الفصل الخامس عشر

استياءٌ عام

لم تنضمَّ إليزابيث مرةً أخرى إلى أصدقائها. بدلًا من ذلك، غاصت في الأريكة المنخفضة بالقرب من المكان الذي كانت تقف فيه، وجذبت تافرنيك إلى جانبها. ولوَّحَت بيدها للآخرين الذين كانوا يُنادونها.

وقالت: «لحظة واحدة، أيها الأعزاء.»

ثم اتَّكأت مسترخيةً بين الوسائد الوثيرة وضحكَت لرفيقها.

وسألته: «قل لي يا سيد تافرنيك، ألا تشعر أنك قد خطوتَ فيما يشبه «الليالي العربية» الجديدة؟»

«لماذا؟»

فتابعَت: «أوه، أنا أعرف نقطةَ ضعف السيد بريتشارد. إنه يحبُّ إضفاء البريق على كل ما يقوله أو يفعله. ولأنه يُشرفني بالاهتمام بشئوني الخاصة، فمن المحتمل أنه قد أخبرك بكل أنواع الأشياء الرائعة عني وعن أصدقائي. السيد بريتشارد ذو خيالٍ خِصب للغاية، كما تعلم. اعترِف الآن، ألم يخبرك ببعض القصص عنا؟»

ربما تكون قد وفَّرت على نفسها عناءَ اللفِّ والدوران. أما تافرنيك، فلم يتردد البتة.

وصرَّح تافرنيك: «قال إن كل أصدقائك كانوا مجرمين، واعترفَ بأنه يعمل بجِدٍّ في الوقت الحالي ليكتشف أنكِ واحدة منهم أيضًا.»

ضحكَت بهدوءٍ ولكن بحَمِيَّة.

وقالت: «أتساءل ما هو هدفه من أن يُسِرَّ إليك بهذا ويثق بك.»

أوضحَ تافرنيك: «لقد عَلِمَ أنني كنت على علاقة وثيقة بأختكِ. وأراد مني أن أسأل بياتريس سؤالًا معينًا.»

توقفَت إليزابيث عن الضحك تمامًا. ونظرت بثباتٍ في عينَيه.

«وما هذا السؤال؟»

«لقد أراد مني أن أسأل بياتريس لماذا ترَكَتكِ واختبأتْ في لندن.»

حاولت أن تبتسم ولكنها لم تنجح كثيرًا في ذلك.

وتابعَ تافرنيك: «وَفقًا لقصته، أنت وبياتريس وزوجكِ سافرتم معًا إلى مكانٍ ما في الريف. وهناك حدثَ شيءٌ ما أدى إلى اختفاء زوجكِ. وعادت بياتريس بمفردها ولم تقترب منكِ منذ ذلك الحين. بعد ذلك بوقتٍ قصير، عُدْتِ أنتِ أيضًا وحدكِ. ولم يُرَ السيد جاردنر أو يُسمَع عنه.»

انحنت إليزابيث على كلبها، لكن حتى تافرنيك، رغم افتقاره إلى قوة الملاحظة، استطاع أن يرى أنها اهتزت.

قالت معلِّقة: «بريتشارد رجلٌ ذكي بشكل عام، ذو ذكاءٍ مخيف. أتساءل لماذا قال لك كل هذا؟ لا بد أنه كان يعلم أنك ربما تُكرره لي. فلماذا يريد أن يكشف لي أوراقه؟»

أجابَ تافرنيك: «ليس لديَّ أدنى فكرة. كلُّ هذه الأمور لا تعنيني. إنها لا تَشغلُني بأي شكل من الأشكال. أنا لا أعطلكِ عن أصدقائك، أليس كذلك؟ من فضلك دعيني أنصرف عندما تريدين.»

توسَّلتْ إليه قائلة: «لا تذهب بعد. اجلس معي لحظة.» وأضافت هامسة: «ألا ترى أنني أُصِبتُ بصدمة؟ اجلس معي. أنا لا أستطيع العودة إلى هؤلاء الآخرين بعد.»

فعلَ تافرنيك ما أُمر به. وكانت المرأة بجانبه لا تزال تُداعب الحيوان الصغير الذي كانت تحمله. ومع ذلك، بمراقبتها استطاع تافرنيك أن يرى صدرها وهو يعلو ويهبط بسرعة. كان هناك شحوبٌ غير طبيعي في خدَّيها، ووميضٌ مرعب في عينَيها. ومع ذلك، مرَّت هذه الأشياء. في بضع ثوانٍ عادت إلى طبيعتها مرة أخرى.

قالت: «حسنًا، أنا لا أنفعلُ كثيرًا. أنا لا أخافُ إلا إذا كان هناك شيء لا أفهمه. أنا لا أفهم السيد بريتشارد الليلة. أعلم أنه عَدوِّي. ولكني لا أستطيع أن أتخيَّل لماذا يتحدَّث معك. لا بد أنه كان يعلم أنك ستكرر لي كلَّ ما قاله. وهذا ليس من طبعه. قل لي يا سيد تافرنيك، لقد سمعتَ كلَّ أنواع الأشياء عني. فهل تصدِّقها؟ هل تصدِّق … إنه سؤالٌ مروع، أليس كذلك؟» واستأنفَت على عجل: «هل تُصدِّق أنني تخلَّصتُ من زوجي؟»

أجابَ تافرنيك بحماس: «أنتِ بالتأكيد لستِ بحاجةٍ إلى أن تسأليني هذا السؤال. سوف أصدِّق أقوالكِ، مهما قلتِ لي. لن أصدِّق أنه يمكنك ارتكابُ أي خطأ.»

لمسَت يدُها يدَه لحظة، فنالَ مكافأته.

ورجَتْه قائلة: «لا تُحسن الظن بي إلى هذا الحد. أنا لا أريد أن أخيِّب ظنك.»

فتح أحدهم الأبوابَ المتأرجحة فجفلَت بعصبية. لم يكن سوى نادلٍ مرَّ عبر الغرفة إلى المشرب.

وقال تافرنيك ببطءٍ: «رأيي فيكِ لا شيء يمكن أن يُغيِّره، ولكن لأنني غبيٌّ، على ما أعتقد، هناك الكثيرُ من الأشياء التي لا أستطيع فهمها. لا أستطيع أن أفهم، على سبيل المثال، لماذا يشُكُّون في أن لديكِ أيَّ علاقة باختفاء زوجكِ. ألا يمكنكِ إثباتُ مكانكِ عندما ترككِ؟»

أجابت: «بكل سهولة، ولكن للأسف، لا يبدو أن أحدًا رآه وهو يرحل. لقد حدَّد توقيت رحيله بمَكر لدرجة أنه يبدو كما لو كان تلاشى في الهواء.» واستأنفت كلامها قائلة: «ومع ذلك، ثمة شيء معين، لولاه لما كان أحدٌ سيُساوره الشكُّ على ما أظن. أعتقد أن السيد بريتشارد قد أخبرك أنه قبل مغادرتنا نيويورك باعَ زوجي بعضَ ممتلكاته وجلبها معه إلى أوروبا نقدًا. لقد قرَّرت كلانا أنه سيعيش في الخارج ولن يكون لنا علاقة بأمريكا. لم أكن أنا مَنْ أقنعتُه بالقيام بذلك. فلا فرقَ بالنسبة إليَّ. لو كان قد هربَ وتركني، لكانت المحاكم ستَمنحني المال. ولو مات وكنتُ أرملة، لكان قد ترك لي ممتلكاته. ولكن ببساطةٍ لأن كلَّ هذه الأموال كانت في أيدينا، ولأنه اختفى، فإن أهله وهذا الرجل بريتشارد يشُكُّون بي.»

تمتم تافرنيك: «إنه شرير.»

استدارت نحوه ببطء.

وقالت: «سيد تافرنيك، هل تعلم أنه يمكنك مساعدتي كثيرًا حقًّا؟»

أجابَ: «أتمنى أن أستطيع ذلك. جرِّبيني.»

فاستطردَت: «ألا يمكنك أن ترى أن الشيء الكبير ضدي هو أن بياتريس تركتْني فجأةً عندما كنا في تلك الرحلة البائسة، وعادت بمفردها؟ إنها في لندن، أعلم ذلك، وقريبةٌ جدًّا مني، ومع ذلك لا تزال مختبئة. وبريتشارد يسأل نفسه عن السبب وراء ذلك. سيد تافرنيك، اذهب وأخبرها بما يقوله الناس، اذهب وأخبرها بكل ما حدث، ودَعْها تفهم أن ابتعادها عني تَسبَّب لي في جُرح غائر، وتوسَّلْ إليها أن تأتي وتدَع الناس يرَون أننا متصالحتان، وحذِّرها أيضًا من بريتشارد. هل ستفعل هذا من أجلي؟»

أجابَ تافرنيك: «بالطبع سأفعل. سأراها غدًا.»

أطلقت إليزابيث تنهيدةَ ارتياح.

وسألت وهي تنهض: «وستُخبرني بما ستقول؟»

طمْأنَها تافرنيك قائلًا: «سأكون سعيدًا جدًّا بذلك.»

«تصبح على خير!»

نظرَت إلى وجهه بابتسامة قلبَت رءوسَ رجالٍ أشداء في نيويورك. لا عجبَ أن تافرنيك شعر بقلبه يخفق بين ضلوعه! أمسك يدَيها لحظة. ثم استدار فجأة.

وقال: «تصبحين على خير!»

اختفَى من خلال الأبواب المتأرجِحة. وسارت عبر الغرفة حيث كان أصدقاؤها يجلسون في دائرة، يضحكون ويتسامرون. فأمسك والدها، الذي جاء للتو وانضم إليهم، بذراعها وهي تجلس.

وسألها بصوتٍ مرتجف: «ماذا يعني ذلك؟ هل رأيتِ أنه كان هناك مع بريتشارد … ذلك الشاب الصغير … وكيل العقارات البائس؟ أقول لكِ إن بريتشارد كان يستخلصُ منه كلَّ ما في جَعبته.»

همسَت ببرود: «والدي العزيز، لا تكن ميلودراميًّا. أنت تفضح نفسَك طوال الوقت. اذهب إلى الفراش إذا كنت لا تستطيع التصرف مثل رجل.»

خُفِّضَت شدةُ الأنوار، ولم يكن هناك أحدٌ غيرهم في الغرفة. فمالَ الرجل العجوز الضئيل ذو النظارة إلى الأمام.

وسأل: «هل لديكِ أيُّ فكرة، يا عزيزتي إليزابيث، لماذا أصبحَ صديقنا بريتشارد في الوقت الحالي يظهر كثيرًا.»

أجابت: «ليس بسببك يا جيمي، ولا بسبب أي شخص آخر هنا، في الواقع. الحقيقة هي أنه معجبٌ بي بشدة … إعجابٌ شديد الوضوح حقًّا، لدرجة أنه يكره أن أبتعد عن ناظرَيه.»

ضحكوا جميعًا بصخب. ثم مالَ والتر كريس الصحفي إلى الأمام، وكان رجلًا ذا وجه طويل ونحيف، أصابعه مبقَّعة باللون الأصفر، وعظام وجنتَيه بارزة. اختلسَ النظر في أرجاء الغرفة قبل أن يتكلم، وبدا صوته وكأنه همسٌ أجش.

قال: «في الواقع، يبدو لي أن بريتشارد يزداد خطورة. وعلى أي حال، ليس حوله أيٌّ من رجاله في هذا البلد.»

ساد الصمتُ التام عدةَ ثوانٍ. ثم أومأ العجوز الضئيل برأسه متجهِّمًا.

وقال معترِفًا: «لقد سئمتُ أنا نفسي من بريتشارد بعض الشيء، وهو بالتأكيد يعرف الكثير. يحمل في رأسه الكثير لدرجةٍ تعرِّضه للخطر.»

لمعت عينا إليزابيث.

وقالت: «إنه يُعاملنا مثل الأطفال. لقد أخبر الليلة كلَّ أموري لشخص غريب تمامًا. إنه أمرٌ لا يطاق!»

بعد مدةٍ وجيزة انفضَّ السامر. ولم يبقَ سوى والتر كريس والرجلِ الذي يُدعى جيمي بوست يتحدثان، وانسحبا إلى مقعدٍ بجوار النافذة، وهما يتهامسان.

غادر تافرنيك الفندق، ويداه مدفوعتان بعمقٍ في جيوب معطفه، وسار على طول شارع ستراند. استولت عليه بعضُ الخيالات قبل أن يقطع مسافةً كبيرة، واستدار فجأة إلى اليسار ونزلَ إلى طريق إمبانكمنت. شقَّ طريقه إلى المقعد نفسِه الذي جلس عليه مرةً مع بياتريس. وجلسَ طاويًا ذراعَيه في هذا الركن، ناظرًا عبر النهر، إلى الخط المنحني للأضواء، إلى المياه السوداء المتدفقة، وهيكل المركَب الذي يتحرك ببطء في طريقه. كان شيئًا جديدًا عليه، أن يَتَّهم نفسه بالحماقة والضعف. خلال الأيام القليلة الماضية، كان يتحرك في ضبابٍ من عدم اليقين، مضطربًا لدرجة تمنعُه من التفكير السليم، متجنِّبًا أيَّ مسألة مهمة. والليلة لم يعُد بإمكانه الهروبُ من تلك الأفكار المُتَّهِمة، الليلة كان يشعر بالمرارة من نفسه أكثرَ من أي وقت مضى. يا لها من حماقة تلك التي اعترَت حياتَه فجأة … حماقة هائلة، لا يمكن تصوُّرها، غيرُ متوقَّعة وكأنها سقطت كصاعقة من السماء! ما الذي حدث وغيَّره بهذه الدرجة!

عاد بأفكاره إلى الفندق. هناك بدأ كلُّ شيء. قبل تلك الليلة فوق السطح، بدا له أن العلامات التي أقامها بعنايةٍ وتدقيق على طول الطريق المؤدي إلى هدفه المنشود، كانت تُشير بطريقةٍ مباشرة وثابتة نحو كل شيء في الحياة جديرٍ بالاهتمام. أما الليلة فكانت مجردَ أوهام كئيبة، تشير إلى الزمن عبر سهلٍ بائس. ربما، رغم كل شيء، كان هناك شيءٌ في طبيعته، شيءٌ متمرد، شيءٌ غير مقبول على الإطلاق، وُلِدَ لأول مرة من هذا الفضول المشئوم الذي مُنِيَ به. لقد قفز فجأة، وبرَز دون أن يلاحظه أحد في حياته الشاقة الصارمة. ومع ذلك، ما المكانة التي يحتلُّها هناك؟ يجب أن يُحاربه، ويجتثَّه من جذوره بكِلتا يدَيه. ماذا يعني هذا النمطُ من عالَم المؤامرات، هذا العالَم الإجرامي البغيض، بالنسبة إليه؟ منَعه حِسُّه السليم تمامًا من فصل إليزابيث عن أصدقائها ومحيطها. لقد كانت سِرَّ الألم الذي كان يُمزِّق نِياطَ قلبه، وسِرَّ كل الإثارة والفرح والعاطفة التي اجتاحت طريق حياته الهادئَ مثل طوفان جارف، وجعلته ينجرف بين البحار المجهولة. ومع ذلك، كانت بياتريس هي التي جلبَت عليه كلَّ هذا. إذا لم تكن قد غادرَت قطُّ، إذا لم يتذوَّق أهوال هذه الوحدة الجديدة، فربما كان سيتمكَّن من الاستمرار في المقاومة. لقد اشتاقَ لها، غمَره شوقُه إليها. أما الأشياء الأخرى، رغم أنها كانت رائعة، فكانت بطريقةٍ أو بأخرى مثل السراب. لقد ألقيَ هذا العالَمُ من المشاعر الجديدة مثل شبكة حريرية على كلِّ ما لديه من أفكار، وكلِّ ما لديه من رغبات. كانت بياتريس شخصيةً ملموسة، مريحة، مبهجة، رقيقة، حقيقية، كانت مَلاذَه الوحيد الذي يحميه من هذا الجنون. والآن ذهبَت، وكان عاجزًا عن استعادتها. أدار رأسه، ونظرَ إلى الطريق الذي قطعه في تلك الليلة وذراعاه تُطوِّقانها. لقد كانت مَدينةً له بحياتها وذهبَت! وبكل لامنطقيةِ الرجال، بدا له وهو يقفُ متثاقلًا على قدمَيه ويبدأ في العودة إلى المنزل، أنها ردَّت له الجميل بقدرٍ من الجحود، وأنها قد تركته في اللحظة الوحيدة من حياته التي كان في أمسِّ الحاجة إليها فيها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤