الفصل الثالث

الأحرار في طيبة

كان بطرف من شارع الصناعة مخزن صغير يبيع الأسلحة، وكان يتردَّد على هذا المخزن ويُطِيل الجلوس فيه كثيرون من الفتيان، معارف التاجر الذي كان فتًى شابًّا كذلك، وكان في جملة أُلَّاف المخزن وزوَّاره العديدين «بيسمتوس» ثاني أنجال المَلِك، وشقيق «آشيم» الوحيد، غير أنه كان يَغشَاه متنكِّرًا كما هي عادة الملوك والأمراء، في كل أينٍ وآنٍ.

فبينما الأمير ذات يوم جالس في زاوية مستترة من المخزن، وحوله أربعة فتيان من معارفهِ، وهم يتذاكرون الحوادث والأحوال، دخل شاب هندي فسأل التاجر قائلًا: أرني ما عندك من صنف الخناجر وابدأْ بأصغر ما تَبِيع منها. قال: إن كان لك في الخناجر الصغيرة، فإن عندي منها ما تَستَسْهِل حَمْلَه وتأخذه لأول وهلة، ثم أتاه بخنجر في قبضته سلسلة، في طرفها سوار. وقال: هذا الخنجر ذو السلسلة، وهو آخر اختراع، بل أنت له أوَّل مبتاع. والذي يُذكر من مزايا هذا الخنجر، التي لا تُحصَر، أنهُ يُرِيح حامليه كثيرًا والمسافرين من بينهم أكثر.

قال: كفى، فقد أعجبني، وأنا مشتريه، ثم الْتفت حولَه فرأى جماعة في زاوية من المخزن، وهم شاخصون إليه، وكأنما أرابهم أمرُه، فلم يَجِدْ بُدًّا من اتِّقاء ظنونهم. فقال للتاجر: وما عندك أيضًا مما يَلِيق أن يَحمِلَه الغريب، هديَّة لأَهلهِ وإخوانه. قال: عندي السلاح قديمه وحديثه، وَجَيِّدهُ وغَثِيثه، فانظر وتخيَّر. فجعل الهندي يتأمَّل ويختار، حتى أخذ شيئًا فأعطى التاجر أضعاف القيمة، من الأحجار الكريمة، ثم حيَّاه وانطلق. فقال عندئذٍ أحد أصحاب الأمير: مَن عسى يكون هذا الهندي يا تُرَى؟ فقال التاجر: علمي كعلمك في أمره. ولكن القيمة التي بذَلَها لي تدلُّ على أنه رجل غنِيٌّ واسع الثروة. قال الأمير: لعلهُ أحد الوفد الذين قدموا اليوم برسالة خصوصية من الملك «دهنش» إلى أبي. قال الصاحب: وهل في المدينة وفد هندي الآن يا مولاي؟ قال: نعم، وأنا في عداد المدعوِّين لحفلة مقابلة الملك لهم. قال: ومتى تَجرِي هذه الحفلة يا مولاي؟ قال: اليوم قُبَيْل الغروب.

قال: وما بالُ الأمير «آشيم» لا يصل مع أن الذي نعلمه أن الأمير برح منفيس أول أمس والمسافة بينها وبين العاصمة لا تحتاج إلى أطول من هذه المدة؟ قال: إن أخي يُريد لِيَجعلَ يومَ قدومِه موافقًا ليوم صدور حُكْمِنا في قضية «رادريس». فإن كان الحكم الإدانة اغتنم الفرصة ليستوهب الملك العَفْوَ عنه، لمناسبة تشريف عذراء الهند لعاصمة البلاد، وإن كان البراءَة كان ذلك زيادة في رونق اليوم وبهائه. قال: نِعْمَ الرأي، وإنها لأريحية جدير بها مولانا الأمير «آشيم»، وهل حقيقي يا مولاي أن جلالة الملك عَهِد إلى سعادتك رئاسة المجلس الأعلى، الذي ينظر في هذه القضيَّة؟

قال: نَعَم. قال: إن «رادريس» إذن لسعيد. قال: إلى هذا الحد فلْتَقِفْ أسئلتُك يا «منحب»، فورأْس أبي لن يكون «رادريس» بين يديَّ على علوِّ مكانته إلا كبعض الناس، حتى تنطلق قوانين «رمسيس»، فإن قالت بإدانته عُوقب لا محالة، وإن فاهت ببراءته بُرِّئَ. ثم لَقِيَ من مساعداتي ومساعفاتي ما يُنسِيه ما كان من سجن وهوان. قال: وهذه أيضًا أريحية أنت بها يا مولاي خليق. ثم أمسك الصاحب عن هذا الموضوع وطرق غيرَه فقال: ماذا تمَّ يا مولاي في مشروع إنشاء المدارس الحُرَّة؟ قال: صدَّق الملك عليه في هذا الصباح، وصدرت بذلك الأوامر العالية لأولي الأمر في طيبة ومنفيس. قال: بُشِّرتَ بكل ما تحب يا مولاي. ففي هذا اليوم لا ريب تَقوَّض نفوذُ الكهنة وانتُزع منهم السلاح الرهيب، ولكن كيف خاطر الملك إلى هذا الحدِّ؟ وعلى مَن اعتمد في هذه العظيمة؟ قال: تدرَّع بأخي «آشيم» ليتَّقِي سهام الكهنة. فما زال يُهدِّدهم بالاعتزال والتنازل لولي العهد في الحال حتى أذعنوا راضين بأخفِّ الضَّرَرَيْن. قال: إذن فإن لنا أن نرجو أن سيكون لمشروع إنشاء المكتبات العمومية هذا الحظ عينُه. قال: هذا عَزْم الملك أيضًا يا «منحب»، ولكنه يُرجِئ الفصلَ فيه وفي غيره من مقترحات أخي إلى ما بعد قدوم الأمير، والفراغ من حفلات قرانه، والآن أترككم وأذهب لأرتدي ملابسي الرسمية وأستعدَّ، ثم إن الأمير ودَّع أصحابه وانطلق ذاهبًا.

وفي هذه الأثناء دخل شرطيٌّ فطلب من التاجر بيانًا عمَّا ابتاع ذاك الهندي الغريب من مخزنه، واستقصَّه جميع ما دار بينهما من الكلام، فأعاده عليه، فانصرف مكتفيًا بما علم من الخبر.

وخرج الأحرار بعد ذلك فمضى ثلاثة منهم لحالهم، وخطر للرابع أمرٌ مُهِمٌّ، يَجِب أن يَعمَله الأمير قبلَ ذهابه إلى الحفلة، فركب جوادَه وسار خَبَبًا يَؤُمَّ قصر النجْل الثاني حتى وصله، وكان الوقت الأصيل فترجَّل ودخل فجلس ينتظر فراغ الأمير من لبس ملابسه التشريفية، ولم تكن هُنَيْهة حتى أقبل النجل الثاني يختال في حُلَّة عزِّه وفخَارِه، فبَدَر الفتَى إليه وقال همسًا: لا يبعد أن يُجري الملك ذكر والدي بحضورك يا مولاي، وأن يُنكِر عليه استعفاءه من العضويَّة في مجلس الحكومة الأعلى، فأنا أشتهي على مكارمك أن تبذل المجهود لتَحمِل جلالتَه على قبول هذا الاستعفاء الذي كنتُ أنا الباعثَ عليه بلُطْف احتيالي وكثرة إلحاحي وسؤالي. قال: وهل تحققتَ بعد تمكُّن الكهنة من إرادته؟ قال: كلَّ التحقُّق يا مولاي، بل هو كأحدهم في جميع أحواله، ولولا ما تَفرِض النواميس من بِرِّهِ، ووجوب كرامته وستره، لأطلعتُك على العجيب الغريب من أمره، ولكني أسألك يا مولاي أن تَكتَفِيَ بهذا. قال: إذن فثِقْ أنَّ استقالتَه مقبولة، وأننا غَنِمْنَا كرسيًّا جديدًا في مجلس الحكومة الأعلى، فَقبَّل الفتى يدَه وانصرف، وركب الأمير على الفور فسار إلى دعوة أبيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠