ملالة

ملالة تملأ وقتي، تملأ يومي وليلي، تملأ أمسي وغَدي. أي جديد في هذه الحياة؟ وماذا في الجديد إذا جاء؟ كيف أُزيل عن نفسي هذه الملالة؟ أُحس طعمها في فمي كريهًا شائهًا، وأُحسِّه يتمشَّى في دمائي رتيب الخطوة، رتيب النغمة. أُغيِّر ما أُغيِّر من حياتي، وأفعل ما أشاء أن أفعل، وما تشاء لي أفكاري، المحدودة التي لازمتني ولا أذكر متى، وأفعل ما يشاء لي عقلي، هذا الذي لا جدة فيه ولا طرافة، فإذا كل ما أفعله مُكرَّر ولا يُزيل عني الملالة، ولا ينشلني من وهدة الخمول، الذي يُحيط بي إحاطةً لا مخرج لي منها ولا مفر.

زوجتي في البيت، تزوَّجتها منذ عشرين عامًا ونيِّف، وظلِلت أراها في كل يوم، في كل لحظة هي هي في الصباح والمساء، هي هي في الشباب والكهولة، ما تغيَّر منها إلَّا الجمال الذي ولَّى، لتحل مكانه خطوط من السن، وتجاعيد من الكبر، وترهُّل من الحمل. جاءت بالبنين والبنات. لعلني فرحت بالولد الأول، ثم ماذا بعد ذلك، ملالة، ملالة، لم تلد زوجتي إلَّا الملالة والصراخ، ثم كبرت الملالة وكبر الصراخ فإذا هو مطالب، وطنين من الإلحاح. مطالب معقولة لا عيب فيها، إلَّا أنها مكرَّرة لا جديد فيها ولا ابتكار، بل إنها تزيد ملالتي ملالة، وتزيد ضيقي ضيقًا، فأنا من الملالة في بحرَين.

تركت بيتي وعشت وحدي لاحقتني من زوجتي القضايا، ومن أولادي المطالب، ولم أستطِع في غمرة القضايا والمطالب أن أتخلَّص من الملالة؛ فحياتي وحدي مملَّة كحياتي مع زوجتي وأولادي؛ فعدت إلى بيتي والملالة تُلاحق مواكبي أنَّى سِرت.

خضعت ورضيت من بيتي أن أكون المصنع الذي يخرج لهم ما تحتاجه حياتهم من مال.

وأنا في وظيفتي ملول، الديوان هو الديوان، والجدران هي الجدران، وإن تبدَّل الزملاء بزملاء، إلَّا أن الأحاديث هي هي، لا تتغيَّر؛ تعليق على أخبار الجرائد وليس في الجرائد شيء جديد. من قرأ من التاريخ ما قرأتُ استطاع أن يعرف عن ثقةٍ مؤكدة أن ليس في الجرائد جديد. ما كان في التاريخ البعيد هو أخبار الساعة؛ قوي يقهر وضعيف يشكو، ودول تتطاول وتستكبر، ودول تتطامن وتستذل. هكذا التاريخ، ولكن صحبي لا يقرءون التاريخ وأنا قرأته؛ فهم يُعلِّقون على الأخبار وكأنها جديدة، ولو عرفوا الذي عرفت من الماضي ما أحسُّوا من حاضر أيامهم حلاوة، بل إنني أستطيع بما قرأت أن أقول لهم ما تُخبِّئه الأيام من أخبار؛ فالتاريخ أيضًا ممل يتكرَّر ولا يتجدَّد، يُعيد نفسه في كسلٍ وتراخٍ، وكأنما أدركه الكبر أن يأتي بجديد.

وقد يُعلِّق بعضهم على الكرة، وتلك عجيبةٌ من العجائب بلا جدة فيها أيضًا، ولست أدري كيف يمكن الحديث عن الكرة؟ إنما هي فريقان يتلاعبان ويغلب فريقٌ فريقًا. كل ما أفهمه في هذا الأمر أن أشاهد ثم لا أُعلِّق، وإنما إخواننا من الزملاء يُعلِّقون ويتمادَون في الحديث فيطول ويطول، وأنا أكاد أموت غيظًا وملالة، فلا جديد في هذا الحديث أيضًا؛ فقديمًا عرف الناس التفاهة في اختيار موضوع النقاش، وما تنازلوا عن تفاهتهم حتى اليوم.

وقد يحدث — ولكن قليلًا ما يحدث — أن يتناقش اثنان في الأدب، وفيما تكتبه الجرائد من قصص، هذا الوباء الذي أصبح متفشيًا في أيامنا هذه، ولا أجد فيما يُقدِّمونه جديدًا؛ فقديمًا قال عنترة بن شدَّاد: «هل غادر الشعراء من متردَّم؟» فإذا كان هذا الشاعر الجاهلي قد يئس أن يقع على جديد منذ هو في الجاهلية، وقد عدوناها اليوم بألف وأربعمائة عام وتزيد، فأي جديد يمكن أن يأتي به الأدب؟ أجل لقد قرأت الأدب القديم حتى أفنيته، ثم قرأت في الأدب الحديث حتى ملِلته، وأصبحت لا أجد فيما أقرؤه طرافة، ومن أين وقد قطع عنترة عليهم الطريق منذ عشرات القرون والأجيال؟

قرأت المسرحيات، فأمَّا ما كان منها على نمطٍ قديم، فهو يزيدني ملالة، وأمَّا ما كان منها على النمط الجديد، فقد طوَّح بي إلى مجاهل القدم، أكثر ممَّا فعل المسرح القديم ذاته. متى كانت الخرافة شيئًا جديدًا؟ إنها قديمة قِدَم الأوثان، بل إنها أعظم منها قِدَمًا، وأشد منها إيغالًا في غياهب الأزمان الغابرة.

لا شيء جديد في هذه الدنيا، لا شيء جديد. أم تُرى أنا وحدي الذي أُحس بهذه الملالة لكثرة ما قرأت؟ لست أدري. إنما ما أدريه أنني كنت أحسد كل من يبتسم، وتقتلني الغيرة من كل ضاحك، فإذا رأيت اثنَين يتحادثان منهمكَين في الحديث، رحت أُصوِّب إليهما عينَين نَهِمتَين، وكأنما يتقاسمان أموالًا مكدَّسة لا تخصُّني. إنهما يتبادلان الحديث، ومعنى هذا أن هناك موضوعًا بينهما يشغلهما، فهما يتحادثان فيه، ويهتمَّان به، وينسيان الملالة ولو لمدة لحظات.

سافرت، سافرت إلى جميع مدن القطر المصري. ماذا؟ أي جديد في هذا؟ ما رأيته في الوجه القبلي هو ما رأيته في الوجه البحري. ولا تسلني عن القرية. ويلي من الريف والقرى. ما أكذب هؤلاء الكُتَّاب الذين يتحدَّثون عن هدوء ومتعة الريف! أجل ما أكذبهم!

وعُدت إلى القاهرة وقد ازدادت ملالتي ملالة. لم أجد شيئًا أفعله آخر الأمر إلَّا أن أنظر إلى وجوه الناس، إنها الشيء الوحيد الذي لا يتكرَّر. لا تُصدِّق أنه يخلق من الشبه أربعين، لا أربعين ولا حتى اثنين، لكل وجه ملامحه الخاصة، وهي تُعبِّر عن أخلاق خاصة، ولن يشترك اثنان في الملامح أبدًا، ومهما يكن التشابه فلا بد أن تجد فارقًا، وفارقًا مميزًا واضحًا.

حذارِ أن تظن أن نظري إلى وجوه الناس أبعد عني الملالة أو قلَّلها، إنما كان هذا مظهرًا من مظاهرها، ولم أجد ما أُنفق فيه ملالتي إلَّا الوجوه، ولا أُخفي عنكم لقد كنت أُحب وجوه الناس. واسخر معي ما شئت من هؤلاء الذين يُحبُّون الجمال الطبيعي بغير أحمر أو أبيض. إن هذا الأحمر والأبيض شيء جميل. وكم صُعقت يوم تفتَّق ذهن أساتذة المودة عن الدهان الذي يضعونه على شفتَي المرأة بلون الطبيعة! أغبياء. من قال لهم إننا نُريد أن نرى اللون الطبيعي؟ فلماذا تضعنه إذن ما دام المطلوب هو اللون الطبيعي؟ صدِّقني، كلما رأيت واحدةً منهن يُخيَّل إليَّ أنها أكلت زبدةً ثم تجمَّدت الزبدة على شفتَيها.

المهم لقد وجدت أن خير ما أُنفق فيه ملالتي هو النظر إلى الوجوه، وأخص بالنظر وجوه السيدات طبعًا. ولم أجد مكانًا خيرًا من السينما أذهب إليه لأجد المعرض مليئًا بالمعروضات، فالسيدات — لسرٍّ أجهله — يبذلن أقصى جهدهن في التزيُّن وهن ذاهبات إلى السينما، وكأنهن يجهلن أن الظلام سيُغطي كل شيء يضعنه على وجوههن. على كل حال كان هذا من حُسن حظي أنا؛ فقد كنتُ أُحب عنايتهن هذه بوجوههن.

وفي يوم دخلت السينما وجلست بجانبي فتاة، بل سيدة يبدو أنها في أول عهدها بالزواج؛ فهي كالوردة أشرفت على التفتُّح، النضارة تفوح منها كأنها عبق وهبته لها السماء، كل شيء فيها جديد. حتى لقد ذكَّرتني بملالتي وكيف أني قديم قديم، وأفكاري قديمة، وكل ما يتصل بي قديم. كم نحن متناقضان! هي في جِدَّتها وأنا في قِدمي. كيف يمكن أن يلتقي القديم والجديد بهذا التقارب؟ متجاوران على الكرسي، لو لم أكن أرتدي جاكتةً ذات أكمام للامستْ ذراعها ذراعي.

وفجأةً ومضت في ذهني فكرة، أبعدتها فألحَّت عليَّ: لماذا لا أُقبِّل هذه الفتاة الجالسة إلى جواري؟ ماذا سيحدث؟ واحدة من اثنَين؛ إمَّا أن يُلقوني في السجن. وما ضر لو فعلوا؟ كم من مساجينٍ هناك ذهبوا إلى السجن بجرائم لا لذة فيها ولا طرافة ولا تجديد! أمَّا أنا فسأذهب إلى السجن وقد حطَّمت عن نفسي الملالة الأكبر، الذي أعيش فيه. وهل أنا الآن طليق؟ مرحبًا بالسجن ولو أرسلوني إليه. وإمَّا أن يقودوني إلى سراي المجاذيب، ومرحبًا بهذا أيضًا. أرى هناك البشرية المستريحة قد طرحت عن نفسها قيود العقل، وارتاحت إلى الحياة تقطعها لذةً وأحلامًا وأوهامًا وخيالًا. سأكون سعيد الحظ لو أنهم ألقَوا بي إلى سراي المجاذيب.

ودون أن أُمعن في التفكير أكثر ممَّا فعلت مِلت على السيدة التي بجانبي، وطبعت على خدِّها قبلةً مطمئنةً هادئة، ثم اعتدلت وجلست.

ومدَّت السيدة يدها على مكان القبلة في ذهولٍ هادئ أول الأمر، ثم فجأةً استعادت يدها وكأنما وجدت على خدها أثر القبلة مُجسَّمًا، وكأنما تأكَّدت أن هذا الذي حدث حقيقة لا خيال ولا وهم. وإذا هي في كل ثقةٍ تتجه إليَّ وتصفعني قلمًا، لم أكن محتاجًا إلى أن أضع يدي بعده لأتحسَّس أثره؛ فقد كانت النيران تُلهب وجهي، وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند ذلك. قبلتها قبلةً فصفعتني قلمًا … فنحن متخالصان لا لنا ولا علينا. ولكن ماذا تفعل في الآخرين، هل يمكن أن يسكنوا؟ أيُضيِّعون هذه الفرصة الذهبية في كَسْر ملالتهم وتسلية أنفسهم؟ أفندي قبَّل سيدة، وسيدة صفعت أفندي، أين يجدون فرصةً كهذه؟ قام الرجل الجالس خلفنا: أنت قليل الأدب يا أفندي.

فوكزه الجالس إلى جانبه وسأله: ماذا حصل؟

فحكى له الذي حصل، فقال السائل: قلة حياء والله، لا يمكن أن نسكت.

فتقدَّم الرجل الجالس بجانب الست فسأل وأجيب؛ فثار؛ النهاية سحبوني إلى القسم.

– هل قبَّلت الست؟

– نعم.

– ونعم أيضًا!

– أتُريدني أن أكذب؟ نعم قبَّلتها.

– ألا تعرف أن هذه جريمة؟

– جريمة!

– نعم جريمة.

– على الشاشة أمامنا في السينما كانت القبلات على قفا من يشيل، ولم نرَ أحدًا يقول جريمة.

– هل تُريد أن تدَّعي الجنون؟

– هل فيما أقول غلط؟

– لا، لا غلط. يا شاويش ضعه في الحجز.

وتمَّ المحضر ورئي لاستكمال الشكل أن أُعرَض على طبيب أمراض عصبية، وكأن الطبيب كان يدري ما تهفو إليه نفسي، فما هي إلَّا أن انتهى من فحصه حتى كنت نزيلًا بمستشفى الأمراض العقلية.

لا تسلْني كم من الوقت أقمت هناك؟ فما عرفت في حياتي أسعد من هذه الفترة التي عِشتها بلا عقل ولا مسئولية ولا ملل.

أقمت هناك ما أقمت، لا تستطيع زوجتي أن تكسر الأسوار لتُعيدني إلى ملالة حياتي، ولا يستطيع أولادي أن ينفذوا إليَّ ليُحيطوني بملالة مطالبهم. وطبعًا لم يُحاول الزملاء أن يبلغوا مكاني؛ فما كانوا حريصين على ملالتي في شيء.

ثم فجأةً قلب لي القدرُ ظهر المجن، وانبثقت في صدر طبيب المستشفى عداوة شديدة، فإذا أنا فجأةً طريد من المستشفى مرةً أخرى إلى الحياة، إلى الملالة، ملالة تملأ وقتي، تملأ يومي وليلي، تملأ أمسي وغدي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١