حرف النون

  • النَّار ولا العار: هو تعبير أيضًا من تعبيرات العوام؛ أي إنه يفضل النار على العار، ومثل هذا الاستعمال: «شِرَا العبد ولا تربيته»، فولا هنا بمعنى أحسن، ومثله أيضًا الشرط عند الحرت ولا الخناقة في الجرْن.
  • ناس يأكلوا البلح، وناس يترموا بالنوى: تعبير يعني ناس سعداء وناس أشقياء.
  • نبيِّن زين: طائفة من النساء تدور في الحارات والشوارع والمصايف تنادي: «نبيِّن زين» ويحملن على رءوسهن في الغالب قفة أو منديلًا فيه ودع، وتفرد الودع وتدعي أنها تشوف البخت وتبين زين! وبعضهن يصدقن بعض الأحيان؛ إما بسبب أن لها قدرة على الكشف بطريق يشبه التنويم المغناطيسي، وإما أن تكون عندها قوة الفراسة، وإما بكلامها كلامًا عامًّا ينطبق على كل حال. وأكثرهن يكذب ولا يقول حقًّا، وهي طائفة لا تزال كبيرة في مصر، وخصوصًا في القاهرة.

    وأحيانًا يحترف الرجال هذه الحرفة فيدَّعون أنهم متصلون بالأولياء أو بالجن، وأنهم يتلقون أخبار المستقبل عنهم. ومن غريب الأمر أن بعض الباشوات الكبار يسمح لهم بالدخول في بيته، ويُفرد لهم غرفة يقيمون فيها، ويسمح لهم بالاتصال بالخدم وسيدات البيت؛ اعتمادًا على أنهم من أولياء الله، وقد روى الجبرتي أن امرأة كانت تدخل بيوت الذوات وتبيت فيها الليالي ذوات العدد، وتدَّعي العلم بالمغيبات، وصادف أن كانت في بيت أحد الباشوات وماتت، فلما جاءوا يغسلونها ظهر أنها رجل، فافتضح الذوات الذين كانوا يبيتونها في البيت، وكانت حادثة شنيعة.

    وبعد ذلك كانت حادثة الشيخ بلال اليمني واتصاله ببعض الأغنياء وإعداد حجرة خاصة له، وتزويجه له بنته، وافتضاح أمره بعد ذلك فظهر أنه فاسق عربيد ليس له من الولاية شيء وكثير من أمثال ذلك من الأحداث.

  • النِّدا: يولع المصريون بتحسين سلعهم التي يبيعونها، ولهم في ذلك التحسين أساليب مختلفة، فقد ينادون عليها بأصواتهم الجميلة، وأحيانا يعلنون عنها بنسبتها إلى وليٍّ: فالترمس للشيخ الإمبابي، والخس للمليجي. وأحيانًا بنسبة الشفاء إليه، كما ينادون على الموز أو الحلبة: «الشفا من الله يا موز» و«الشفا من الله يا حلبة»! وأحيانًا باستخدام البلاغة مثل: «زي بيض اليمامة يا عنب» و«نواك لوز يا بلح.»

    والغريب أن الأشياء التي جدت في مصر لم تحسَّن بشيء من هذه التحسينات، كأن الجدد قصروا عن القدامى، فهم لا ينادون على المانجو والجوافة إلا بأسمائهما من غير تحلية.

  • النذور: اعتاد كثير من المصريين تقديم النذور إلى المشايخ الكبار، كالسيد البدوي، وسيدنا الحسين. ولما رأت وزارة الأوقاف أن هذه النذور تذهب إلى جيوب بعض الموظفين، جعلت بجانب الشيخ صندوقًا توضع فيه النذور، وحرمت على الخَدَمة أخذ شيء منه، وفي كل ثلاثة أشهر تفتحه بمحضر رسمي، وتوزعه بنسبة معروفة عندها على الخدم: هذا لشيخ المسجد، وهذا لمؤذنه، وهذا لكنَّاسه، والمصريون — وخصوصًا الفلاحين — يفوقون غيرهم في هذا. وقد يحرم البعض أولاده من أكل شيء يتطلعون إليه من أجل أنه منذور للسيد البدوي؛ فهذا ينذر عجلًا، وهذا ينذر بقرة، وهذا ينذر شاة، وهذا ينذر عشرة جنيهات ذهبًا أو ورقًا، ونحو ذلك.

    وهم عادة ينذرون هذا النذر معلقًا كأن يقولوا: إذا شفي ابني المريض من المرض فللسيد البدوي خروف، وإذا قضيت لي حاجة فللسيد البدوي عشرة جنيهات. ثم هم يوفون بنذورهم على الأكثر خوفًا من السيد البدوي أن ينتقم منهم إذا لم يفوا. وتذهب هذه النذور عادة ممن يستحقونها إلى من لم يستحقوها.

    وبعض من يأخذ هذه النذور ربَّى ثروات كبيرة. وقد قرأت اليوم في الصحف إعلانًا عن تأجير مائة فدان تجمعت عند صاحبها من أموال النذور، وحبَّذا لو عقل المصريون فتركوا هذه النذور وأبطلوا هذه العادة. وهناك من وجوه الخير ما هو أبرُّ من هذه العادة وأنفع، كبناء مستشفيات وملجأ للأطفال والأيتام وغير ذلك.

  • نسن السكين: كثيرًا ما نرى في المدن الكبيرة في مصر رجلًا يحمل حجر مِسَنٍّ ركب على عجلة ولُفَّ على العجلة سير، فإذا ضغط برجله على السير دار الحجر، والرجل ينادي عادة نسن السكين! نسن المقص! والناس ينادون عليه ليسن لهم السكين أو المقص على هذا الحجر. فإذا فرغ من ذلك أخرج حجرًا آخر أخضر وصب عليه بعض الزيت وأتم الشحذ عليه بيده. وفي الأمثال القديمة «حجر المسن يشحذ ولا يقطع.»
  • النشل: يكثر في مصر النشل، وهو أخذ المال أو المَحَافِظ خلسة، وقد احترف قوم ذلك من رجال ونساء وصبيان، ويسمَّوْن النشالين. ومما يؤسف له أن مصر قد اشتهرت بذلك عند السائحين، ووضعت على المراكب التي تحملهم إعلانًا كتب فيه ما مضمونه «احترس من النشالين»! وهي سُبَّة فظيعة وربما لم تكن مصر أسوأ حالًا من بعض البلاد المتمدنة.

    ولهم في ذلك طرق مختلفة ومهارة ممتازة، حتى ليستطيع مهرة النشالين أن ينشلوا من غير أن يحس المنشول، بل قد ينشلون ضابط المباحث، فإذا لم يستطيعوا أخذ الشيء شقوا الجيوب أو فتحوا شنط النساء وأخذوا ما فيها. ثم لهم حيل وألاعيب، خصوصًا على من تفرسوا فيه أنه فلاح مغفل أو غريب الدار، بعضهم يُسَرِّحُ الأطفال بعد أن يعطيهم القليل منه، ويستلب منهم الكثير، وكثيرًا ما تنضم إلى رذيلة النشل رذائل أخرى خفية تتضح عند اكتشاف النشالين.

  • النشوق: ويسمى أيضًا السعوط هو نوع من ورق الدخان يدق ويضاف عليه قليل من النطرون فيما أظن، وبعد أن يسحق يشم في الأنف فيهيجه ويسيل المخاط منه. ومتعاطوه كثيرًا «ما يحملون معهم منديلًا أحمر كبيرًا للنَّفِّ.»

    وكانت توجد دكاكين في أكثر الأحياء لبيعه، وكان استعماله منتشرًا خصوصًا بين علماء الأزهر ومن اتصل بهم؛ لأنهم أجازوا استعماله في المسجد دون استعمال الدخان، وكانوا عادة يشترونه في قرطاس ويضعون منه في علبة خشبية صغيرة، وقبل أن يتنشقوا يضربون ضربات خفيفة على رأس العلبة لينزل منه ما قد يكون علق به، ولتهييجه أنف المتعاطي يزيد عطاسه خصوصًا من لم يعتده، وقد قَلَّ كثيرًا بقدر ما انتشرت السجاير وتدخينها، وشم الكوكايين وأمثاله.

  • النظافة: مما يؤسَف له أن النظافة لم تنل من المصريين العناية الكافية، وربما كان الجو عاملًا في ذلك، وقد رتبت الأمم الشرقية في النظافة فكان الأتراك أولًا، ثم اللبنانيون والسوريون، ثم المصريون، ثم الإيرانيون، ثم الهنود. وكانت مأكولاتهم تعرض في الطريق للذباب والغبار، وقَلَّ من الفلاحين من يلبس حذاء، وهم يأكلون الفجل والكرات بعد غسيله بماء قذر في الترع، ويشربون ماء النيل من غير تقطير؛ وهكذا من مظاهر عدم نظافتهم. ولعلهم يسيرون إلى الأمام سريعًا في سبيل النظافة، وقد تمر على الأطفال والفقراء فتجزم أن وجوههم لم تغسل بالماء منذ أيام، وأن ملابسهم لم تغسل منذ أن لبسوها، وتدخل بيت الوجيه وخصوصًا في القرى فتجد أثاثًا فخمًا وموائد فخمة لكنها تنقصها النظافة.

    وقد امتازت بيوت الأتراك في القاهرة — والحق يقال — بالنظافة التامة لما تعوَّدوه في بلادهم. والحارات البلدية في القاهرة من أدل الأشياء على القذارة خصوصًا في أيام المطر، فوحل وماء وقذر ورائحة عفنة ونحو ذلك.

    وقد يصادفك وأنت مارٌّ طشت ماء من الغسيل ألقي عليك! والفقراء عادة لا يتورعون من رمي مُصاصات القصب في الشارع وقشر البرتقال وقشر الموز وقشر البطيخ، فيكون الشارع قذرًا مهما كنسه الكناسون.

  • نظام الطبقات: الطبقات في الأمم تنشأ تبعًا للتاريخ، ولما كان تاريخ مصر ذا أحداث خاصة نشأت الطبقات فيها نشأة خاصة.

    وقد كثر الفاتحون وتتابعوا من يونان ورومان وعرب، وترك وفرنساويين وإنجليز … إلخ، فنشأ عن ذلك أن الفاتحين كانوا هم الطبقة الأرستقراطية دائمًا. وأقل منهم كثيرًا الطبقة الفقيرة من فلاحين وعمال وصناع، ويكونون أعظم الشعب، وبين هؤلاء وهؤلاء طبقة وسطى، ورغم أن الإسلام سوَّى بين الطبقات فإن النظام الاجتماعي فارق بينها. وقد اعتادت الطبقة الفقيرة احترام الطبقة العالية والذل والخضوع الشديد لها.

    وأظهَرُ الطبقات طبقة الأمراء، وكان العلماء طبقة ممتازة يصغي إلى أوامرها العامة والأمراء معًا، وكثيرًا ما تدخلوا في الحركات السياسية لهذا السبب، ولكنْ ضعُف شأنهم على توالي الأيام، ولم يعُد لهم تأثير كبير لا على الشعب ولا على الأمراء. ويلي هؤلاء وهؤلاء كبار الملاك والتجار، وهم أثرياء ثروة متوسطة، وفي الزمن الأخير كثر عددهم وسلطانهم، ويلي هؤلاء جميعًا طبقة العمال والصناع، وهم ينقسمون إلى طوائف، كل طائفة منهم لها نقابتها يفضون مشاكلهم ويرعون أوامرهم بأنفسهم وآخر طبقة هي طبقة الفلاحين، وهم أكثر عددًا ممَّن قبلهم وأسوأ حالًا وأكثر بؤسًا وأشد تعرضًا للمظالم.

    ولما جاءت الحروب الكبرى الأخيرة زلزلت هذه الطبقات وجعلت عالِيَها سافلها وسافلها عاليها، وأفهمت الطبقات الفقيرة حقوقها، وعلمتهم الإضراب لنيل حقوقهم. وكان العمال في ذلك أسرع من الفلاحين وأقدر؛ لأنهم متكتلون وتكتلهم يجعل قيمةً لإضرابهم ويعلم بعضهم بعضًا المطالبة بحقهم، أما الفلاحون فيتفرقون، وتفرقهم يُضعِف من شأنهم، على أننا سمعنا في الأيام الأخيرة حركة جديدة قاموا بها يطالبون بالعدل ورفع الظلم، ولا يعلم إلا الله منتهاها. وكان من أهم أغراض الثورة الأخيرة في مصر إزالة الفروق بين الطبقات بتحديد الملكية وإلغاء الرتب والنياشين، ونحو ذلك.

  • نعل الجلشني: الجلشني مسجد في القاهرة عند مسجد المؤيد، وهناك نعل صغير يزعم الناس أنه نعل الشيخ الجلشني، والناس يعتقدون في هذا النعل ويتبركون به، ويشربون من مائه غرفًا من بئره، وله يوم مخصوص في الأسبوع هو يوم الأربعاء، يزار فيه الجلشني ويُتبرك بنعله.
  • نظره على قده: يستعملون «على قد» كثيرًا بمعنى قليل، فيقولون نظره على قده إذا كان قصيرًا، ومعيشته على قده، إذا كان فقير وهكذا.
  • انفتح زي البَرابَنْد: تعبير يعني تكلم كثيرًا بطلاقة وتدفق.
  • نقاوه عيني: تعبير يعني اخترته على عيني.
  • نَقْبه على شونة: تعبير يقال في الأصل للحرامي ظل ينقِّب، وأخيرًا انتهى نقبه إلى شونة حيث لا ذهب ولا فضة، إلا قمحًا أو شعيرًا تصعب سرقته، ثم استعيرت لكل رجل يأتي عملًا لغرض ثم ينقلب عليه غرضه فلا يكسب شيئًا.
  • النقطة: يطلقها المصريون على أول نقطة ترد من الأمطار إلى مصر، وتكون عادة في ١١ بئونة، وهم يستبشرون بها وينسبون إليها تنقية الهواء، ومنع الأمراض، وخصوصًا الطاعون. وقد اعتادوا أن يضعوا في تلك الليلة قطعة من الطين المجفف يقيسون به الفيضان، فإن ابتلت بالماء دل ذلك على أن الخير سيكون عظيمًا، وهم يعتقدون أنه في هذه الليلة إذا وضعت عجينة اختمرت لاعتدال الجو، والمصريون يحتفلون بليلتها، ويسمونها ليلة النقطة.

    وللنقطة معنى آخر وهو المال الذي يمنح للعروس أو للعالمة ليلة الدخلة، وكانت العادة أن يوضع منديل في حجر العروس والمعازيم يتحفن العروسة من المال كل على قدره، ويسمون ذلك كله نقطة. وكذلك عند زفة العريس تقف الزفة على بعض الأماكن، وينادي بعض الخاصة: شوبش شوبش! فينقِّط من يشاء، وكذلك تنقَّط العوالم بعد الزفة، وأحيانًا يرسل الأصدقاء بعضهم إلى بعض هدايا المناسبات، كزواج بنتهم، أو طهور ابنهم أو ابنتهم، أو عودتهم من الحج، أو نحو ذلك وتسمى نقطة. وتكون هذه النقطة كدَيْنٍ على المُهدى له، يؤديها عندما تحدث مثل هذه المناسبات للمُهدي.

  • النمس: هو حيوان منتشر في مصر، ويمكن استئناسه، فإذا استؤنس أفاد صاحبه بإبادته للفئران، ولكنه يؤذيه من جهة أخرى بأكله للحيوانات الأخرى كالدجاج. ومعروف عنه أنه يبيد التماسيح الصغيرة، ويفحص عن بيضه في الرمل. ويبالغون في ذلك فيقولون: إنه إذا فتح التمساح فمه دخل النمس في فيه فقتله. وفي القوانين المصرية القديمة نصوص صريحة توجب حمايته وتوصي به؛ لأنه يأكل الفئران والحيوانات الضارة.

    والمصريون يطلقون على الشاب الماكر الماهر الذي يصل إلى غرضه بأساليب ناعمة «نمس».

  • النوبيون: هم سكان النوبة وهم سُمر الألوان، لونهم أشبه ما يكون بلون الحبش، وقد اشتهروا بالأمانة والنظافة والصلاحية للخدمة؛ ولذلك تراهم يملئون البيوت للخدمة، كما يملئون الفنادق والقهوات ولا يغني عنهم البيض، وكثيرًا ما يتزوجون ويتركون زوجاتهم في بلادهم، ويأتون إلى مصر ويقيمون فيها سنوات ثم يعودون على بلادهم للإقامة فيها على الدوام أو بعض أشهر.

    وفي الأيام الأخيرة اعتاد بعضهم الوقوف في الشوارع حيث تقف السيارات، فإذا خرج صاحب السيارة أو سواقه نصحه بأن يسير إلى الوراء قليلًا أو كثيرًا ليمكنه السير إلى الأمام في نظير قرش أو نصف قرش. ولهم لباس خاص، وهو القفطان الأبيض أو الجلباب وعليه أو عليها حزام أحمر.

    وقد يشاركهم بعض السودانيين في أعمالهم وهم أسود منهم لونًا، ولكنهم لا يكثرون كثرتهم. وهم بحكم أنهم أقلية يرتبطون فيما بينهم ارتباطًا كبيرًا، حتى إن بعض القهاوي يكون كل جلاسها منهم؛ لأن صاحب القهوة ومقدمها منهم.

  • نماذج: نسوق تحت هذه الكلمة بعض نماذج من الأحداث والأشخاص تعتبر نماذج للناس في مصر وما كان يجري فيها، مأخوذة من تاريخ الجبرتي. قال في ترجمة «إيواظ بك» إن أصل اسمه «عوض» حرفت باعوجاج اللسان التركي إلى «إيواظ» فإن اللغة التركية ليس فيها الضاد، فأبدلت وحرِّفت حتى صار فيها «إيواظ» وهو شركسي الجنس قاسمي؛ أي إنه يتخذ الشارة القاسمية، تولى الإمارة عوضًا عن سيده مراد بك، وقد تلقى مرسومًا بالركوب إلى الصعيد للتغلب على العربان وإجلائهم عن البلاد؛ لأن الملتزمين والفلاحين يتظلمون منهم، فجمع «إيواظ بك» نحو ألف جندي وخرج إليهم بموكب عظيم، ثم طلب الإمداد فأجيب إلى طلبه، فحارب العربان وانتصر عليهم، ففروا إلى الوجه البحري عن طريق الجبل، بعد أن نكَّل بهم تنكيلًا كبيرًا، وقتل بعضهم ونهب جِمالهم. وفي وقعة من الوقعات أخذ منهم ألفًا وسبعمائة جمل بأحمالها، وعاد «إيواظ بك» ودخل القاهرة في موكب عظيم وخلعت عليه الخلع.

    ولما عاد إلى مصر، وجد بعضهم تترسوا في جامع السلطان حسن، فحاربهم وانتصر عليهم بعد أمور وحروب يطول شرحها. وحدث أن بعضهم أحرقوا بيت أمير وما لاصقه من البيوت والحيوانات والرباع، فركب إيواظ «بك» وأمامه القواس بمزراق، فاشتبك المزراق في الباب فانكسر، فتطير إيواظ بك من ذلك وطلب مزراقًا آخر، وفعلًا انهزم «إيواظ بك» وكانت فتنة كبيرة يقول فيها الشيخ حسن حجازي قصيدة مطلعها:

    أيها الشخص لا يكن منك معتب
    إن إيذاء خلق ربك معطب

    ومنها:

    وعلينا مدافع نصبوها
    في أعالي الأبراج ترمي بملهب
    وبيوتًا عديدة حرقوها
    مع نهب الأموال من غير موجب
    وأحاطوا بنا وقد منعونا
    استقاء من نيلنا أو مصوب
    فعطشنا وماء ملح شربنا
    رمونا بكل ما كان يرعب
    مدة مستطيلة ثم باءوا
    بعقاب لم يبق منهم معقب
    والذي ذكرته هنا١ مجمل
    لو بسطناه ضاق تعبير معرب
    ويستفاد من هذا الجزء أشياء كثيرة منها:
    • أولًا: كثرة فساد العربان وتأديبهم بالقتل والتشريد.
    • ثانيًا: كثرة المظالم على الناس بشتى أنواعها.
    • ثالثًا: تحريف الأتراك لكلمات عربية إلى نطق غريب تركي، كتحريفهم عوض إلى «إيواظ».
    • رابعًا: احتمال الأهالي الظلم وصبرهم عليه.
    • خامسًا: ضعف الشعر، ومع ذلك عنايته بتسجيل الحوادث إلى غير ذلك.

    •••

    النموذج الثاني: شيخ العرب همام بن يوسف، كان غنيًّا كبيرًا، ملجأ للفقراء والأمراء، ومحط رحال الفضلاء والكبراء، تنزل بحرمه قوافل الأسفار، إذا نزلت بساحته الوفود والضيفان، تلقاهم الخدم وأنزلوهم في أماكن معدة لأمثالهم، وأحضروا لهم ما يحتاجون إليه، من سكر وشمع عسل وأوانٍ، ثم يحضرون لهم مرتب الطعام في الغداء والعشاء، والفطور، وفي الصباح تُحضر المربات والحلوى، سواء كانوا يعرفونهم أو لا يعرفونهم، وإن أقاموا على ذلك شهورًا لا يختل نظامهم. وكان ينعم بالجواري والعبيد والسكر والغلال والتمر والسمن والعسل، وكان الفراشون والخدم يهيئون الفطور من طلوع الفجر إلى ضحوة النهار، ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحى إلى قرب العصر، ثم يبتدئون في أمر العشاء، وعنده من الجواري والسرائر والمماليك والعبيد الشيء الكثير، وكانت أملاكه واسعة، فله في زراعة القصب وحدها اثنا عشر ألف شونة، وكانت شون غلاله لا تعد، تكتل أتلالًا، وعنده من الأجناد والقواسة الشيء الكثير، فيقضي الأقباط والمحاسبون عنده زمنًا طويلًا ليلًا ونهارًا، لمحاسبته وبيان ما له وما عليه. وإذا جلس مجلسًا عامًّا وضع بجانبه فنجانًا فيه قطن وماء ورد، فإذا قرب منه الأجلاف وتحدَّثوا معه وانصرفوا، مسح بتلك القطعة عينيه وشمها بأنفه حذرًا من رائحتهم. وكان له صلات بالعلماء والأمراء كالسيد مرتضى الزبيدي وغيره.

    وهذا منظر آخر يصور لنا الكرم العربي مع الغنى العريض والجاه الواسع، كما يصور لنا نوعًا جديدًا من الحياة التي يحياها هؤلاء الأغنياء المترفون من الأعراب.

    •••

    ونموذج ثالث: يمثل لنا حياة العلماء في ذلك العصر: كالشيخ حسن الكفراوي، فهو عالم من علماء الأزهر، ولد ببلدة كفر الشيخ، ومن ذلك سمي الكفراوي، وقرأ القرآن وحفظ المتون بالمحلة الكبرى، ثم حضر إلى مصر وحضر على شيوخ الوقت، ومهر في الفقه والمعقول، وتصدر ودرس وأفتى، وتداخل في القضايا والدعاوي، وفصل في الخصومات بين المتنازعين، وأقبل الناس عليه بالهدايا، وتجمَّل بالملابس وركوب البغال، وأحدق به الأتباع، ووفدت عليه الناس، ثم تزوج بنت جزار بالحسينية، وسكن بها، واحتاط به أهل الناحية، وصار له بهم نجدة على من يخالفه أو يعانده ولو من الحكام. وتردد على الأمير محمد «بك» أبو الذهب قبل استقلاله بالإمارة فأحبه محمد «بك» وحضر مجالس دروسه في شهر رمضان بالمشهد الحسيني.

    فلما استبد محمد «بك» بالأمر لم يزل يراعي صحبته، ويقبل شفاعته في المهمات، ويدخل عليه من غير استئذان في أي وقت أراد، فزادت شهرته. ولما بنى محمد «بك» جامعه عين الشيخ حسن رئيسًا له، واجتمع المترجَم له بالشيخ صادومة المشعوذ، وكان يدعي أن شعوذته من باب الولاية والكرامات، إلى أن اتضح أمره ووافاه الأجل والحِمام بعد أن تمرض شهورًا وتعلل، ولم يكن مثالًا للعلماء الزاهدين، رحمه الله. يستنتج من هذا:
    • (١) أن بعض العلماء كان واسطة بين العامة والأمراء.
    • (٢) بعض العلماء يؤيد المشعوذين في شعوذتهم.
    • (٣) استنجاد العلماء أحيانًا بالشطار ورؤساء الحرف والصناعات ليحتموا بهم عند اللزوم.

    ونموذج رابع: من الأمراء في عهد المماليك للأمير عبد الرحمن كتخده: كان لما مات سيده لم يأخذ شيئًا من المال الموجود، فغضب وخرج من وجاقهم إلى وجاق آخر، فلما مات واضع يده على أمواله انتقل الأمر إلى زوج أم عبد الرحمن، فاستدعاه وسلم له التركة أجمعها، وكان شيئًا يجل عن الوصف. فرجع عبد الرحمن على وجاق الإنكشارية، وعلا أمره من حينئذٍ ثم تولى الإمارة فأبطل خمامير حارة اليهود، وأنشأ كثيرًا من الأسبلة والكتاتيب، وزاد في الجامع الأزهر مقدار النصف وبنى له فيه مقبرة، وعلى العموم أنشأ عمارات كثيرة في كل حي، وكان إذا جاء رمضان اجتمع الفقراء على باب بيته فأخرج لهم اللحم والفت، وأعطى كل رجل سحوره، ثم اشتد ساعد علي بك الأمير عدوه، فأخرجه من مصر وأبعده إلى الحجاز، ولما رجع من الحجاز رجع متمرضًا فلم يلبث إلا قليلًا ومات، وخرجوا بجنازته في مشهد حافل حضره العلماء والأمراء والتجار ومؤذنو المساجد، وأولاد الكتاتيب التي أنشأها، ودفن بمدفنه في الأزهر. وكان كثير قبول الرشوة، صادر الأغنياء على أموالهم، واقتدى به في ذلك غيره، حتى صارت الرشوة سُنَّة مقررة، وكذلك كان يصالح على تركات الأغنياء التي لها وارث، ومن أكبر سيئاته إثارته العداء بين الأمراء وتسليطه بعضهم على بعض؛ ولذلك تنفسوا الصعداء لما أخرج من القاهرة.

    نستنتج من ذلك: أن الأمراء كانوا يظلمون ويتصدقون ويبنون الأسبلة والمساجد ظنًّا منهم أن هذه تغفر لهم سيئاتهم، كما تدلنا هذه السيرة على ما كان في تلك الأزمان من جور وفساد، وسلب ونهب، وما أكثر ما احتمل المصريون!

    هذه نماذج من تركي وشيخ عرب وعالم وأمير، وهي تمثل أصناف الناس من الطبقة الوسطى والعليا، ولا يختلف عنهم أمثالهم إلا قليلًا، فقد يزيدون في بعض الصفات وقد ينقصون، ويمكن أن نتصور الشعب المصري من هذه النماذج على قدر الإمكان، إلا أفرادًا شذوا في باب الخير أو باب الشر، فمنهم من زهد في الدنيا، ومن الحكام من عدل، ومن العلماء من تورع أو تصوف، ولكن عددهم قليل، والعبرة بالغالب.

  • النيل: تعد مصر بحق هبة من هبات النيل، وقد سمي النيل نيلًا من اسم نيلوس، أحد الفراعنة القدماء؛ لما قام به نحو النيل من جلائل الأعمال. وقد بهر النيل أبصار اليونان فقرَّر بعضهم أن الماء أصل الكائنات وأسسوا مدينة أطلقوا عليها اسمه، وشادوا هيكلًا فخمًا كان النيل في هذا الهيكل ممثلًا في صورة شيخ تحته مرمر أسود؛ رمزًا إلى بلاد الحبشة، وكلَّل رأسه بالسنابل، واستند إلى تمثال أبي الهول، وجعل عند قدمه تمساح وفرس بحر، حيث يصب النيل، وأحيط بصورة تمثل الستة عشر طفلًا، وترمز أوضاعهم اللطيفة إلى ما اكتسبوه من نعمة فيضان النيل، واشتهرت شلالات النيل شهرة عظيمة من أكبرها شلال أسوان، ويسمع خرير الماء منها من مسافة بعيدة، وقد كان الشلال جبلًا كان يعترض النيل، فتمكن من قطعه في عدة مواضع حتى يمر الماء منه، خصوصًا في أيام الفيضان.

    ويتكون مجرى النيل من ماء وطمي، ويختلف عرضه وعمقه بحسب الأماكن، كما تختلف ضفتا النيل كبرًا وصغرًا، وكما تختلف في أيام الفيضان، وأيام التحاريق، ويمر النيل وترعه بجميع مدن القطر المصري وقراه، وتقوم على قراه القصور والعزب. والنيل كغيره من الأنهار تزداد مياهه سنويًّا عقب الانقلاب الصيفي، وحده بالفيضان ستة عشر ذراعًا إلا في سنون نادرة، ويبدأ الفيضان في جهة الحبشة في أبريل ومايو ويونية على أثر نزول الأمطار الغزيرة، ثم تمر المياه في الخرطوم في أوائل أبريل، ولا تظهر في القاهرة إلا في النصف الأخير من يونية؛ أعني أن المياه تصل إلى القاهرة في نحو ثلاثة أشهر.

    وسبب هذا البطء أن المياه الأولى للفيضان تذهب في الطريق قبل وصولها إلى مصر العليا، وينصرف بعضها إلى جهات مختلفة كثيرة ويرشح بعضها. والزيادة في النيل لا تأتي مطَّردة منتظمة، بل قد تختلف زيادته في بعض السنين، وقد تجيء متأخرة، وفي أواخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر تبلغ الحد الأعلى من ارتفاعها، ثم تهبط بالتدريج حتى تكون التحاريق في مارس وأبريل ومايو. وليس الفيضان كما يظن بعض الناس الأجانب سيحان النيل على الأرض فيغمرها كالطوفان، وإنما هو عبارة عن امتلاء مجرى النيل وترعه وارتفاع الماء فيهما، وإذا بلغ النيل حدًّا مناسبًا لري الأراضي — وذلك يحدث في النصف الأخير من أغسطس — احتُفِل في القاهرة بفتح الخليج الذي كان يخترقها من جانب إلى جانب، فيضيئون الأنوار، ويطلقون الأعيرة النارية بأشكال مختلفة، وتعزف الموسيقى، ويغني المغنون، وتسير في النيل زوارق مزينة بالأعلام. وقد كان شائعًا أن المصريين يرمون فتاة جميلة في النيل محلاة بالزهور، وقد أبطلها عمر بن الخطاب، ثم ظهر أنها خرافة كاذبة، وأنهم إنما يرمون هيكلًا من الطين على شكل فتاة، وكثير من مياه النيل يضيع سدى في البحر الأبيض المتوسط من فرع دمياط ورشيد، وللنيل في القاهرة مقياس في الروضة قديم تجاه مصر العتيقة، وهو عبارة عن عمود من المرمر الأبيض، قائم وسط بحيرة تتصل بالنيل، والعمود ذو ثمانية أوجه، مقسم ستة عشر قسمًا، كل قسم منها ذراع، فإذا ارتفع النيل ارتفع ماء البحيرة فأمكن قياسه، وقبيل الاحتفال يمر المنادون على أبواب البيوت ويغنون أغنيات مختلفة منها: البحر زاد! غرق البلاد! والأطفال حولهم يجيبونهم في كل نداء بقولهم: عوفا الله! بإمالة الألف إلى الياء، وربما كان أصلها أوفى الله؛ أي أوفى الله النيل، فإذا انتهى الاحتفال بالخليج مرَّ المنادي وأطفاله على البيوت يوزعون بعض البلح والليمون الحلو والبرتقال الحادق، يرجون بذلك المكافأة بقرشين أو خمسة أو عشرة، كل على حسب استعداده وقد كان هذا العمل رائجًا في مصر ثم كاد يندثر مع المدنية.

    وكثير من ماء النيل يذهب رشحًا في باطن الأرض، بسبب ضغط مائه على ضفتيه وتخلل أجزاء الأرض، وفي الأرض عروق يجري فيها الماء كأنها قنوات، ويأخذها المصريون بواسطة الآبار الارتوازية أو السوقي العميقة، وفي العادة يَحْمَرُّ ماء النيل في أيام الفيضان، ويخضَرَّ في أيام التحاريق. ومن الغريب عزوف الرجال عن شرب الماء المقطر أو المرشح، أو بعبارة أخرى من الطلمبات؛ لأنهم يعتقدون أن ماء النيل أبعث للقوة.

  • النيل نجاشي: تعبير اخترعه أحمد شوقي، ومعناه أسمر نحاسي.
١  هنا من غير مد الألف للوزن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤