المركَّبات

المركَّب في النفسلوجية الحديثة هو جملة عواطف مندسَّة في العقل الباطن، قد غابت عن الوعي ولكنها مع ذلك تؤثِّر في الأخلاق والميول، وقد تحدث أحيانًا جنونًا أو تساميًا.

والمركَّبات أصناف عديدة. منها: مركَّب النقص، ومركَّب أوديب، ومركَّب الكرامة، وهذه مركَّبات عامَّة قلَّما تختلف في نتائجها.

ولكن هناك مركَّبات خاصَّة ببعض الأشخاص؛ كذلك الذي كان لا يُطيق رؤية الخنادق ويغمى عليه عندما يدخلها ولا يدري سبب ذلك، ولكن بالتحليل اتَّضح أنه وهو صغير دخل في ردهة مظلمة مستطيلة فنبحه كلب وذعره، فنشأ في عقله الباطن مركَّب خاص بالخوف من كل مكان مظلم ضيق.

وأهم المركَّبات هو مركَّب النقص؛ فقد يشعر الصبي بنقصٍ ما في كفاياته الجسمية أو الأخلاقية أو حتى العائلية فيرى أنه دون إخوانه لهذا النقص، فيعمد إلى التبريز عليهم على سبيل الاعتياض من هذا النقص، ويفعل ذلك وهو لا يدري ما يفعل؛ لأن الإحساس بالنقص لا يعي هو به ولكنه مندسٌّ في عقله الباطن. ويقول أدلر إنه قد استقرى مئات من العبقريين فألفاهم كلهم قد نشئوا على نقصٍ ما، فمثلًا بيرون الشاعر الإنجليزي أعرج، وكان مع عرجه مغرمًا طول حياته بوصف جماله، وكان جيته يشكو من عينيه فعاش طول حياته وهو يقرأ ويكتب، وكان نيتشه مريضًا يصرخ من آلام الرأس فوضع عدة كتب في تأليه القوة وأنها الغاية التي ليس وراءها غاية.

ولننظر نحن في حالة قريبة منَّا هي حالة الأديب الكبير الدكتور طه حسين، فقد أصيب بالعمى وهو صغير، وأصبح الآن من كبار زعماء الأدب في مصر، فما هو تحليل مركَّب النقص فيه.

لما أصيب بهذه العاهة رأى عجزه عن سائر الصبيان من إخوة وأقارب واحتقارهم له أو احتيالهم لمعاكسته ومناوأته، واندسَّت العقيدة بعجزه في عقله الباطن، فجعلت نفسه تتشوَّف الطُّرق التي يمكنها بها أن تتميز، ولم يكن ذلك شاقًّا؛ فإن أباه أمكنه من التعلُّم فوجد في الإكباب على العلم وسيلةً يتميز بها، وجهد مجهوده فبرز وسبق، ولكن يجب ألَّا نعتقد أنه يشعر بمركَّب العجز؛ لأن هذا المركَّب غير واعٍ؛ إذ هو نابع من العقل الباطن، لكن عدم الوعي به لا ينفي أنه قوة كبيرة تدفع إلى الجهد والتبريز.

ولكن مركَّب النقص لا ينتهي على الدوام بالتفوق، وإلَّا كان يجب أن يتفوق الزنجي الذي يرى نفسه محتقَر اللون على الأوروبي الأبيض، فإن هذا المركَّب إذا لم يجد فرصة للتفوق يُثقِل صاحبه ويؤخِّره، وهناك من يعتقد أن كثرة الوفيات بين الزنوج والأمرنديين في أميركا ترجع إلى مركَّب النقص الذي يندسُّ في نفوسهم وهم صغار عندما ينشئون في محيط غربي.

وسنرى في فصل قادم أن هناك شروطًا أخرى للعبقرية غير مركَّب النقص.

ومن المركَّبات المهمة مركَّب آخر يُدعى مركَّب أوديب، وقد تَسمَّى بهذا الاسم عن أوديب الملك في المأساة الإغريقية القديمة؛ فإن أوديب هذا يتزوج أمه.

وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الطفل ينشأ على عداوة مستكنَّة بينه وبين أبيه بشأن أمه؛ فهو يحبها ويغار من أبيه إذا رآه يتودد إليها، وبعض الآباء يلذُّ له رؤية هذه الغيرة فيبدي حبه لزوجته أمام الطفل، ويظن الوالد أن هذا لهوٌ بريء، ولكن الواقع أن الطفل ينشأ على كراهته كراهة عمياء لا يعرف علَّتها عندما يشب ويصير رجلًا؛ لأن هذه الكراهة نشأت من الغيرة واندسَّت في عقله الباطن وتولَّد منها «مركَّب أوديب».

وأحيانًا يرى الصبي أو الشاب في الحلم أباه ميتًا، وقد يصعب تفسير ذلك لأول وهلة؛ لأن الموت هنا يمكنه أن يدل على رغبة الشاب، ولكن إذا تذكرنا مركَّب أوديب عرفنا أن الموت هنا يعبِّر عن رغبة صبيانية قامت في نفس الصبي عندما سمَّمته الغيرة، والأحلام كما قلنا تعبر عن رغبات الطفولة أحيانًا.

ولهذا المركَّب أثره في حياة الشاب؛ فإنه يجعله يختار من الفتيات عندما يريد الزواج فتاة تشبه أمه، وهذا ما يقع لكل شابٍّ تقريبًا.

ولكن لهذا المركَّب أضرارًا؛ إذ قد يجعل الشابَّ لشدَّة تعلُّقه بأمه يخشى الخروج إلى الدنيا ولا يُطيق فكرة الزواج؛ لأن عقله الباطن يوهمه أن الزواج خيانة لأمه لأنه يجب أن يقنع بها. وأحيانًا يجعله لكراهته لأبيه يكره الرجولة كلها فيستأنث في أخلاقه وميوله ويغضب لأمارات المراهقة التي يراها في نفسه.

أما مركَّب الكرامة فإنه يصيب الرجل إذا أفلس أو إذا نزلت به نكبة كبيرة تجعله مهانًا فإنه يقوم بنفسه أنه ملكٌ أو يدعي أنه يملك أحد المصانع كما شرح ذلك ولز في قصته «سرجون: ملك الملوك» التي عاد فسماها «والدكر ستينا البرتا»؛ فإن هذا الرجل يشعر بخيانة زوجته وأن عيشته معها غير طاهرة وأنه مهان، فيعمد عقله الباطن إلى ما يقابل ذلك من ناحية السمو والكرامة فيتخيل نفسه ملكًا، وجنونه هنا هو جنون التسامي والرغبة في الرقيِّ.

ولكلٍّ منَّا عدة مركَّبات تؤثِّر في أخلاقه، وقد ترجع بعض التغرُّضات إلى مركَّبات ضعيفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤