حرف الضاد

  • ضارب الدنيا طبنجة: تعبير يعني غير مكترث بشيء، إلا شهواته، ومن أغاني سيد درويش:
    ع النسوان يا سلام سلم
    ما فيش كده أبدًا بهجة
    إحنا الوارثين يا أفندم
    ضاربين الدنيا طبنجة

    وهي أبيات مملوءة بالاصطلاحات، فالشطر الأول تعبير معناه: إذا قلنا في النسوان فما أعجبهن وأعظمهن، وقوله: ما فيش كده أبدًا بهجة، تعبير يستعمل بمعنى، وليس مثلهن شيء في البهجة، وقوله: إحنا الوارثين يا أفندم، دلالة على استهتار الوارثين؛ لأنهم حصلوا على المال من غير تعب، فهم يسرفون في صرفه من غير حرص، وفهم هذا المعنى أكثر الحكومات فضربوا ضرائب الأيلولة؛ لأنها تحدث قبل أن يمتلك، والطبنجة في الشطر الأخير شيء يشبه المسدس، وهو تعبير لطيف في الاستهتار، كأن المستهتر بأعماله قد صوب إلى الدنيا طلقة نارية.

  • الضبة: كانت العادة قديمًا أن يغلق الباب بالضبة، وهي خشبتان على شكل صليب تقريبًا وهي مخروقة خروقًا أربعة أو أكثر، إذا أغلقت نزل فيها أربعة مسامير مقطوعة الرأس فلا يمكن فتحها إلا بمفتاح فيه مسامير كذلك، ترفع المسامير التي سقطت في الخروق فتفتح.

    واشتهر من ذلك ضبة باب أولاد عنان، وهو مسجد شهير قرب محطة السكة الحديد، فيذهبون إليه خصوصًا يوم الجمعة عند الأذان ويتمسحون بهذه الضبة، ويدعون دعوات لشفاء الطفل، ويفتحون الضبة ويعلقونها على رأس الطفل ويقولون: يا ضبة ضبيبه، يا تعيشيه يا تموّتيه! ويعتقدون أن الجن قد تبدل الأطفال فتأخذ الصحيح وتبدل به السقيم، وأن الضبة كفيلة بإرجاع الطفل الصحيح؛ ولذلك يقولون العبارة السابقة، ويكررون ذلك ثلاثة أسابيع.

    ولما تجدد المسجد والنظامُ الجديد في البناء والنجارة ليس فيه ضبة وإنما فيه قفل ومفتاح أعاد خدمة المسجد تركيب الضبة لاستفادتهم منها، وتضليل العامة بها، وهناك من يكتب الأحجبة تبركًا بأولاد عنان، ويكون عادة مكونًا من:
    • (١) بلحة صغيرة يسمونها بلحة الغيرة.
    • (٢) قطعة كبريت عمود.
    • (٣) قطعة من عود الصليب.

    وتجلد بجلد أحمر ويعلق حجابًا للطفل، فهذا يجعل الجن يغيرون أبناءهم، ومن أمثالهم «الخير يبان على الضبة» دلالة على أن البيت إذا كان سعيدًا ظهر ذلك في كل شيء حتى في الضبة، وإذا تمزق الثوب طولًا وعرضًا قالوا: «تمزق ضبة ومفتاح»؛ أي تمزيقًا يشبههما، وإذا شج أحدهم رأس الآخر طولًا وعرضًا قالوا: «شجه ضبة ومفتاح.»

  • ضحك في سرك: تعبير يعني أن هذا العمل، يستوجب الضحك منك والسرور.
  • الضرائب: ألف المصريون من قديم حكاية الضرائب، ويسمون الضرائب على الوارد من الخارج جمركًا، وعلى الضريبة الداخلية مكسًا، وكان في زمننا موظفون يقفون عند مدخل القاهرة في جملة نواحيها، فإذا جاء أحد يحمل سلعة قدروا عليها ضريبة، وكانت هناك ضرائب مختلفة على الرءوس وعلى السلع ويظلم فيها بعض الناس كثيرًا، ويحابى بعض الناس كثيرًا، والعامة تسمي بعض الضرائب وخصوصًا على الرءوس «فردة» ولا أدري من أين أتت، ولما احتل الإنجليز مصر أرادوها بلدًا زراعيًّا لا صناعيًّا، ولذلك لما أنشئ مصنع مصري لعمل البفتة فرضوا عليها ضرائب كثيرة حتى تكون أغلى من البفتة التي تأتي من الخارج فبارت، ومع هذا كانت الضرائب في مصر أقل منها في الخارج، ولذلك كان كثير من الإفرنج الذين عاشوا في مصر كتجار أجانب ومستشارين أجانب يفضلون أن تكون أموالهم في مصر ليهربوا من ضرائب بلادهم.

    وفي العهد الأخير كثرت الضرائب بأشكال مختلفة حتى كأن كل شيء عليه ضريبة، ويدعي بعض الماليين أن الضرائب في مصر أصبحت أكثر منها في إنجلترا، والذي دعا لفرض الضرائب رؤيتهم أن المصريين منهم أغنياء جدًّا، ومنهم فقراء جدًّا، فلا بد أن يؤخذ من الغني لإصلاح حال الفقير، ورفع مستوى عيشته.

    والضرائب بهذا المعنى تتقبل في سهولة وعن رضا لو كانت تصرف حقًّا في مصلحة الفقير؛ لأن الفقير كالفلاح سيئ الحال جدًّا، لا يسكن مسكنًا نظيفًا، ولا يشرب ماء نظيفًا، ولا يأكل أكلا مغذيًا، فمن المصلحة أن يقابل ترف المترفين بتحسين حالة الفقراء المدقعين، ومع أن الضرائب كثيرة في مصر فهي لا تأتي بمحصول يناسب كثرتها؛ لأن المصريين يعتقدون من عهود الظلم أن الهرب من الضريبة لا بأس به، وكلما استطاع الإنسان أن يهرب فليهرب، ولذلك تقدر الضريبة بمبلغ من المال ثم تصل بالفعل، وفي النهاية إلى نصفها أو ربعها، ويحملهم على الهرب ما يرون من أنها كثيرًا ما تصرف في غير محلها.

    وسمعت أن مصريًّا كبيرًا كان غنيًّا وأراد أن يشتري بيتًا من إنجليزي، فقال له: بِمَ تبيعه؟ قال الإنجليزي: بألف جنيه، وكان ثمنًا معقولًا، فقال له ذلك الكبير المصري: أنا أقبل شراءه بالألف، ولكن لي عندك رجاء واحد: هو أن يكتب في العقد صوريًّا أنك بعتنيه بستمائة جنيه، قال الإنجليزي: ولماذا؟ قال: لأفر من بعض الضريبة، قال الإنجليزي: مع الأسف لست أبيعه لك ولا بألفين؛ لأن من أراد أن يسرق حكومته لا يستحق أن يعامل.

  • ضَرَبَ: الضرب معروف، ومن قديم استعمل الضرب في صياغة الدراهم والدنانير، فيقولون: ضرب الدراهم وضرب الدنانير، ولكن من الاستعمالات المصرية، ضرب الطوب؛ أي صنعه «وضرب مَحْدَت»؛ أي تكلم كثيرًا، وضربْله تلغراف أو شَدِّله تلغراف؛ أي أرسل إليه، وضرب على البيانو أو الكمنجا أو العود بمعنى أنه حرك أوتارها، ومن الاستعمالات المألوفة «ضرب الدنيا طبنجة»؛ أي إنه لم يكترث بشيء، ومن استعمالاتها قولهم: «يضرب الودع أو الرمل»، وقولهم: «يضرب في المليان» بمعنى أنه يطلق أعيرة نارية بحق، وقولهم: «يضرب في جتة ميتة» وهكذا كقول العرب: «يضرب في حديد بارد.»
  • ضرب الرمل: يشتغل به في الغالب بعض المغاربة والسودانيين، فكثيرًا ما تراهم بجانب الشارع وأمامهم منديل فيه بعض رمل أصفر، ويزعمون أنهم ينبئون بالمستقبل، فيرسمون على الرمل خطوطًا بأصابعهم بعد أن يرمي الطالب شيئًا من النقود يسمونه «بياضًا» ويعبرون عن ذلك بقولهم: «ارمي بياضك»، ثم يزعمون له أشياء يقولونها له، إما عن طريق التنويم المغناطيسي أو عن طريق الفراسة، وقليلًا ما تصح، وكثيرًا ما تكذب.
  • ضرَبْ كف على كف: إذا تعجب من شيء؛ لأن العادة جرت على أنه عند شدة التعجب يضرب كفًّا على كف.
  • ضرب الودع: أكثر ما يحترف هذه الحرفة الإماء السود، تجلس الأمة على قارعة الطريق وأمامها جملة من الودع، وهي بيوت حيوانات بحرية حلزونية، وقطع من القروش وقطع من المعادن حمراء وخضراء وسوداء، فمن حضر عندها شكا لها، إما من جفاء زوجها أو زوجته، أو من عدم الحمل؛ فتقول لها العجوز السوداء: إن الودع يقول كذا أو كذا، وأحيانًا يكون ضرب الودع هذا سببًا من أسباب الشقاء بما تخبره هذه كأن تقول لها: إن زوجك يحب غيرك، أو إنك تحتاجين إلى أعمال كثيرة لتحبلي، أو نحو ذلك.
  • ضربني وبكى، وسبقني واشتكى: تعبير يعني اعتدى عليَّ وادعى أنه معتدَى عليه.
  • الضرة: اعتاد بعض المصريين، وإن كانوا قلائل، أن يتزوجوا أكثر من واحدة، وقد يجمعون بينهما أو بينهن في بيت واحد.

    وقد اشتهرت الضرة بمعاكسة ضرتها وعداوتها.

    وبذلك يصبح البيت في الأعم الأغلب عبارة عن جحيم، فلا يزال الرجل يسمع شكوى من هذه وشكوى من تلك، واتهامًا لهذه واتهامًا لتلك، ولذلك لا يقر للبيت قرار، وفي الغالب تتلاشى اللذات التي تحدث في أول أيام الزواج، ويحل محلها الشقاء، ويزداد الأمر سوءًا إذا خلف منهما فإن الأولاد أيضًا يتعادون ويرضعون مع لبنهم هذه العداوة، وفي الغالب يفضل الأب إحدى الضرتين فيفضل أولادها، فيؤجج نار العداوة في الآخرين.

  • الضريح: هو عبارة عن تركيبة مربعة أو مستطيلة من الخشب أو النحاس، توضع على قبور الأولياء الصالحين، ومن الأسف أن ليس كل من وضع عليه ضريح يكون وليًّا صالحًا، فقد يكون وليًّا صالحًا كما يقولون، وقد يكون غير ذلك.

    ومن هؤلاء الصلحاء من ثبت تاريخيًّا علمهم وصلاحهم ودفنهم في هذه البقاع كالإمام الشافعي، ومنهم من رئي في المنام موضعه ولم يثبت دفنه في هذا المكان، كضريح السيدة زينب؛ فقد كان معروفًا أن موضعه كان قناطر للماء، ولذلك يسمونه مشهد السيدة زينب، وبعضهم لا يستحق الولاية، ولا عرف بالإصلاح، كالذي حكاه علي باشا مبارك عن الشيخ صالح أبي حديد فقد قال: «إن الشيخ صالحًا كان في مبدأ أمره قاطع طريق، وكان له صاحبان ملازمان له، أحدهما الشيخ يوسف المدفون في شارع قصر العيني، والثاني لم أقف على اسمه، وإنما كان يجلس بحارة درب سعادة على مكسلة بيت متخرب هناك ويتزيَّا بزي الدراويش وللناس فيه اعتقاد كبير، ويزعمون أنه من الأولياء فيتبركون به ويقبلون يده، وكان يستمر جالسًا إلى الليل، وكلما مر عليه رجل بمفرده يقول يا واحد، فيخرج في الحال من البيت جملة رجال يحتاطون به ويدخلونه البيت قهرًا عنه فيقتلونه ويسلبون ما معه، واستمروا على ذلك الفعل القبيح زمنًا طويلًا إلى أن شعر الضابط المراقب بذلك، فأكمن كمينًا وحرض رجلًا على المرور ليلًا من هناك، فلما مر الرجل نادى الشيخ كعادته، فخرجت الرجال واحتاطت به، وإذا بالكمين قد خرج عليهم وضبطهم، ووضع يده على الشيخ ومن كان معه بالبيت، وعاقبوهم عقابًا شديدًا، فأقرّ الشيخ على صاحبيه الشيخ يوسف والشيخ صالح هذا، وكان الشيخ يوسف يلوذ بلاظ أوغلي فعفي عنه، وأما الشيخ صاحب المكسلة فقتل بعد تعذيبه، وأما الشيخ صالح هذا، فاحتمى بامرأة مغنية مشهورة، فادعت أنه مجنون ووضعت في رجليه قيدًا من حديد فأخذوه فوجدوه كما قالت.

    واعتقل لسانه من الكلام لشدة خوفه وبقي على ذلك مدّة، ثم شاع بين الناس أن له كرامات وإخبارًا بالمغيبات، فقصده كثير من الناس، أمراء وغير أمراء، واعتقدوا فيه خصوصًا النساء، وازدحم بيته بالزوار، وهجمت عليه النذور والهدايا، كل ذلك وهو لا يتكلم، بل ملقى على الفراش، وعليه حرام من صوف أبيض، وفي رجليه قيود الحديد، وحوله الخدم، وعند رأسه امرأة تروّح عليه، وهو يحرك رأسه، ويلعب بشفتيه، فيسمع له صوت ساذج خفي جدًّا، يشبه صوت الأخرس، وليس له مفهوم، فعند ذلك تقول المرأة للحاضرين: فلانة ستتزوج، وفلانة ستصطلح مع زوجها، وفلانة ستحبل، وفلان الغائب سيحضر، وزيد سيترقى، وبكر سينعزل، إلى غير ذلك من الخرافات، وكل من كان حاضرًا يفهم لكلامه معنى خاصًّا به من هذه الألفاظ.

    وبسبب ذلك صارت لخدمته ثروة كبيرة، وفوائد كثيرة، واستمرت حالته هكذا إلى أن مات، فبنى له الخديو إسماعيل هذا الجامع، ودفن به، وهو جامع عظيم لم يُبْنَ لغيره من الأفاضل ذوي المعارف والعلوم، الذين انتفع الكثير بعلومهم ومعارفهم، ولكن هذه عادة قديمة ألفها المصريون من قديم الزمان، وطالما نبه عليها كثير من المؤلفين في كتبهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وكثير من الأضرحة من هذا القبيل، وربما كان صاحبه حاكمًا ظالمًا كجامع ألماظ، ظن أنه يكفر عنه بناؤه لجامعه، ويكاد يكون في كل قرية من قرى الريف أو مدينة من المدن شيخ أو أكثر من هؤلاء الشيوخ، يحلفون به ويتبركون به ويقدمون النذور له، وأعرف قرية من القرى فيها شيخ اسمه الشيخ يوسف، تكون المرأة فقيرة فتنذر له عشرين بيضة أو وزة أو فرخة أو ديكًا، وقد تكون هي وأولادها في أشد الحاجة إلى ذلك، وتقدمه للمتولية على الشيخ، وقد ماتت قريبًا وتركت خمسة أفدنة من الأطيان الجيدة، ومالًا كثيرًا، وكان ابنها قد مات قبلها فورثها أخوها، وربما أخذت هذه العادة من قدماء المصريين، فقد رُوي عنهم شيء من هذا القبيل ثم اصطبغ بعدُ بالحياة الإسلامية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠