الفصل الثاني عشر

تافرنيك يَزِل

شعر تافرنيك أنه قد تجوَّل بالفعل في عالم غريب بينما يأخذ مكانه في المساء التالي وسط الحشد الصغير من الناس الذين كانوا ينتظرون خارج باب مسرح أطلس. كانت هذه أجواءً لم يكن معتادًا عليها على الإطلاق. توقفَت سيارتان رائعتان عند الرصيف، وخلفهما مجموعةٌ من السيارات الكهربائية وسيارات الأجرة، مما يُثبت بشكلٍ قاطع أن سيدات مسرح أطلس يحظَيْن بشعبية في غير الدوائر المسرحية المحضة.

كان الحفنة من الشباب الذين أحاطوا بتافرنيك من جنسٍ مجهول بالنسبة إليه. كانوا جميعًا يرتدون ملابسَ متشابهة تمامًا، ويبدو أنهم جميعًا يُجسِّدون البيئةَ نفسَها، ويُبْدون اللامبالاة نفسَها نحو الضيوف الآخرين. والكراسي الأخرى. دلفَ واحدٌ أو اثنان من المحظوظين عبر باب المسرح واختفيا. كان تافرنيك يكتفي بالوقوف على حافة الرصيف ويداه داخل جيبَي معطفه الداكن، وقبعته التي لم تكن ذات شكلٍ مناسب تمامًا، قد انزاحت قليلًا على الجزء الخلفي من رأسه؛ وقد انعكس الضوء على وجهه الجادِّ المتصلِّب من مصباح غاز مجاور.

بدأ الناس في الوقت الحاليِّ يخرجون من الباب. في البداية، الموسيقيون، ومجموعة صغيرة من العاملين في المسرح.

ثم ظهرَت قبعةُ فتاة في المدخل، وخرجَت أول واحدة من فتيات مسرح الأطلس، ليصطحبها مُرافقُها على الفور. وسرعان ما وصلت بياتريس بعد ذلك. ورأت تافرنيك على الفور وتقدَّمت نحوه.

سألت: «حسنًا، وما رأيُك؟»

قال بتؤدة وهو يتقدم الطريقَ نحو الشارع: «كنتِ تبدين جميلة للغاية. بالطبع، كنت أعرف غناءكِ، لكن كل ما عداه … بدا مفاجأةً كبيرة بالنسبة إليَّ.»

«مثل ماذا؟»

تابعَ: «حسنًا، أعني رقصك، وبطريقة أو بأخرى بدَوتِ مختلفةً على المسرح.»

هزَّت رأسها.

وأصرَّت قائلة: «كلمة «مختلفة» لن تكفيني. يجب أن تعطيني وصفًا أكثر تحديدًا.»

صرَّح تافرنيك بجدية: «حسنًا، إذن، لقد بدوتِ أجملَ بكثير مما كنت أعتقد. بدوتِ غايةً في الجمال.»

سألت بشيءٍ من الشك: «أهذا رأيُك حقًّا؟»

«نعم، هذا رأيي. أرى أنكِ تبدين أجمل بكثير من كل الأخريات.»

ضغطت على ذراعه بمودَّة.

وقالت: «عزيزي ليونارد، جميلٌ جدًّا أن يكون ذلك رأيك. أتعرف، لقد دعاني السيد جرير إلى تناول العشاء بالفعل.»

تمتم تافرنيك: «يا لها من وقاحة!»

ألقت بياتريس رأسها للخلف وضحكت.

وراجعَته قائلةً: «أخي العزيز، لقد كانت مجاملةً رائعة. ويجب أن تتذكر أنه صاحب الفضل الأول في حصولي على هذا العمل. سأحصل على أربعة جنيهات في الأسبوع. فقط فكِّر في الأمر!»

أقرَّ تافرنيك: «أربعة جنيهات في الأسبوع مبلغٌ جيد جدًّا. يبدو مبلغًا كبيرًا بالمقارنة بنوع العمل. لكني لا أعتقد أنه يجب عليك الذَّهاب لتناول العشاء مع أي شخص تعرفينه معرفة بسيطة بهذا الشكل.»

«يا لك من متزمِّت يا عزيزي! أنت تعرف أنك متزمت بدرجة صادمة يا ليونارد.»

أجابَ دون أن يشعر بالإهانة، وبطريقةِ شخص يفكِّر جديًّا في الموضوع: «أأنا كذلك حقًّا؟»

«بالطبع أنت كذلك. وكيف يمكنك ألا تكون، بعد أن عشتَ هذا النوع من الحياة طوال عمرك؟ لا عليك، أنا معجبةٌ بك لذلك. أنا لا أعرف إن كنتُ أرغب في الخروج لتناول العشاء مع أي شخص … حقًّا لم أقرر بعد … ولكن إذا قررت، فسيكون من الأفضل بالتأكيد بالنسبة إليَّ أن أخرج بصحبة السيد جرير؛ لأنه يستطيع أن يفيدني فائدة لا حد لها في المسرح، إذا أحبَّ.»

ظلَّ تافرنيك صامتًا عدة لحظات. كان واعيًا لشعوره بإحساس لم يفهمه على الإطلاق. كل ما كان يعرفه هو أن هذا الإحساس انطوى على بُغضٍ شديد وغير منطقي للسيد جرير. ثم تذكَّر أنه أخوها، وأن له الحقَّ في التحدث بسُلطة.

قال: «آمُل ألَّا تخرجي لتناول العشاء مع أحد.»

بدأت تضحك لكنها ألجَمَت نفسها.

قالت: «حسنًا، هذا يبدو فظيعًا للغاية. هل سنركب حافلة؟ لا أخفيك سرًّا، أنا أتضوَّر جوعًا. لقد تدربنا مدةَ ساعتَين قبل العرض، ولم أتناول شيئًا سوى شطيرة … كنت متحمسة للغاية.»

تردَّد تافرنيك لحظة … بالتأكيد لم يكن طبيعيًّا هذا المساء!

سأل: «هل ترغبين في تناول العشاء في مطعم، قبل أن نعود إلى المنزل؟»

قالت وهي تتأبطُ ذراعه بينما يمران وسط حشد من الناس: «بالطبع أحبُّ ذلك. بصراحة، كنت أتمنى أن تقترح هذا الاقتراح.»

قال تافرنيك بروية: «أعتقد أن هناك مكانًا قريبًا على طول الطريق من هنا.»

شقَّا طريقهما عبر شارع ستراند ودخلا مطعمًا لم يعرفه تافرنيك إلا بالاسم. عثَرا على طاولةٍ صغيرة لهما، ونظرت بياتريس بفرحة.

صاحت وهي تخلع قفازاتها: «أليس هذا ممتعًا! يا إلهي هناك خمس أو ست فتيات من المسرح هنا بالفعل. هناك اثنتان، انظر، على طاولة الزاوية، والفتاة ذات الشعر الأشقر… إنها خلفي مباشرة في الكُورَس.»

نظرَ تافرنيك حوله. الشابات اللواتي أشارت إليهن جميعهنَّ كن برفقة رجال يرتدون ملابسَ السهرة بأناقة. بدت وكأنها قرأتْ أفكاره وهي تضحك عليه.

قالت: «أيها الفتى الغبي. أنت لا تفترض أنني أريد أن أكون مثلهن، أليس كذلك؟ هناك الكثير من الأشياء التي يُسعدنا النظرُ إليها، وهذا كل شيء. أليس هذا السمك جيدًا؟ أنا أحبُّ هذا المكان.»

نظرَ تافرنيك حوله باهتمام لم يُكلِّف نفسه عناءَ إخفائه. من المؤكَّد أن المجموعات الصغيرة من الأشخاص الذين أحاطوا بهما من كل جانب كانوا يستمتعون بطعم في الحياة، لم يذُقْه هو حتى الوقت الحاضر، على أي حال. لقد اندفعوا إلى الداخل، يجدون أصدقاء في كل مكان، يضحكون ويتحدثون، ويصرون على الجلوس في طاولات في أماكنَ مستحيلة، ويُحيُّون معارفهم في جميع أنحاء الغرفة، ويمازحون كبير الندُل الذي كان يتنقل بسرعة من طاولة إلى أخرى. كان تجمع الأصوات المختلطة يمتزج بين الحين والآخر مع فرقعة أغطية الزجاجات الفلين، وخلف كل ذلك كانت الأنغام الناعمة لفرقة صغيرة مغرية، تعزف في الشرفة. شعر تافرنيك باحمرار وجنتَيه. كان هذا صحيحًا: كان هناك شيء جديد عليه هنا!

سألها فجأة: «بياتريس، هل شربتِ الشمبانيا من قبل؟»

ضحكت منه.

أجابت: «كثيرًا يا أخي العزيز. لماذا؟»

اعترفَ قائلًا: «أنا لم أفعل قط. سنحتسي بعض الشمبانيا الآن.»

كانت ستمنعُه لولا أنه استدعى نادلًا بإلحاح وأصدر أمره.

احتجَّت قائلة: «عزيزي ليونارد، هذا إسرافٌ مروِّع.»

ردَّ قائلًا: «حقًّا؟ أنا لا أهتم. حدِّثيني عن المسرح. هل كانوا لطيفين معكِ هناك؟ هل ستستطيعين الاحتفاظ بمكانكِ؟»

قالت له: «كانت الفتيات ألطفَ بكثير مما كنتُ أتوقع، وقال المخرجُ الموسيقي إن صوتي أفضلُ بكثير من أن أنضمَّ للكُورَس. أوه، حقًّا أتمنى أن يُبقوني!»

أكَّد بحماس: «سيكونون أغبياءَ إذا لم يفعلوا. أنتِ تُغنين أفضلَ من كل الفتيات الأخريات، وترقصين برشاقةٍ أكثر، وتبدين أجملَ بكثير منهن جميعًا.»

ضحكت وهي تنظر إلى عينَيه.

وصاحت قائلة: «أخي العزيز، تعليمُك يتقدم حقًّا! إنها بالتأكيد الليلة الأولى التي أسمعك فيها تحاول قولَ عباراتٍ جميلة، وأنت بارعٌ بالفعل.»

احتج قائلًا: «لا أعرف شيئًا عن ذلك.» وأضافَ وهو يفحصُها بتمعُّن: «أعتقد أنه لم يخطر ببالي قط أنكِ جميلة، وإلا كنت سأخبرك بذلك. حسنًا، المرء لا يلاحظ هذه الأشياء في العادة. ومع ذلك، لا بد أن الكثيرين قد أخبروكِ بذلك.»

قالت: «لم أحظَ إطلاقًا بالمجاملات. كما ترى، كان لديَّ أخت جميلة.»

يبدو أن الكلمات قد أفلتَت منها دون وعي. وبينما تخرج من شفتَيها، تغيَّر تعبيرها. وارتجفَت وكأنها تذكَّرَت شيئًا مزعجًا. إلا أن تافرنيك لم يلحظ شيئًا. في الجزء الأكبر من اليوم، كان يُكافح بجُرأة ضد حالةٍ ذهنية جديدة وغير مألوفة. لقد وجد أفكاره تُفلت منه، مرةً بعد مرة، حتى اضطُرَّ إلى الجزِّ على أسنانه واستخدام كل عزيمته لإبقاء انتباهه مركَّزًا على عمله. والآن مرة أخرى تسلَّلت أفكاره، وشعر مرة أخرى بثورة غريبة تجتاح كِيانه. وازداد تدفق الدم في وجنتَيه عمقًا فجأة. نظر إلى ما وراء الفتاة التي تجلس أمامه، إلى خارج المطعم، عبر الشارع، إلى داخل غرفة الجلوس الصغيرة في ميلان كورت. كانت إليزابيث هي مَنْ تجلس أمامه. سمع صوتَها مرة أخرى، ورأى التفاتةَ رأسها، وانحناءةَ شفتَيها الرقيقة والمبهجة، والعينَين اللتَين كانتا تنظران إلى عينَيه وتحدِّثانه أولَ همساتٍ غريبة بلغة جديدة. خفق قلبه خفَقانًا سريعًا. لقد تحوَّل في الوقت الحالي، لم يعد سجينًا، أصبح في الواقع شخصًا مختلفًا عن ذلك الشاب الصارم المهذَّب الذي وجدَ نفسه للمرة الأولى في حياته في هذا الوسط المحيط غير المعتاد. ثم مالت بياتريس نحوه، وأعاده صوتُها إلى أرض الحاضر … لم يكن، للأسف، الصوتَ الذي كان سيُقدِّم الكثير ليسمعه في تلك اللحظة.

تمتمَت: «الليلة، أشعر وكأننا في بداية أشياء جديدة. يجب أن نشرب نخبًا.»

ملأ تافرنيك كأسها وكأسه.

قال: «نخبُ حظِّكِ في مهنتكِ الجديدة!»

صاحت بعد بضع ثوانٍ: «وهذا نخب قلبك، أيها الرجل الأكثر فضولًا بين الرجال! نخب ما لم يُكتشَف في الحياة!»

احتسى كأسه ووضعها فارغة.

تمتم وهو ينظر حوله: «ما لم يُكتشَف. هذا نخبٌ رائع يا بياتريس. هناك أشياءُ كثيرة قد يظل المرء يجهلها طوال حياته إذا اعتمدَ بالكامل على تصوُّراته.»

ووافقَت على ذلك قائلة: «أعتقد أنه لو لم أظهر في حياتك، لكنت ستتعرض لخطرِ أن تصير ضيق الأفق.»

أجابَ: «أنا متأكِّد من ذلك، لكنكِ أتيتِ كما ترين.»

فكَّرت لحظة.

ثم قالت: «هذا يُذكِّرني قليلًا بأول وليمة كئيبة تناولناها معًا. كنت تعرف ما يعنيه وقتها أن تُطعم فتاةً تتضوَّر جوعًا حقًّا. وأنا كنت بائسةً يا ليونارد. لم يبدُ لي وقتها أن هناك أيَّ نهاية أخرى باستثناء نهاية واحدة.»

سألها بقلق: «لقد تجاوزتِ كلَّ هذا الهراء، أليس كذلك؟»

أجابت: «بلى، أعتقد ذلك. كما ترى، لقد بدأتُ الحياة مرة أخرى وأصبحتُ أقوى.» ثم استدركَت: «لكن هناك أوقاتًا حتى الآن أشعر فيها بالخوف.»

ماتت الفرحة فجأةً في وجهها. وبدَت أكبرَ سنًّا، ومتعبة، وبائسة. وعادت الظلال تحت عينَيها، ونظرت حولها بشيء من الخوف. فملأ كأسَها.

وقال: «هذه حماقة. لا شيء ولا أحدَ يستطيع أن يؤذيَكِ الآن.»

لفتَت نظرَها نبرةُ صوته. كان قويًّا وصريحًا، يجلس بأريحيةٍ بوجهه القاسي الصارم، وسط هذه الأجواء غير المألوفة، وشعرت كأنه حصنٌ قوي يلجأ إليه الضعفاء. لم يكن وجهه مثقفًا بشكل لافتٍ للنظر … لم تكن متأكدةً الآن بشأن فمِه … ولكن يبدو أن المرء يشعر بتلك الطبيعة العنيدة، والآلام التي لا تعرف الكللَ التي سيبذلها سعيًا وراء أيِّ هدف عزيز عليه. تلاشت الظلال من عقلها. ما فات مات. لم يكن من المعقول أن تطاردها طَوالَ حياتها أشباحُ خطايا الآخرين. وجدَت أجواءُ المكان، وأجواءُ الساعات القليلة الماضية طريقَها من جديدٍ إلى دمها. فرغم كل شيء، كانت شابة، والموسيقى كانت عذبة، وكانت نبضات قلبها تدقُّ على لحن هذه الحياة الجديدة. تناولت نبيذها وضحكت، وكانت الموسيقى تتلاعب برأسها.

وقالت: «لقد كنا حزينَين مدةً طويلة بما فيه الكفاية. أنت وأنا يا أخي العزيز الجاد، سوف ننطلق بجدِّية الآن على دروب الرعونة. قل لي، كيف سارت الأمور اليوم؟»

ومضَ في ذهنه أنَّ لديه أخبارًا رائعة، لكنها لم تكن هكذا بالنسبة إليها. كان لا يزال هناك شكٌّ في عقله حِيالَ هذا الأمر، لكنه لم يستطع أن يتحدَّث عنه.

قال بحذر: «لقد تلقيتُ عرضًا. لا أستطيع أن أقول الكثير عنه في الوقت الحاضر، فلا شيء مؤكَّد، لكنني متأكِّد من أنني سأتمكَّن من الحصول على التمويل بطريقةٍ ما.»

كانت نبرته هادئةً وواثقة. لم يكن هناك ثقةٌ بالنفس أو تبجُّح حول هذا الموضوع، ومع ذلك كان مقنعًا. نظرَت إليه بفضول.

قالت: «أنت شخصٌ واثق جدًّا يا ليونارد. لا بد أنك تملك إيمانًا كبيرًا بنفسك، على ما أظن.»

فكَّر في قولها لحظة.

ثم أقرَّ: «ربما أفعل. لا أعتقد أن هناك سبيلًا آخرَ للنجاح.»

كان جوُّ المكان الآن يكاد يكون باعثًا على الوهن والخمول. توقَّفَت الفرقة عن العزف، وكانت هناك مجموعات صغيرة من الرجال والنساء، يُحيِّي بعضُهم بعضًا استعدادًا للرحيل. وخُفِّضَت إضاءةُ المصابيح، وفي الضوء الهادئ، بدا أن الأصوات والضحكات قد تضاءلتْ أكثرَ فأكثر وأصبحَت أكثر إيعازًا، وصارت لمعة الضوء في عيون النساء وهنَّ يَسِرن في الغرفة في طريقهنَّ للخروج، أكثرَ نعومةً ولا تُقاوم.

قالت مترددة: «أفترض أننا يجب أن نذهب.»

دفعَ تافرنيك فاتورته واتجها إلى الشارع. تأبَّطتْ ذراعه واستدارا غربًا. حتى هنا، بدا أن أجواءَ المطعم قد وجدَت طريقها إلى الخارج. في هذه اللحظة، اختفَت صرامة الحياة ووُورِيَ جانبُها الأقسى والأكثر عملية. لم يكن هذا هو الحشد النهاري، هذا الذي تطأ خطواته على الأرصفة. واختفَت الوجوه القلقة المهمومة للساعين وراء قوت يومهم. كان الرجال والنساء الذين كانت الحياة بالنسبة إليهم أشبهَ بالصراع قد أوَوْا إلى منازلهم … ربما للراحة قبل أن يبدَءوا شقاءهم مرةً أخرى. في كل لحظة كانت عربات الأجرة والسيارات تتجول وتُلقي وميضًا في الليل على رجالٍ في ملابس السهرة، ونساء يرتدين أثوابًا ناعمة ويُزيِّنَّ شعورهن بالمجوهرات. ويبدو أن روح المتعة والسعادة قد تسلَّلت إلى الأجواء. فحتى الفقراء الذين مروا بهم في الشارع كانوا يضحكون أو يُغنون.

توقَّف تافرنيك لحظة.

وقال: «الليلة ليست ليلةَ الحافلات العامة. سنستقلُّ سيارة أجرة. أعلم أنكِ متعبة.»

قالت معترفة: «أحبُّ ذلك بالطبع.»

أشارا إلى واحدة وانطلقَت بهما. استندت بياتريس بين الوسائد وأغمضَت عينَيها، واستقرَّت يدُها العارية من القفازات على يده وهي تُداعبه. فمالَ إلى الأمام. كانت ثمة أشياءُ جديدة في العالم … كان على يقين من ذلك الآن، على يقين رغم أنها كانت تُطلُّ عليه من وراء الضباب، وتأتيه متخفيةً غامضة لدرجة أنه رغم طاعته لم يفهم. كانت شفتاها الممتلئتان الناعمتان مفتوحتَين قليلًا، وجَفناها ذَوَا الرموش الطويلة الكثيفة مغلقَين؛ وشعرها البُني الغامق، الذي كان قد أفلتَ من ربطته قليلًا، ينساب على أذنَيها. وفجأةً تشبَّثَت أصابعُه بأصابعها بإحكام.

همسَ: «بياتريس!»

اعتدلتْ في جِلستها جافلة، وعيناها تنظران إلى عينَيه باستفسار، بينما تتسارع الأنفاس عبر شفتَيها المنفرجتَين.

قال: «ذات مرة طلبتِ مني أن أقبِّلكِ يا بياتريس. والليلة … سأفعل.»

لم تبذل أيَّ محاولة لصدِّه. أخذها بين ذراعَيه وقَبَّلها. حتى في تلك اللحظة كان يعلم أنه ارتكبَ خطأً. ومع ذلك، راحَ يُقبِّلها مرةً بعد أخرى، ساحقًا شفتَيها بشفتَيه.

وأخيرًا توسلتْ إليه قائلة: «أرجوك، دعني يا ليونارد.»

أطاعها على الفور. لقد فهم جيدًا أن شيئًا غريبًا قد حدث. بدا له خلال تلك الدقائق القليلة التالية أن كلَّ ما مرَّ في تلك الليلة كان حُلمًا، وأن هذه الصورة الحية لحياةٍ أكثر عاطفية، تفرض متطلباتٍ على الحواس أكثرَ من أي شيءٍ مرَّ به حتى الآن، كانت سرابًا، شيئًا سيعيش فقط في ذاكرته، حياة لا يستطيع أبدًا أن يشارك فيها. لقد أخطأ. لقد جاء إلى عالَم جديد وأخطأ. خيَّم عليه شعورٌ بالذنب. كانت لديه رغبةٌ جامحة مفاجئة في أن يصرخ أن إليزابيث هي التي قبَّلها. كانت بياتريس جالسةً في مكانها منتصبةً وقد أدارت رأسها بعيدًا عنه قليلًا. شعر أنها كانت تتوقعُ منه أن يتكلم … وأن هناك كلماتٍ حتميةً عليه أن يقولها. كان صمتُه اعترافًا. كان سيكذب لكنه أطبقَ شفتَيه دون أن ينبس بكلمة. وهكذا مرَّت اللحظة، وزلَّت قدَمَا تافرنيك خطوةً أخرى نحو مصيره!

بينما يساعدها على الخروج من السيارة، شدَّت أصابعها على يده لحظة. ربت عليها برفق بينما تمرُّ أمامه داخلةً إلى المنزل، تاركةً الباب مفتوحًا. عندما دفع للسائق الأجرة وتبعها، كانت قد اختفت. نظر إلى غرفة الجلوس؛ كانت خالية. كان يسمع وقْع خطواتها وهي تصعد إلى غرفتها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢