الفصل الثالث عشر

زيارةٌ مسائية

في الصباح، عندما غادر إلى المدينة، لم تكن قد نزلت من غرفتها. وعندما عاد إلى المنزل في المساء، كانت قد رحلت. دون أن يخلع قبعته أو معطفه، أخذ الرسالة التي وجدها مسنودة على رف المدفأة وموجهة إليه إلى النافذة وقرأها.

أخي العزيز ليونارد،

… لم يكن هذا خطأَك ولا أعتقد أنه كان خطئي. إذا كان اللوم سيقع على أيٍّ منا، فهو بالتأكيد يقع عليَّ أنا؛ لأنه على الرغم من أنك شابٌّ ذكي وطَموح، فأنت لا تعرف في الواقع إلا القليل جدًّا عن العالم … ليس كثيرًا، على ما أعتقد، مثلي. سوف أبقى بضعَ ليالٍ على أي حال مع إحدى زميلاتي في المسرح، حيث أعرف أنها تريد مَنْ يشاركها شقتها الصغيرة. بعد ذلك، سأرى.

لا تُلقي هذا الخطاب في النار ولا تعتقد أنني جاحدة. لن أنسى أبدًا ما فعلتَه من أجلي. وكيف يمكنني أن أفعل؟

سأرسل لك عُنواني بمجرد أن أكون متأكدةً منه، أو يمكنك دائمًا الكتابة لي على عنوان المسرح.

إلى اللقاء يا عزيزي ليونارد،
أختك بياتريس.

رفعَ تافرنيك نظره من الورقة إلى الخارج عبر الميدان الرمادي. كان يعلم أنه كان غاضبًا جدًّا، غاضبًا رغم أنه طوى الرسالة بهدوء ووضعها في جيبه، غاضبًا رغم أنه خلع معطفه وعلَّقه بحرصه المعتاد؛ لكن غضبه كان من نفسه. لقد أخطأ خطأً كبيرًا. هذه الفقرة من حياته كان من الأفضل أن ينساها. لقد كانت غيرَ منسجمةٍ على الإطلاق مع كل أفكاره. قال لنفسه إنه سعيدٌ برحيل بياتريس. العيش مع أختٍ خيالية في هذا العالم العملي أمرٌ سخيف. عاجلًا أم آجلًا كان يجب أن ينتهي. فالأفضل أن ينتهيَ الآن، قبل أن يتمادى إلى أبعدَ من ذلك … الأفضل أن ينتهيَ الآن، أفضل بكثير! ومع ذلك، كان يعلم أنه سيشعر بالوحدة الشديدة.

قرعَ الجرس من أجل المرأة التي كانت تخدمهما، ونادرًا ما كان يراها، لأن بياتريس نفسها كانت توفر احتياجاتهما العاجلة. وجد بعض العشاء جاهزًا، وأكله دون أي إدراك على الإطلاق. ثم ألقى بنفسه في دوامة العمل. كان كل شيء جيدًا في الساعة الأولى أو نحو ذلك، ولكن مع اقتراب الساعة العاشرة بدأ يجد صعوبة غريبة في تركيز انتباهه على تلك الحسابات. مسألة متوسط الإيجارات، النسبة المئوية على رأس المال … الأشياء التي كان يجدها رائعةً بالأمس … بدت مزعجةً فجأة. لم يكن بإمكانه تركيزُ انتباهه على أي شيء. أخيرًا دفع الأوراق بعيدًا، وارتدى قبعته ومعطفه، وخرج إلى الشارع.

عندما وصل إلى ميلان كورت، استقبل حارس العقار سؤاله عن إليزابيث بدهشة خافتة ولكن مهذَّبة. كان من الصعب جدًّا في تلك الأيام تحديدُ وضع تافرنيك. كانت ملابسه تدلُّ بوضوح على المكانة التي شغَلها حقًّا في الحياة، بينما كانت الغطرسة الطفيفة في أسلوبه، وتحرُّره المطلق من أي نوع من العصبية أو الإحراج، ينمَّان على مكانةٍ وجدَها أولئك الذين اضطُرُّوا إلى التعامل معه كغريب في بعض الأحيان محيِّرة إلى حدٍّ ما.

قال الرجل: «السيدة وينهام جاردنر في شقتها، على ما أعتقد يا سيدي. هَلا تنتظر لحظة، وسأستطلع الأمر.»

اختفى في مكتبه، وبعد دقيقة أو اثنتَين، دفع رأسه إلى الخارج، وما زالت سماعة الهاتف في يده.

قال: «السيدة جاردنر تريد الاسم مرةً أخرى يا سيدي، من فضلك.»

كرَّر تافرنيك الاسم بحسم.

وأضافَ: «لعلك تقول إنني لن أؤخرها أكثرَ من بضع دقائق.»

اختفى الرجل مرةً أخرى. وعندما عاد، أشار لتافرنيك إلى المصعد.

وقال: «عليك بالصعود إلى الطابق الخامس يا سيدي؛ فالسيدة جاردنر في انتظارك.»

وجد تافرنيك شجاعته تكاد تخونه بينما يطرق بابَ شقتها. قادته خادمتُها الفرنسية إلى غرفة الجلوس الصغيرة، حيث وجدَ ثلاثة رجال؛ أحدُهم جالس على الطاولة، والاثنان الآخران في مقاعد مريحة، مما أثار انزعاجَه. كانت إليزابيث، في ثوب من الساتان الأزرق الباهت، واقفة أمام المرآة. استدارت عندما دخلَ تافرنيك.

وصاحت وهي تلوح له بيدها: «السيد تافرنيك سوف يقرِّر! هناك خلافٌ في الرأي حول أقراطي يا سيد تافرنيك. الميجور بوست …» وأشارت إلى رجل مسن مهيب المظهر، ذي لحية وشارب مشذَّبَين بعناية، ونظَّارة مثبَّتة على شريط أسودَ رفيع، وقالت: «يريدني الميجور بوست أن أرتديَ الأقراط الفيروزية. وأنا أفضِّل اللؤلؤ. أما السيد كريس فهو يكاد يتفق معي، ولكن بما أنه لا يتفق مع أي شخص، من حيث المبدأ، فإنه يكره أن يقول ذلك. والسيد فولكس متردِّد بين هذا وذاك. عليك أن تُقرِّر؛ فأنت، كما أعلم، أحدُ هؤلاء الأشخاص الذين لا يترددون أبدًا.»

قال تافرنيك: «لو كنتُ مكانكِ لارتديتُ اللؤلؤ.»

تعاملتْ إليزابيث معهم بأسلوب رقيق مجامل.

وصرَّحت: «أترون يا أصدقائي الأعزاء، عليكم القدوم إلى إنجلترا، رغم كل شيء، لتجدوا رجلًا يستطيع معرفةَ ما في عقله والتصريحَ بما فيه دون خوف. فلتكن الأقراط اللؤلؤ إذن.»

قال كريس بشيءٍ من اللهجة الأمريكية: «ربما يكون هذا قرارًا، أو ربما يكون نُبل أخلاق. فالسيد تافرنيك كان يعرف اختياركِ.»

تنهَّدت قائلة: «آخِر صيحة، كالعادة. والآن، إذا تكرَّمتم أيها الأفاضل بالنزول، فسوف أنضم إليكم في غضون بضع دقائق. فالسيد تافرنيك مدير أعمالي وأنا متأكدة من أن لديه ما يقوله لي.»

صرَفَتهم جميعًا بأسلوبٍ لطيف. وبمجرد إغلاق الباب، التفتَت إلى تافرنيك. وبدا أن أسلوبها أصبح أقلَّ لياقة.

«حسنًا؟»

اعترفَ تافرنيك بصراحة قائلًا: «لا أعرف لمَ أتيتُ. كنتُ قلقًا وأردتُ رؤيتكِ.»

نظرَت إليه لحظةً ثم ضحكت. أحسَّ تافرنيك بالارتياح؛ فهي على الأقل لم تكن غاضبة.

صاحت وهي تمدُّ يديها: «أوه، أنت أغربُ البشر! حسنًا، ها أنت تراني … وفي أحد أكثر الأثواب التي تليق بي أيضًا. ما رأيك في مظهري؟»

دارت حول نفسِها ثم واجهَته مرةً أخرى بنظرةِ ترقُّب. أدرك تافرنيك، الذي لم يكن يعرف شيئًا عن أزياء النساء، مدى روعة هذا الثوب المنسدِل.

قال: «لا أستطيع التفكير في كيفية التحرك خطوة فيه، ولكنكِ تبدين …»

توقَّف لحظة. كان الأمر كما لو أنه فقدَ أنفاسه. ثم صرَّ على أسنانه وأنهى الجملة.

صرَّح قائلًا: «تبدين جميلة. أعتقد أنكِ تعرفين ذلك. أعتقد أنهم جميعًا قد قالوا لكِ ذلك.»

هزَّت رأسها.

وقالت: «ليس لديهم جميعًا شجاعتُك يا عزيزي بريتون، وإذا كانوا قد قالوا لي ذلك بالفعل، فلستُ متأكدةً من أنني كنتُ سأقتنع. معظم أصدقائي، كما ترى، قد عاشوا طويلًا وعاشوا بسرعةٍ كبيرة لدرجة أنهم تعلَّموا التلاعب بالكلمات حتى إن المرء لا يعرف أبدًا ما إذا كانت الأشياء التي يتحدَّثون بها تنبع من قلوبهم. أما معك أنت، فالأمر مختلف.»

قال تافرنيك معترفًا: «نعم، معي أنا الأمر مختلف!»

اختلسَت نظرة إلى الساعة.

وقالت: «حسنًا، لقد رأيتني وأنا سعيدةٌ برؤيتك، ويمكنك تقبيلُ أصابعي إذا أردت، وبعد ذلك يجب أن تُسرع بالرحيل. فأنا مرتبطةٌ بتناول العشاء مع أصدقائي بالأسفل.»

رفعَ أصابعها بتوتُّر حتى شفتَيه وأبقاها هناك لحظة. وعندما تركها، شبكَّتها كما لو كانت تتألم، ونظرت إليه. وابتعدت عنه فجأة. بطريقةٍ ما كانت تشعر بالإحباط. رغم كل شيء، كان ضحية سهلة!

صاحت بصوت عالٍ: «إليز، عباءتي.»

جاءت خادمتُها مسرعةً من الغرفة المجاورة. فاستدارت إليزابيث نحوها مادة كتفَيها. وأومأت برأسها إلى تافرنيك.

«أنت تعرف طريقَ النزول يا سيد تافرنيك؟ سأراك مرةً أخرى قريبًا، أليس كذلك؟ تصبح على خير!»

بالكاد نظرت إليه وهي تصرفه، ومع ذلك كان تافرنيك يُحلِّق في الهواء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤