تقدمة

من العادات المألوفة بين كتاب الإفرنج أن يهدي الكاتب كتابه إلى صديق صدوق، أو نسيب مفضل، أو وجيه محسن إلى الهيئة الاجتماعية، وهديته على كل حال تكون عبارة عن حب مجرد ليس وراءها غاية شخصية دنيئة، بل تكون إقرارًا بجميل المحسن؛ إقرارًا لا إكراه فيه ولا مأربة.

وقد اقتفى الكاتب العربي العصري أثر الكاتب الإفرنجي، فصارت المؤلفات والكتب العربية الحديثة تقدم بهيئات مختلفة تتم بها كل شروط التقدمة الإفرنجية ما عدا شرطًا واحدًا، وا أسفاه إن الغاية الحميدة والمحبة المجردة لم تطيبا بعرفهما الذكي تقدماتنا المملوءة بالتزلف والتبجيل والمداهنة؛ سيئات لا يولدها إلا صغر النفس والجبانة.

الكاتب الإفرنجي يهدي كتابه ليشكر من هو بالشكر أولى، والكاتب العربي — ونقول ذلك آسفين — يهدي ليتزلف إلى هذا، ويستجدي ذاك، ومنهم من يقبض أجرته سلفًا، ومنهم من يقبضها بعد أن يطبع مديحه الكاذب، ويعسر علينا أن نجد لنفسنا مكانًا في إحدى هاتين الطبقتين؛ إذ إنه في الزمان الحاضر، وفي البلاد التي نحن فيها (أميركا) لا يقدر الكاتب السوري أن يقدم كتابه إلى أحد دون أن تولد تقدمته هذه في نفس المقدمة له ظنًّا سيئًا في المؤلف، فكل من قُدِّم له كتاب من وجهاء السوريين يظن أن الفرض الرئيسي الذي تفرضه عليه آداب الهيئة الاجتماعية، وقوانين الكرم هو أن يحسن على الكاتب المسكين بصلة ما أو بقيمة من المال. وليس كل كاتب حليف الفاقة، ولا كل من أهدى كتابه مستجديًا.

بين سوريي أميركا لا يوجد على علمنا محسن عمومي لتزين هذه الصفحات باسمه، ونوشيها بذكر مآثره.

نعم عندنا عدد وافر من الوجهاء والأدباء والصحافيين، والكتاب والخوارنة، والتجار والأطباء، غير أنه ليس فيهم بحكمنا من هو أعظم أم أحقر من الثاني، فكلهم أفاضل أريحيون، وأدباء متفننون، وتجار مستقيمون، وصحافيون ماهرون، كلهم متساوون بالمجد والعظمة والكرامة.

ولهذا السبب نقدم هذه القصة إلى من يريد أن يقرأها منهم.

ولا تظن أيها القارئ أن التقدمة الصغيرة هذه هي مجانية، كلا فالذي يتمم الشروط الآتية يقدر أن يقول: إن القصة قدمت له، والذي لا يتممها ويظنها مقدمة له يكون قد سرق من المؤلف ما يجب أن يرد إليه، أما الشروط فهي:
  • أولًا: يجب أن تقرأ بتمعن وتبصر.
  • ثانيًا: يجب أن تقرأ لا لكي تصدق أو تكذب، ولا لكي تثني أو تنتقد، اقرأ لتقيس وتقابل وتفتكر وتحكم.
  • ثالثًا: يجب أن تطرد من فكرك كل تعصب ديني غير ناظر إلى شخصية الكاتب، علاقتك هي مع القصة وليست مع مؤلفها.
  • رابعًا: لا تكتفِ بفحص الثوب من الخارج، اقلبه وانظر إلى البطانة؛ فقد جعلنا لجسم هذه القصة الإنساني غشاء حيوانيًّا يتضمن من الدقة المقصودة، وجراثيم الإصلاح المطلوبة ما يصعب على القارئ تمييزه دون عدسية مكبرة، فعليك إذن أن تحمل آلات التشريح، والعدسية المكبرة وتتبعني.
  • خامسًا: يختلف التشريح عن التقطيع، وليس بري الأقلام كقطع الأشجار، فكن مدققًا في العمل محققًا في التمييز والمقابلة؛ فتعدل إذ ذاك بحكمك.
  • سادسًا: إذا لم توافق القصة ذوقك السليم، أو لم تطابق عقيدتك المحبوبة، أو لم ترق لك لهجتها ومغزاها، فادفعها إلى جارك ولا تحرقها؛ فلربما كان الطعام سامًّا لمعدة ما، ومغذيًا لأخرى.

هذه هي الشروط التي يجب أن يتممها كل مطالع قبل أن يعتبر القصة تقدمة له، وإذا أخل بواحد أو أكثر منها يكون قد سرق منا ما يجب أن يُرد إلينا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠