الفصل التاسع

عُمر والصَّحابة

بايع عمر فبطل الخلاف إلا ما لا خطر فيه، وبويع عمر فبطل الخلاف إلا ما لا خطر فيه.

وقد تواترت أقوال الصحابة في عمر بما يشيد بفضله، ويشهد بقدره، ويكبر في أعين الناس أكبر من تُقال فيه؛ لأن الذين قالوها أناس لهم حلوم راجحة، وألسنة صادقة، وعقيدة راسخة، وقلوب لا تهاب أن تقول الحق في إنسان. ولكنَّ الشهادتين اللتين شهد بهما الواقع أدل على قدر عمر بين الصحابة من كل ما قيل؛ لأن شهادة الواقع هي الشهادة التي يقولها الصادق باختياره، ويحاول الكاذب أن يكذب فيها فلا يستطيع، وإنما يجوز الصدق والكذب فيما يملكه اللسان أو يملكه الشعور. أما الشهادة التي تعبر عن نفسها بلغة الواقع، فهي قائمة من وراء كلام الألسنة ومن وراء هوى النفوس، إنكارها كإنكار المحسوس الذي تقع عليه الأيدي، ولا تغمض عنه العيون.

وقد انتهت مسألة الخلافة بعد النبي بسلام.

ولكن انتهاءها بسلام لا يعني أنها كانت ستنتهي وحدها بسلام على أية حال، ولا يعني أنها انتهت لأنها من المسائل التي يؤمن فيها الخطر وتمتنع فيها الفتنة؛ إذ الحقيقة أنَّ انتهاءها على هذا النحو قد كان أعجوبة من أعاجيب التاريخ، مع ما يحيط بها من دواعي النزاع ومن كوامن القلق والخوف على غير سابقة يستقيم بها العرف وتتضح بها معالم الطريق.

فما هو إلا أن لحق النبي بالرفيق الأعلى حتى تحفزت دواعي النزاع من كل فج، وتكشفت كوامن القلق والخوف من كل مكمن، وجهل أعلم الناس كيف تتجلى الغاشية ويستقر القرار.

فالأنصار يقولون إنهم أحق من المهاجرين لأنهم كثرة والمهاجرون قلة، ولأنهم في ديارهم والمهاجرون طارئون عليهم، ولأنهم جميعًا عرب مسلمون ولهم فضل التأييد والإيواء.

والمهاجرون على قلتهم غير متفقين على اتفاق ينعقد به الإجماع، وحجتهم الغالبة أنهم السابقون إلى الإسلام ومنهم جلة الصحابة الأولين.

وتسايرت الأحاديث بحق آل البيت النبوي في الخلافة النبوية، وبين آله رجلان قويان هما علي والعباس، لو أصغيا إلى هذه الدعوة ومضيا فيها لتمخضت عن خطب عظيم.

ولكن هذه العصبيات لم تكفِ دعاة الخلاف حتى جاء أبو سفيان يزيدها عصبية أخرى بالمفاخرة بين أكبر القبائل وأصغرها في قريش، فدخل على علي والعباس يثيرهما، ويعرض عليهما النجدة والمعونة، ويهيب بعلي باسمه، ثم بالعباس باسمه: «يا علي، وأنت يا عباس، ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها؟! والله لو شئت لأملأنها عليه — يعني أبا بكر — خيلًا ورجلًا وآخذنها عليه من أقطارها.»١ فيجيبه علي بما هو أهله: «لا والله، لا أريد أن تملأها عليه خيلًا ورجلًا، ولولا أننا رأينا أبا بكر لذلك أهلًا ما خليناه وإياها.» ثم يبلغ من كرم النحيزة أن يؤنِّب أبا سفيان من طرف خفي على سعيه في هذه العصبية فيقول: «يا أبا سفيان، إنَّ المؤمنين قوم نَصَحَة بعضهم لبعض، وإنَّ المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض، متخاونون وإن قربت ديارهم وأبدانهم.»
ولم تكن هذه العصبيات كل ما هنالك من دواعي النزاع وكوامن القلق والخوف؛ فقد كان هنالك منافقون أسلموا وهم راغمون، وكان هنالك ضعفاء من المسلمين يقفون على شفير٢ من الفتنة لا يلبث أن يضطرب تحت أقدامهم حتى ينهار، وكان هنالك أناس لا ينصرون ولا يخذلون، فهم إن لم يفسدوا في الأرض لا يصلحون.

وبين هذه المخاوف والنوازع تنتهي مسألة الخلافة بسلام فيكون انتهاؤها بسلام أعجوبة الأعاجيب، وتبحث عن سر هذه الأعجوبة أو عن سرها الأكبر فيغنيك فيها أن تذكر اسمًا واحدًا هو اسم عمر بن الخطاب، إلى أين كانت تلك الفتنة ذاهبة لو لم يقف في وجهها عمر وقفته المرهوبة يوم السقيفة؟

سؤال يدلك على سر تلك العجيبة قبل كل جواب، فما عُرِف رأي عمر في البيعة حتى بطل الخلاف إلا ما لا خطر له، واطمأن من يوافق، وعلم من يخالف أنَّ خلافه لا ينفعه، واجتمعت كلمة على مبايعة أبي بكر أوشكت أن تكون كلمات.

قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك.

قال عمر: أنت أفضل مني. قال أبو بكر: أنت أقوى مني.

قال عمر: إنَّ قوتي لك مع فضلك، لا ينبغي لأحد بعد رسول الله أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله وثاني اثنين، وأمرك رسول الله حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر.

ووثب عمر فأخذ بيد أبي بكر، فتواثب الجميع من علية الصحابة يبتدرون البيعة، ثم كان الغد فجلس أبو بكر على المنبر، وتكلم عمر بين يديه يقول للناس: «إنَّ الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوا.»

فكانت البيعة العامة، وتركت شجرة الخلاف لجفاف، فإن لم تذبل لساعتها فهي وشيكة ذبول.

بايع عمر فقطعت جهيزة قول كل خطيب.

وذلك قدر عمر عند الصحابة، وقدره عند أبي بكر، وقدره عند الله، تغني شهادة السرائر فيه عن شهادة كل كلام.

وفي تلك الكلمات الموجزات التي تبادلها الصديقان العظيمان خلاصة نقد الناقدين وبحث الباحثين، وحكم التاريخ في أبي بكر وعمر، وفي موقف الخلافة من بدايته إلى منتهاه.

قال عمر: إنك أفضل مني. وقال أبو بكر: إنك أقوى مني. وقال عمر: إنَّ قوتي لك مع فضلك.

صدقا غاية الصدق، وجاملا غاية المجاملة، وقضيا بالعدل والحكمة والإخاء، وتركا التاريخ يقول ما يقول ويسهب ما يسهب، ثم لا يزيد في فحواه كلمة على ما ضمنته تلك الكلمات الموجزات.

ولقد كان من قوة عمر أنه كان يراجع أبا بكر في خلافته حتى يرجع عن رأيه، وكان من فضل أبي بكر أنهم يسألونه مستثيرين: والله ما ندري أأنت الخليفة أم عمر؟ فيقول: هو لو كان شاء!

وكان فضل أبي بكر وقوة عمر جمعًا لا يشذ عنه مكابر، ومن شذ عنه فما له من فضل ولا من قوة ينفعانه.

بل كان الرجلان على اختلافهما في المزاج كأنهما رجل واحد، يراجع نفسه بين الرأيين المختلفين حتى يستقر على أحدهما، فإذا هو رأي جميع لا خلاف فيه؛ لأنهما يصدران عن عقيدة واحدة، ويتجهان إلى غرض واحد، فهما غير مفترقين إلى أمد طويل.

وأعجوبة الأعاجيب في هذا الأمر موقف الرجلين من المشكلة الكبرى التي واجهتهما معًا بعد موت النبي بأيام قلائل، وهي مشكلة الردة ونكوص العرب عن أحكام الدين وحيرة الصحابة الكبار فيما يُعامَل به المرتدون.

وليس العجب أن يختلف أبو بكر وعمر في مشكلة كبيرة أو صغيرة، وإنما العجب هو نوع هذا الخلاف الذي لم يتوقعه أحد، فيخالف أبو بكر لأنه يجنح إلى الشدة والصلابة، ويخالف عمر لأنه يجنح إلى اللين والهوادة، ثم يلتقيان ولا يتعارضان.

فأبو بكر يأبى إلا أن يحارب الذين منعوا الزكاة، ويقول مصرًّا على قوله: «والله لو منعوني عناقًا٣ لقاتلتهم على منعها.»

وعمر يقول له: «كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله»؟!»

ويشارك عمر في رأيه جلة الصحابة كأبي عبيدة الذي قال فيه النبي: «إنه أمين الأمة»، وسالم مولى أبي حذيفة الذي قال فيه النبي: «إنَّ سالمًا شديد الحب لله»، وأناس من هذه الطبقة في صحابة رسول الله.

ويعود أبو بكر فيقول: «إنَّ الزكاة حق المال، وفيها نحارب بالحق.» ثم يهيب بعمر: «رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك! أجبَّار في الجاهلية وخَوَّار في الإسلام؟»

فإذا بعمر يثوب إلى شدته بعد أن أفرغ أمانة الرأي كما قال: «ما هو إلا أن رأيت أنَّ الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق.» وما أسهل أن يعرف الحق لمن يريد أن يراه ولا يغمض عينيه، أرجلان هنا مختلفان أم رجل واحد؟

قل هذا وذاك فالقولان مستويان ما دمت لا تنسى أنَّ الرجلين المختلفين معهما العقيدة الراسخة التي لا تفارقهما، وطالما جمعت العقيدة جيوشًا على قلب واحد فضلًا عن رجلين.

وإنما كان يعيب عمر أن يعارض إذا كان في المسألة وجه واحد لا يحتمل المعارضة بحال، فأما أن يكون لها وجه آخر يبديه ويشرح حجته، فالذي يعيبه ويضير الإسلام أن يكتم ذلك الوجه وأن ينطوي عليه صامتًا في موقف البحث والمشاورة وهو الناصح الأمين.

ومسألة الردة قد كان لها وجه آخر غير الذي راضه أبو بكر — رضي الله عنه — وكان عمر خليقًا أن يرى ذلك الوجه الآخر؛ لأنه موافق لمجمل آرائه في الحرب والسياسة، فقد كان بطيئًا إلى الحرب كما عرفنا من عامة وصاياه، وكان أبطأ ما يكون عنها إذا نشبت بين العرب أو المسلمين، وكان جيش الإسلام بعيدًا عن المدينة في غزوة الروم التي خرج بها أسامة بن زيد بعد قيام أبي بكر بالخلافة، فالتريث إلى أن يستكمل الإسلام عدته ويسترجع الغائبين من جنده وجه غير ضعيف، أو هو في أقل الأمر وجه لا يحسن كتمانه عن الأمير المسئول.

وقد كان من عادة عمر أن يطيع صاحب التبعة متى وجبت الطاعة واستقر القرار، فلا ضير إذن ألا يألوه جهده معارضة حتى يتبين مذاهب الرأي على اختلافها، ثم هو مستعد بقوته لمعاونته بأقصى ما استطاع.

ومثل هذا الرجل معارضته قوة فوق قوة وخير لا ضير فيه.

وخليق بنا أن نفهمها على صوابها في مسألة الردة فنعلم بعد النظرة الثانية أنها من دلائل قوته المعهودة وليست من فلتات الضعف فيه؛ لأنه رأى الرأي فلم يحجم أن يبديه ويشرح حجته، جريئًا فيما رآه.

وعلى هذا الدأب ظل عمر قوة لأبي بكر بموافقته ومعارضته على السواء، وأصاب فيما قال له يوم بايعه: «إنَّ قوتي لك مع فضلك.» فكسب الإسلام خليفتين معًا بتقديم أبي بكر للخلافة؛ لأنهما لم يبغيا بالخلافة مأربًا غير خدمة الإسلام.

•••

ثم بويع عمر بالخلافة فبطل الخلاف إلا ما لا خطر فيه.

عرضها عليه أبو بكر فقال: «لا حاجة لي فيها.» فقال أبو بكر: «ولكن لها بك حاجة يا ابن الخطاب.» وسأل خيرة أصحابه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: «هو والله أفضل من رأيك فيه.» وقال عثمان بن عفان: «إنَّ سريرته خير من علانيته، وإنه ليس فينا مثله.» وسأل أسيد بن الحضير فقال: «اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يُسِرُّ خيرٌ من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.»

وأجمع المهاجرون والأنصار على تزكية عمر وتصويب أبي بكر في ترشيحه، ولعلهم لم يذكروا من مناقبه إلا ما هو به أعلم وأخبر، فلم يزده ثناء المثني علمًا بصاحبه! ولم يكن قدح القادح ليخلف رأيه فيه؛ لأنه على عرفانه بالدنيا وعرفانه بالناس لا يجهل أنَّ رجلًا كعمر بن الخطاب في حزمه وصدقه لن يخلو من مبغض، ولن يبغضه أحد لما يعيبه ويحول بينه وبين ولاية أمر المسلمين.

قال له وهو يعرض عليه الخلافة: «يا عمر، أبغضك مبغض وأحبك محب، وقدمًا يبغض الخير ويحب الشر.»

وإنَّ منهم لمن حذره شدة عمر وقالوا له: «إنك كنت تأخذ على يديه ولا نطيق غلظته، فكيف وهو خليفة؟ وما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافه علينا؟»

فبلغ الصبر بالرجل الصبور مداه، وأمر من حوله أن يجلسوه فجلس، فقال لمن خوفوه الله وعمر: «أبالله تخوفونني؟ خاف من تزود من أمركم بظلم. أقول: اللهم قد استخلفت على أهلك خير أهلك!»

ولو شاء أبو بكر لقال إنَّ ما خوفوه من شدة عمر لفضيلة من فضائله التي قدمته عنده على غيره، فقد خاف عليهم الفتنة، وكان أكبر حذره أن تجيء الفتنة من أولئك الأعلام الذين يتبعهم الطغام،٤ وليس لهؤلاء غير عمر يرهبونه ويتقون الفتنة باتقائه، فمن هنا وصاه فحذره «هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله الذين قد انتفخت أجوافهم، وطمحت أبصارهم، وأحب كل امرئ منهم لنفسه»، وقال له: «إنَّ لهم لحيرة عند زلة واحد منهم فإياك أن تكونه، واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله، ولك مستقيمين ما استقامت طريقتك.»

فالذين حذروه عمر إنما رغبوه فيه ولم يحذروه منه؛ لأنه أراد لهم من يخافونه ويستقيمون معه، فكانت سيئته عندهم حسنة عند أبي بكر، ورجاء في صلاح أمر الأعلام والطغام.

فلما اتفق مدح المادحين ونقد الناقدين على إيثار عمر بالخلافة، فرغ أبو بكر من مشورته، وأبرأ إلى الله ذمته، ودعا بعثمان فأملى عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي …»

ثم أخذته غشية فكتب عثمان «عمر بن الخطاب»، ولم يترك الكتاب خلوًا من الاسم مخافة أن يذهب الموت بأبي بكر في تلك الغشية، فيلج من يلج بالخلاف وله شبهة يحوم عليها.

وإنه ليكتبها إذ أفاق أبو بكر فقرأ عليه ما كتب، فكبَّر وأدرك ما وقع في روعه فحيَّاه ودعا له: «جزاك الله عن الإسلام خيرًا، والله إن كنت لها لأهلًا.»٥ ثم أتمَّ الكتاب.

ثم بويع عمر بالخلافة بإجماع لم ينعقد لخليفة قبله ولا بعده إلا أن تكون وراثة في دولة استقرت لها دعائم وثبتت لها أركان، فكانت شهادة من الصحابة والمسلمين أجمعين بما هو أنطق من الألسنة والقلوب؛ بالبديهة التي لا تكذب في صادق ولا كذوب.

وجائز جدًّا أن يبدأ عمر خلافته وهذا رأي المسلمين فيه، وأن يختمها آخر الأمر ورأيهم فيه على اختلاف؛ إذ الحكم يخلق العداوات، ويفتق أسباب التباعد في الظنون والآراء، ويفتن صاحبه حتى يتبدل من حيث يريد ولا يريد، فشهادة أخرى من شهادات الواقع والبداهة أنَّ عمر قد فارق الدنيا والمختلفون فيه ينقصون، والمتفقون على حمده يزيدون، ثم هم يزيدون في حمدهم إياه وثنائهم عليه.

دخل زياد على عثمان في خلافته بما بقي عنده لبيت المال، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئًا من فضة ومضى به، فبكى زياد، قال عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين٦ بمثل ما أتيك به فجاء ابن له فأخذ درهمًا، فأمر به أن يُنتَزع منه حتى أبكى الغلام، وإنَّ ابنك هذا جاء فأخذ ما أخذ، فلم أر أحدًا قال له شيئًا. قال عثمان: «إنَّ عمر كان يمنع أهله وقرابته ابتغاء وجه الله، وإني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن تلقى مثل عمر، لن تلقى مثل عمر، لن تلقى مثل عمر!»
وبكى عليٌّ يوم موته فسئل في بكائه فقال: «أبكي على موت عمر، إنَّ موت عمر ثُلْمَة٧ في الإسلام لا تُرتَق إلى يوم القيامة.» وقال عبد الله بن مسعود: «كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة.»

وقال معاوية يوازن بين الخلفاء: «أما أبو بكر فلم يُردِ الدنيا ولم تُرِده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يُرِدها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرًا لبطن.» وقال عمرو بن العاص وهو يحدِّث نفسه: «لله در ابن حنتمة! أي امرئ كان؟!»

ولم يقل فيه قائل راضٍ ولا ساخط إلا ثناء كهذا الثناء، بعد خلافة طويلة لو خرج منها بنصف الثناء لأربى على الأمل في إنصاف بني الإنسان.

ورعى عمر قدر الصحابة والتابعين كما رعوا قدره، إلا أنه كان مفضلًا في هذه كما كان مفضلًا في جميع محامده وحسناته، فإنه رعى أقدارهم وهو مستطيع ألا يرعاها، وقليل منهم من كان قادرًا أن يعمل غير ما عمل ويقول فيه غير ما قال.

جمع منهم مجلس المشورة لا يبرم أمرًا ولا ينقضه إلا بعد مذاكرتهم والاستئناس بنصيحتهم وسابق علمهم من مأثورات النبي وأحاديثه.

وارتفع بهم أن يكونوا أتباعًا له فجنَّبهم ولاية الأعمال قائلًا لمن راجعه في ذلك: «أكره أن أدنِّسهم بالعمل.»٨ فسبق الدساتير العصرية بحسن تقسيمه وصادق حدسه وتدبيره. هم مجلس الأمة وليس لأحد من مجلس الأمة أن يلي عملًا من أعمال الحكومة، فهما في الدولة وظيفتان لا تجتمعان.
وقدَّم صغارهم على أعظم العظماء من رءوس القبائل وقروم٩ الجزيرة العربية، فحضر بابَه سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام وأبو سفيان بن حرب في جمع من السادة ينقطع ندهم بين الكابرين،١٠ وحضره معهم صهيب وبلال وهما موليان فقيران، ولكنهما شهدا بدرًا وصحبا رسول الله، فأذن لهما قبل علية القوم! وغضب أبو سفيان فقال لصاحبه: لم أرَ كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه؟! أما صاحبه فكان حكيمًا فقال: «أيها القوم، إني والله أرى الذي في وجوهكم، إن كنتم غضابًا، فاغضبوا على أنفسكم، دُعِي القوم — إلى الإسلام — ودُعِيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟»

ولو غير عمر لما تقدم عنده صهيب وبلال، ولا أمن أن يغضب عليه أبو سفيان وسهيل.

لكنه الحق فوق كل قدر عند هذا القسطاس الذي يعطي كل ذي قدر قدره حيث ينبغي له من تقديم وتأخير، فيقدم من يقدمه عمله ويؤخر من يؤخره عمله، ولا عليه من غضب الغاضبين ولوم اللائمين.

فلما ندب الناس إلى غزو العراق فبادر إليه أبو عبيد بن مسعود، وتخلف من حضر الدعوة من الصحابة، ولاه قيادتهم وأبى أن يوليها رجلًا من السابقين من المهاجرين والأنصار، وأجاب من راجعوه قائلًا: «لا والله لا أفعل، إنَّ الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرئاسة منكم من سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء، والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابًا.»

ثم دعا معه ابن عبيد وسليط بن قيس فأبلغهما: «إنكما لو سبقتما لوليتكما»، والتفت إلى أمير الجيوش الذي اختاره فقال له: «اسمع من أصحاب النبي وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبين، فإنها الحرب.» هذا ما استحقوه، فلا رجحان لهم إلا بالحق، ولا رجحان عليهم إلا للحق.

ومن الحق الذي له الرجحان عليهم حق الأمة جمعاء، وحق الأمان الذي يعم الدولة ويوطد أركانها، فإذا خيف على الدولة من بعضهم فأمان الدولة مفضل عليهم، وحقها الأكبر مقدم على الكبير من حقوقهم، فربما حبسهم في المدينة لا يسافرون منها إلا بإذن وإلى أجل مخافة منهم على الناس ومخافة عليهم من الناس، ويستأذنه أحدهم في غزو الروم والفرس محتجًّا بسابق بلائه مع رسول الله فيتخذ من سابق هذا البلاء حجة عليه يذوده بها عن السفر، ويقول له: «إنَّ لك في غزوك مع رسول الله ما يكفيك ويبلغك، وبحسبك، وهو خير لك من الغزو اليوم، وإنَّ خيرًا لك ألا ترى الدنيا ولا تراك.»

على هذا الوجه وحده ينبغي أن نفهم كل علاقة كانت بين عمر وبين أحد من أكابر الصحابة والتابعين، فهو القسطاس الذي لا يجور، وكأنه لا يعرف الجور لو شاء.

بل على هذا الوجه وحده نفهم كل علاقة بينه وبين أحد من عامة المسلمين، فلكل رجل ولكل عمل حقه، ولا ضير على أحد أن يتأخر قدره ويتقدم عمله، ولا ينفع أحدًا أن يتقدم قدره ويتأخر عمله، فكل عمل وله حساب، وكل قدر وله كرامة، وأكبر الصحابة خليق أن ينزل منزلة المرءوسين لمن سبقهم إلى العمل النافع، وأصغر الناس خليق أن ينال جزاءه الحسن إذا استحقه، وكل قسطاس غير هذا القسطاس فإنما يقارفه الحاكم لظلم أو لخوف، وليس لهذا ولا ذاك سبيل إلى عمر؛ لأنه عادل، ولأنه لا يخاف، وإذا وقع ما يخافه غيره فهو ضليع بالتبعات.١١

على هذا الوجه وحده ينبغي أن نلتمس التأويل في محاسبات عمر ومعاملاته إذا وقع منها ما يحتاج إلى تأويل، وقل في محاسبات عمر ومعاملاته ما يحتاج إليه؛ لأنه كان يحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره، وحسابه لنفسه أعسر من حسابه للآخرين.

ففي جميع محاسباته للقادة والولاة من كبار الصحابة لم توضع مسألة في موضع التأويل الكثير والمناقشة الحادمة،١٢ كما وضعت مسألة خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ولا يعقل أن تكون هذه المسألة شذوذًا عن خطته مع جميع القادة والولاة؛ لأن الذي صنعه فيها عمر هو الذي كان منتظرًا أن يصنعه، سواء كان القائد خالدًا أو كان رجلًا غيره، وهذا الذي ينفي الشذوذ والحيف، أو ينفي المعاملة الخاصة التي تكيل للناس بكيلين وتزن لهم بميزانين، وتنظر إليهم بنظرتين مختلفتين.

عزل عمر خالدًا وهو سيف الإسلام وبطل الجزيرة والشام، وإذا كان لا بد لخالد بن الوليد من عازل أو قاضٍ عادل، فلن يكون عازله وقاضيه غير عمر بن الخطاب، هو على قدر عزله بلا مراء، وهو قدر كبير.

فقال أناس: إنها منافسة الند للند والشبيه للشبيه، وقال أناس: عزلَهُ لغير خطأ أتاه. وقال أناس: إنها تِرَة١٣ قديمة، ولولاها لما كان الخطأ الجديد بمستوجب عزله وحرمان المسلمين من بأسه وجهاده.

والذين ظنوا هذه الظنون لهم شبهات من ظواهر الأمور تخيلها لهم وتقربها إلى حدسهم؛ لأن المشابهة بين عمر وخالد كانت مشابهة خلق وخلق توحي الظن بالتنافس والملاحاة، وكانت مشابهة خالد لعمر في خلقته تلتبس على بعض الناس، فيكلمون عمر وهم يحسبونه خالد بن الوليد.

فمن شاء أن يخبط بالظن فله أن يحسب أنَّ عمر قد عزله لغير سبب يستوجب عزله؛ لأن عمر نفسه قد صان على القائد الكبير كرامته وأمسك عن الخوض في أمر عزله بعد الفراغ من ضجته الأولى، وكتب إلى الأمصار يبرئه من الخيانة ويعلنهم «أنه لم يعزله لسخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به.» قال: «فخشيت أن يوكلوا به ويبتلوا، فأحببت أن يعلموا أنَّ الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.» ولما سأله خالد في ذلك قال له: «إنَّ الناس افتتنوا بك فخفت أن تفتتن بالناس.»

فمن شاء أن يخبط بالظن هنا فقد يخبط ما شاء وله شبهة فيه، ولكنه لا يرجع إلى الوقائع من قديمها وحديثها حتى تسقط شبهاته بين يديه، ويوقن أنَّ عمر لم يحاسب خالدًا بميزان غير الذي حاسب به جميع القادة والولاة، وأنَّ المدهش الحق أن يبقيه في الولاية والقيادة بعد ما أخذه عليه؛ لأنه حينئذ يكون قد وزن بميزانين وكال بكيلين.

والذي أخذه عمر على خالد يرجع بعضه إلى أيام النبي — عليه السلام — وبعضه إلى أيام أبي بكر — رضي الله عنه — وبعضه إلى أيامه، وكله مما يصح أن يؤخذ به في موقف الحساب، وإن كان الذي حدث في أيام عمر وحدها كافيًا لما قضاه في أمره.

ففي فتح مكة نهى رسول الله خالدًا عن القتل والقتال، وقال له وللزبير: «لا تقاتلا إلا من قاتلكما.» ولكن خالدًا قاتل وقتل نيفًا وعشرين من قريش وأربعة نفر من هذيل، فدخل رسول الله مكة، فرأى امرأة مقتولة، فسأل حنظلة الكاتب: من قتلها؟ قال: خالد بن الوليد. فأمره أن يدرك خالدًا، فينهاه أن يقتل امرأة أو وليدًا أو عسيفًا،١٤ وبعث إليه من يسأله: ما حملك على القتال؟ فاعتذر بخطأ الرسول١٥ في تبليغه، وشهد الرسول على نفسه بالخطأ فكف عنه.
ثم بعث رسول الله خالدًا إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام، ولم يبعثه للقتال، وأمره ألا يقاتل أحدًا إن رأى مسجدًا أو سمع أذانًا، ثم وضع بنو جذيمة السلاح بعد جدال بينهم واستسلموا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم، وأفلت من القوم غلام يقال له السميدع، حتى اقتحم على رسول الله وأخبره وشكا إليه، فسأله رسول الله: هل أنكر عليه أحد ما صنع؟ قال: نعم، رجل أصفر ربعة١٦ ورجل أحمر طويل. وكان عمر حاضرًا فقال: أنا والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو ابني، وأما الثاني فهو سالم مولى بني حذيفة. وظهر بعد ذلك أنَّ خالدًا أمر كل من أسر أسيرًا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما، فرفع رسول الله يديه حين علم ذلك وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ثم دعا عليَّ بن أبي طالب وأمره أن يقصد إلى القوم ومعه إبل ووَرِق،١٧ فوَدَى١٨ لهم الدماء وعوضهم من الأموال.

وفي عهد أبي بكر — رضي الله عنه — وجه خالدًا إلى بعض أهل الردة يدعوهم إلى أحكام الإسلام أو يقاتلهم حتى يثوبوا إليها، فعزم على المسير إلى مالك بن نويرة، ولم يأمره الخليفة بالمسير إليه، وأحجم الأنصار ينتظرون أن يكتب إليهم الخليفة بما يراه، وقال خالد: «قد عهد إلي أن أمضي وأنا الأمير، ولو لم يأت كتاب بما رأيته فرصة وكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه، وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس فيه منه عهد إلينا لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به، فأنا قاصد إلى مالك ومن معي من المهاجرين والتابعين ولست أُكرههم …»

ثم جاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع، فاختلفت السرية فيهم، يشهد قوم أنهم أذَّنوا وأقاموا وصلوا، ويشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء، فلما اختلفوا فيهم أمر بحبسهم في ليلة باردة، وأرسل فيما قيل مناديًا ينادي: أدفئوا أسراكم. فظن القوم أنه أراد قتلهم؛ لأن إدفاء الأسرى كناية عن القتل في لغتهم.

ويروى أنَّ مالكًا قال لخالد: ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، فلم يجبه خالد إلى طلبته وقال له: لا أقالني الله إن أقلتك. وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه، وتزوج بامرأته في الحرب، وهو أمر تكرهه العرب وتعايره.

وقد أبلغ الخبر عمر بن الخطاب فقال لأبي بكر: إنَّ سيف خالد فيه رهق.١٩ فاعتذر له أبو بكر بأنه «تأول فأخطأ»، وودى مالكًا واستدعى خالدًا إليه.

قدم خالد فدخل المسجد وعليه قباء وفي عمامته أسهم غرزها للمباهاة، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها وقال له: قتلت امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته؟ والله لأرجمنك بأحجارك!

وكان أبو بكر — رضي الله عنه — هم بعزل خالد لاستئثاره بتصريف المال الذي في ولايته، فسأل عمر: من يجزئ جزاء خالد؟٢٠ فندب عمر نفسه ليخلفه إن لم يكن بد من ذلك، وتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، لولا أن مشى أصحاب رسول الله إلى أبي بكر يوصونه أن يحتفظ بعمر لحاجته إليه، وأن يُبقي خالدًا في ولايته لحاجته إليه، فعمل بما أشاروا.

ذلك ما كان في عهد النبي وأبي بكر، فلما بويع عمر كتب إلى خالد أن يراجعه في حساب المال، وألا يعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمره، فأحاله إلى ما جرى به العمل قبله، وكان قد أجاب أبا بكر بكلام مقتضب قال فيه: «إما أن تدعني وعملي وإلا فشأنك بعملك.» فلم يطقها عمر وقال: «ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه.»

وقد أبرمه منه أنه وهب الشاعر الأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم، ونمى الأمر إليه كما كانت تنمَى إليه أخبار الولاة والقواد من عيونه وأرصاده، فكتب إلى أبي عبيدة أن يحاسبه على هذه الهبة «فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بالخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف.»

وقد أبى خالد أن يجيب في مبدأ الأمر، فاعتقله أبو عبيدة بعمامته كما أمر عمر، ونزع منه قلنسوته في موقف المحاسبة حتى قال إنها من ماله، فقوِّمت عروضه وضُمَّ ما زاد منها إلى بيت المال، وقال له عمر يومئذ: «يا خالد، والله إنك عليَّ لكريم، وإنك إليَّ لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.»

ولم يعزله عمر دفعة واحدة على إثر قيامه بالخلافة كما جاء في بعض الأخبار؛ لأن اسم خالد كان بين أسماء الشهود على عهد بيت المقدس بعد فتحه، والأرجح أنَّ في تاريخ القصة خطأ وقع فيه بعض المؤرخين ومنهم ابن الأثير، فكتب عن عزل خالد في أخبار السنة الثالثة عشرة للهجرة ثم ذكره في أخبار السنة السابعة عشرة، وأورد في الموضعين أقوالًا متشابهات.

تلك جملة المآخذ التي أخذها على خالد من عهد النبي — عليه السلام — إلى عهد خلافته، وما من أحد يعرف عمر ثم يلوح له أنه أنكر من خالد شيئًا كان يقبله من غيره، وأنه نصب له ميزانًا غير الموازين التي يحاسب بها القواد والولاة وكل صاحب عمل مسئول، فرأي عمر في إنكار هذه المآخذ معروف من بداية أيامه، والذين لزموه وتأدبوا بأدبه ينكرونها مثله ولو كانوا على البعد منه، كما حدث من ابنه في بعثة جذيمة حيث أبى على خالد بطشه بمن أوثقهم وعرضهم على السيف، ثم أنكر النبي — عليه السلام — ما أنكره واستصوب ما استصوبه.

فعمر كان يكره الإسراع إلى القتال ويوصي قواده جميعًا بالتريث فيه، وربما نحى القائد المغوار عن القيادة وهو كفؤ لها لأنه يعجل بالقتال كما قال لسليط بن قيس: «لولا أنك رجل عَجِل في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.»

وكان يتحرج غاية الحرج أن يستبيح دم بريء أو مشكوك فيه، وتقدم في هذا الكتاب أنه لام أناسًا من أصحابه لأنهم قتلوا رجلًا ارتد عن دينه، وقال لهم: «هلا استتبتموه وحبستموه؟» وتبين من رأيه في أهل الردة أنه كان يؤثر الهوادة والاستتابة على القتال، فإن كان قتال فالذي لا حيلة فيه ولا محيص عنه، فإنكاره لمقتل مالك بن نويرة وأصحابه هو رأيه الذي لا شذوذ فيه، ويضاف إليه إنكار البناء بامرأته،٢١ ووقع البناء بها في أثناء المعركة، وهو أمر لا ينفرد عمر بكراهته وانتقاده، بل تكرهه العرب عامة، مسلمين وغير مسلمين.
وكان عمر يحاسب جميع الولاة أدق حساب: يكتب عروضهم٢٢ قبل ولايتهم، ويسألهم فيما فشا من طارئ أموالهم، ويأمرهم إذا عادوا إلى أهلهم أن يدخلوا المدينة نهارًا لينكشف ما عادوا به إليهم، ويقاسمهم كل درهم يربى٢٣ على المحسوب من أرزاقهم، ويجري على السُّنة مع كل والٍ وكل عامل ذي أمانة فلم يستثن منها أحدًا قط، ولم يُعرَف والٍ قط سلم من مصادرة أو حساب عسير.

فالذي صنعه خالد حين أنكر «سرعة هجماته وشدة صدماته» سنة عمرية لا شذوذ فيها، والذي صنعه حين حاسبه على هباته وتوزيعاته سنة عمرية كذلك لا شذوذ فيها، ولو أنه صنع غير هذا الصنيع لقد كان ذلك هو الشذوذ المستغرب الذي لا يقع من عمر بن الخطاب خاصة؛ لأنه لا يحابي ولا يفرق في المعاملة ولا يبالي غضب قائد كبير ولا والٍ قدير، وليس يحب أن يقال إنَّ رجلًا من الرجال لا غنى عنه لدولة الإسلام، فربما كان شيوع هذه العقيدة أخطر على الإسلام من عزل والٍ مظلوم أو ولاة مظلومين.

ولا ننسى الأمانة الكبرى التي هي أكبر من أمانة الرفق بالولاة والعدل في محاسبة العمال، ونعني بها أمانة الدين والدولة أو ما نسميه نحن في أيامنا «بالسياسة العليا».

عمر لا يتركنا نفسر أعماله هنا باجتهادنا في فهمها وتأويلها على ما نراه، بل يصرح للناس فيها بما يغنيهم عن التفسير والتأويل.

فكان يرعى في شئون الولاة الكبار والقواد المشهورين أمرين يجيزان له عزلهم، ولو لم يقع منهم ما يوجب المؤاخذة.

أحد هذين الأمرين أن يفتتن بهم الناس فيفتتنوا هم بالناس، كما قال لخالد بعد عزله، والخوف في هذا الأمر من القائد الكفء أعظم من الخوف من قائد صغير لم يُبلِ أحسن البلاء، ولم تتساير بذكره الأنباء، فليس لهذا خطر في بقائه كخطر القائد الكبير.

وخطته هنا عامة لا يخص بها واليًا دون والٍ ولا قائدًا دون قائد.

فلما عزل زياد بن أبي سفيان عن ولاية العراق سأله زياد: لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أم خيانة؟ فقال له: لم أعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس. وقديمًا قال فيه عمر: لو كان قرشيًّا لساق العرب بعصاه. فالحيطة منه وفاق رأيه فيه.

وقد كان من خلق عمر أن يقدم الحذر ويأخذ الحيطة ويطيل الروية، ثم يجزم بالرأي السديد في غير إبطاء، ولهذا كان يكره ولاية الرجل الفخور وينهى عنها في خلافته وقبل خلافته، فأشار على أبي بكر ألا يولي خالد بن سعيد وكلمه في عزله لأنه رجل فخور يحمل أمره على المغالبة والتعصب، فعزله أبو بكر كما أشار.

فإذا اجتمع لعمر هذا السبب من أسباب السياسة العليا إلى المآخذ التي أنكرها على خالد فلا جناح عليه، ولا محل للشك والظنة في أسباب عزله.

لقد رأى زهو خالد بالنصر والغلب قبل أن يفتح الشام ويسبق بالشهرة أنداده من القواد، رأى ذلك يوم عاد من حرب أهل الردة فدخل المسجد وفي عمامته السهام، ورآه يوم استقل ببيت المال في ولايته على عهد أبي بكر وعلى عهده، ورآه في أمور كان يبتدئها ولا يستأذن فيها، ورآه مما يحس ولا يلمس ومما يقدر ولا ينتظر، «فإذا أشفق أن يفتتن بالناس كما افتتنوا به فلا جناح عليه.»

وثاني الأمرين اللذين يدخلان في تقديرات السياسة العليا ويجيزان العزل في غير جريرة ظاهرة أن يصبح القائد ضرورة لا غنى عنها لتسيير الجيوش وفتح الفتوح، وأن يُعزَى إليه النجاح فتتخاذل العزائم وتَصغُر أقدار القادة دونه، وأن تعظُم العقيدة فيه فتضعُف العقيدة بالله، ويخسر الجيوش بذلك أضعاف ما يخسره بإقصاء قائده ولو لم يكن له نظير.

فإن كان له نظير، كما تبين من اختيار عمر لقواده في كل ميدان، فلا خسارة هناك، بل هو كسب العقيدة وكسب قائد جديد، وإذا حان اليوم الذي ينتفع فيه بالقائد المعزول، فهو قمين أن ينفع ما بقيت فيه بقية من صلاح وخير.

وتعويل عمر على العقيدة أمر تعزوه إلى كل شيء فتراه فيه على صواب؛ تعزوه إلى إيمانه بالله فهو فيه مصيب، وتعزوه إلى حسن سياسته فهو فيه مصيب، وتعزوه إلى تقديره للواقع فهو فيه مصيب، فكل أولئك كان خليقًا أن يرجح كفة العقيدة عنده على كل كفة، وأن يوجب عليه استبقاءها قبل كل استبقاء، وألا يزال بالناس يذكرهم ما ذكرهم به حين كتب إلى الأمصار بعد عزله خالدًا «إنَّ الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.»

ولو أنَّ رئيسًا لخالد غير عمر بن الخطاب في إيمانه المكين، لما فاته أن يعلم أين كانت قوة المسلمين، وبم كان انتصارهم في جميع الميادين، ولا فاته أن يستبقي هذه القوة بكل وسيلة، وأن يفتديها بجميع ما في يديه؛ تلك قوة العقيدة لا مراء، إن ضاعت فلا عوض عنها، وإن بقيت فللقادة عوض كثير.

فكيف بعمر بن الخطاب الذي يؤمن بهذا إيمان تسليم كما يفكر فيه تفكير سياسة وتدبير؟ لئن نسي ذلك لهو الحقيق باللوم على نسيانه، ولئن ذكره فاقتضاه ذكره أن يعزل خالدًا بغير جريرة لما كان عليه من لوم، وهو كما رأينا لم يعزله لغير جريرة، أو لم يكن حسابه له مختلفًا عن حسابه للقادة والولاة، وقد كان أبو بكر نفسه — وهو من أبقى خالدًا — يلمح بعض الخطر من افتتان الناس به حين قال: أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد!

ويؤكد تعويل عمر على العقيدة في كل نجاح وإسناده كل فشل إلى ضعفها والترخص فيها أنَّ الجيش الذي غزا مصر أبطأ في فتحها، فالتمس عمر علة ذلك في ضعف نياتهم، وكتب إليهم يقول: «عجبت لإبطائكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإنَّ الله — تبارك وتعالى — لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم.»

فنظرته في عزل خالد هي النظرة العامة التي لا تخصيص فيها لرجل ولا لمعركة ولا لمكان، وتقديمه العقيدة على كل عدة من عدد النصر هو الخطة التي جرى عليها في مراقبة القادة ومراقبة الجيوش، وتدبير عدد النصر، وتجنيب المسلمين مآزق الخذلان. وهل أخطأ؟ هل كانت منه حماسة إيمان ولم تكن روية تفكير؟ هل يرى غير هذا الرأي ناقد عسكري من أعداء الإسلام لو بحث في الأمر ونفذ إلى حقائق الأسباب؟ كلا، بل هو صدق الرأي وصدق الإيمان معًا مقترنين، لا يشير هذا بغير ما يشير به ذاك.

ودون هذا من أسباب «السياسة العليا» يجيز لعمر ما استجازه من عزل خالد من القيادة والولاية، ولا سيما بعدما أخذ عليه ما أخذ، وبعدما علم الناس أنه لا يسامح أحدًا في أمثال هذه المآخذ فما باله يسامح خالدًا فيها؟ إنه إذن لصانع النصر الذي لا غنى عنه، وإنَّ الخطر الأكبر الذي يخشاه لقد حق على الجند وعلى الدولة، ولقد حق معه خطر آخر لا يقل عنه؛ أن يسكن الناس إلى التفرقة في الحساب، وأن يألفوا ما يعاب إذا عيب من الرءوس والأقطاب، دون الأتباع والأذناب.

ومسألة أخرى يجب ألا يغفل عنها الرجل العصري وهو ينظر في عزل خالد للأسباب التي قدمنا أو لأي سبب غيرها، وذلك أنَّ حقوق الولاية في عصرنا غير حقوق الولاية في عصر عمر على التخصيص، وهو العصر الذي بدأت فيه تجربة الولاية والعمالة في دول الإسلام.

فالولاية في عصرنا مركز يستحقه موظف الحكومة بعد مرانة طويلة ودراسة خاصة، واستعداد مقصور على طائفة من المرشحين لها لم تشركهم فيه طائفة أخرى، وكأنها صناعة العمر التي لا يحتمل عمر الإنسان تجديد صناعتين مثلها، فإذا قيل إنَّ واليًا عُزِل في عصرنا فكأننا نقول إنَّ تاجرًا صودر ماله أو زارعًا حيل بينه وبين زرع أرضه، ومصادرة من هذا القبيل حري أن تُلتَمس لها أسباب من قبيلها في الرجاحة والإقناع.

غير أنَّ الولاية في عهد عمر لم تكن كذلك بوجه من الوجوه، ولم يكن لصاحبها مثل هذا الحق الذي اصطلح عليه، وإن لم ينص عليه القانون، وإنما كانت تجربة ارتجالية يتساوى فيها جميع الصالحين من المسلمين، لا تنقطع بها صناعة العمر ولا سابقة الاستعداد والمرانة، فيصح أن يعزل الوالي لأسباب أهون من تلك الأسباب التي قدمناها في الرجاحة والإقناع، ويصح أن يكون للعزل معنى المناوبة في ندبة متساوية بين جميع المسلمين.

«لله در «ابن حنتمة»! أي رجل كان؟!»

كلمة قالها رجل يعرف الرجال، قالها عمرو بن العاص، وكأنه لم يكن يود أن يقولها لولا أنطقه بها الإعجاب الذي لا يجدي فيه كتمان.

وهي كلمة يقولها الناظر في سيرة عمر كلما وقف من أخبارها موقف الناقد الذي يبحث عن الخطأ فيلفيه حيثما بحث عنه عسيرًا جد عسير، أي رجل كان هذا الرجل؟ أي عدل كان عدله؟ أي قسطاس كان قسطاسه؟ أي حساب كان حسابه لنفسه؟ وأي سبيل للناقد إلى رجل كان يحاسب نفسه هذا الحساب؟

وربما اختلفت الأمزجة أو اختلف تركيب العقول والأبدان، فقل في ذلك ما تشاء، وقل في خلائق عمر ما تشاء، قل هي الشدة والصرامة، أو قل هي الخشونة والصلابة، أو قل هو نسيان الضعف وفرط الغيرة على الحق في عالم تستكثر فيه مصانعة الحقوق، ويستعظم فيه تكلف الصواب، قل ما بدا لك من ذلك، واذهب ما شئت أن تذهب فيه، فإنك لا تعطي المزاج حقه ولا تفرض له فرضه حتى تحار بعد ذلك في سبب انتقاد أو علة اختلاف؛ لأنه لا يزاول أمرًا إلا وهو صواب لا محل فيه لسوء الطوية من وجهة ذلك المزاج.

كنا نقرأ عن عزل خالد ما تتفق قراءته من هنا وهناك، وكنا نستمع إلى الذين يردونه إلى المنافسة والتناظر فنجيز هذا ولا نمنعه، أو نرى فيه منالًا من قدر عمر ومنقصه تغض من إعجابنا بمزاياه؛ لأنه قد يغار من خالد، ويعزله لغير جريرة، ويبقى له بعد ذلك قدره الجليل، وأثره الضخم في تاريخ الإنسان.

وفي عصرنا هذا رأينا أبطالًا خدموا أقوامهم، ثم بلغ من ضغنهم على منافسيهم أنهم قتلوهم، ولم يقنعوا بإقصائهم عن الحكم ولا بمحاسبتهم بين يدي القضاء، ثم نصب الناقدون لهم موازين النقد فأسقطوا السيئات من الحسنات، وقرنوا قتل أفراد بإحياء أمة، فبقي لأولئك الأبطال حقهم الخالد في الثناء والتعظيم، وإذا بلغ من صواب عمر أنك لا تحصي عليه خطأ غير عزله لخالد وما جرى مجراه، فما أكثر هذا صوابًا على الآدمي وإن كان من أعظم العظماء!

بدأنا نقرأ عن هذه القصة وفي خلدنا هذا الفرض الذي يحملنا على استبعادها وعندنا أنه خطأ يُذكَر إلى جانب حسنات، فلا ضير أن يكون له موضعه في جانب تلك الحسنات.

ثم نقرأ كل ما تسنى لنا أن نقرأه في هذه القصة، فلا نزال نستبعد الخطأ ونستبعده، ولا تزال كلمة ابن العاص تعود إلى لساننا وتعود، حتى نطقنا بها كما هي، وغفر الله لابن العاص.

وهكذا كنا نصنع في كل خطأ نُسِب إلى عمر وتواتر على السماع دون تمحيص واستقصاء، فلا تزال بنا الوقائع حتى يثبت بطلانه من أساسه، أو يضعف سنده ضعفًا لا يبيح الاعتماد عليه إلا لمن يتجنى ويتمحل ذرائع النقد ودعوى التخطئة والعيب.

كلا، هذا رجل لا يسهل نقده، ولا يتأتى لإنسان أن يحاسبه كما حاسب هو نفسه، ولن يقع الخلاف بين المنصف وبينه إلا على أنه اختلاف في الأمزجة وتركيب العقول والأبدان، فإذا وضع هذا موضعه من التقدير فأعسر عسير بعد ذلك أن تلومه على خطأ، وأن تحصي عليه خطأ فيه من سوء النية نصيب.

فالذي حصل والذي كان متوقعًا حصوله ينفيان الظنة عن مروءة عمر وإنصافه في قضية خالد بن الوليد، وقد حكم فيها بما وجب عنده، وانتهى كل شيء بعد ذلك في هذه القضية بانتهاء الغرض منها في مصلحة الدولة ومصلحة السياسة العليا، إذ لا موضع فيها لحزازات النفوس وصغائر المنافسة وما تجر إليه من لغو المشاكسة وفضول الكلام.

قال لخالد: لن تعتب عليَّ في شيء بعد اليوم. ثم أمسك عن الخوض في قضية إلا أن تثار في معرض عام، فيشير إليها حيث تثار على سبيل الاعتذار، ويقبل ما شاء له كرم الخليقة أن يسمع من ملام الأقربين والمشايعين وإن أغلظوا في المقال، على ما كان له من هيبة ترد الجامح وتخيف من لا يخاف.

قال من خطبته بالجابية: إني أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان. فتصدى له أبو عمرو بن حفص بن المغيرة وجابهه بكلام غليظ يقول منه: «والله ما أعذرت يا عمر، ولقد نزعت غلامًا استعمله رسول الله ، وأغمدت سيفًا سلَّه رسول الله ، ووضعت أمرًا نصبه رسول الله ، وقطعت رحمًا وحسدت بني العم …»

فما زاد عمر على أن قال وهو يعذره: «إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك.»

ولم ينسَ أن يصون للرجل اسمه ومنزلته في أمصار المسلمين، فكتب ما ألمعنا إليه آنفًا يدحض عنه سمعة العجز والخيانة، ويجعل العزل لفضيلة فيه لا لقصور منه ولا لتثريب عليه.

وعلم بموته فاشتد حزنه عليه، واسترجع٢٤ مرارًا، ونكس رأسه وهو يكثر من الترحم عليه، ثم قال: كان والله سدادًا لنحور العدو ميمون النقيبة.

ولم يهمه أن يذكر صوابه أو خطأه في عزله بمقدار ما أهمه أن يعلن فضله ويذكر حسناته فقال: «قد ثلم في الإسلام ثلمة لا تُرتَق.» وقيل له: لم يكن هذا رأيك فيه! فلم يحجم أن يعلن قائلًا: «ندمت على ما كان مني إليه»، وقال في غير المعرض وبلغه أنه لم يعقب من حطام الدنيا غير فرسه وغلامه وسلاحه: «رحم الله أبا سليمان! كان على غير ما ظنناه به.»

وقد كان عمر ينهى عن الندب والعويل، فلما مات خالد واجتمع بنات عمه يبكينه وسئل عمر أن ينهاهن قال: «دعهن يبكين على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، على مثله تبكي البواكي.»

ودخل هشام بن البختري في أناس من بني مخزوم على عمر فاستنشده شعره في خالد، وقال له وقد أطال الإصغاء إليه: «قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله، إن كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضًا لمقت الله. رحم الله أبا سليمان! ما عند الله خير له مما كان فيه.»

ومن الحق أن يقال إنَّ قضية خالد قد أرتنا مروءة خالد كما أرتنا مروءة عمر، وقد عرضت لنا هذا البطل في صفحتيه فإذا هو بطل الفؤاد في ولايته وبعد عزله، وفي شدته على عدوه وطاعته لأميره، وما على مثله من ضير أن يحق عليه العزل في ميزان عمر بن الخطاب، فذاك ميزان تعلو فيه الكفة ولا يزال صاحبها راجحًا أي رجحان.

وقد استحق المجد بيقين واستحق العزل بظن، ولولا مصلحة أعلى من مصلحة الإبقاء على رضاه، لقد كان ذلك الظن حقيقًا بالغض عنه والتجوز فيه.

وكفى بالرجلين فضلًا أن يختلفا ومن وراء اختلافهما فضل يعترف به كلاهما ويعترف به كل محب وشانئ، وكل منصف وجاحد، وما نخال أنَّ تقديرنا خالدًا وتقديرنا عمر يدعونا أن ننصب الميزان في هذه القضية من جديد، فقصارى ما نغنم من ذلك أنَّ خالدًا كان جديرًا بالبقاء في منصبه ولم يكن مستحقًّا لعزله، وليس ذلك بشيء إلى جانب ما رأيناه حين ننصب الميزان في القضية كما نصبه خليفة الإسلام، فقد أرانا عدلًا أعظم من بطولة الأبطال، فإن أخطأ البطل — على تقدير خطئه — فالعدل أعظم منه وأحرى أن يتعقبه كأنه من أضعف الضعفاء، وذلك ميزان أشرف لعمر ولخالد وللإسلام من كل ميزان.

١  الرَّجْل: جمع راجل، وقوله: «لآخذنها عليه من أقطارها» تهديد بأنه سينازله من كل ناحية وصوب.
٢  شفير كل شيء: حرفه.
٣  عناق: معزة.
٤  الطغام: جمع طغامة، وهو الوغد.
٥  أي إنك كنت أهلًا لها.
٦  يعني عمر بن الخطاب.
٧  الثلمة: الخلل، ورتق الثلمة: إصلاحها.
٨  يعني بالعمل هنا الولاية والحكم، أما العمل للإنتاج فقد سبق أن عرفنا رأي عمر فيه.
٩  القروم: جمع قرم، وهو السيد.
١٠  أي ليس لهم مثيل بين السادة الكبراء.
١١  ضليع بالتبعات: قدير عليها.
١٢  الحادمة: يقال: حدمته الشمس أو النار؛ أي اشتد حرها عليه. واحتدمت النار؛ أي اشتد حرها. ومنه: احتدمت المناقشة.
١٣  الترة: الثأر.
١٤  العسيف: الأجير.
١٥  يعني: الرسول الذي حمل رسالة النبي — عليه السلام — إليه.
١٦  ربعة: معتدل الجسم.
١٧  الورِق بكسر الراء: المال من الدراهم.
١٨  وَدَى: أعطاهم الدية، وهي المال يُعطَى لأهل القتيل بدل النفس.
١٩  الرهق: الظلم والسفه والطغيان.
٢٠  يعني: من يقوم مقامه ويكون في مثل كفايته؟
٢١  البناء بالمرأة: الزواج منها.
٢٢  العروض: الأمتعة.
٢٣  يربى: يزيد.
٢٤  استرجع: قال «إنا لله وإنا إليه راجعون.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠