الفصل الثامن

بيداءُ الذئاب

كان على بعض الدروب المفضية إلى طيبة ببيداءَ يُقال لها بيداءُ الذئاب، نُزُلٌ صغير بطبقة واحدة، يُديره رجل وامرأته، وكانا متوسطين في العمر لا يتجاوزان الخمسين، وكانا ربعتين مملئتين، وكانت السذاجة منهما بمكان لطول ما عاشا في الوحدة، ولزما البيت، وسكنا الخلاء، وكان درب الذئاب قليل الطُّرَّاق من الأفراد، فلا يسير عليه إلا الجند شراذم، أو القوافل قُددًا؛ ولهذا كان النُّزُل قليل العمل، قليل أسباب الكسب، ولم يكن صاحباه أخوَيْ دنيا فيبكيان من تغيُّض موارد الرزق، أو يشكوان من صعوبة الْمَحْيا، بل كان معنى الدنيا ونضرتها عندهما أنهما لا يعدمان القوت.

ففي ذات ليلة طرق النزل عِشاءً رجلٌ مسافر، فخرج إليه ربُّ الخان، وكان الطارق فتًى هنديًّا حسن المنظر ظريفَهُ، غاليَ اللباس نظيفه، يحكم رائيه لأول وهلة أنه ذو نعمة، ومن عائلة شريفة، فحين وقعتْ عين الرجل عليه ضحك ارتجالًا كأبسط الأطفال، ثم صاح بامرأته قائلًا: حقًّا إن السماء تُمطرنا هنودًا يا بربة؛ حيث لم تَكْفِها ممسوخة الصبح فبعثت لنا بهذا الممسوخ الآخر، وكان للفتَى يَسِيرُ إلْمَامٍ باللغة المصرية، وكأنما تعلَّم مبادئها في المدرسة، ثم زادها على المبادئ في سياحته بمصر، ففهم عبارة الرجل وتأثَّر بها بادئ بدء غير أنه لم يَلْبَث أنِ استقلَّ عقله، واتهمهُ بالبساطة.

وإذ كانت الراحة ضالَّتَه الوحيدة رَكَن إلى المداراة، فخاطب الرجل قائلًا: إنما أنا طالبُ راحةٍ أيها الرجل، فإن كان هذا البيت نُزُلًا عموميًّا، فأنزِلْني وخذ الأجرة وزيادة، وإن كان منزلًا لك خاصًّا ولأهلك فاقبلْنِي ضيفًا شريفًا يَرعَى الحرمة، ويذكر الجميل. قال: نحن أيها الفتى لا نُضيف الناس ولا يُضيفنا أحد، وإنما هذا خان مستعدٌّ لنزول أمثالك، فادخل فخذ راحتك، ثم إنه دخل ودخل الفتى على أثره، فحضرت عندئذٍ المرأة فعرضت على المسافر ما كان خاليًا من غرف الخان، فاختار واحدة منها لمبيته، ثم طلب شيئًا من الطعام، واستعجل فقُدِّم له من الحاضر المتهيِّئ وشرب ودخل بعد ذلك غرفته فنام.

فلما كان قُبَيْل الفجر استيقظ الفتى من نفسه، كما هي عادة سكان البوادي والخلوات، فلم يكد يخلص حواسه من آثار تخدير النوم، حتى سَمِعَ شِبْهَ أنين، وكان مصدره الغرفة الملاصقة لغرفة نومه، فجعل أذنه على الحائط المشترك، ثم استند إليه ينصت فإذا هو بصوت أنثى، وهي تصل البكاء والأنين، وتقول بلسان هندي مُبِين (البسيط):

ماذا تُريدُ بإبعادي وإيعادي
يا دهر ما أنت إلا جائرٌ عادِي
لم يَكفِك الرُّزْءُ في مُلْكي وفي وطني
وفي شبابي وفي صفْوي وأعيادي
فَرُحْتَ تُبعِد أحبابي وتقذف بي
مع المخاوف من وادٍ إلى وادِ
حتى مررتَ على الأيْدي يدٍ فيَدٍ
وطالَ في عالمِ الأهوالِ تَردادي
فمِن شقيٍّ إلى لصٍّ إلى نَفقٍ
إلى ظلامٍ برَوْعِي رائحٍ غادِ
إلى قِفَارٍ إلى سَهْلٍ إلى جَبَلٍ
إلى غُلامٍ من الْفُجَّارِ مُصْطادِ
أرُوح في أسْرِ سلطان الهوى وأَجِي
ولا أبي لي ولا سلطانُه فَادِي

فكان الفتى يصيخ لما يقوله الصوت، وهو يكاد يخرج من رشده ويَوَدُّ لو خَرَقَ الحائط لينظر، فلا يمنعه إلا الشك في كونه يقظان، وأن ذلك ربما كان حُلْم وَسْنان، وكان نجم الصبح قد بان، يُنير سماء الأكوان، فشَغَل الفتى عندئذٍ عما كان فيه أنه نظر إلى الفضاء، فبَدَتْ له من بُعدٍ خيام على البيداء ولم يكن رأى من ذلك شيئًا حين وفوده في المساء، فاستغرب الأمر وأحب أن يعرف من المخيم فخرج من غرفته، يبحث عن رب النُّزُل ليسأله فألفاه وامرأته في المطبخ، منكبَّيْن على لَبَنٍ يغليانه، وفطير يُهيِّئانه، فتقدَّم فحيَّاهما ولم يَنْبِسا بجواب.

فدَنَا حينئذٍ من المرأة وبيده عِقْدٌ من اللؤلؤ فأراها إياه قائلًا: هذا يا سيدتي لك إنْ عرَّفتِني مَن الفتاة التي بجانبي، ولمَنِ الخيام التي دون النزل على البيداء فاشتغلتْ لحظة بما رأتْ، عما كانت تُباشِر من العمل، فزجرها الرجل قائلًا: ما لكِ ولهذا الهندي الحقير؟ الْتَفِتِي إلى اللَّبَن والفطير، فما كل يوم يمرُّ الأمير فضربت المرأة الفَتَى بكُوعِها، ثم عادتْ لما كانتْ فيه من العمل، أما هو فلم يجد بدًّا من الانصراف فانثنى خارجًا، وقد صار عنده نصف الخبر، ولكنه ما بلغ باب المطبخ حتى أبصر الفتاة مقبلة فابتدر لقاءها قائلًا: ليس ذا وقتَ خطاب الزوجين، فقد وجدتُهما يا سيدتي مشغولَيْن بتهيئة بعض اللبن والفطير لكاهن عظيم مخيم في رجاله دون النزل. قالت: هذا ما كنتُ أريد معرفتَه، فشكرًا لك يا سيدي.

ثم انثنتْ عائدة إلى غرفتها وتركتِ الفتى بلا حراك ولا وجدان؛ إذ كان قد عَرَفَها من أول نظرة. غير أنه خاف على حيلته أن تفسد فاستجمع وتَقوَّى ودخل غرفته، وكانت مفتوحة فتركها كما هي، وجعل يتمشَّى فيها وهو تَعِب النظر حيران، بين باب الفتاة وبين باب المطبخ، حَذَرًا وخوفًا، أن تجتمع بصاحبي النزل أو أحدهما، فتعلم أن الأمير مخيِّم تحت شباكها مُقِيم، وقد صمَّم على أن يحول دول هذا الاجتماع كائنًا ما كان.

ولقد كان من سعد الفتى الهندي أن الزوجين خرجا بعد قليل يحملان بعض الأواني والقُدُور، وأغلقا خلفهما باب النُّزُل فاطمأنَّ بذلك قلبه، ورأى أن تمام الحيلة وكمال التدبير، يقتضيان الصبر والكمون، حتى يرحل الأمير. وكذلك كان؛ حيث لم تَمْضِ ساعة من الزمان، حتى زالت الخيام عن المكان، وعاد الزوجان مسرورَيْن يلعبان بالأصفر الرنان، وكانت الفتاة قد خرجتْ تتمشَّى في فناء الخان فرآها الرجل في دخوله فصاح بها، والذهب يلمع على بطن راحته: تعالَيْ أيتها الهندية، انظري في أُمرائكم مَن يَجود بمثل هذا القدر من النقود؟ فأضحكتْ بساطةُ الرجل الفتاة غصبًا، فمشت نحوه والفتى خلفها، وهي لا تراه فلما صارتْ أمامه، ورأتْ ما في يده قالت: حقًّا أيها الرجل لقد أعطاك الكاهن فأجزل. قال: لا تقولي الكاهن يا ممسوخة الهند، وقولي الأمير، فاضطربَ وِجدانُ الفتاة لذِكْر هذا اللقب، وسألتِ الرجل قائلة: وأيُّ الأُمَراء ذاك فهم كثيرون؟ قال: ربُّ منفيس الأمير «آشيم» وليُّ عهد جلالة الملك، فعند سماع ذلك لم تَزِد الفتاة على أن صرختْ قائلة: يا للسماء، لهذه الخالدة الشقاء، الأبدية الإقصاء!

ثم غَشِيَها إغماءٌ طويل فأوقعتِ الرجل وامرأته في حيرة شرِّ حيرة لا يدريان ماذا يصنعان، فلما رآهما الفتى خائفين يتعوثان دنا منهما فقال: لا تخافا يا سيديَّ ولا تقلقا، فلا أحسب هذه إلا صرعة عصبيَّة تقوم منها الفتاة بعد لحظة. قالا: وإنْ هي لم تَقُمْ أقامتْ علينا قيامة الحكومة. قال: إذن فسلِّماها إليَّ وأنا المسئول عنها. قالا: خذها ولا تَعُودا وأنتما مُسامَحَان في الأُجْرة. قال: بل هذا العِقْد من اللؤلؤ لكما، عن الفتاة وعني، فخذاه مباركًا لكما فيه، ودفع إليهما العِقْد، ثم إنه حمل الفتاة على ظهره وانطلق ذاهبًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠