنت فلانة طاعة الله ولفاتحة الكتاب، مالك يوم الدين … إلخ.»

    وهكذا، ويكون في حالة الكتابة بخور عود ولبان ذكر، ويقولون في آية الكرسي مثلًا: من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها عند النوم لم يقربه شيطان تلك الليلة، ويقولون إنك إذا أردت هلاك عدو أو خراب داره فاقرأها عدد حروفها، وقل بعد ذلك، يا قاهر يا ذا البطش الشديد.

    ويقولون في الوقاية من العين (يكتب ويحمل بعد البسملة): «خرجت عين الحسود من أحداق بيض وسود، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ إلخ …»

    ومما يكتب للعين والنظرة ويعلق على الرأس هذه السور الثلاث التي ليس فيها كاف سورة العصر، ولإيلاف قريش، وقل أعوذ برب الفلق، وهكذا لكل سورة وآية فوائد، ومن ذلك أيضًا إذا أريد حبس المطر في أوقات الضرورة فليقل: إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء. اسكن أيها الغيث كما سكن عرش الرحمن … وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم، وقد ألف فيه كتب كثيرة، وفي تفسير الزمخشري في آخر كل سورة بيان لفوائدها.

    وقد اشتهرت على الخصوص سورة يس والواقعة وتبارك وقل هو الله أحد لقضاء أغراض شتى.

  • سُورق: فلان سُورق، أغمي عليه.
  • السوق: يكاد يكون لكل حي سوق، يكون فيه البقال والجزار والخضري والفكهاني وبائع السجاير ونحو ذلك.

    وهناك أسواق عامة كبيرة للأحياء كلها، وربما كان السوق لشيء خاص دون غيره، الصاغة لبائعي الحلي، والتربيعة لبائعي الدهانات والعطور، والكعكيين لبائعي البلغ، والغورية لبائعي العقاقير، الموسكي لبائعي الأقمشة، وهكذا … فمن أراد شيئا قصد سوقه واشتراه.

    والبيع والشراء تغلب عليه المماكسة، فالشيء إذا كان بخمسة قروش قال البائع: إنه بثلاثين، فيقول المشتري: إنه بخمسة، فلا يرضى البائع ولا يزال المشتري يزيد قرشًًا فقرشًا حتى يكتفي، وذلك كمماكسة الإنجليز عند المعاهدات؛ ولا أدري أخذوها منا أم أخذناها عنهم.

    ويلحق بذلك الباعة المتجولون وهم يبيعون أكثر الأشياء، فمنهم من يبيع المأكولات، ومنهم من يبيع المشروبات، ومنهم من يبيع الملبوسات، ومنهم من يبيع الخردوات، وهم أكثر من أصحاب الدكاكين مماكسة، وهم عادة يبيعون الأشياء أرخص؛ لأنه ليس عليهم إيجار دكان، ولا إيقاد أنوار ولا أجرة عمال، ولا دفع ضرائب، وكل ذلك موفور عليه، وبعضهم ماهر في المماكسة والخداع، وأكثرهم من الصعايدة.

  • سوق العصر: كان في جوار بيتنا بالمنشية سوق يعقد بعد عصر كل يوم، ومن أجل ذلك سُمي سوق العصر؛ وهو خلف السلطان حسن، وكنت ترى فيه أنوعًا مختلفة من السلع، فهذا يفرش فرشة عليها مطاوي ومقصات وفتاحة علب وسكاكين وقطع من الحديد المختلفة، وهكذا، وهذا يبيع مأكولات كالكرشة والسقط، وهذا يبيع البيض والسميط، وآخر يبيع النحاس، وحاو يجمع الناس عليه، وآخر يبيع المراتب والألحفة والأسرة، وآخر يسن السكاكين والمقصات، وهذا يلعب الكتشينة لعبة ماهرة، حتى قل أن يصيب اللاعب في لعبة، وهكذا كان السوق معرضًا صغيرًا للأدوات والمأكولات والمفروشات المنزلية وينعقد إلى المغرب كل يوم.

    وكان لي في المرور على البائعين تسلية كبيرة وإن لم أشتر شيئًًا خصوصًا في عصر رمضان.

  • السيد أحمد الكنفاني: كان رجلًا بدينًا يبيع الكنافة عند المتولي، يلبس قفطانًا وعمة من غير جبة، واشتهرت كنافته بالجودة، واشتهر أيضًا بأنه عنده دواء يشفي الإجزيما والقوبة، وحدث أحد الأطباء الكبار أن خادمًا له أصيب بالإجزيما واشتد عليه المرض فوصف له العلاج فلم ينجح، ولكن عجوزًا ذهبت إلى هذا الرجل، ومن الغريب أنه شفي تمامًا، وربما كان علاجه نوعًا من الأدهان تنفع في هذا المرض، ولكن الغريب أن الذي يقوم بهذا العلاج هو «كنفاني».
  • سِيدي الأربعين: عند القاهريين شيخ مشهور، يُسمى سيدي الأربعين، يدَّعون أن له أربعين مقبرة، والأربعون كناية عن الكثرة، وليس المراد بها العدد المخصوص، والسبب في كثرتها أن صاحب البيت إذا وجد الناس يبولون في ركن من أركان بيته أو حارته فمنعهم فلم يقبلوا احتال بين ليلة وضحاها فادعى أن في هذا المكان سيدي الأربعين، وبنى ضريحًا صغيرًا، وادعى أن فيه شيخًا، فامتنع الناس عن البول في هذا المكان، ولذلك تراه كثيرًا في أركان القاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠