الفصل الثالث

صِفاتُه

نحن على هذا أمام رجل لا كالرجال، رجل عبقري، أو رجل ممتاز من خاصة الخليقة الذين لا يعدون في الزمن الواحد بأكثر من الآحاد.

أنقول: رجل قوي؟! نعم، هو رجلٌ قويٌّ لا مراءَ، وكلُّ عظيم فهو قويٌّ بمعنى من معاني القوة. نعلم هذا، فنعلمُ الشيء المهم عنه، ولكننا بعد هذا لا نعلم شيئًا مهمًّا عن صفاته وأخلاقه؛ لأن الناسَ من حيث القوة أقوياء وضعفاء، أو متوسطون ومنحرفون، إلى هنا تارةً، وإلى هناك تارةً أخرى. أما من حيث الصفات والأخلاق، فهم ألوف وألوف، وهم في قوتهم أو ضعفهم أنماط لا تحصى من المناقب والعيوب، وأَحْرَى بنا أن نقول: إنَّ القوةَ صفةٌ تستفاد من جملة مناقبِ الإنسان وعيوبِهِ، فهي حالة تدل عليها المناقب والعيوب، أو تدل عليها الصفات والأخلاق، وليست هي بالحالة التي تدلنا على مناقب الإنسان وعيوبه، وتهدينا بغير هادٍ إلى صفاته وأخلاقه.

فإذا قلت: إنَّ عمرَ بنَ الخطاب رجل قويٌّ، فما زِدْتَ على أن تقول: إنه رجل عبقريٌّ، أو إنه رجل عظيم.

وكُلُّ رجلٍ من هذا القبيل، فمعرفته ليست بالأمر اليسير؛ لأنه نمطٌ لا يتكرر، فيسهل فهمه بالقياس إلى أمثاله الكثيرين. وقد يكون الرجل العظيم نمطًا وحيدًا في التاريخ كله، لا نظيرَ له في تفصيل أخلاقه وصفاته، وإن ساواه في القَدْرِ أنداد وقرناء.

وعمرُ بنُ الخطاب مَثَلٌ فَذٌّ من أمثلةِ هذا الطراز الفريد، تفهم سره؛ فإذا هو على وفاق مع جهره، وتنفذ إلى باطنه، فإذا هو مُصدِّقٌ للظاهر من سيماه.١

فهل حللنا العقدة بهذا التقريب بين الظاهر والباطن، وبين الجهر والسريرة؟ كلا، ولا تقدمنا بعيدًا في طريق حلها؛ لأننا لا نعرف هذا التقارب إلا بعد معرفة السريرة التي نبحث عنها، فلا بدَّ إذن من البحث، ولا بدَّ من المعرفة، فإذا وصلنا إلى الغور البعيد عرفنا ساعتئذ أنه لا يناقض الظاهر المكشوف، ولكن لا بدَّ من الوصول إلى الغور البعيد قبل ذاك.

لا تناقض في خلائقِ عمرَ بنِ الخطاب، ولكن ليس معنى ذلك أنه أيسر فهمًا من المتناقضين، بل لعله أعضلُ فهمًا منهم في كثير من الأحوال؛ فالعظمةُ على كلِّ حالٍ ليست بالمطلب اليسير لمن يبتغيه، وليست بالمطلب اليسير لمن ينفذ إلى صميمه ويحتويه.

إنما الأمر الميسور في التعريف بهذا الرجل العظيم؛ أنَّ خلائقه الكبرى كانت بارزة جدًّا لا يسترها حجاب؛ فما من قارئ ألمَّ بفذلكة صالحة من ترجمته إلا استطاع أن يعلم أنَّ عمرَ بن الخطاب كان عادلًا، وكان رحيمًا، وكان غيورًا، وكان فطنًا، وكان وثيقَ الإيمان، عظيمَ الاستعداد للنخوة الدينية.

فالعدل والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان الوثيق صفاتٌ مكينةٌ فيه لا تخفى على ناظر، ويبقى عليه بعد ذلك أن يعلمَ كيف تتجه هذه الصفات إلى وجهةٍ واحدةٍ، ولا تتشعب في اتجاهها طرائق قددًا،٢ كما يتفق في صفات بعض العظماء، بل يبقى عليه بعد ذلك أن يعلم كيف يتمم بعض هذه الصفات بعضًا، حتى كأنها صفة واحدة متصلة الأجزاء متلاحقة الألوان.

وأعجب من هذا في التوافق بين صفاته، أنَّ الصفةَ الواحدة تستمد عناصرها من روافد شتى، ولا تستمدها من ينبوع واحد، ثم هي مع ذلك متفقة لا تتناقض، متساندة لا تتخاذل، كأنها لا تعرف التعدد والتكاثر في شيء.

خُذْ لذلك مثلًا: عدله المشهور الذي اتَّسَمَ به، كما لم يتَّسم قط بفضيلة من فضائله الكبرى، فكم رافدة٣ لهذا الخلق الجميل في نفس ذلك الرجل العظيم؟

روافد شتى: بعضها من وراثة أهله، وبعضها من تكوين شخصه، وبعضها من عبر أيامه، وبعضها من تعليم دينه، وكلها بعد ذلك تمضي في اتجاه قويم إلى غاية واحدة لا تنم على افتراق.

لم يكن عمر عادلًا لسبب واحد، بل لجملة أسباب: كان عادلًا؛ لأنه ورثَ القضاءَ من قبيلته وآبائه، فهو من أَنْبَهِ بيوت بني عدي الذين تولوا السفارة والتحكيم في الجاهلية، وراضوا أنفسهم من أجل ذلك جيلًا بعد جيلٍ على الإنصاف وفصل الخطاب، وَجَدُّهُ نفيلُ بنُ عبد العزى هو الذي قضى لعبد المطلب على حرب بن أمية حين تنافرا إليه، وتنافسا على الزعامة، فهو عادلٌ من عادلين، وناشئٌ في مهدِ الحكم والموازنة بين الأقوياء.

وكان عادلًا؛ لأنه قويٌّ مستقيمٌ بتكوين طبعه، وإن شئت فقل أيضًا بتكوينه الموروث؛ إذ كان أبوه الخطَّاب وجَدُّه نفيل من أهل الشدة والبأس، وكانت أمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة قائد قريش في كل نضال، فهو على خليقة الذي لا يحابي؛ لأنه لا يخاف، والذي يخجل من الميل إلى القوي؛ لأنه جُبن، ومن الجور على الضعيف؛ لأنه عِوَج يزري بنخوته وشممه.

وكان عادلًا؛ لأن آله من بني عدي قد ذاقوا طعمَ الظلم من أقربائهم بني عبد شمس، وكانوا أشداءَ في الحرب يُسَمُّونهم لعقة الدم،٤ ولكنهم غُلِبوا على أمرهم لقلة عددهم بالقياس إلى عدد أقربائهم، فاستقرَّ فيهم بغضُ القويِّ المظلوم للظلم، وحبه للعدل الذي مارسوه ودَرِبوا عليه، وساعدت عِبَر الأيام على تمكين خليقة العدل في خلاصة هذه الأسرة، أو خلاصة هذه القبيلة، ونعني به عمر بن الخطَّاب.

وكان عادلًا بتعليم الدِّين الذي استمسك به، وهو من أهله بمقدار ما حاربه وهو عدُّوه؛ فكان أقوى العادلين، كما كان أقوى المتقين والمؤمنين.

وكذلك اجتمعتْ عناصرُ الوراثة الشعبية، والقوَّة الفردية، وعبر الحوادث، وعقيدة الدِّين في صفة العدل التي أوشكت أن تستولي فيه على جميع الصفات.

كان عادلًا لأسباب، كأنه عادلٌ لسببٍ واحدٍ لقلَّة التناقض فيه. وربما كان تعدُّد الأسباب هو العاصم الذي حمى هذه الصفة أن تتناقض في آثارها؛ لأنه منحَها القوةَ التي تشدها كما يشد الحبل المبرم، فلا تتفكك ولا تتوزع، فكان عمرُ في جميع أحكامه عادلًا على وَتِيرَةٍ واحدة لا تفاوت بينها، فلو تفرقت بين يديه مائة قضية في أعوام متباعدات، لكنت على ثقة أن تتفق الأحكام كلما اتفقت القضايا، كأنه يطبعها بطابع واحد لا يتغير.

إلَّا أنَّ الصفات إذا بلغت هذا المبلغ من القوة الرائعة، لم تكد تسلم من طروءِ التناقض عليها، وإن سلمت منه بطبيعتها؛ لأنها تدخل في صفات البطولة التي تثير الإعجاب والمبالغة، وكلُّ بطولة فهي عرضةٌ للمبالغات والإضافات، ومن ثمَّ لا تسلمُ من تناقض الأقاويل.

وصفاتُ عمرَ كلُّها صفات لها طابع البطولة، وفيها دواعي الإغراء بالإعجاب والمبالغة. وممن؟! من الأصدقاء المصدقين؛ لأنهم لا يتهمون بقصد السوء، وهم في الواقع أولى بالاحتراس من الخصوم المتهمين، فمن هنا يجيء التناقض لا من طبيعة الصفات التي تأباه.

فالعدل مثلًا هو المساواة بين أبعد الناس وأقربهم في قضاء الحقوق، وإقامة الحدود.

وليس أقرب إلى الحاكم من ابنه.

فإذا سَوَّى الحاكم بين ابنه وسائر الرعية، فذلك عدلٌ مأثورٌ يَقْتدي به الحاكمون.

ولقد سَوَّى عمر بين أبنائه وسائر المسلمين، فبلغ بذلك مبلغ البطولة في هذه الصفة النادرة بين الحكام.

وذلك كافٍ في تعظيمِ قَدْرِه، لا حاجةَ بعده إلى مزيد.

إلا أنها صفةٌ من صفاتِ البطولة التي تروع وتعجب، وتملأ النفسَ بالرغبة في التحدث بها والإطنابِ في أحاديثها، فهي لا تكفي المبالغين حتى يجعلوا عمرَ مقيمًا للحدِّ على ابنه، مشتدًّا في عقوبته اشتدادًا لا يُسوَّى فيه بينه وبين غيره. ثم لا يكتفي المبالغون بهذا حتى يموت الولد قبل استيفاء العقوبة، فيمضي عمر في جلده وهو ميت لا تقام عليه الحدود! ومن اعتدل من المبالغين لم يذكر الموت وإتمام العقوبة، وذكر لنا أنَّ الولد مات بعد ذلك بشهر من مرض الضرب الذي ثقل عليه، وعجزَ عن احتمالِه.

نعني بما تقدم قصة عبد الرحمن بن عمر في مصر، وهي كما رواها عمرو بن العاص والي مصر يومئذ حيث يقول: «… دخلا — عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة — وهما منكسران، فقالا: أَقِمْ علينا حَدَّ الله، فإنَّا قد أصبنا البارحة شرابًا فسكرنا. فزبرتهما٥ وطردتهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت أبي إذا قدمت عليه. فحضرني رأي، وعلمت أني إن لم أُقِمْ عليهما الحدَّ غضبَ عليَّ عمر في ذلك وعزلني، وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه فرَحَّبْت به، وأردتْ أن أجلسَه في صدرِ مجلسي، فأبى عليَّ وقال: أبي نهاني أن أدخل عليك إلا ألا أجد من ذلك بدًّا. إنَّ أخي لا يحلق على رءوس الناس، فأما الضرب فاصنع ما بدا لك.»
قال عمرو بن العاص: وكانوا يحلقون مع الحدِّ، فأخرجتهما إلى صحن الدار فضربتهما الحد، ودخل ابن عمر بأخيه إلى بيت من الدار، فحلق رأسه ورأس أبي سروعة، فوالله ما كتبت إلى عمر بشيء مما كان، حتى إذا تحيَّنت كتابه إذا هو نظم فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى العاصي ابن العاص

عجبتُ لك يا بن العاص ولجرأتِكَ عليَّ وخلاف عهدي! فما أراني إلا عازلك فمسيء عزلك؛ تضرب عبد الرحمن في بيتك، وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أنَّ هذا يخالفني؟ إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلتَ: هو ولد أمير المؤمنين. وقد عرفت ألا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث به في عباءة على قتب٦ حتى يعرف سوء ما صنع.

قال: «فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابنَ عمرَ كتابَ أبيه، وكتبتُ إلى عمرَ كتابًا أعتذرُ فيه، وأخبرُهُ أني ضربته في صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر.»

قال أسلم: «فقدم عبد الرحمن على أبيه فدخل عليه، وعليه عباءة ولا يستطيع المشي من مركبه. فقال: يا عبدَ الرحمنِ فعلت كذا؟ فَكلَّمَهُ عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين، قد أُقِيمَ عليه الحدُّ مرَّة. فلم يلتفت إلى هذا عمر وزَبَره، فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض وأنت قاتلي. فضربه وحبسه، ثم مرض فمات رحمه الله.»

فهذه قصةٌ تتوافقُ أخبارُها ومن رُوِيَت عنهم، فلا نستغربها في جميع تفصيلاتها إلا حين تطرأ عليها المبالغة التي تتسرب إلى كل خبر من أخبار البطولات المشهورة، وذلك أن يقسو عمرُ على ابنه تلك القسوة التي لا يوجبها الدين، ولا تقبلها الفطرةُ الإنسانيَّة، فيُقيم عليه الحدَّ وهو ميتٌ، أو يُعَرِّضُه للموت من أجل حد أقيم.

هذا هو الغريب الذي استوقفنا فأنكرناه، ومضينا في تمحيصه، فطابق التمحيص ما قدَّرناه، أما سائرُ القصة فلا غرابة فيه من كل نواحيه، بل هو من القصص التي يستبعد فيها التلفيق والاختراع، إلا أن يكون الملفق من حذاق الرواة ومهرة الوضاع.

ولو كان المصدر واحدًا معروفًا بالحذق في القصص لحسبناها من وَضْعِه وتلفيقِهِ، ولكنها سُمِعَتْ من غير مصدر موثوق به، فهي أقرب إلى الواقع فيما يشبهه، ويجري مجراه، فعبدُ الرحمن بن عمر يذهب إلى الوالي؛ لأنه شرب شيئًا ظنه غير مسكر، فإذا هو قد سكر منه، ولا مناصَ من إقامة الحدِّ عليه، وإلا رفع الأمر إلى أبيه، وهي شنشنة٧ عمرية لا لبس فيها، وهو ابن عمر لا مراء.

والوالي، ومن الوالي؟ عمرو بن العاص الذي لا خفاء بدهائه، ولا يبعد حسابه، فهو يتريث بادئ الأمر، ويحاولُ أن يصرف الفتى إذا طاب له الانصراف دون أن يقيم الحد عليه، وهي أيضًا شنشنة لا غرابة فيها؛ فمن يدري؟! ألا يجوز أن يصبح هذا الفتى أخًا للخليفة، أو مدبرًا للسلطان معه في يوم غير بعيد؟!

والخليفةُ يدري بالأمر فيهوله، ويستكبر أن يخفيه عنه واليه، فلا يصل إليه نبؤه من قبله، وهو ما هو في تحرجه من تبعة يحملها غافلًا عنها؛ لحرص الولاة على تحري هواه، وابتغاء رضاه، فيشفق أن يقع ابنه في معصية، ثم ينجو من الحد الذي شرعه الدين، وهو مسئول عن الولاة والحدود، ومسئول عن ذويه الأقربين قبل سائر المسلمين.

كل أولئك — كما قلنا — سائغ لا غرابةَ فيه.

أما الغريبُ من عمرَ حقًّا في معدلته وعلمه بالدين، وكراهته رياء الناس، فهو أن يتم على ابنه الحد وهو ميت، أو يشتد في إقامة الحد على ابنه حتى يتلف، أو يصاب بما يتلفه بعد أيام.

فلا موجبَ لذلك من حكم دين ولا اتقاء تبعة.

وهو مع هذا مخالف لما عرف عن عمر في إقامة الحدود، خاصةً وفي مثل هذه العقوبة بعينها.

فقد جيء له يومًا بشارب سكران، وأراد أن يشتدَّ عليه فقال له: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع الأسود العبدي ليقيم عليه الحد في غده، ثم حضره وهو يضربه ضربًا شديدًا فصاح به: قتلت الرجل، كم ضربته؟ قال: ستين، قال: أقص٨ عنه بعشرين؛ أي ارفع عنه عشرين ضربة من أجل شدتك عليه فيما تقدم من الضربات.

وقد كان من دأبه أن يتريث في إقامة الحدود، حتى ليؤثر — كما قال — تعطيلها في الشبهات على أن يقيمها في الشبهات.

ومر بقوم يتبعون رجلًا قد أخذ في ريبة فقال: «لا مرحبًا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر.»

وربما غضب على الوالي من كبار الولاة لغلوِّه في تقاضي الحدود على المعاصي، كما فعل في إنذاره الشديد لأبي موسى الأشعري حين جلد شاربًا، وحلق شعره، وسوَّد وجهه، ونادى في الناس ألا يجالسوه ولا يؤاكلوه، فأعطى الشاكي مائتي درهم، وكتب إلى أبي موسى: «لئن عدت لأسودن وجهك، ولأطوفن بك في الناس»، وأمره أن يدعو المسلمين إلى مجالسته ومؤاكلته، وأن يمهله ليتوب، ويقبل شهادته إن تاب.

وتفقد رجلًا يعرفه فقيل له: إنه يتابع الشراب. فكتب إليه: «إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ٩
فلم يزل الرجل يردِّدها ويبكي حتى صحَّت توبته وأحسن النزع،١٠ وبلغت توبته عمر، فقال لمن حضروا مجلسه: «هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخًا لكم زَلَّ زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.»

وقد تكرر منه إعفاء الزانيات من الحدِّ لشبهة القهر والعجز عن المقاومة، وتكرر منه الإعفاء لمثل هذا العذر في غير ذلك من الحدود.

فلم يكن عمر بالسريع المتعطش إلى إقامة الحدِّ، ولم يعرف عنه قط أنه أقام حدًّا وله مندوحة عنه.

وفي قصة ولده منادح شتَّى ترضيه على شدة تحرجه وتحريه، ثم لا حاجة بمثله إلى رياء العدل، فيجور على ابنه، ويسرف في القسوة عليه، ليقال إنه سوَّى بينه وبين غيره.

وأصح من ذلك أن نأخذ برواية عبد الله بن عمر، وهو أحَقُّ الناس بالمبالغة في عدل أبيه لو كانت المبالغة مما يجمل بمثله، فقد روى هذه القصة فقال ما خلاصته: «أنَّ أخاه عبد الرحمن وأبا سروعة عتبة بن الحارث سكرا، فلما أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر، فقالا: طَهِّرنا فإنا قد سكرنا من شرابٍ شربناه! ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص، فقلت: والله لا يلحق اليوم على رءوس الأشهاد، ادخل أحلقك! وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهما عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو أن ابعث إلَيَّ بعبد الرحمن بن عمر على قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن على عمر جلده وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث شهرًا صحيحًا ثم صحيحًا، ثم أصابه قدره، فتحسب١١ عامة الناس أنه مات من الجلد، ولم يمت منه.»

هذه رواية عبد الله عن أبيه وأخيه، ولو كان الأمر مبالغة في عدل عمر، لكان الابن أحق الناس بهذه المبالغة، أو كان الأمرُ رحمةً بعبد الرحمن، لكان الأخ أحق الناس بهذه الرحمة، ولكنه أمر صدق لا نقص فيه ولا زيادة.

فالذي يجوز لنا أن نقبله من هذه القصة هو الجانب الذي يستقيم مع خلائق عمر ولا يناقضها، وهو العدل الصحيح في محاسبة ولده على ذنبه ولا زيادة، ولا سيما الزيادة التي لا تستقيم مع عدله ورحمته على السواء، وكلا العدل والرحمة من صفاته الأصيلة فيه.

نعم، كانت الرحمة من صفاته التي وازنت فيه العدل أحسن موازنة، فما عُهِدَ فيه أنه أحب العدل لغضه من الأقوياء المعتدين، كما كان يحبه لنجدته الضعيف المعتدى عليه.

ولا يمنعن ذلك أنه كان خشن الملمس، صعب الشكيمة، جافيًا في القول إذا استُغضِب واستُثِير، فليست الخشونة نقيضًا للرحمة، وليست النعومة نقيضًا للقسوة، وليس الذين لا يستثارون ولا يستغضبون بأرحم الناس؛ فقد يكون الرجل ناعمًا وهو منطوٍ على العنف والبغضاء، ويكون الرجل خشنًا وهو أعطف خلق الله على الضعفاء، بل كثيرًا ما تكون الخشونة الظاهرة نقابًا يستتر به الرجل القوي فرارًا من مظنة الضعف الذي يساوره من قبل الرحمة، فلا تكون مداراة الرقة إلا علامة على وجودها، وحذرًا من ظهورها.

ومن المألوف في الطبائع أنَّ الرجل الذي يقسو وهو معتصم بالواجب قلما ينطبع على القسوة، ولا سيما إذا كان الواجب عنده شيئًا عظيمًا يزيل كل عقبة، ويبطل كل حجة، ويقطع كل ذريعة، فهو إنما يعتصم بالواجب في هذه الحالة، كما يعتصم الإنسان بالحصن المنيع كلما خشي أن تقتحم عليه طريقه، ولولا خوف الرحمة أن تغلبه لما كانت به حاجة إلى ذلك الحصن المنيع، ولا سيما حين يكون حصنًا بالغًا في المنعة، كما كان الواجب عند عمرَ بنِ الخطاب.

أرأيت هذا الرجل الصارم الحازم قاسيًا قط إلا باسم واجب أو في سبيل واجب؟ كلا، وما نذكر أننا سمعنا رواية واحدة من روايات شدته إلا لمحنا الواجب قائمًا إلى جانبها يزكيها ويسوغها. ومن كانت القسوة طبعًا فيه، فما هو بحاجة إلى واجب يغريه بالقسوة، بل هو في حاجة إلى واجبات عدة تنهاه عنها وتغريه باجتنابها.

وليس قصاراه في هذا الخلق أنه غير قاسٍ، أو أنَّ الرحمة كانت تنفذ إلى قلبه كلما طرقته، واتخذت سبيلها إليه، فإذا نصيبه من الرحمة قد كان أوفى جدًّا من ذاك، وكانت هذه الفضيلة من فضائله الأصيلة فيه لا تكاد تفارقه في عامة حياته، حتى ليصح أن تضرب الأمثال برحمته كما كانت تضرب الأمثال بعدله، وأن يقرن معه لقب العادل بلقب الرحيم.

وفي صدد الكلام عن الخليفة الإسلامي الكبير، قد يهمنا خلق الرحمة فيه خاصة؛ لأن شأنها في التقريب بينه وبين الإسلام غير قليل.

فمن المحقق أنَّ رقته للمسلمين وللدين الذي يدينون به، كانت مقرونة في أول الأمر برحمته لامرأتين ضعيفتين رآهما في حالة من الشكوى تلين القلب، وتكف الغرب،١٢ وتمسح جفوة العناد والبغضاء.

قالت أم عبد الله بنت حنتمة: لما كنا نرحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر حتى وقف عليَّ، وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجًا. فقال: صحبكم الله، ورأيت منه رقة لم أرها قط.

وحديثه مع أخته فاطمة في سبب إسلامه مشهور متواتر في أوثق الروايات، فإنه ضربها حين علم بإسلامها فأدمى وجهها، فأدركتها الثورة الخطابية التي فيها منها بعض ما فيه، وقالت وهي غضبى: يا عدو الله! أتضربني على أن أوحد الله؟ قال غير متريث: نعم، فقالت: ما كنت فاعلًا فافعل، أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك.

ويذكر لنا رواة القصة التي اتفقت عليها روايات كثيرة، أنه ندم وخلَّى عن زوجها — بعد أن صرعه وقعد على صدره — ثم انتحى ناحية من المنزل، وطلب الصحيفة التي كتبت فيها آيات القرآن، وخرج من ثمة إلى حيث لقي النبي، فأعلن شهادة الإسلام على يديه.

وغير عسير علينا أن نرقب طوية عمر، ونرى كيف كانت تتمشى فيها الخوالج والخطرات، وهو يتحدث إلى المرأتين: بنت حنتمة، وبنت الخطاب.

فهذا بطل مناضل يشحذه النضال إذا لقي أنداده من الأبطال، وأقرانه من الرجال: الإساءة تتبعها الإساءة، والتحدي يعقبه التحدي، وكلما قوبل البطش بمثله تضرمت سَورة الغضب، وثارت نحيزة القتال،١٣ ومضى العداء شططًا لا اعتدال فيه، ولا نكوص عنه، حتى ينكسر عدو من العدوين، فلا موضع هنا لرحمة، ولا سبيل لها إلى ظهور. وتتمادى الشرة١٤ على ذلك شهورًا وسنين، وكأن الرحمة لم تخلق في النفس، ولم يسمع لها في حنايا الصدور صوت.

أما المرأة الشاكية أو المرأة الدامية إذا واجهت ذلك البطل القوي، فما حاجته إلى قوته ونضاله؟ وما أحرى تلك القوة أن تهدأ في مكانها كأنها هي الخليقة الخفية التي لم تخلق، وليس لها صوت مسموع! وما أقربها إذن إلى أن تخجل من إيذائها، وتندم على قسوتها، وتثوب إلى التوبة والخشوع، وهما من لباب الدين!

إنَّ العرب يشتقون الرحمة من الرحم أو القرابة، وهو اشتقاق عميق المغزى يهدينا إلى نشأة هذه الفضيلة الإنسانية العالية، ومودة عمر بن الخطاب لرحمه وذوي قرباه لا تنحصر دلائلها في رحمته لأخته الشاكية الثائرة؛ فإن المرأة قد تُرحم لضعفها في موقف شكواها ويأسها، ولو كانت بعيدة الآصرة، منقطعة النسب. إنما يدل على مودته لذوي قرباه ذلك الحب الذي كان يضمره لأبيه بعد موته، مع شدته عليه وغلظته في زجره وتأديبه، فكان يطيل الحديث عنه، وينقل أخباره، ويقسم باسمه، وظل يقسم باسمه وهو كهل إلى أن نُهي المسلمون عن القسم بأسماء من ماتوا على الجاهلية.

وندر بين الناس من أحب إخوته، كما كان عمر يحب أخاه زيدًا في حياته وبعد مماته، فما شاء أحد أن يبكيه إلا ذكره له ففاضت شئونه،١٥ وجعل بعد قتله يتأسى بمن أصيب مثل مصابه، ولا يرى أحدًا فقد أخًا له إلا التمس الأسوة عنده.

حكى أحمد بن عمران العبدي عن أبيه عن جده قال: «صليت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكبًا قوسه، وبيده هراوة، فسأله: من هذا؟ فقيل: متمم بن نويرة. فاستنشده رثاءه لأخيه، فأنشده حتى بلغ إلى قوله:

وكنا كندماني جذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكًا
لطول افتراق لم نَبِت ليلة معًا

فقال عمر: هذا والله التأبين، يرحم الله زيد بن الخطاب! إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك. ثم سأله: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ فقال: كانت عيني هذه قد ذهبت، فبكيت بالصحيحة، فأكثرت البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. فقال عمر: إنَّ هذا لحزن شديد، ما يحزن هكذا أحدٌ على هالك. قال متمم: لو قتل أخي يوم اليمامة كما قتل أخوك ما بكيت أبدًا. فصبر عمر وتعزَّى عن أخيه وقال: ما عزَّاني أحد عنه بأحسن مما عزيتني.»

هذا هو عمر من وراء النقاب.

فما كان أحوجه — رضي الله عنه — إلى ذلك النقاب! وما أقل الغرابة في ذلك النقاب من الشدة والهيبة، حين ينفذ الناظر إلى ما وراءه، فيرى مكان الحاجة إليه!

وقد يرحم الرجل أهل الرحم والقرابة، ويجفو غيرهم من الناس، ولكن الرحمة الأصيلة في الطباع تسوي في المودة ولا تفرق، وتخلق هي سبب الرحمة، ولا تنتظر حتى تفرضها عليها القرابة بأسبابها، فكان عمر — كما روى «الحسن» — يذكر الصديق من أصدقائه بالليل فيقول: يا طولها من ليلة! فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه التزمه أو اعتنقه.

وكان بكاء طفل يزعجه ويقطع عليه صلاته وينغص عليه ليله.

قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى، فاقترح على عبد الرحمن بن عوف أن يذهبا ليحرساهم من السرق، ثم باتا يحرسان ويصليان، فسمع بكاء صبي، فتوجه نحوه وقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فرجع إلى أمه كرة أخرى، ثم سمع بكاءه آخر الليل فقال لأمه: ويحك! إني لأراك أم سوء ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟ قالت: يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني أربعه عن الفطام.١٦ فسألها: ولم؟ فقالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم! فسألها: وكم له؟ فلما علم أنها فطمته دون سن الفطام أمر مناديًا فنادى: ألا تعجلوا صبيانكم عن الرضاع، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام.

وقصته مع الصبية الجياع مشهورة، ولكنها تعاد لأنها أحق قصة بأن تعاد.

قال أسلم: «خرجنا مع عمر — رضي الله عنه — إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار١٧ إذا نار تؤرث،١٨ فقال: يا أسلم إني أرى ها هنا ركبانًا قصر بهم الليل والبرد، انطلق بنا!
فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون،١٩ فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء. وكره أن يقول: يا أصحاب النار. فأجابته امرأة: وعليكم السلام، فقال: أأدنو؟ فقالت: ادنُ بخير أو دع. فدنا منها فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع! قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر! فقال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ فقالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟ فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا.
فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلًا٢٠ من دقيق وكبة٢١ من شحم، وقال: احمله عليَّ، قلت: أنا أحمله عنك. قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟! لا أم لك!
فحملته عليه، وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا فجعل يقول لها: ذري عليَّ وأنا أحرُّ لك.٢٢

وجعل ينفخ تحت القدر، وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلالها حتى طبخ لهم، ثم أنزلها وأفرغ الحريرة في صحفة وهو يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم — أي أبرده — ولم يزل حتى شبعوا وهي تقول له: جزاك الله خيرًا، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين.»

وأمثال هذه القصة في سيرة عمر كثير، لا يقال إنها هي ومثيلاتها من الشعور بالتبعة وليست من الرحمة؛ لأن العهد بالشعور بالتبعة أن يأتي من الرحمة، وليس العهد بالرحمة أن تأتي من الشعور بالتبعة!

كذلك لا يقال إنه قد كان يطيع أمرًا سماويًّا تحركت له نفسه، أو لم تتحرك، فإن النفس التي تتحرك للأمر السماوي هي النفس التي فيها الخير، ولها رغبة فيه، وقلما تشفق من عقاب السماء، إلا أن تشعر بأمل الظلم، ومبلغ استحقاقه للعقاب.

على أنَّ عمر كان يرحم في أمور يحول فيها النفور الديني دون الرحمة عند كثيرين.

فمن ذلك أنه رأى شيخًا ضريرًا يسأل على باب، فلما علم أنه يهودي قال له: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن! فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال يقول: انظر هذا وضرباءه،٢٣ فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب … ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.

فهنا علمته الرحمة كيف يطيع الدين، ولن يطيع الدين هكذا إلا رحيم.

وقد فرض عمر لكل مولود لقيط مائة درهم من بيت المال كما فرض لكل مولود من زوجين، وهي رحمة قد يحجبها النفور من الزنا وثمراته في نفوس أناس ينفرون فلا يرحمون.

بل كان يرحم كل مخلوق حي حتى البهيم الذي لا يبين بشكاية، فروى المسيب بن دارم أنه رآه يضرب رجلًا ويلاحقه بالزجر؛ لأنه يُحمِّل جمله ما لا يطيق.

وكان يدخل يده في عقرة البعير الأدبر٢٤ ليداويه وهو يقول: إني لخائف أن أُسأَل عما بك. ومن كلامه في هذا المعنى: لو مات جدي بطف٢٥ الفرات لخشيت أن يحاسب به الله عمر، وإنه لشعور بالتبعة عظيم.

لكنه — كما أسلفنا — لن ينبت في قلب كل أمير عليه تبعة، إلا أن يكون به منبت للرحمة عظيم.

•••

فنحن إِذَن بإزاء صفة كبيرة إلى جانب صفته الكبيرة؛ الرحمة إلى جانب العدل، وكلتاهما من البروز والوثاقة وعمق القرار بمثابة العنوان الذي يدل على صاحبه، أو بمثابة العنصر الأصيل الذي يلازمه ويلابسه، ولا يفارقه في جملة أعماله.

ومن خصائص عمر أنه كان على هذا الشأن في جميع صفاته المشهورة، خلافًا للمعهود في الصفات الغالبة بين الناس من المحامد كانت أو العيوب؛ إذ قلما يوسم إنسان بأكثر من صفة غالبة بهذه المثابة من التأصل والبروز، فهو عادل أو رحيم أو غيور أو فطن أو وثيق الإيمان، ثم تطغى إحدى هذه الصفات على سائرها، فلا تعطيها إلى جانبها مكانة رسوخ واستقرار.

وعلى غير هذا العهد كان عمر في جميع صفاته الكبيرة التي ذكرناها، فكانت كل صفة منها في قوتها ورسوخها تكفي للغلبة على شخصية تتسم بها، ولا تذكر بغيرها، وإنه ليتصف بها فتأخذ من سماته ومعالمه ما يخصصها به، ولو كانت من الصفات القومية الشائعة في أبناء جلدته جميعًا، فيخيل إليك أنها سمة مميزة له لم توجد في غيره.

فأحرار العرب كلهم غيور، ولكنك إذا قلت «العربي الغيور» فكأنما سميت عمر بن الخطاب؛ لأنه طبع هذه الصفة القومية بطابعه الذي لا يشبهه فيه غيره، فكان الغيور بين الغيورين.

قال أكبر أصدقائه وأكبر العارفين به محمد — عليه السلام: «إنَّ الله غيور يحب الغيور، وإنَّ عمر غيور.»

وتحدث إلى صحبه يومًا وعمر فيهم فقال: «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر. فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا. فبكى عمر وقال كالمعتذر: أعليك أغار يا رسول الله؟»

وكانت هذه الغيرة معروفة مخشية بين جميع من يعرفونه، ويسمعون بطباعه، والنساء من باب أولى يعرفنها ويعهدنها ويتقينها، كما لم يتقينها قط من غيره.

استأذن على النبي يومًا وعنده نساء من قريش، يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قُمْن يبتدرن الحجاب.

فدخل والنبي يضحك.

قال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. كأنه يسأله عن سبب ضحكه. فقال عليه السلام: عجبت من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي لما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب.

قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم التفت إليهن يقول: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبنَ رسول الله ؟

قلن — ولا يخذل المرأة لسانها في هذا المقام: نعم، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله!

وحسبك من غيرته أنه هو الذي أشار على النبي بحجاب أمهات المسلمين، وكان يرى إحداهن في الظلام ذاهبة لبعض شأنها، فيقول لها: عرفتك يا فلانة!

ليريها أنها في حاجة إلى مزيد من التحجب. وقد ضجرت إحداهن منه لهذا فقالت له: وإنك علينا يا بن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟

على أنَّ الغيرة في ابن الخطاب لم تكن غيرة مقصورة على المرأة وكفى، بل غيرته على المرأة لم تكن إلا شطرًا من غيرته على كل حرم وحوزة، فمن هذه الغيرة العامة سياسته العربية التي كانت تصد الغرباء عن جزيرة العرب كأنها الحرم الموصد، ومنها غيرته على الزي العربي والشمائل العربية، ومنها غيرته على العقيدة وحدود الشريعة، وغيرته على كل حق يحميه غيور.

والأحاديث عنه في هذه الخصلة تتعدد في معارض شتى، كما تعددت أحاديث عدله ورحمته، وكل صفة بارزة فيه، فشأن هذه الصفات أن يظهرن أبدًا حيث ظهر له قول أو عمل؛ لأنهن أصيلات مطبوعات يختلطن بكل ما عمل وقال.

إلا أنك تقرؤها جميعًا فتخرج منها بأثر واحد لا اختلاف فيه.

ذلك أنَّ عمر كان يغار على حق، ولا يغار من أحد، ولا ينفس على ذي نعمة.

فإذا قيل لك إنَّ عمر قد غار، فلن يخطر لك أن تسأل: ممن كانت غيرته؟ وإنما يخطر لك أن تسأل في كل مرة: علامَ غار؟ ولأي شيء كان يغار؟

فهو يغار على حق، أو يغار على عرض، أو يغار على دين، أو يغار على صديق أو صاحب حرمة، ولا يغار من هذا أو ذاك لنعمة أصابها هذا أو ذاك.

إنما كان يغار على شيء يحميه، ويعلم من نفسه القدرة على حمايته، فهي غيرة من يريد الحماية لغيره، ولا يريد انتزاع الخير لنفسه أو غلبة إنسان على حظه.

رجل قوي، جياش الطبع، شديد الشكيمة، مؤمن بالحق وحرماته، قادر على تقويم من يحيد عنها ويجترئ عليها. فإن لم يكن هذا غيورًا فمن يكون الغيور؟

وقُل في ذكائه وفطنته وألمعية ذهنه ما تقول فيما اشتهر به من صفات العدل والرحمة والغيرة، وإن كانت هذه الصفة أحوج منهن إلى الشرح والتحليل.

فبعض المستشرقين الذين أثنوا عليه قد عرضوا لأمر تفكيره، فوصفوه بأنه محدود التفكير، أو أنه يأخذ الأمور بمقياس واحد.

ونحن لا نقول إنَّ عمر — رضي الله عنه — خلق بذهن عالم بحاثة منقطع للكشف والتنقيب، ولا أنه خلق بذهن فيلسوف مطبوع على التجريد والذهاب بالفكر في مناحي الظنون والفروض، ولا أنه خلق بذهن مِنطِيق يدور بين الأقيسة والاحتمالات مدار الترجيح والتخمين؛ فالواقع أنه لم يكن كذلك ولا يعيبه ألا يكونه، وأنه كان معنيًّا بالعمل قبل عنايته بالنظر أو الفرض والتقدير، ولكن الفرق بعيد بين هذا وبين الفكر المحدود، والنظر الذي يقيس الأمور بقياس واحد.

فعمر كانت له فطنة الرجل العليم بنقائض الأخلاق، وخبايا النفوس، ولم يحكم عليها قط كأنه ينظر إليها من جانب واحد، أو يطبعها في تفكيره بطابع واحد، بل علم الدنيا وعلم كيف يتقلب الإنسان، وراح في علمه هذا يراقب الناس مراقبة الجذور، ويقيم عليهم الأرصاد إقامة الرجل الذي لا يفوته أن ينتظر منهم ما ينتظر من خير وشر، وقوة وضعف، وصلاح وفساد.

وكفى من كلماته الدالة عليه أن نذكر أنه كان يحب أن يعرف الشر كما يعرف الخير؛ لأن «الذي لا يعرف الشر أحرى أنه يقع فيه»، وأنه كان يحب أن يعرف الأعذار كما يعرف الذنوب، حيث يقول: «أعقل الناس أعذرهم للناس»، وأنه هو القائل: «احترسوا من الناس بسوء الظن»، وهو القائل مع ذاك: «أظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر» … يوفق في هذين القولين بين سهر الحاكم الذي لا ينبغي أن تخفى عليه خافية، وبين عدل القاضي الذي لا ينبغي أن يحكم بغير بينة ظاهرة.

بل لو كان عمر بن الخطاب محدود التفكير، ينظر إلى الأمور من جانب واحد، لما كثرت مشاورته للكبار والصغار والرجال والنساء، مشاورة من يعلم أنَّ جوانب الآراء تتعدد، وأنَّ للأمور وجوهًا لا تنحصر في الوجه الذي يراه، وكثيرًا ما قال: «أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه.» وليس استطلاع الآراء ولا الخوف من الإعجاب بالرأي شيمة رجل محصور التفكير، ضيق المنافذ إلى الحقيقة.

وقد عاشره أناس من الدهاة فخبروه وحذروه، وقال المغيرة بن شعبة لعمرو بن العاص: «أأنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئًا فيلقنه عنك؟! والله ما رأيت عمر مستخليًا بأحد إلا رحمته كائنًا من كان ذلك الرجل. كان عمر والله أعقل من أن يُخدَع وأفضل من أن يَخدَع.»

إنما كان عمر كما وصف نفسه «ليس بالخب ولكن الخب٢٦ لا يخدعه»، وهذا هو الحد الفاصل أحسن الفصل بين الدهاء المحمود، والدهاء المذموم، أو بين الفهم الصحيح والخبث القبيح. فهناك فطنة تسيء الظن؛ لأنها تعرف الشرور التي في طبائع الناس، وفطنة تسيء الظن؛ لأنها تشعر شعور السوء، والفرق بينهما عظيم، كالفرق بين الخير والشر والمحمدة والمذمة. فالفطنة الأولى معرفة حسنة، والفطنة الثانية خلق رديء، وإنما كان عمر بالفطنة الأولى معصومًا من أن يخدع غيره، أو ينخدع لغيره، وهذا هو الحد القوام الذي لا نقص فيه من جانبيه.

وكانت له في استيحاء الخفايا قدرة تقرب من مكاشفة الغيب، لولا أنها تستند إلى التقدير الصحيح، والظن المدعوم بالخبرة، وحكاية واحدة من هذا القبيل تغني عن حكايات، وهي حكايته مع المغيرة الذي استكثر على عمرو بن العاص أن يوحي إلى عمر بمراده ويتداهى عليه.

فقد همَّ عمر — رضي الله عنه — بأن يعزل المغيرة عن العراق، ويولي جبير بن مطعم مكانه، وأوصى جبيرًا أن يكتم ذلك ويتجهز للسفر، فأحس المغيرة، وسأل جليسًا له أن يدس امرأته، وهي مشهورة بلقط الأخبار حتى سميت «لقاطة الحصى»، لتستطلع النبأ من بيت جبير، وذهبت إلى بيته، فإذا امرأته تصلح أمره فسألتها: إلى أين يخرج زوجك؟ قالت: إلى العمرة! قالت لقاطة الحصى: بل كتمك، ولو كانت لك عنده منزلة لأطلعك على أمره! فجلست امرأة جبير متغضبة ودخل عليها وهي كذلك، فلم تزل حتى أخبرها وأخبرت لقاطة الحصى. وذهب المغيرة إلى عمر ففاتحه بما علم، وهو يقول له: بارك الله لأمير المؤمنين في رأيه وتوليته جبيرًا! فلم يعجب عمر من وقوفه على السر، بل قال: كأني بك يا مغيرة قد فعلت كيت وكيت، كأنما سمع رأي … وأنشدك الله هل كان كذلك؟ قال المغيرة: اللهم نعم. ثم صعد عمر إلى المنبر ونادى في الناس: أيها الناس، من يدلني على المخلط المزيل٢٧ النسيج وحده؟ فقام المغيرة فقال: ما يعرف ذلك في أمتك أحد غيرك؟ فأبقاه على ولايته ولم يزل واليه على العراق حتى مات.

وإنما كانت مجاراته للداهية من هذا القبيل إعجابًا بحصافته لا انخداعًا بمكره، وقد يتغابى ويعمل ما يريده المتداهي عليه؛ لأنه أدرك مرمى كلامه، وفهم ما فيه من صواب، كما صنع مع عمرو بن العاص في خطبة أم كلثوم بنت علي — رضي الله عنهما — وسيأتي الكلام عنها في فصل تالٍ.

على أنَّ القدرة الذهنية التي امتاز بها عمر في غنى عن الاستدلال عليها بما قال وما قيل فيه، وما دار بينه وبين بعض القوم من المساجلات والمحاورات، إنه عمل لم يعمله إلا القليل من أقدر الحكام في تاريخ بني الإنسان، وكفى بذلك دليلًا على قدرته الذهنية لا حاجة بعده إلى دليل. ساس شعوبًا بينها من الاختلاف مثل ما بين العرب والفرس، وبين الفرس والقبط والسوريين، ونصب ولاة، وانتدب قوادًا، وسيَّر بعوثًا، وأشرف على ميادين قتال، وأقام نظمًا في الحكومة، وراقب رعاة ورعية فيما يعلنون وما يبطنون، ونجح في كل ما عمل نجاحًا منقطع النظير، غير مردود إلى المصادفة ولا إلى ارتجال المغامرين، وليس هذا كله مما يضطلع به رجل محدود الفكر، ضيق الأفق، قليل الخبرة بالجماعات والأفراد. فإذا استوفى هذا الحظ الوافي من القدرة الذهنية، فذلك حسبه منها وحسب كل من تصدى لمثل عمله، ونهض بمثل وقره،٢٨ ولا عليه بعد ذلك أنه لم يفكر على نمط الفلاسفة، وأقطاب العلم، وأساطين المنطق والرياضة، فإن الدنيا لم تخرج لنا عمر ليزيدنا أفلاطون آخر أو إقليدس ثانيًا أو «فاراداي» سابقًا في الزمن القديم، بل أخرجته للناس ليكون مؤسس عهد ومحوِّل تاريخ. فإذا تأدى به عقله إلى تلك الغاية، فهو العقل الصائب، يفكر على النحو الذي خلق له ويبلغ القصد الذي رمى إليه. وعلينا نحن أن نعرف كيف كان تفكيره وأن نسلكه بين قرنائه وأنداده.

إنما طرأت شبهة العقل المحدود على المستشرقين الذين ظنوا به هذا الظن من ناحية واحدة، وهي ناحية العدل الذي لا يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، والقضاء الذي يكيل الجزاء دقة بدقة، ولا يبالي بالنقائض والمفارقات.

ونظروا إلى جملة آرائه في المسائل الجُلَّى فإذا هي من الآراء التي يغلب عليها القطع والجزم والانطلاق إلى غرض ماثل، لا تنحرف عنه قيد شعرة، كأنه قد جهل ما في الدنيا من نقائض وخفايا ومن عوج وتعريج، أو كأنه السهم الثاقب ينفذ فيما أمامه إلى هدفه المحدود، ولا يلتفت إلى شيء في نفاذه، أو يعوقه عائق دونه.

فخطر لهم أنَّ فطنته إنما كانت فطنة فراسة فطرية، كالغريزة التي تهتدي على استقامة واحدة، ولكنها لا تنحرف ولا تتصرف ولا تخالف ما جبلت عليه، وأنها فطنة العقل المحدود والبصر الموكل بجانب واحد ينفذ فيه، ولا يحيط به أو يتشعب في نواحيه. والفكر المحدود هنا هو فكر أولئك المستشرقين، لا فكر عمر بن الخطاب.

فالرجل الذي يستقيم على وجه واحد، لا يحيد عنه، هو واحد من رجلين: فإما رجل يستقيم على هذا الوجه؛ لأنه لا يرى غيره، ولا يحيط بما حوله.

وإما رجل يستقيم على هذا الوجه؛ لأنه قادر على اختراق العقبات، عالم أنها تنثني إليه حيث كان دون أن ينثني إليها حيث كانت.

واستقامة عمر بن الخطاب على وجهه من هذا القبيل، وليست من ذلك القبيل؛ هي استقامة قدرة، وليست باستقامة عجز، وهي استقامة تصرف سريع، وليست باستقامة محجور مقيد، يأبى أن يدور؛ لأنه قد أعياه أن يدور.

هي استقامة حياة غلابة، وليست باستقامة أداة كالموازين تسوي بين التبر والتراب؛ لأنها لا تميز بين التبر والتراب.

فالرجل الذي يجتنب التصرف في العدل عجزًا عن الفهم والتزامًا للحرف المكتوب، ونزولًا إلى مرتبة الموازين التي لا تعي ولا تغضب ولا تغار، إنما هو آلة فقيرة في مادة الحياة.

أما الذي يجتنب التصرف في العدل غيرة على الضعيف، وقدرة على القوي، وعلمًا بالتبعة، واضطلاعًا بجرائرها، فذلك حي غني بالحياة، يعدل لفرط السليقة الإنسانية، والقدرة الحيوية، ولا يعدل لأنه آلة تشبه الميزان الذي لا حس فيه.

وشتان بين هذا وذاك، إنهما لنقيضان، وإن كانا في ظاهر الأمر شبيهين متقاربين.

والاعتماد على الأمثلة الخاصة، أولى بنا في هذا المعرض من الاعتماد على القواعد العامة والتقريرات النظرية.

فهذه أمثلة ثلاثة من أمثلة العدل الذي يبدو لأول وهلة، كأنه عدل الموازين الآلية حين تسوي بين الأوزان، وإن اختلفت القيم والأقدار، وتفصل في الأنصباء بغير نظر إلى فوارق الدنيا، ومقتضيات السياسة، وتبدل الأحوال، ونختارها من أجهر الأمثلة وأدناها إلى تأييد شبهات المستشرقين فيما زعموه من العقل المحدود؛ لنرى على قدر ضخامة هذه الأمثلة ضخامة الخطأ في استخراج ما تدل عليه.

كان عمرو بن العاص واليًا لمصر وكان ابنه يجري الخيل في ميدان السباق، فنازعه بعض المصريين السبق، واختلفا بينهما لمن يكون الفرس السابق، وغضب ابن الوالي فضرب المصري وهو يقول: أنا ابن الأكرمين! فاستدعى عُمَر الوالي وابنه حين رفع إليه المصري أمره، ونادى بالمصري في جمع من الناس أن يضرب خصمه قائلًا له: «اضرب ابن الأكرمين!»، ثم أمره أن يضرب الوالي؛ لأن ابنه لم يجرؤ على ضرب الناس إلا بسلطانه، وصاح بالوالي مغضبًا: «بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟» فما نجا من يده إلا برضًا من صاحب الشكوى واعتذار مقبول.

وكان خالد بن الوليد أشهر قادة الإسلام في زمانه، فأحصى عليه عمر بعض المآخذ، ومنها إنفاقه من بيت المال في غير ما يرضاه، فأمر به أن يحاكم في مجلس عام، كما يحاكم أصغر الجند، وعزله بعد مقاسمته فيما يملك من نقد ومتاع.

وكان جبلة بن الأيهم أميرًا نصرانيًّا، فأسلم وأسلمت معه طائفة من قومه، ثم وطئ أعرابي إزاره فلطمه جبلة على ملأ من حجاج بيت الله؛ فقضى عمر للأعرابي أن يلطم الأمير على ذلك الملأ؛ لأن الإسلام لا يفرق بين سوقة وأمير.

هذه أمثلة العدل الذي لا يتصرف، ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها من فوارق وتعريجات، تتأبى على القصاص المستقيم، وهي من أقوى الشبهات على النظر المحدود في تقدير الجزاء بالحرف المكتوب، دون التفات إلى الأحوال والمقتضيات.

فهل هي في الواقع كذلك؟ وهل كان على عمر أن «يتصرف» في هذه الأقضية بلباقة الساسة الدهاة في جميع الأزمان، إذ يحتالون على حرف الشريعة ويدورون حول حدود القانون؟

نعم، كان عليه ذلك لو عجز عن سنة المساواة، واحتاج إلى الحيلة، فإنما يعاب على الوالي عدل الموازين، ويحمد منه التصرف والدوران؛ لأن المساواة تعييه، أو لأن المساواة تعرضه لعاقبة شر، وأظلم من الإجحاف، فإذا نظر إلى عاقبة المساواة في المعاملة، فرآها شرًّا وأظلم من عاقبة التفرقة والتمييز؛ فقد وجب عليه إِذَن أن يدور حول الحقيقة، وألا يواجهها نصًّا بغير انحراف.

ولكن أين هذا من عمر، وأين عمر من هذا؟ إنه كان قويًّا قادرًا على العواقب، وكان شديد الألم من ظلم الظالم شديد الخجل من خذلان المظلوم، وكان وثيق الإيمان بنصر الله في الحق وفي النجدة؛ فلماذا ينحرف؟ ولماذا يتصرف؟ ولماذا يدور؟

كان قويًّا بطبعه، قويًّا بإيمانه فلماذا يهاب قويًّا جار على ضعيف؟ ولماذا يروغ من صرامة القاضي إلى دهاء السياسي الذي يدور حول الحقوق والحدود؟

للمستشرقين المتحدثين بالتفكير المحدود أن يأخذوا عليه تشهيره بكبار الولاة، ويثبتوا به كل ما قالوه عن ذلك التفكير المحدود الذي ينسى الفوارق، ولا يحتال على المحظورات، ولكن بشرط واحد.

ذلك الشرط هو أن يتوقعوا — ولو من بعيد — أن يثور ابن العاص ونظراؤه على هذا القصاص، فيختل حكم الدولة، وينتشر الأمر على الخليفة، ويقع من المحظور أضعاف ما كان واقعًا لو بطلت المساواة بين السوقة والولاة.

أما أن يكون ابن العاص ونظراؤه لا يثورون، ويعلمون من هو عمر وما هي عقباهم إذا ثاروا عليه.

وأما أن يكون عمر لا يخشى تلك الثورة، ولا يعيا بها إذا هي فاجأته، أو جاءته على غير انتظار.

وأما أن يكون الأمر في ضميره، وفي ضمائرهم يجري على البديهة التي لا خفاء بها ولا شك فيها؛ فكيف يقال إذن إنَّ تفكير عمر في قصاص الولاة كبارًا وصغارًا تفكير محدود؟ وأين هو في هذه الحالة موضع التفكير المحدود؟

إنه في موضع واحد، وهو — كما أسلفنا — موضع الناقد الذي يصف عمر بغير وصفه؛ لأنه هو محدود الفكر في قياس الرجال بمقياس واحد، أو في اعتقاده أنَّ الخطوب تبقى كما هي، ولا تتغير كلما تغيرت عليها أيدي الرجال.

لقد كان عمرو بن العاص خطرًا على الخليفة الذي يغض منه لو كان غير عمر، ولكنه هو والذين كانوا أجرأ منه على الفتن وأسرع منه إلى الغضب، لم يكن لهم من خطرٍ إذا كان عمرُ هو الذي أمر بالعزل، وهو الذي قضى بالقصاص.

فأجرأ منه — ولا ريب — كان خالد بن الوليد، وأشهر منه بين سيوف الإسلام لو عمد إلى السيف، ومع هذا نقم خالد عزله فخطب الناس ومضى يقول: «إنَّ أمير المؤمنين استعملني على الشام حتى إذا كانت بَثَنِيَّةً — أي حنطة — وعسلًا عزلني، وآثر بها غيري.» فما أتمها حتى نهض له رجل من السامعين فقال له: صبرًا أيها الأمير، فإنها الفتنة. فما تردد خالد أن قال: أما وابن الخطاب حيُّ فلا.

نعم، لا فتنةَ وابن الخطاب حيُّ، ولو كان الغاضب خالدًا الغضوب، ومن هنا حق له أن يشكو ولا جناح عليه.

وأطرف من هذا في هيبة عمر بين ولاته وقواده أنه كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن يقاسم خالدًا ماله نصفين، فقاسمه جميع ماله حتى بقيت نعلاه، فقال أبو عبيدة: إنَّ هذا لا يصلح إلا بهذا، فأبى خالد أن يخالف أمر عمر، وأعطاه إحداهما وأخذ الأخرى.

لقد نظرنا إلى عمر مستقيمًا، ولم ننظر إلى الخطوب، ولو نظرنا إليها لرأينا أنها انثنت لتنقاد له، وتتقي مصادمته وتستقيم على منهاجه، فعلمنا لِمَ استقامَ دون أن يقدح ذلك في صدق نظره إلى الدنيا، وصدق فراسته في خلائق الناس.

وندع قضايا الولاة، وننظر في قضية الأمير الذي ارتد عن الإسلام هو وقومه؛ لأن عمرَ أجبره على قصاص المساواة بينه وبين رجل من السوقة. فماذا كان ينبغي أن يفعل عمر غير ما فعل من المساواة الصادقة بين الأمير الضاربِ وخصمه المضروب؟

لعل داهيةً من دُهاةِ السياسة الذين يصفونَ أنفسَهم بالنظر البعيد كان يؤثر إرضاء الأمير، واستبقاء أتباعه في الإسلام، والاحتيال على الشاكي بما يواسيه ويغنيه عن أن يسوِّي بين الخصمين، ويمكِّن لضعيف من ضرب أمير اعتدى عليه.

فهل معنى ذلك أنَّ عمرَ كان يعوزه دهاء أولئك الساسة، وما عندهم من بعد نظر مزعوم؟

كلا، بل معناه أنَّ أولئك السَّاسَةَ يعوزهم السخط على الظلم، والغيرة على الحق، واليقين بالقدرة، والإيمان بمناعة الإسلام أن يصيبه غضب أمير صابئ بما يضيره، ولو كثر أتباعه والصابئون في ركابه.

معناه أنهم احتاجوا إلى التصرف، وعمر لم يحتج إليه.

وها هي ذي السنون قد مضت، وتلتها الأحقاب والقرون، فبدا لنا اليوم أنَّ النظر البعيد والعدل الشديد في هذه القضية يلتقيان، وأنَّ عمرَ كان أحسن المتصرفين فيها؛ لأنه اجتنب التصرف الذي يهواه الدُّهاة؛ فقد أفاد الإسلام ما لم يفده بقاء جبلة وأتباعه على دينه، ووقاه ضررًا أضخم وأوخم من نكوص أولئك الصابئين عنه. أفاده ثقة أهله بإقامة أحكامه، واطمئنان الضعفاء إلى كنفه، ورهبة الأقوياء من بأسه، وسمعته في الدنيا برعاية الحق، وإنجاز الوعد، وتصديق معنى الدين، ولا معنى له إن كان أضعف بأسًا من أمير وجب العقاب عليه.

ويجوز أنَّ الفاروق لم ينظر إلى عواقب القرون، كما ننظر إليها الآن، بعد أن برزَتْ من حَيِّز الفرض إلى حَيِّز العيان. غير أنَّ الأمر الذي لا يجوز في اعتقادنا أنه عدل في قضية جبلة ونظائرها عدل آلة أو عدل ميزان. إنَّ الميزان لأقل من مخلوق له حياة، أما الفاروق في هذه القضية فقد كان أكبر من الحياة الفانية، كان بطلًا يؤمن ويعمل بإيمانه، وهكذا يعلو الإنسان ببطولة الإيمان.

والعبرة التي نخرج بها من هذا أنَّ النظرة الأولى في أخلاق عمر بن الخطاب حسنة، ولكن النظرة الثانية هي على الأغلب الأعم أحسن من الأولى!

فالناقدون الأوروبيون الذين فَسَّرُوا عدله المستقيم القاطع بالنظر الضيق والفكر المحدود لم يفهموه ولم ينصفوه، ولو فهموه وأنصفوه لعلموا أنَّ عدله المستقيم القاطع زيادة في القدرة، وليس بنقص في الفطنة، أو أنه زيادة في قوة الثقة، وقوة الإيمان، وليس بنقص في العلم والبداهة، ولم يكن عسيرًا عليهم أن يفقهوا ذلك لو راجعوا أنفسهم وتريثوا في حكمهم؛ لأنَّ قوة الثقة وقوة الإيمان لا تخفيان في خلق من أخلاقه، ولا عمل من أعماله، ولا تزالان ممزوجتين فيه بكل إقدام وبكل إحجام، فكان يُقدِم على أعظم الخطوب، ويحجم عن أهون الهينات تحرجًا منها وتنزهًا عنها، إذا اقتضى ذلك وازع من قوة الإيمان.

فلم يكن يمضي قدمًا لأنه يغفل عما حوله من النواتئ والمنعرجات والسدود، بل كان يمضي بينها قدمًا لأنه لا يباليها، ويؤمن أصدق الإيمان أنها تنثني له إذا مضى فيها، فلا حاجةَ به أن ينثني إليها.

إنه ليعلم العوج، ولكنه يعلم أنه أقدر منه؛ لأنه يؤمن بحقه إيمان القوي الوثيق، فله من قوته ومن إيمانه قدرتان.

إنه ليرفع العبء إلى كاهله، وهو قائم لا يطأطئ للنهوض به، فليس الفارق بينه وبين غيره أنه يجهل العبء الذي يعرفونه، أو ينسى العواقب التي يذكرونها، أو يتحلل من المصاعب التي يتحرجون منها، كلا، إنما الفرق بينه وبينهم أنهم ينثنون للخطوب، وأنَّ الخطوب هي التي تنثني إليه.

هذه القوة في إيمانه كانت هي المسيطر الأكبر على كل خلق من أخلاقه، وكلِّ رأي من آرائه، بل كانت هي المسيطر الأكبر على ما هو أصعب مقادًا من الأخلاق والآراء، وأشد عُرَامًا٢٩ من العقائد والشبهات، وهي دوافع الطبع وسورات الغريزة، وقلما خلا منها طبع قوي عزوف غيور.

فالأفكار والأخلاق جانبان من جوانب النفس الإنسانية، قابلان للضوابط والقيود، ولكن ما القول في الدوافع والسورات؟!

مثل الفكر كمثل السفينة الطافية على وجه النهر، لها شراع، ولها سُكَّان، وعليهما معًا رقيب من النواتية٣٠ والربان.٣١

ومثل الخلق كمثل النهر المتدفع، تحبسه الشواطئ والقناطر، ويفيض في موعد، ويُعرف له مجرى، ويُحسب له مقدار.

ولكن، ما القول في السيل العرم؟

ما القول في السورة الجامحة التي ليست بفكر يسوس ويساس، ولا بخلق متميز بسماته وخصائصه ومراميه؟!

هنا تبدو لنا قوة الضوابط والقيود، وهنا أيضًا كانت ضوابط الإيمان القوي في نفس عمر كأقوى ما تكون.

ولا أحسب أنَّ قلبَهُ الكبيرَ جمحت به في الجاهلية أو الإسلام سورة أكبر من سورته يوم نُعي النبي إلى المسلمين، فأنكر أن يُنعَى، وأبى أن يسمع صوتًا بين المسلمين يزعم أنَّ محمدًا قد مات، وصاح والناس في رهبة منه كرهبتهم من شبح الموت المخيم يومئذ على الرءوس: «والله إني لأرجو أن تقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات.»

ثم أقبل أبو بكر من مسكنه على فرسه، فنزل فتمشى وئيدًا صامتًا لا يكلم أحدًا، وتيمم النبي وهو مغشى بالثوب، فكشف عن وجهه ثم أَكَبَّ عليه وقَبَّلَه، وبكى.

ثم أحسَّ صولةَ عمرَ وهو يكلم الناس، فخرج إليهم فقال: اجلس يا عمر. وأقبلَ على المسلمين يُكلمهم بكلام السماء: «أما بعد، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ.» فأهوى عمرُ إلى الأرض وأنابَ.

وكأنه والمسلمين معه ما علموا أن أنزلت هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر تلك الساعة.

يا لروعة الشلال الزاخر!

ويا لروعة السابح القاهر الذي لوى به ليًّا، كأنما قبض منه على عرف، وأخذ له بعنان!

أكبر ميدان من ميادين الدنيا لا يرينا صراعًا عاتيًا هو أولى بالروعة من نفس عمر وهي متراوحة بين شعوره الزاخر، وإيمانه الوثيق.

لحظة هائلة من أهول ما تحس النفوس، ثم انهزام كأسرع ما يكون الانهزام، وانتصار كأسرع ما يكون الانتصار، وغاشية تنجلي عن صاحب تلك النفس، وهو مالك لزمامه، ماضٍ بشعوره إلى حيث يمضي به إيمانه، فهما قوتان غالبتان، وليستا بعدُ بالعسكرين المتغالبين.

لقد كانت تلك سورته الكبرى، ولكنها لم تكن أولى سوراته ولا آخرتها.

فقد عهدت هذه السورات في طبعه، حتى عرف من عهدوها كيف يسوسونها ويتقونها، وأوشكت أن تحسب في عداد الأنهار المحكومة، لا في عداد السيول الجارفة، انطلقت من عقالها.

ذهب إليه بلال مستأذنًا، فقال له الخادم إنه نائم، فسأله: كيف تجدون عمر؟ قال: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم. قال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.

فهو الإيمان ضابط كل شيء في تلك النفس، حتى السورات التي ليس لها ضابط في النفوس.

أو قل إنها هي النفس القوية في دفعاتها، وفي ضوابطها على السواء.

ورب نفس من ضعف الدفعة بحيث يقمعها أهون ضابط يسيطر عليها، فأما الدفعة التي لا يقف في طريقها إلا ضابط أقوى منها؛ فتلك هي الطبيعة الحيوية المضاعفة، وليست هي الضعف الذي يتراجع لأهون مراجعة.

نذكر هذا وينبغي أن نذكره ولا ننساه؛ لأن الفرق بين الإيمان الذي يكبح الهزيل المنزوف الحياة، وبين الإيمان الذي يكبح القوي الجياش فرق عظيم.

ولم يكن عمر مُعرضًا عن زخارف الحياة لهزال كان في دواعي الحياة فيه، وإنما كان مُعرضًا عنها لأنه كان قادرًا على الإعراض غير ممتحن به في إرادة ولا عزيمة.

وكان معرضًا عنها لأنه صاحب حيوية غير الحيوية الجسدية الموكلة بالسرور والمتاع.

فمن الواجب إذا ذكرنا الحيوية وضعفها وقوتها، أن نذكر أبدًا أنها حيويات متعددة وليست بحيوية واحدة.

حيوية الروح، وحيوية الخلق، وحيوية الذوق، وحيوية العقل، وحيوية الجسد، وغير ذلك كثير مما يتداخل بين هذه الحيويات.

فليس من الضروري إذا رأيت رجلًا قليل الاشتهاء لمتعة الأجساد أن تحكم عليه بضعف الحيوية، فربما كانت له حيوية أخرى تملأ ألوفًا من النفوس، لا تجد متاعها في أكلة أو شهوة، وتجد المتاع في إحقاق الحق، وزجر الطغيان، وإقامة العدل والشريعة بين الناس.

وهكذا كانت حيوية عمر فيما يريده، وفيما يزهد فيه.

لم تكن قلة الرغبة في زخارف الدنيا هي مقياس حيويته العظمى، وإنما كان مقياس تلك الحيوية عظم الرغبة في الإصلاح والتقويم، وفي إجراء ما ينبغي أن يجري، غير مبالٍ ما يكلفه ذلك من جهدٍ تتضاءل دونه جهود الألوف من الموكلين بمتاع الأجساد.

•••

تلك صورة مجملة للصفات الخلقية الكبيرة التي كانت غالبة على نفس عمر بن الخطاب، وهي العدل والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان.

وأول ما يُلاحظ عليها تعدد الصفات الغالبة في نفس واحدة، وصفة واحدة منها قد تغلب على النفس — وليست بصغيرة — فتنعتها بنعتها وتستأثر بتمييزها والدلالة عليها.

ثم يُلاحظ عليها أنَّ الصفة منها تتصل بعمر بن الخطاب، فتأخذ منه وتصطبغ بصبغته، حتى كأنها لم تُعهَد في غيره على شيوعها وكثرة الموسومين بسماتها.

إلا أنَّ هذا وذاك ليس بأعجب الملاحظات، ولا أندرها في هذا السياق، وإنما العجب العاجب حقًّا هذا التركيب الذي ندر مثيله جدًّا بين خصائص النفوس، كائنًا ما كان نصيب صاحبها من العظمة والامتياز.

وأحرى بنا أن نقول «هذه التركيبة»، ولا نقول «هذا التركيب»؛ لأن صفاته الكبيرة تتركب كما تتركب أجزاء الدواء الذي ينفع لغرض واحد مفهوم، والذي ينقص جزء منه، فينقص نفعه كله، ويدخله التناقض والاختلاط.

إذا نظرت إلى تلك الصفات أجزاء متفرقات، فهي سهلةٌ بسيطةٌ، ليس فيها شيءٌ عويصٌ، أو مكتنفٌ بغموض.

ولكنك تنظر إليها مركبة متناسقة، فيبدو لك منها جانب الدهشة والإعجاز، أو جانب الندرة التي يعز تكرارها في طبائع النفوس؛ لأنها تتركب لاستيفاء الغرض منها جميعًا، واستيفاء الغرض في كلٍّ منها على حدةٍ، وهذا هو النادرُ جد الندرة في تركيب الأخلاق.

ما العدل مثلًا بغير الرحمة التي تمزجه بالإحسان؟! وما العدل والرحمة معًا بغير الحماسة الروحية، والغيرة اليقظى التي تجعل كراهة المرء للظلم كأنها كراهة الضرر الذي يصيبه في نفسه وآله، وتجعل حبه للعدل كأنه حب هواه، وقبلة مناه؟! وما العدل والرحمة والغيرة جميعًا بغير فطنة تضع الأمور في مواضعها، وتعصم المرء أن ينخدع لمن لا يستحق، ويغفل عمن يستحق وهو حسن القصد غير متهم الضمير؟! وما العدل والرحمة والغيرة والفطنة بغير الإيمان الذي هو الرقيب الأعلى فوق كل رقيب، والوازع الأخير بعد كل وازع، والمرجع الذي لا مرجع بعده لطالب الإنصاف؟!

كلُّ صفةٍ تتمةٌ لجميع الصفات.

وكلُّ الصفات روافدُ لغرضٍ واحدٍ، يتم به نصر الحق وخذلان الباطل.

وكلُّ خليقة فهي جزء لا ينفصل من هذه «التركيبة» التي اتفقت أحسن اتفاق، وأنفع اتفاق، وكأنما اتفقت لتصبح كل خليقة منها على أتم قدرتها في بلوغ كمالها، وتحقيق غايتها.

فلا نقص في العدل كالنقص في كل عدل يعمى عن الطبيعة البشرية، ويذهل عن ضعف الإنسان.

ولا نقص في الغيرة كالنقص في كل غيرة ظالمة قاسية كأنها ضراوة وحش، وليست بحماسة روح.

ولا نقص في أولئك كله كالنقص في جميع الصفات بغير الفطنة التي تخرج بها من ظلام إلى نور، وبغير الإيمان الذي يقف منها موقف الحارس الساهر والرقيب الأمين.

صفات متراكبة كأنها صفة واحدة، يأخذ بعضها من بعض، فلا تتعدد في مرآها، ولا تزال في صورة البساطة بعيدة عن التركيب، فيخطئ النظر القصير في التفرقة بين هذه الظاهرة النفسية الرائعة، وبين ظاهرة الشيء البسيط المحدود، وإنه لخطأ شائع ينساق إليه كثيرون مما يستسهلون بساطة عمر، وهي أولى بالروعة من تركيب يختلط من كل مزيج، ثم يزيد في الألوان، ولا يزيد في الإتمام والتوحيد والإتقان.

ولو أنَّ مخترعًا من أهل القصص حاول أن يخترع سيرة عمر بن الخطاب؛ لأعياه أن يخترع ذلك الشتيت المتفرق من الأخبار والأحاديث والنوادر، ليقرأه القارئ بعد ذلك فيقبل منه ما يقبل، ويسقط منه ما يسقط، ثم يبقى منه ما يدل أصدق الدلالة على كل صفة من تلك الصفات.

فلا اختراع في جملة أخبار عمر، وإن جاز الشك في بعضها، أو جاز إسقاط الكثير منها، ومن شاء فليشك في هذا الخبر أو ذاك ما بدا له الشك، وليسقط منها ما بدا له الإسقاط، فسيبقى بعد ذلك جميعه خبر يدل على عدله ولا سبيل إلى نقضه، وخبر يدل على رحمته ولا سبيل إلى نقضه، وخبر يدل على غيرته ولا سبيل إلى نقضه، ويبقى ذلك التركيب العجيب الذي هو موضع الإعجاز وموضع الدهشة وموضع التساؤل في مصادر الأخبار.

هذه هي المعضلة التي عنيناها حين قلنا في صدر هذا الفصل إنَّ سهولةَ عمرَ وخلوَّ طبائعه من التعقيد والغموض، هي سهولة أصعب من الصعوبة؛ لأنها تنتهي بك إلى صعوبة التركيبة التي هي أندر من التعقيد والغموض، وتريك عناصر شتى قد تتناقض في غير هذا التركيب، ولكنها هنا لا تتناقض في شيء ذي بال؛ لأن التناقضَ أنْ يذهبَ كلُّ عنصر في وجهةٍ معارضةٍ لسائر الوجهات، فأما أن تكون كلها ذاهبة في وجهة واحدة، فذلك عنصر واحد متعدد الأجزاء والألوان.

ولهذا كانت دراسة عمر غنيمة لكل علم يتصل بالحياة الإنسانية، كعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة، ولم تقتصر مزايا هذه الدراسة على علم النفس وكفى.

لأن كل نفس صغرت أو كبرت فهي إنسان يضيف العلم به إلى علم النفس بعض الإضافة.

ولكن ليست كل النفوس بالنفس التي تصحح أوهام الواهمين في فضائل الأخلاق وفضائل الاجتماع، وفي القدوة المثلى التي يَقْتدي بها طلاب الرفعة والسيادة.

ونحن في عصر شاعت فيه فلسفات مسهبة، تنكر الرحمة والعدل على الأقوياء الغيورين، وتحسبهما حيلة من حيل الطبع في خلائق الضعفاء لاستدامة البقاء، كأن رحمة الضعيف تنفعه إذا رحم، وكأن عدل الضعيف ينفعه إذا عدل، أو كأن القوي يخلق نفسه لنفسه، ولا يخلق قويًّا لتفيد قوته فائدتها في خدمة المحتاجين إليها.

فعمر ذو البأس والعدل، وعمر ذو الرحمة والغيرة، أصدق تفنيدًا لذلك الوهم الأخرق البليد؛ إذ كانت رحمته وعدله لا يناقضان البأس والغيرة فيه، بل كان بأسه معوانًا لرحمته، وكانت غيرته معوانًا لعدله، وكان هو قويًّا لينتفع الناس بقوته، ولم يكن قويًّا ليطغى بقوته على الضعفاء.

ولم يكن لزامًا أن يقسو ذو البأس ولا يرحم.

ألا يقسو الضعيف؟! فلم العجب إذن من رحمة القوي؟! كلُّ ما هنالك أنَّ رحمةَ الضعفاء غير رحمة الأقوياء. فأما العقل الذي يرى الرحمة غريبة في الأقوياء، ويرى القسوة غريبة في الضعفاء، فهو يرى غير الواقع من هؤلاء وهؤلاء؛ إذ الواقع في الدنيا أنَّ القسوة لا تدل على القوة، وأنَّ الرحمة لا تدل على الضعف، وأن ليس في الدنيا أقسى من الأطفال وهم أضعف من فيها من الضعفاء.

وبغير إمعانٍ طويلٍ في دقائق النفس الإنسانية، استطاعت امرأة محزونة أن تفرق بين الخصلتين، وتجمع بينهما معًا في عمر بن الخطاب، ونعني بها عاتكة بنت زيد حين قالت في رثائه:

رءوفٍ على الأدنى غليظٍ على العدى
أخي ثقةٍ في النائبات مُنيبِ

وهي تفرقة سهلة، ولكنها صادقة جامعة، فغير عجيب أن يكون إنسان كذلك، وإنما هو أوفق شيء لطبائع الأشياء.

١  سيماه: علامته، والمراد ما اشتهر به.
٢  طرائق قدد: فرق مختلفة.
٣  رافدة: الرافد ما يمد بالماء من قناة أو نهير.
٤  لعقة الدم: سُمُّوا كذلك لأنهم تحالفوا مع غيرهم، فنحروا جزورًا، فلعقوا دمها أو غمسوا أيديهم فيه.
٥  زبرتهما: زجرتهما ونهرتهما.
٦  القتب: الرحل الصغير على قدر سنام البعير.
٧  الشنشنة: الخلق والطبيعة.
٨  أقصَّ: خذ له بقصاصه؛ أي أقم القصاص عليه بحذف عشرين. ولعل الأصل «أقصِ عنه عشرين»؛ أي أنقص عنه عشرين، وزيادة الباء من تحريف الرواة.
٩  آية ٣ من سورة غافر. وذي الطول: صاحب الفضل والإحسان.
١٠  أحسن النزع: كف عما كان فيه وانتهى.
١١  تحسَّب: ظن.
١٢  تكف الغرب: تخفف الحدة؛ أي تليِّن الشديد القاسي.
١٣  النحيزة: الطبيعة والغريزة.
١٤  الشرة: الشر.
١٥  الشئون: الدموع.
١٦  أربعه عن الفطام: المقصود أني أحبسه على الفطام وأعوِّده.
١٧  صرار: مكان على مقربة من المدينة.
١٨  تؤرث: توقد.
١٩  يتضاغون: يتصايحون.
٢٠  العدل: الجوالق.
٢١  كبة من شحم: مقدار منه.
٢٢  أحرُّ لك: أي أتخذ لك حريرة، وهو الحساء من الدقيق والدسم.
٢٣  ضرباؤه: نظراؤه وأمثاله.
٢٤  البعير الأدبر: المصاب بالدبر، وهو مرض يصيب الدواب كالقرحة.
٢٥  بطف الفرات: ﺑ «شاطئه».
٢٦  الخب: المخادع.
٢٧  رجل مخلط مزيل: يجمع بين الأشياء، ويميز بينها لقوة فكره.
٢٨  وقره: حمله ومسئوليته.
٢٩  أشد عرامًا: أشد شراسة وشدة.
٣٠  النواتي: الملاح في البحر خاصة، جمعه النواتية.
٣١  الرُّبان بضم الراء: من يُجري السفينة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠