الفصل الخامس

المحاكمة

وفي النهار الثاني عاد الحصان إلى قضية الثعلب الكافر، وطلب من إخوانه الأفاضل محاكمته رسميًّا أمام هيئة مؤلفة من أعضاء ينتخبون بالقرعة، فجاء عند ذلك الجحش، وكتب إلى البغال والحمير، داعيًا إياهم إلى جلسة أخرى للمخابرة بشأن الملحد الذي أقلق راحتهم في المساء السابق، وبعد برهة حضر عدد غفير من البغال والحمير والخيل، وقرروا أن يحاكم الملحد في ديوان التفتيش، وانتخبوا البغل والحصان والحمار الذين تكلموا بشأن الصلح في ذلك المساء؛ لكي يترأسوا الجلسة، ويستنطقوا الثعلب، فجلس هؤلاء بصفة قضاة مدنيين ودينيين، وجاء الخفر بالثعلب وهو مكبل بسلاسل الحديد، فوقف هذا أمامهم، منحني الرأس على وجهه أمارات الحشمة والتخشع، وبعد أن سئل عن اسمه ومركزه ومهنته أخذ القضاة الثلاثة يستنطقونه هكذا:

الحصان : هل أنت من تبعة الأسد؟
الثعلب : نعم، أنا بنعمة الله من تبعته.
الحصان : ولكن أنت تنكر ألوهيته؟
الثعلب : وهل طلب مني أن أقر له أو لغيره بها؟
الحصان : ألم يقل «أنا ابن الله» له المجد؟
الثعلب : نعم، وكلنا أبناء الله عز وجل.
الحصان : هل تضع نفسك في مقام سيدنا الأسد؟
الثعلب : كلا، ولكنني أظن أنني أشترك مع السيد في أمور جوهرية عديدة.
الحصان : وما هي؟
الثعلب : إن الراسخين في علم الحيوان يقولون لنا: إننا كلنا من سليلة واحدة تفرعت وتشعبت بالتدريج، وهي خاضعة بذلك لظروف تحكم عليها، وأسباب طبيعية دائمة، وإننا كلنا ناشئون من البيضة التي فيها مبدأ الحياة، ودلائل هذا النشوء تظهر في أجسامنا متى قابلناها مع بقية الحيوانات التي هي أصغر أو أكبر منا، وكلنا نشترك في الروح التي تحركنا إلى الشر أو الخير، وفي مجرى دموي يحيي أعضاءنا، فيبقى هذا الهيكل في حالة الكيان إلى أجل محدود، كلنا نشترك بكمية من العقل نستخدمها لإبراز الأحكام في القضايا التي تمر علينا، وتختص فينا وفي حياتنا هذه والحياة الأخرى، غير أن هذا العقل يختلف في كميته، فالذي ينقصه الله من دماغ واحد منا يزيده في دماغ الآخر، وأنا لا أفرق عن الأسد إلا بكوني أضعف منه عقلًا، ونفسًا، وجسمًا، فنحن مختلفان بالكمية وليس بالكيفية، أما في عين الخالق، فأنا وإياه متساويان ننال ثوابنا وعقابنا بعد أن نحاكم وتوزن أعمالنا في ميزان العدل.
الحمار : ألا يناقض قولك هذا سفر التكوين، وألا تنكر ما فيه بزعمك أننا مرتقون من البيضة التي فيها مبدأ الحياة؟
البغل : أو بالحري ألا تعتقد بسفر التكوين؟
الثعلب : لو حذفتم «السفر» وأبقيتم «التكوين» لكنتم أصبتم كبد اعتقادي، فأنا أؤكد أن لهذا الكيان العظيم مكونًا أعظم، ولكن لا أستطيع أن أهضم كل ما جاء في السفر الموقر عن كيفية هذا التكوين. يقول لي كاتب هذا السفر الذي شاء أن يظل اسمه مستورًا: إن الله خلقنا دفعة واحدة، والراسخون في علم الحيوان يعلموننا حقيقة واضحة مدعومة بالحجة الدامغة، وهي أننا ترقينا من البيضة كما ترقى الإنسان من القرد، ولا ينفي هذا الترقي كون الله — عز وجل — قد دبره، وراقب نظامه الثابت، وكان له فيه معرفة سابقة شأنه في كافة الأشياء، هذا ما يقوله لنا الراسخون في علمي الحيوان والجيولوجيا، أما أنا فلا أعلم، ولا أريد أن أعلم من أين أتينا، فالترقي والنشوء والتجسد والتقمص والتناسخ والخلود ليست كما يزعمون اعتقادات، بل هي كلمات يهم جمعها مؤلفي القواميس فقط، وظهورنا في العالم ليس على ما أظن اختياريًّا، فقد أرسلنا إلى هذه الكرة الأرضية لنقوم بفرض مخصوص خفي دون أن نشاور أو نستأذن، ولو خيرنا قبل مجيئنا لرفض أكثرنا مع الممنونية والشكر أن يأتوا إلى هذا الوادي؛ وادي الدموع.
الحصان : إذن أنت لا تؤمن بكتابنا كتاب الله؟
الثعلب : لا أستطيع أن أخفي عن حضراتكم أن هذا الكتاب يحتوي على أقوال كثيرة حسنة، وأقوال كثيرة …
الحصان : لا تحاول ولا تراوغ، بل جاوب على سؤالنا سلبًا أم إيجابًا، هل تؤمن بكتاب الله نعم أم لا؟ جاوب!
الثعلب : قلت لحضراتكم إني أجد في هذا الكتاب …
الحصان : كفاك محاولة جاوب على سؤالنا سلبًا أم إيجابًا.
البغل : قل لنا كلمة واحدة ما هو رأيك في هذا الكتاب؟
الحمار : جاوب ولا تخف، فأنت لا تزال تحت حماية جمعيتنا المقدسة، وفي حضنها إن شاء الله.
الثعلب : يا أسيادي الأجلاء، ويا حضرات الأفاضل العلماء، أنتم تعرفون حق المعرفة أن سؤالكم هذا لا يجاوب عليه بكلمة واحدة، وإن أنا فعلت ذلك أكون كاذبًا عليكم، وعلى ذاتي وعلى الله، إن قلت: أعتقد بالكتاب أكون قد عممت وكذبت، وإن قلت: لا أعتقد به فأعمم وأكذب أيضًا، فأرجوكم إذن …
الحصان : لا ترج منا شيئًا، واحذر من أن تثير كامن غضبنا، فإن كنت تكره العذاب، وتخاف الألم جاوب على سؤالنا سلبًا أم إيجابًا، جاوب.
الثعلب : لا أجاوب بكلمة واحدة.
الحصان : ضعه إذن أيها الجحش على آلة التعذيب.

(فقام إذ ذاك الجحش ومعه معاونان، فقبضوا على الثعلب وعروه من ثيابه، ومددوه على آلة التعذيب، وكبلوا رجليه ويديه بسلاسل الحديد، ووضعوا في أصابعه قموعًا فيها إبر حادة، وأداروا الدولاب دورة واحدة، فضغطت الإبر على جسمه، فصرخ متأوهًا ومستغيثًا.)

الحصان : أتجاوب على سؤالنا الآن.
الثعلب : أواه يا أسيادي أشفقوا عليَّ، ارفعوا عني هذه الإبر.
البغل : جاوب نعم أو لا نعفك من العذاب «الغير اعتيادي».

(فتحرك الثعلب وتأوه، ثم رفع رأسه قليلًا، ورشق القضاة بنظرة مرعبة، وقال: لا أجاوب.)

الحصان : إذن أذقه طعم العذاب الغير اعتيادي.

(فحنَّ قلب الجحش على الثعلب، وتردد قليلًا عن إجراء العذاب الغير اعتيادي، فنظر إليه القضاة الثلاثة، وأمروه بصوت واحد: «أجر العذاب الغير اعتيادي»، فامتثل الجحش لأمرهم، وأخذ بيده المرتجفة قبضة الدولاب، وأداره دورات متوالية، فصرخ الثعلب صرخات مرعبة، وحاول أن يقطع السلاسل التي تقيده، ولكن أين يدا الثعلب الضعيف من الحديد أمان أمان يا أسيادي بالله عليكم ارحموني، أواه ثم أواه أشفقوا عليَّ، ارفعوا عني هذه الإبر، فأجاوب على سؤالكم، نعم أجاوب، والله أجاوب بكلمة واحدة.)

بل يجب أن تجاوب قبل أن نرفعها عنك، هل تؤمن بكتاب الله؟
الثعلب : كلا.
الحصان : كفاه عذابًا ارفع عنه الإبر، وعد به إلى مكانه، اكتب أيها الكاتب: أقر الثعلب أولًا بعد أن ذاق العذاب الاعتيادي والغير اعتيادي بأنه لا يؤمن بكتاب الله، فدون ذلك الكاتب، وعادت السؤالات والجوابات إلى مجراها.
البغل : قلت: إن هذا الكيان مكون، فهل تعتقد بإله؟
الثعلب : نعم إن اعتقادي بالله أثبت من الفرقدين.
الحمار : ولكن ألم تقل هازئًا: إن الله — عز وجل — ذو ثلاثة رءوس.
الثعلب : نعم، وقلت: إنه ذو ثلاث فضائل أيضًا تناسب رءوسه الثلاثة.
الحمار : ما هي هذه الفصائل؟ وما هي المناسبة التي تعنيها؟
الثعلب : إن الله — عز وجل — عالم الحاضر والماضي والمستقبل، وهذه أول فضيلة، والثانية: هي أنه موجود في كل مكان، والثالثة: هي أنه غير متناه في القوة، أما الفضيلة الأولى فمختصة بالرأس الذي يدعى الأب، والثانية مختصة بالرأس الذي يدعى الابن، والثالثة مختصة بالرأس الذي يدعى الروح القدس، وهذه الفضائل مستقلة ومتصلة ببعضها كما تستقل الرءوس الثلاثة، وتتصل بعنق واحد.
الحمار : إن الرءوس التي تذكرها هازئًا ساخرًا، هي ما ندعوه أقانيم لطبيعة الله — عز وجل — والأقنوم هو هو نفس الإبستيزي، والقيام بالنفس والذات، وقد قال بوليسيوس في كتاب الطبيعتين: «إن اليونان قد سموا الجوهر المفرد ذا الطبيعة الناطقة باسم الإبستيزي»، وهذا هو المراد عندنا أيضًا باسم الأقنوم، وكما نقول: إن في الله ثلاثة أقانيم، كذلك نقول: إن فيه ثلاثة قيامات بالنفس، وما ذلك إلا لأن الأقنوم والقيام بالنفس يدلان على شيء واحد بعينه.
الثعلب : لا يستطيع أحد أن يقوم ثلاث قيامات قبل أن يموت ثلاث ميتات، فهل تريد أن تصرح بمجيء الأسد ثانية وثالثة إلى الأرض، فيموت ثلاث ميتات، ويقوم ثلاث قيامات.
الحمار : إن ما نعلمك إياه مقدس فلا تسخر به.
الثعلب : لم تعلموني إلا الخرافات والخزعبلات والأوهام أيها السادة الكرام، فلو كان للرب — عز وعلا — ثلاثة أقانيم لكان النزاع بينهما سائدًا أبدًا، ولما تمكن من تكوين هذا العالم العجيب، هل لمملكة على الأرض ثلاثة ملوك أم لجمعية ثلاثة رؤساء؟
الحصان : أقصر عن السؤالات، فأنت هنا لتجاوب وليس لكي تسأل.
الحمار : يظهر لي من كلامك أنك لا تدرك حقًّا طبيعة الله، أو أنك لا تريد أن تدركها.
الثعلب : إني أعترف لكم بعجزي عن إدراك طبيعته كما تصفونها لنا بكتبكم المقدسة، وبلاهوتكم العويص المبهم.
الحمار : وهل تعتقد بما لا تدركه.
الثعلب : إني دائمًا أبني اعتقادي على البحث والتنقيب، والإدراك الحقيقي.
الحمار : إذن أنت لا تعتقد بإله؟
الثعلب : إني لا أعتقد بالإله الإنساني الذي تصفونه لنا بأوصاف وهمية مبهمة، لا نستطيع أن ندرك مغزاها، إني لا أخشى تهديداتكم البربرية، ووعيدكم الجهنمي، يعلمنا لاهوتكم أن العالم هذا ما هو إلا محطة يحط بها هنيهة أكثر الجنس البشري والحيواني في طريقهم إلى جهنم الأبدية، فإذا كان الخاطئ المرعوب يطلب تعزية وسلوى، فليأخذ مواعظكم التهديدية ويقرأها، أما أنا فبغنى عن كل هذا، فاعتقادي لا يرعبني، ولا يعذبني، إني أعتقد بإله واحد ذي رأس واحد لا شريك له، خالق السماوات والأرض وضابط الكل، أعتقد بإله عادل رحوم شفوق، حنون حليم، قدير عظيم كريم، أعتقد بإله لا يحابي، ولا ينتقم، ولا يغضب، هو الإله العادل القدير الذي يسكب على البلاد خيراته الغزيرة دون أن يسأل من هو نبيها، وتشرق شمسه على كل الشعوب، وكل الحيوانات دون التفات إلى أجناسها ومذاهبها، هو الإله الذي يبارك الحصاد إذا زرع بالكد والاجتهاد، هو الإله الذي ينفخ روح النجاح في جسم الأمم التي يسود فيها النظام، ويتعزز العمل الصالح، هو الإله الذي يرفع إلى ذروة المجد الدولة التي تكبح القوي، وتحمي الضعيف، هو الإله الذي يجازي كل فرد على أعماله، ولا فرق عنده بين أولاده المشتتين على وجه البسيطة، هو الإله الذي لا يحرق بالنار الأبدية الأطفال الذين يموتون قبل الاغتسال بالماء المقدس، هو الإله الذي لا يعطي الطائر جناحين، ثم يهلكه إذا طار مغردًا، هو الإله الذي لا يعذب خائفيه، هو الإله …
الحمار : كفى … إن إلهك لا ينفع؛ لأنه وهمي.
البغل : إنه إله شيطاني لأنه ذو أقنوم واحد.
الثعلب : إنه إله حقيقي سرمدي أزلي، أشعر بوجوده، وأراه بعيني.
الحمار : لا يمكن رؤية ذات الله بعين جسمانية على ما تعلمناه في الكتب.
الثعلب : جاء في كتابكم المقدس ما يناقض قولكم: «في جسدي أعاين إلهي»، وجاء أيضًا: «كنت قد سمعتك سمع الأذن، أما الآن فبعيني قد رأيتك».
الحمار : يستحيل رؤية الله بحاسة البصر، أو غيرها من الحواس، أو بقوة خارجة حسية أية كانت؛ لأن كل قوة كذلك هي فعل آلة جسمانية، والفعل يكون معادلًا لما هو فعله، فإذا لا يمكن لمثل هذه القوة أن تتعدى الجسمانيات، والله ليس بجسم كما مر، فإذًا لا تجوز عليه الرؤية لا بالحس ولا بالوهم، بل بالعقل فقط.
الثعلب : صدقني أيها القاضي العالم إني لم أفهم قط معناك العميق، وإذا أعفيتني من لاهوتك العويص، ومنطقك السامي البليغ أسحب كلامي، وأقول: إني أرى الله بالعقل وليس بالعين الجسمانية.
الحمار : احفظ هزءك إلى يوم القيامة، فسخريتك لا تجديك نفعًا في هذا الديوان، إن إلهك هو غير موجود، فكيف تقدر أن ترى الغير الموجود، أو تتصوره، فاعتقادك إذن فاسد من الأصل، وليس من وظيفتنا أن نبين لك مواطن الفساد، نعم إن اعتقادك هذا مضر بالشريعة، ومخالف للناموس، فهل تريد أن تغيره؟
الثعلب : لا أظن أن ديوانكم هذا محل للتنقيح والتغيير.
الحمار : إذن أنت لا تعتقد بإله؟
الثعلب : ليس بالإله الذي تصفونه في كتبكم.
الحصان : هل تعتقد بإله؟ فليكن جوابك كلمة واحدة سلبية أم إيجابية، سمحنا لك بأن تتكلم مليًّا، فجاوب الآن باختصار، اجزم.
الثعلب : خذوني بحلمكم أيها القضاة الكرام، وأعفوني من الجواب بكلمة واحدة.
الحصان : لا تأذن بذلك قوانين هذا الديوان، فجاوب وإلا توضع على آلة التعذيب ثانية.
الثعلب : هل تسمح لكم ضمائركم بتعذيبي؟ هل تحللون الخيانة، وتجيزون الكذب؟ هل تريدون أن أخون ضميري وربي، وأكذب عليكم وعلى نفسي؟ أتطلبون مني أن أخاتل وأجامل، وأداهن وأراوغ؟ هل …
البغل : كفى كفى، أقلع عن الثرثرة والهذر، جاوب على السؤال، وإلا ألقيانك على آلة التعذيب.
الثعلب : لا أجاوب بكلمة واحدة على سؤالاتكم، إلا إذا أكرهت، فهل أنتم فاعلون هل تسمح لكم قلوبكم بتعذيب أحد إخوانك في الحيوانية؟
الحصان : ألقه على الآلة.

(فقبض عليه الجحش، ومعاونوه ثانية، ووضعوه على الآلة المرعبة، وربطوا رجليه ويديه، ووضعوا القموع المشكوكة بالإبر في أصابعه، وأدار الجحش الدولاب دورة واحدة، فصرخ الثعلب وتأوه قائلًا: أما الآن فأجاوب، إني لا أعتقد بإلهكم، إني أبغض يهواكم، إني أحتقر ربكم البشري.)

الحصان : ليس سؤالنا عما إذا كنت تعتقد بإلهنا، بل هل تعتقد بإله جاوب.

(فرفع الثعلب إذ ذاك رأسه، والتفت إلى القضاة متمرمرًا متحسرًا، وقال: إني أعتقد بالإله الذي وصفته لكم وأعبده.)

الحمار : كن حكيمًا ولا تعاند فأنت الآن تحت العذاب المر، ولم تذق منه بعد إلا الاعتيادي البسيط، فإن تشبثت بأوهامك كنت لا محالة نادمًا خاسرًا، فجاوب إذن على سؤالنا بكلمة واحدة فقط، هل تعتقد بإله؟
الثعلب : أعتقد ولا أعتقد.
الحصان (وقد استشاط غضبًا) : يا لها من قحة وجسارة، هات السوط يا جلاد، وأنت أيها الجحش أذقه من العذاب الغير اعتيادي أمره أدر الدولاب خمس دورات متوالية، واجلده أيها الجلاد عشر جلدات.

(فأخذ إذا ذاك المأمورون في تنفيذ أوامر المجلس والثعلب يئن تحت السوط، ويتأوه من وخزات الإبر، ويصرخ صرخات ارتجت منها أركان الإسطبل أواه يا أسيادي، إلهي، آه، إلهي لماذا تركتني، أمان يا كرام، أشفقوا، ارحموا، أنا مطيع لكم، أنا عبدكم، ارحموني وكان قد وقع عليه الجلاد بآخر ضربة أخ الله آمان.)

الحمار : هل تعتقد بإله جاوب على سؤالنا تنج من العذاب.
الثعلب : ألم تسمعوا كيف أتضرع إليه.
البغل : ليس هذا بجواب رسمي، قل لنا نعم أم لا، فلا نريد منك أكثر من ذلك.
الثعلب : لا! لا! لا! (وتمتم متحسرًا) اغفر لي يا إلهي، وخلصني من هؤلاء الظالمين.
الحصان : انزعوا السلاسل، وعودوا به إلى مكانه، واكتب أيها الكاتب ما يلي: الاعتراف الثاني الذي لم يعترف به المتهم إلا بعد عذاب اعتيادي وغير اعتيادي، وعشر جلدات هو أنه لا يعتقد بإله، فدون ذلك الكاتب، وعاد المجلس يفحص الثعلب ويستنطقه، فما كان يخلص من آلة العذاب الجسدية إلا ليقع في آلة التعذيب العقلية.
الحمار : قلت: إن إلهك لم يتجسد، وإن الأسد له المجد ليس بإله، فهل تأملت هذا الكلام قبل أن جاهرت به؟ هل تعرف أن للأسد مشيئتين: الواحدة إلهية، والثانية إنسانية، وأن الأسد له المجد متساو مع الأب، والأب متساو مع الروح القدس، وهذا متساو مع الاثنين؟
الثعلب : قد تعلمت كل ذلك، ولكن لا أريد أن أعلمه لأحد؛ لأنني لم أتعود تعليم ما لا أفهم، تقولون وأقول معكم: الله قادر على كل شيء، أتنكرون هذا؟ ثم تقولون: إنه تجسد ونزل إلى العالم، وظهر بجسم الأسد، وخرق شرائع البلاد التي عاش فيها فمات على الصليب، ثم تقولون: إنه تجسد ليفدي البشر، ويمحو الخطيئة عن الأرض، فهل محاها؟ هل العالم أحسن اليوم مما كان في أيام ذلك الأسد العظيم؟ فالإله القادر على كل شيء تجسد بزعمكم لغاية شريفة، والعالم بأسره يقول لنا في تاريخه وأعماله أنه لم يتممها، ألا يوجد مناقضة في هذا الجدل الذي تحبكونه بلاهوتكم البالي، وفلسفتكم الواهنة، إن الله قادر على كل شيء، ولو تجسد وجاء إلى العالم ليمحو الخطيئة لكان محاها تمامًا، ولكن الخطيئة لا تزال سائدة، إذن الله — عز وجل — لم يتجسد، قد عديتموني بمرض المنطق، فصرت أخاطبكم بلسانكم، فإن أنا أنكرت التجسد إنما ذلك ليكون احترامي للأسد عظيمًا؛ لأنه إن كان الأسد إلهًا فما هو فضله علينا، إذن إني أحترم الأسد احترامًا فائقًا؛ لأنه بمذهبي أكبر فيلسوف وطأ الأرض، وأعظم معلم ظهر تحت الشمس، أنتم تعتبرونه إلهًا وتدوسون شرائعه، وأنا أعتبره فيلسوفًا، وأحافظ ما استطعت على أقواله، وأعمل بموجبها، أنتم تكتفون بالسفسطة واللاهوت البالي، وأنا أقرن اعتقادي الحسن بما أستطيع من الأعمال الحسنة، أنتم تعبدونه ظاهرًا ما زال اسمه يوليكم على الحيوانات، ويجلب لكم الخيرات، وأنا أحبه وأحترمه مجانًا دون أن أبتغي منه شيئًا من الماديات.
الحمار : بين لنا أولًا الأقوال التي لا نعمل بموجبها، ثم بين لنا الأقوال التي أنت تعمل بها.
الثعلب : قال الأسد: «قاوموا الشر بالخير»، فإن كان ما أقوله الآن باعتقادكم شرًّا، لم لا تقاوموه بالأمثال الصالحة كما يأمركم السيد، وإذا كان خيرًا لماذا لا تعاملونني على الأقل بالمثل، هل قال لكم السيد عذبوا من خالفوكم بالمذهب، واضطهدوهم واقتلوهم؟ ألم يقل لكم حبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم؟

(فاستولى على المجلس السكوت برهة، ثم أفاق الحصان من غفلته التي رماه بها الثعلب بقوة برهانه وقال):

الحصان : أنت مذنب ووقفت أمامنا لتحاكم فدع الإرشاد، وكن محتشمًا، وخفض ما عندك من القحة والفضول، هل تعتقد بألوهية الأسد؟ جاوب حالًا.
الحمار : دعه يبين لنا الأقوال التي يعمل بموجبها، وليكن له ملء الحرية في أن يقول ما يشاء، (وتكلم مع الحصان بصوت منخفض قائلًا): دعه يتكلم لأن آخر أمره على كل الأحوال الإعدام في النار.
الثعلب : لا أعرف من منكما أطيع.
الحصان : جاوب على سؤال الحمار.
الثعلب : أنا أعمل بقول الأسد، وأصلي في مخدعي، فلا حاجة لي بالكوخ المقدس الذي لم يأمر السيد بتشييده، أليس هو القائل: «ومتى صليت فلا تكن كالمرائين، فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع، وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس، وأما أنت فمتى صليت فادخل مخدعك، وأغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء». فمن هذا يستدل على أن السيد كان يكره الجوامع والهياكل والأكواخ المقدسة، ومن كان ينتابها لغايات رديئة، ولم يأمر قط بتشييد الأكواخ؛ لأنه قال: «صلوا في مخادعكم»، فلو أراد بناية كوخ لما حذرنا من الصلاة في المحلات العمومية، ومن ثم أنا لا أقر لكم بسلطة قط، وأنكر كل النكران زعمكم أن الله — عز وجل — سلطكم علينا، فما جاء في كتاب السيد في هذا الموضوع يناقض ادعاءكم كل المناقضة، أليس هو القائل: «أما أنتم فلا تدعوا سيدي؛ لأن معلمكم واحد هو الأسد، وأنتم جميعًا إخوة، ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض؛ لأن أباكم واحد الذي في السماوات، ولا تدعوا معلمين؛ لأن معلمكم واحد وهو الأسد»، فهل تظنون أنني أطيعكم، وأعصي السيد؟ هل تنتظرون مني نبذ أقواله، واتباع أقوالكم؟ من هو أعظم؟ أأنتم أم الأسد الفيلسوف الصالح؟ ومن هو أحق بأن يتبع المالك الحقيقي أم المختلس الملك؟ وما لنا ولهذا الآن أتريدون أن تفيدوني كيف يكون الابن متساويًا مع الأب؟ فهل خلق الاثنان في يوم واحد؟ وكيف يمكن ذلك؟
الحصان : قلت لك أولًا، وثانيًا أن تقلع عن السؤالات، فأنت في المجلس لتجاوب، وليس لتستنطق، فكن محتشمًا وقليل الكلام؛ إذ إن فصاحتك لا تجديك نفعًا في هذا الديوان، جاوب على سؤالنا: هل تعتقد بألوهية الأسد؟
الثعلب : لا، ولا بنبوة الجمل؛ فالاثنان عندي قائدان عظيمان يستحقان الإكرام والاحترام، ولو اعتبرتهما كإلهين لا أستطيع أن أكرمهما أكثر من إكرامي لهما كقائدين وفيلسوفين؛ إذًا الاعتقاد بألوهية الأسد غير ضروري لمن يعمل بأقواله، ويسلك مسلكه، ويقتدي بأعماله.
الحمار : إذن أنت تريد أن تقول: إن الأسد هو حيوان مثلنا؟
الثعلب : إلا أنه يفوقنا بدرجات في مواهبه ومزاياه، وفي قواه العقلية والنفسانية.
الحمار : إن هذا مقبول في العرضيات، مردود في الجوهريات، وغاية ما نريد أن تقول لنا عما إذا كان الأسد حيوانًا أم إلهًا؟ إن لهذا المجلس قوانين يجب المحافظة عليها.
الثعلب : هو حيوان.
الحصان : حسن، اكتب أيها الكاتب ما يلي: الاعتراف الثالث الذي اعترف به المتهم دون عذاب قط هو أنه لا يعتقد بألوهية الأسد له المجد، فدون الكاتب ذلك، وعادت السؤالات والجوابات إلى برازها الدموي.
قلت: إن عبادة الصورة من عبادة الأصنام؟
الثعلب : نعم. وقلت أيضًا: إن عبادة الأصنام أدت بنا إلى عبادة الإله الواحد الأزلي.
الحمار : إذن ليست تخلو عبادة الأصنام من فائدة؟
الثعلب : كلا، فهي التي علمتنا العبادة من البدء.
الحمار : إذا كان لعبادة الأصنام فائدة فيجب أن تكون لعبادة الصور أيضًا؛ لأنك أنت القائل: إن الثانية نشأت عن الأولى، ما قولك الآن؟
figure
«فدون الكاتب ذلك وعادت السؤالات إلى برازها الدموي».
الثعلب : أيبقى للوردة شذاء حين تبلى وتذبل؟ أتعطي الشجرة أثمارًا بعد أن تقطع من أصلها؟ فما الفائدة من الشريعة متى صارت الحيوانات تدوسها تحت الأقدام، وتسخر بواضعيها؟ وما الفائدة من العنب بعد أن تستخرج منه الخمرة؟ كانت لعبادة الأصنام أيام زاهرة وأجيال باهرة، أما التمدن الحديث فيناقض كل تلك المظاهرات الوثنية التي نجد الآن مثلها في جمعيتكم، إن عبادة الأصنام هي سلم صعدنا عليه إلى كمال العبادة الإلهية، ومتى وصلنا إلى ذروة ذلك الكمال فلا يعود لذاك السلم من منفعة.
الحمار : ألا ترى إذن للصورة منفعة؟ وهل تعدها ضربًا من الخرافة؟ ألا يوجد في مكتبتك تماثيل أناس تعجب بهم وتعظمهم؟ ألا تزين غرفتك بصور جميلة تناسب ذوقك وتوافق أميالك؟ فإذا كانت صور الصالحين ضربًا من الخرافة، لماذا لا يكون هذا القياس مطابقًا على الصور العديدة المختلفة التي يغرم بها من مثلك، ويلتذ برؤيتها؟
الثعلب : إن للصور والتماثيل فوائد جمة إذا وضعت للزينة فقط، غير أن عبادة قطعة من جفصين، أم قطعة ورق تحت لوح من زجاج لا تزيل من قلبي شيئًا من اليأس، ولا تخفف عني وطأة الشقاء والكآبة، فإن أنا زينت مكتبي بتماثيل رجال عظماء ونساء صالحات، وعلقت على جدران غرفتي صورًا بديعة للمعلمين الكبار؛ فذلك لأنني أعشق فني النقش والتصوير، وألتذ بتأمل ما فيها من دقة الصنعة، ناهيك عن أن تمثال رجل عظيم يذكرني أبدًا بحياته وجهاده، ويشجعني في عملي، ويثبتني في الجهاد فأقتدي بحسناته، وأذكرها ما حييت، وإذا شرفتم مكتبتي فأول ما يقع نظركم على صورة الأسد الكبير الفيلسوف الصالح الذي أردد تاريخه في ذاكرتي كل يوم، وأتأمل في جهاده ودعوته.
الحمار : وهذا ما نريده من وضع صور الصالحين وتماثيلهم في أكواخنا، وقاعات جمعياتنا؛ لأننا نفتخر بأعمالهم، وندرس سيرهم، ونجتهد في أن نتصف بما اتصفوا به من المزايا الحسنة.
الثعلب : ولكن أنتم لا تكتفون بهذا، ولا تقفون عند حد الاقتداء، بل تعتقدون بأن الصلاة إلى هذه الصور تأتي بمنفعة روحية، وتساعد المتوسل إليها على نيل بغيته في هذه الدنيا، وفي الآخرة، أنتم تعبدون الصورة وأنا أحبها، والفرق بيننا هو أنني أقتني التماثيل والصور كي أروض عقلي، وأشرح صدري، وأمتع عيناي بمناظر جميلة، وأشغال فنية دقيقة، وأنتم تقتنونها كي تتخشعوا أمامها، وتتذللوا وتطلبوا من الله بواسطتها ما لا تنالونه بغير الكد والاجتهاد، وبرهانًا على أن الذين يتذرعون لنجاحهم بالصلاة، والتضرع هم الوضيعون المنحطون، أستلفت أنظاركم إلى حالة الدول التي لا تزال تعبد الورق والجفصين، والدول التي أقلعت عن هذه العبادة، ونبذتها ظهريًّا بعد أن عرفت أضرارها، انظروا إلى إنكلترة والولايات المتحدة وألمانيا، وقابلوا بينها وبين إيطاليا وإسبانيا والنمسا، أليس هذا برهانًا حسيًّا على ما يلحق بنا من الضرر إذا نحن أهملنا قوانا العقلية والجسدية، واتكلنا على الأوراق والجفصين في تدبير أعمالنا؟
الحصان : إذن أنت لا تعتقد بمنافع الصور والتماثيل؟
الثعلب : أنا أحب الصور الجميلة، والتماثيل البديعة، ولكن لا أعبدها كما أنني أحب اللبؤات والأفراس، والحمامات الجميلة، ولكني لا أخر ساجدًا أمامها، إن العبادة مختصة بالله فقط، فإذا عبدنا الأوراق والجفصين نحط من مقام الخالق، وننقص من مجده، فضلًا عن أنني لا أعرف أن أحدًا صلى إلى هذه الأوراق الملونة المصونة بالزجاج، وطلب منها شيئًا فناله، وأذكر أنني لما كنت صغيرًا كانت أمي تحثني على الصلاة، وتقول لي: مهما ابتغيت من العالم فاطلبه من هذه الصورة بقلب متخشع تحصل عليه، فبقي هذا القول مطبوعًا على صفحات قلبي إلى أن أخذت في التردد إلى المدرسة، وكنت على جانب عظيم من الكسل، وإيماني بالأوراق زادني كسلًا على كسل، حتى إنني كنت آخذ أمثولاتي، وأعود إلى البيت ليس لأدرسها، بل لأغفلها ملتهيًا باللعب، وفي المساء كنت أخر ساجدًا أمام بعض الصور التي جمعتها أمي، وأصلي بحرارة وإيمان، وتخشع طالبًا منها أن تعلمني دروسي في الليل، وأنا نائم كي أقدر على تسميعها في اليوم الثاني، وكنت شديد الاتكال عليها، ولكن وا أسفاه فقد خاب أملي؛ إذ إنني لما كنت أذهب إلى المدرسة، وأقف لتلاوة أمثولاتي لم أكن أعرف شيئًا منها، وكنت أعاقب يوميًّا على كسلي وتهاوني، إلى أن سألني المعلم يومًا عما إذا كنت أدرس المفروض عليَّ حفظه؟ فأجبته: كلا. فقال: ولماذا؟ فقلت: لأنني أحسب أن الصور التي في البيت تلقنني دروسي في نومي، فأصبح قادرًا على تلاوتها، ولكن قد خاب الرجاء في هذه الصور، نعم يا أسيادي قد صليت وطلبت بحرارة وإيمان عظيمين، وبقلب متخشع منكسر، ولم أنل من الأوراق والجفصين شيئًا، وهذه لا شك حالة كل من صلى وصام، فمن ذلك الوقت حقدت على الصور وكسرتها؛ لأنها لم تدم على العهد، ولم تجب طلبي.
الحصان : أفرغت من هذرك وهذيانك؟ أما كفاك تجديفًا وازدراء؟ نريد أن نعرف بكلمة واحدة، ما إذا كنت تعتقد بعبادة الصور أم لا؟
الثعلب : أليس في كلامي شيء يفهم أم أنا أغني الآن في الطاحون؟ ألم أقل لكم إن صوركم خائنة تنكث بالعهد، ولا تسمع قط تضرعات أحد، ومع ذلك فهل يستطيع الجماد أن يتوسط بين الخالق الحي والمخلوق العاقل، هل تستطيع الأوراق أن تعطينا ما لا نناله بغير الكد والاجتهاد، ومواصلة العمل.
الحصان : قد أمللتنا بسفاسف أقوالك، وضجرنا منك ومن هذيانك، فلا تطل الكلام أطال الله وجودك، بل جاوب على سؤالنا حالًا حالًا كالعادة، أتعتقد بعبادة الصور المقدسة؟
الثعلب : قد جاوبتكم مرارًا على هذا السؤال، وكل كلمة قلتها في هذا الأمر هي جواب على سؤالكم، فهل يصعب على فهمكم ما بسطته لحضرتكم من الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة؟
البغل : أف عليك ما أسقمك … لا تكن عنيدًا متمردًا. جاوب على سؤالنا، وارفق بنفسك، فإن آلة العذاب لا تزال منصوبة، فكن متهيبًا غير متغطرس وجاوب.
الثعلب : إني لا أعتقد قط بعبادة الصورة، ولا بعبادة التماثيل، وأعرف بالاختبار أن التوسل والتضرع إليها لا يأتيان بشيء من الفائدة، هل يكفي هذا التصريح؟
الحصان : دون أيها الكاتب هذا الاعتراف الذي اعترف به الثعلب دون عذاب قط، وهو أنه لا يعتقد بعبادة الصور المقدسة بتة.
الثعلب : ولا غير المقدسة.
الحصان : اصمت ولا تتكلم إلا متى سئلت.

(فدون الكاتب الاعتراف، وعاد أعضاء المجلس إلى استنطاق الثعلب فريستهم المسكينة بعد أن تنفس الصعداء، وارتاح قليلًا من عناء هذا البراز الجدلي الممل.)

الحمار : قلت إن الكهربائية هي وجه من وجوه الله العديدة، فكيف تبرهن على ذلك؟
الثعلب : إن الله نور والكهربائية على ما أرى نور أيضًا؛ إذن الكهربائية مستمدة نورها من النور الأصلي العظيم، وهذا النور يخرج من أذيال الخالق عز وجل؛ إذن الكهربائية تأتينا من الخالق، وهي جزء منه، أو بالحري وجه من وجوهه العديدة، فاستولى على المجلس السكوت، وغاص الأعضاء في بحر التفكر إلى أن عاد الحمار فقدح زناد عقله، ونحت فكره، ولم يستطع أن يعارض قول المتهم إلا بهذا السؤال الضعيف.
الحمار : ولكن نحن نعتقد بأن الكهربائية هي عدوتنا اللدودة؟
الثعلب : إذا أنتم تحاولون معاداة الله، وتزعمون أنه عز وجل يريد بكم شرًّا، وينوي لكم الضرر، فأغمي عليهم من هذه الضربة القاضية، وبعد هنيهة أفاق الحمار، وسأل بصوت منخفض.
الحمار : ولكن هل الكهربائية لا تضر بصالحنا؟
الثعلب : نعم، ولكن ذلك لأنكم لا تتقدمون معها، ولا تسالمونها، فلو جعلتم أساس اعتقادكم موافقًا لنواميس الطبيعة لكانت الكهربائية التي هي مظهر من مظاهر الطبيعة العديدة أخلص الأصدقاء لكم الآن؛ إذ إن نواميسكم عندئذ تنطبق كل الانطباق على نواميسها، فالمناقضة الموجودة بينكم وبينها الآن من حيث التعاليم تجعلكم أعداء، والتلاطم الكائن بينكم وبينها صيركم عبيدًا أذلاء، وأعلى من تظنونهم أعداءكم إلى ذروة الكمال والمجد.
الحصان (مخاطبًا الحمار بصوت منخفض) : انتقل من الكهربائية إلى موضوع آخر، فقد أصابني صداع شديد، ولا أظنني قادرًا على احتمال هذه الصدمات القوية.
الحمار : ألم تقل: «إن البكارة تنفي الولادة» أي إن الأنثى الطاهرة لا تكون قط أمًّا؟
الثعلب : إنما قلت: «إن الولادة تنفي البكارة» أي إن الأنثى تخرق حجاب بكارتها يوم تتخذ لها بعلًا، وتضاجعه لأول مرة، وعند إتمام هذا العمل تبطل أن تكون بكرًا.
الحمار : وماذا تفهم بالبكارة؟
الثعلب : اعفوني من الجواب اعفوني، أنا لست طبيبًا، وكل ما أعرفه هو أن النار لا تتولد إلا بالاحتكاك، وهكذا قل عن البنين.
الحمار : ألا تستثني من قاعدتك العمومية هذه أحدًا؟
الثعلب : إني أعلم أنك تريد التوصل إلى اللبؤة التي تدعونها عذراء طاهرة، والتي يقول لنا التاريخ أنها أم الأسد.
الحمار : نعم، ألا تعتقد بأن هذه اللبؤة حبلت دون المواصلة الحيوانية التي تشير إليها؟
الثعلب : كيف يكون ذلك والنواميس الطبيعية تعلمنا أنه لا يتولد عن شيئين شيء ثالث إلا بعد احتكاكهما ببعضهما؟
الحمار : بل تمم هذا العمل الروح القدس الذي حل على اللبؤة كما جاء في الكتاب المقدس.
الثعلب : جاء هذا في أوهامكم، فإذا كان حقًّا حل الروح القدس على اللبؤة، فقد كان يحق لزوجها الحقيقي أن يطلقها بموجب الشريعة، وإذا لم يكن طلقها فهذا ضرب من التسامح والتساهل الذين يستوجبان له الشكر الجزيل والثناء العاطر، ومن يعلم لربما افتقر إلى الشهود و…
الحصان : قلنا لك مرارًا أن لا تسخر بالقضايا المقدسة، فأنت الآن تستحق قصاصًا على سفاهتك وهزئك عشرين جلدة، هات السوط يا جلاد، فجاء الجلاد بالسوط، وشد الثعلب على العمود عريانًا وجلده عشرين جلدة، ثم حل وثاقه، فعاد إلى مكانه أمام المجلس، وضم ذراعيه باحتشام منتظرًا سؤالات القضاة.
إن قحتك يا شقي لا حد لها، وهزءك ضرب من السفاهة، وقد ظهر لنا أنك لا ترضخ إلا للسوط، ولا تلتذ إلا بالعذاب الجسدي، فكن إذن مستعدًّا لذلك، قد سخرت بقضايا مقدسة يعز علينا أن تمتهن، وقد هزلت ومزحت حين كان يجب عليك أن تعقل وتحتشم، وتحكم الضمير والنفس لا الهوى والميل الفاسد، أنت تعلم أن اللبؤة لم تعرف قط دنس المواصلة الزوجية.
الثعلب : نعم قد تعلمت ذلك منذ حداثتي، ولكن لا أريد أن أعلمه أحدًا؛ لأنني لا أفهمه، وعندي أن المسائل التي تخالف نواميس الطبيعة لا يجب أن تعلم في المدارس، ولا يجب على العاقل التمسك بها.
الحصان : إذن أنت لا تعتقد ببكارة اللبؤة العذراء أم الأسد له المجد؟
الثعلب : إن كنت أعتقد ببكارة أمي التي ولدتني أعتقد ببكارة اللبؤة أيضًا، ومتى حل روح القدس على زوجتي وحبلت بعد ذلك بدون مضاجعة أظن أني أغير عندئذ اعتقادي، أما الآن فلا أزال متمسكًا بالقاعدة الطبيعية التي كررتها على مسامعكم مرارًا، وهي أن الولادة تنفي البكارة، أي إن الأم لا تكون قط عذراء بمعنى الكلمة الوضعي.
الحصان : دون أيها الكاتب ما يلي: قد اعترف المتهم الملحد الهرطوقي «بأن اللبؤة لم تحبل بلا دنس، وذلك دون أن يعذب».

(فدوَّن الكاتب اعتراف الثعلب هذا، وعاد المجلس إلى تتمة الاستنطاق المضنك لجميع الحاضرين.)

الحصان : ألا تعتقد بالعجائب؟
الثعلب : كيف لا وقد حاربت في مائة معركة، وأصابني ألفا رصاصة، وهأنذا لا أزال حيًّا. كيف لا وليلة أمس كنت أنا وزوجتي جالسين في مخدعنا نصلي، فدخل علينا حمار معتبر، وأخذ يرشدنا حتى نبت على كتفيه رأسان آخران، فدخل والحالة هذه برأس واحد، وخرج بثلاثة رءوس، كيف لا أعتقد بالعجائب، وأنا لا أطبع إلا نسخة واحدة من جريدتي، وأوزع منها مائة ألف نسخة، كيف لا أعتقد بالعجائب والخمر الذي أشربه يتحول في أمعائي إلى ماء أصفر، كيف لا أعتقد بالعجائب، وديوان التفتيش لا يزال في الوجود، كيف لا وحضرتكم لا تزالون قواد الحيوانات، ورؤساء هذا المجلس؟ كيف لا أعتقد بالعجائب و…
المجلس (بصوت حي) : اصمت يا شقي، قصر لسانك، أقلع عن السفاهة.

(فالثعلب كان خاضعًا لمزاج التهكم والهزل الذي استولى عليه في أثناء هذه الجلسة، ولولا ذلك لكان مات لا شك من العذاب الجسدي والعقلي الذي ذاقه، ومع أنه تطرف أحيانًا في تهكمه، فالمتفكر العادل لا يسعه إلا أن يثني على تجلده وصبره، فهو لم يظهر في كل الجلسة شيئًا من أمارات الغضب مع أن القضاة أثاروا كامن حقده، وعذبوه عذابًا مؤلمًا، وناهيك عن أنه فاز في آخر الأمر على مستنطقيه بتهكمه الجارح، واستهزائه الفاتك، وعلى الأخص الحمار الذي ضاق صبره في تلك الآونة عند كلام الثعلب عن العجائب، وكان يضم الواحدة من أذنيه الطويلتين إلى الأخرى، ويقوم عن مجلسه ويقعد، ثم يرفس برجليه حتى إنه أخيرًا نهق نهقة عظيمة، وضرب بيده على الطاولة، فوقعت على صليب من خشب، فتناوله وضرب به الثعلب، فأصاب رأسه الصغير، وشجه شجة عميقة، فوقع في الحال مغميًّا عليه، مختبطًا بدمائه.)

الحصان (يخاطب الحمار) : اكظم غيظك يا حضرة الأخ، ولا تبتدئ بالقصاص من الآن، فإن عملك هذا يدل على نقص في الحكمة، وضعف في احتمال المصائب.
الحمار : ألا ترى وتسمع كيف أن هذا الشقي الكافر يشتمنا، ويهزأ بنا في وسط مجلسنا هذا، أما والله لو لم أكن على ثقة بأن الحكم سيكون بالإعدام لكنت أذبحه ذبحًا، وأسلخه سلخًا، أليس هذا عدو الله اللدود، وعدو الحيوانات العنيد؟ ألم يقل إنه لا يريد أن يملك عليه أحدًا؟ ألم يقل لنا الأسد: «أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فآتوا بهم هاهنا، واذبحوهم قدامي»؟
الحصان : نعم قال ذلك، ولكن فليذبحهم غيرنا بأمرنا، ولا نتنازل نحن لتدنيس أيدينا بهذه النطفة القذرة.

(وفي مدة هذه المفاوضة كان الثعلب مطروحًا على الأرض مغميًّا عليه، فأشار الحصان إلى الجحش بأن يضمد له جرحه، ويعطيه بعض المنعشات، ففعل ذلك، وعادت إلى الثعلب روحه، فأنهضه إذ ذاك الجحش عن الأرض، وهو لا يستطيع الوقوف من شدة الألم والدوار، فأذن له المجلس بالجلوس، فجلس على كرسي الاستنطاق ثانية، وعادت السؤالات كالصواعق تتراكم على رأسه الدامي.)

البغل : أرأيت إلى أين أدت بك وقاحتك، قلت لك مرارًا: الزم جانب الأدب، وكن محتشمًا ولا تجدف على الآيات المنزلة، ولا تسخر بالقضايا المقدسة، أنت تعرف حق المعرفة بأن الأسد لما جاء إلى العالم صنع العجائب الكثيرة، فأبرأ الأبرص، وسكن اضطراب البحر، ومشى على وجه الماء، وأحيى الصبية، وفتح العميان، وطرد الشياطين من المجانين، وأدخلهم في الخنازير.
الثعلب (يخاطب نفسه متمتمًا) : لا والله فقد أدخلهم في البغال والحمير.
الحمار : ماذا تقول؟
الثعلب : قلت إن عندي في بيتي عددًا من الخنازير.
الحمار : وماذا تريد بهذا القول؟
figure
فجلس على كرسي الاستنطاق ثانية وعادت السؤالات كالصواعق تتراكم على رأسه الدامي.
الثعلب : أن لا أثر في هذه الخنازير لعجائب الأسد، فقد ذبحت أحدها في الأسبوع الغابر، وفتشت على الشيطان بالنظارة المكبرة في كل عضو من أعضائه، وكل ليفة من ألياف عضلاته فلم أجده، وأنا أقول لكم عن اختبار: إن الخنزير هو أهدأ وأعقل، وأسلم وأحب، وأنفع خليقة أوجدها الله على هذه البسيطة، فكيف لا أعتقد بالعجائب بعد هذا كيف لا …
الحمار : اصمت يا خنزير.
الثعلب : إن عبدكم ثعلب وليس خنزيرًا، لا تتطرفوا أجلكم الله في الشتيمة.
البغل : أمرناك بالصمت، فما بالك لا تصمت، ونهيناك عن السفاهة والاستخفاف، فما بالك تزداد صفاقة وحماقة؟ ألا ترى نتيجة ضلالك المشوه بالسفاهة في رأسك المهشم.
الثعلب : وهل تظنون أن الضرب والعذاب يغيران اعتقادي؟ هل في هذا الجرح برهان على ضلالي وحماقتي؟
الحصان : يا أيها الثعلب التعيس، قد ضجرتنا بساسف أقوالك، وهيجت فينا كامن الحقد والرجز، وقد صبرنا على فضولك وتجديفك، حتى طفحت كأس الصبر، فالمجلس يأمرك الآن بأن تجاوب على هذا السؤال: «هل تعتقد بالعجائب التي صنعها الأسد على الأرض؟»
الثعلب : من أين لي أن أرى هذه العجائب وأشاهدها، ولم لا يحدث نظيرها في هذه الأيام، إن العالم بحاجة كلية إلى العجائب والمعجزات، وبالأخص لأن القوات الكهربائية والبخارية تزداد نشاطًا، والاختراعات الجديدة تكثر عددًا، وتعرفون حق المعرفة أن عدد الثعالب المفتكرين المتنورين يزداد يومًا فيومًا، وعبراتكم المقدسة كادت أن تفرغ من الركاب، فلم لا يرينا الأسد من عجائبه في هذا الزمان المكهرب المبخر؟ كم من الحيوانات تموت غرقًا في هذه الأيام؟ فلم لا يخلصهم الحوت، لم لا يبتلعهم ويبقيهم في جوفه ثلاثة أيام، ثم يتقيأهم على جزيرة أو شاطئ وهم أحياء؟ «أنا لا أصدق، ولا أؤمن إلا إذا شاهدت بعيني»، هكذا قال أحد الحمير الصالحين، فما أحسن هذا الكلام الذي اتخذته لي سنة لأجل راحة ضميري وعقلي، لربما قلتم لي: إن تلاميذ الأسد يشهدون على معجزاته وإن شهاداتهم مطابق بعضها لبعض، فأسألكم باعتبار من هم هؤلاء الشهود أليسوا حيوانات مثلنا، وزد على ذلك أنهم كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، ولا يقوون على الحكم والتمييز في مسائل دقيقة كهذه، فلو قلنا: إن الأسد فتح الأعمى يجب أن يكون الشاهد على عمله هذا ماهرًا في تطبيب العينين؛ كي يستطيع أن يميز بين الرمد والعمى، فقبل أن تصدقوا هذه القصة افحصوا أولًا غير مأمورين حالة الأعمى كي تتحققوا أمره، فلربما كان مصابًا برمد شديد، فتوهمت بقية الحيوانات الغبية أنه أعمى، فجاء الأسد وهو ماهر في فن الطب، وشفاه بالأدوية، فهل تحسب هذه أعجوبة؟ برهنوا لي أولًا أن الحيوان كان حقيقة أعمى، ثم هاتوا شهودكم المتضلعين من فن الطب لتثبتوا روايتكم، ثم جئوا بالأسد وقولوا له: هذا حيوان أعمى، فتح عينيه، فإذا فتحها وكنت أنا حاضرًا أظن أنني أصدق وأؤمن، أما الآن فالعجائب التي ترون قصصها في كتابكم مفتقرة إلى شهود فيهم الكفاءة، وبينات يقبلها العقل، ولا يمحها الذوق السليم، ولربما كنت مخطئًا في رأيي، ولكن هو الضمير الذي يجب أن يطاع، والعقل الذي يجب أن تبدو أحكامه باستقامة وجرأة، فقد بينت لكم أفكاري كما هي دون تصنع ولا رياء، فلكم أن تقبلوها أو ترفضوها، إن الواجب الذي يفرضه علينا الضمير مقدس، وأنا أتممه بسرور وارتياح، ولو تحت ظل المشنقة، أو فوق لهيب النار، إن الله قادر على كل شيء، ولو كان اعتقادي مخالفًا لنواميسه لكان يلهمني أن أستبدله باعتقاد آخر، فإذن اعتقادي موافق لنواميس الله الذي أؤمن بقوته، وأصنع مشيئته، فأنا لست …
الحصان : كفاك شقشقة، كفاك صفاقة وهذرًا، قل لنا بكلمة واحدة: هل تعتقد بالعجائب الإلهية أم لا؟
الثعلب : إن الله قادر على كل شيء، فكيف إذن لا يصنع العجائب، ولكن قلت وأقول لكم: إن العجائب التي تدونت قصصها في كتبكم مفتقرة إلى بينات معقولة، وشهادة شهود متنورين، فأنا لا أنكر هذه العجائب ولا أصدقها، فلربما نكون قد حدثت بطرائق لم يخبرنا عنها التاريخ، ولربما تكون صنعة الدجالين والكذابين، فأقول إذن: لا أعرف، لا أدري.
الحمار : كأنك مشتاق إلى العذاب فهل لك أن تجاوب على سؤالنا.
الثعلب : لا أدري.
الحصان : أذقه هذه المرة العذاب المائي.

(فجاء الجحش ببرميل من الماء، وركب فيه أنبوبة، ومددوا الثعلب على الأرض، وقبضوا على يديه ورجليه، ثم أدخلوا الأنبوبة في فمه، وأخذ الجحش يضخ الماء حتى كاد الثعلب يختنق، فصرخ صرخة خفيفة، وحملق بعينيه مشيرًا إلى رضوخه، فوقفت يد الجحش عن العمل، ورفع الثعلب رأسه وقال: «إني أجاوب»، فأعاد عليه الحصان السؤال فأجاب سلبًا، فأنهضوه عن الأرض، وعادوا به إلى مركزه.)

دون أيها الكاتب ما يلي: قد اعترف الثعلب بأنه لا يعتقد بالعجائب الإلهية، وذلك بعد أن سيم العذاب المائي الاعتيادي.

فدون الكاتب، ثم أمره الحصان بأن يقرأ على مسامع القضاة اعترافات الثعلب، فنهض الكاتب وقرأ ما يلي: قد اعترف الثعلب المتهم بأنه: أولًا: لا يؤمن بالكتاب المقدس. ثانيًا:لا يعتقد بالله. ثالثًا: لا يعتقد بألوهية الأسد. رابعًا: لا يعتقد بالصور المقدسة. خامسًا: لا يعتقد بأن اللبؤة حبلت بلا دنس. سادسًا: لا يؤمن بالعجائب الإلهية. ولما انتهى الكاتب من قراءة الوقائع أمر المجلس بأن يقيد الثعلب بسلاسل الحديد، ويقاد إلى السجن لينتظر هنالك حكم القضاة، وبعد أن وضعت يداه ورجلاه في القيود وقف كالفريسة الضالة أمام المجلس، ووجنتاه مخضبتان بالدم الذي كان يسيل من رأسه المجروح، وقال: «هاتوا صليبكم لأحمله وجيئوا باللصين لأموت معهما»، أما المجلس فكان قد ارفض، ولم يكترث القضاة بكلام الثعلب المؤثر الذي يذكرهم لو تأملوا بحياة الأسد وجهاده ضد الشر، فخرجوا غير مبالين يتشاورون في قضية الملحد الذي سيق محتقرًا مهانًا إلى السجن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠