الفصل الثامن

الحاجة زيزي!

الست المُدَرَّبة زوجة حميدو أدركت أنني واقع لشوشتي في غرامها، فراحت تنصب الشباك حول العبد لله … تليفونات بعد منتصف الليل، ثم همس بصوت مبحوح وبطريقة توحي بأنها مريضة … سألتها ذات تليفون: إنت مالك؟

– عيانة ومش عارفة أنام.

– عيانة عندك إيه؟

– عندي حب، والحب يضيع ويكسر الجسم.

سألتها: وبتحبي مين إن شاء الله؟

قالت في صوت أنثوي مشحون بالرغبة: اللي مش حاسس بي ومطنش.

– معقول الكلام ده، دا انا عارف إن اللي بيحبوكي ما يتعدوش.

ضحكت ضحكة موحية ثم قالت: العدد في الليمون، وعلى رأي المثل كلنا بنحب القمر، والقمر بيحب مين؟

وبعدين أنا مش هاضحك عليك، أنت راجل عقلك يوزن بلد، وانا ورايا رجالة بالكوم، كلهم عندهم فلوس وعندهم أملاك وعندهم كل اللي تتمناه أي واحدة ست، بس مش اللي أنا عاوزاه.

– غريبة أمال أنت عاوزة إيه؟

– عاوزة راجل بيفهم وعقله كبير والناس بتحترمه، مش عشان فلوسه لكن عشان شخصيته دا اللي أنا عاوزاه.

– والراجل دا لسه ما جاش في سكتك؟

– للأسف جه في سكتي وقعدت جنبه واتكلمت معاه، بس ولا هو هنا، بيعاملني زي العروسة الحلاوة بتاعة المولد.

– طيب ما تقوليله بصراحة.

– أقوله إيه … أنا دايبة في حبك؟ يا أستاذ: الرجالة بتحس الحاجات دي من لمسة، من نظرة، من كلمة، الحاجات دي مش عاوزة تصريح، التلميح يكفي.

ثم أطلقت ضحكة رنت في أذني كزغرودة صادرة من حنجرة شابة في ربيع العمر.

وقلت لها، في محاولة للهروب منها قبل أن يفضحني صوتي، الذي أخذ يرتعش ويتكسر بسبب محاولات المرأة المدربة على اصطياد الرجال، فما بالك برجل في مثل ظروفي يزحف نحو الستين، ولم يحصل من طيبات الدنيا إلا على النَّزر اليسير، إلى جانب ما حصلت عليه من المطاردة والقهر والغياب وراء الأسوار عدة سنوات، بالإضافة إلى التشرد خارج الحدود في بلاد الله خلق الله … قلت لزيزي تمهيدًا لقطع المكالمة: إنت باين عليكي فايقة قوي النهارده، وانا مش قدك، وما نمتش بقالي يومين، وحاسس إن أنا هانام وانا باكلمك.

وردت على العبد لله قائلة في حركة شقاوة مقصودة: اللي واخد عقلك يا هناه.

– يا ريت كان فاضل عندي حاجة وحد ياخدها.

– طيب أنا هاسيبك عشان تنام بس بشرط.

– أنا تحت أمرك.

– أشوفك بكرة.

– لا بلاش بكرة.

أردت بهذا الجواب أن أبدو قويًّا لا أخضع للإغراء.

– طيب إمتى تحب؟

– خليها يوم الثلاثاء.

أطلقت ضحكة صاروخية من النوع الذي يحيي الموتى، وقالت في دلال: طيب ما هو بكرة الثلاثاء.

قلت وأنا أتصنع الارتباك: معقول دا أنا وحياتك ناسي احنا يوم إيه النهارده.

– خلاص أنا منتظراك بكرة على العشا.

لم أستطع النوم بعد انقطاع الاتصال التليفوني، الحقيقة أنني لن أستطيع الإفلات من براثن الحاجة زيزي، والحقيقة الأخرى أنني لا أريد الإفلات من براثنها، والحقيقة الثالثة أن النوم لم يعرف طريقه إلى عيوني بعد أن تحدد موعدي معها، وتأكدت أنني سأجلس إلى جوارها وأتطلع إليها وأشم رائحتها، تمنيت وأنا أتمدد على سريري لو كنت تاجرًا في سوق الجملة، لو كنت فلاحًا من الأعيان، لو أنني كنت منفتحًا من بتوع التصدير والاستيراد، ثم أرسلَت الصدف هذه المرأة في طريقي فعشت معها شهورًا، أو حتى أسابيع، ثم أضع حياتي وكل ثروتي تحت أقدامها، فما هو الهدف من جمع الفلوس إلا استخدامها في غرض كهذا؟ ضاع شبابنا في نظريات شديدة السذاجة عن ضرورة الالتزام إلا بما يفيد الحاضر ويحقق طموحات المستقبل، وعندما مضى قطار العمر اكتشفنا أن كل ما تعلمناه كان خطأً، وكل ما اتبعناه كان باطلًا، وأن الحقيقة الوحيدة هي زيزي، وما عداها فهو باطلٌ وقَبْض الريح. ما أكثر الفرص التي مرت بي في حياتي ولم ألتفت إليها. ومن هو الأقدر؟ أينشتاين الذي اخترع النسبية؟ أم حميدكو الذي اكتشف أقصر الطرق لكسب الفلوس وممارسة الحياة اللذيذة؟ هل أندم على الحياة التي عشتها، والقضايا التي اعتنقتها، والمعارك التي خضتها، والأيام السود التي تجرعت مرارتها في المنافي والسجون؟

•••

ها أنا ذا أخيرًا في بيت حميدكو، وها هي الغندورة زيزي في الصورة التي أحب أن أراها عليها. ومن حسن الحظ أن حميدو لم يكن هناك، كان مشغولًا باجتماع مجلس الإدارة، وهو مجلس إدارة يختلف عن جميع مجالس الإدارات التي عرفها البشر منذ اخترع الإنسان نظام الشركات وإلى أن تفنى الأرض ومن عليها، فأحيانًا تستمر الجلسة عدة ساعات في صخبٍ شديد وصراع أشد … وأحيانًا يتكلمون جميعًا في وقتٍ واحد ولا مستمع … أحيانًا يغضب أحدهم فيشخر وينخر ويسب الأخضرين، ثم يقترب من العضو المنافس ويهبده بالدماغ أعلى أنفه، ثم ينشغل الجميع بعد ذلك بتضميد جراح عضو مجلس الإدارة، وفي أغلب الأوقات تنتهي الجلسة في المستشفى أو في قسم الشرطة. وجلست زيزي ورائحة عطرها النفاذ تشع في أرجاء الحجرة، وراحت تحكي لي عن همومها، وكيف أن حميدو لم يعد يهتم بها، اهتمامه أصبح أكبر بالفلوس وبأحوال الشركة ثم قالت في أسف حقيقي: أنا زهقت من العيشة دي، أنا مش عاوزة دهب ولا هدوم ولا فسح ولا أي حاجة، أنا عاوزة راجل يرعاني ويحميني واتعلم منه … كل قسمتي من الرجالة كانوا بيفكوا الخط بالعافية. ثم قالت: أنا صحيح ما عنديش غير الابتدائية لكن القراءة في دمي، وعاوزاك تكتبلي أسماء بعض الكتب عشان أشتريها.

ونهضت على الفور وعادت معها ورقة بيضاء وقلم قدمتهما لي، وجلست في مواجهتي في انتظار تحرير قائمة الكتب التي أنصح بقراءتها.

ورحت أسألها عن نوع الكتب التي تحب قراءتها فأجابت: أحب التاريخ عشان فيه حكايات حلوة ومواعظ أحسن، وأحب كمان القصص والروايات اللي تملأ الدماغ.

قضيت عدة دقائق أفكر في الكتب التي أقترح عليها شراءها، وكتبت في القائمة جزءًا من تاريخ الرافعي، وعدة كتب للرحالة محمد بك ثابت، ثم عدة روايات لإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وأمين يوسف غراب وعبد الحليم عبد الله. وعندما ألقت نظرة خاطفة على القائمة قالت وهي تضحك: همة دول شوية الكتب اللي طلعوا من ذمتك.

– دول وجبة سريعة، ولما تخلصيهم هاكتبلك تاني.

– وهو إحنا بنشوفك، وأنت التقل عندك صنعة.

اعتذرت لها بمشاغلي الكثيرة إلى درجة أني لم أحصل على إجازة منذ عشرات السنين، ويبدو أنها لم تقتنع بما قلته فاقتربت مني أكثر وقالت: تعرف تقوللي مشغول في إيه؟ وأنت بتكتب كلمتين وتبعتهم مع السواق بتاعك.

ثم أضافت: انتو كده يا بتوع الجرائد … زي أم العروسة فاضية ومشغولة، ثم اقتربت أكثر وقالت: أنا عاوزاك تفضالي شوية، أنا حاسة إن أنا ضايعة ووحدانية ومفيش حد ورايا.

قلت لها وأنا أحاول تركيز نظارتي الطبية حول عيني: أنا تحت أمرك، وفي أية فرصة تحتاجيني فيها هتلاقيني معاكي.

– أهو إحنا ما بناخدش منكو غير الكلام، وعلى كل حال أنا كنت عاوزاك تشتغل معانا عشان تبقى جنبي، بس أنت ما فهمتش قصدي، ويمكن تكون فهمت قصدي وعملت طناش.

– أنت عيبك الوحيد يا حاجة زيزي إن كل الناس عندك بتراوغ وتكذب.

– لا يا أستاذ دا مش كدب دا تقل بس.

– أنا يا ستي عجزت قوي على الكدب والتقل والحاجات دي.

حدجتني زيزي بنظرة فاحصة ثم قالت بدلع: أنت عجزت، عيني عليك باردة، وانت اللي يشوفك يقول دا انت لسه ما دخلتش دنيا.

ضحكت أنا ضحكة مجلجلة ثم قلت: على رأي المثل: من بره هلَّا هلَّا ومن جوه يعلم الله.

ضحكت زيزي، ثم نادت على الخدم وطلبت إعداد العشاء، واعترضت وطلبت من زيزي أن ترجئ مسألة العشاء حتى يحضر الحاج حميدو، ولكن زيزي أصرت على تناول العشاء قبل حضور حميدو وقالت: ما أنا قلتلك حميدو اتجوز الشركة … أنا بقالي أسبوعين ما شفتش وشه. دا حتى الصبح بيصحى بدري ويفطر لوحده ويمشي.

شعرت ببعض النفور بعد العشاء فاستأذنت في الانصراف، ففوجئت بزيزي تقول في صراحة وبوضوح: إنت محتاج لتدليكة حلوة.

وضحكت أنا وقلت لها: الأسبوع اللي فات رحت النادي وخدت حمام ودلكوني لكن التعب استمر.

قالت: طيب جرب تدليكي وبعدين ابقى احكم.

ونهضت من جلستها ومدت أصابعها وراحت تدلك قفاي وأعلى ظهري وكتفي، ولا أعرف كيف شعرت براحة شديدة إلى درجة أنني تمنيت لو أنها قامت بتدليك جسمي كله، كما تمنيت أن تستمر في تدليك المنطقة التي اختارتها إلى ما لا نهاية. صدق من قال إن النساء لسن كلهن من صنف واحد، زيزي مثلا ليست كغيرها من النساء ولو كانت من اليابان لأصبحت من فتيات الجيشا؛ امرأة مدربة على لقاء الرجال واستضافتهم والحديث معهم واللعب بعواطفهم وخيالهم. وهي مرتبة لا تصل إليها المرأة بالتدريب فقط، ولكنها تحتاج إلى موهبة أيضًا. شعرت بالراحة فعلًا لأن أصابع زيزي كانت أشبه بعازف عبقري تعرف طريقها إلى المواقع التي تصدر عنها أجمل الألحان. ويبدو أن زيزي رأت علامات البهجة ترتسم على وجهي فقالت تسألني: إيه رأيك بقى؟

– يا سلام دا إنت عملت معجزة.

– أمال تقول إيه لو دلكتلك ظهرك؟

– وهل هذا ممكن؟

– مش ممكن ليه، فيه حد قاعد معاك إنت خايف منه؟

– قاعد معايا فين؟

– في البيت.

– إحنا ها نتقابل في البيت قريب؟

– إذا ما كانش عندك مانع؟

– لا أنا قصدي أقول إنت حتتنازلي وتشرفيني في البيت؟

– أنا مش هاتنازل ولا حاجة، أنا هاتشرف بزيارتك، وكان نفسي أزورك من زمان عاوزة أشوف المكان اللي بتقرا فيه والمكان اللي بينزل عليك فيه الوحي لما تيجي تكتب.

– يا ست الحسن والجمال تشرفي، بس نعرف الميعاد عشان نفرش رمل في الشارع كله.

ضحكت زيزي ضحكة رقيقة، لم أتمالك نفسي وفقدت توازني وتخليت عن وقاري، وتركت لأصابعي حرية العبث في شعرها، ثم تجرأت أكثر، فلما قاومتني قالت لي، وقد بدا عليها الغضب والتأثر لدرجة أنني لمحت دموعًا في عينيها: أنت دايمًا بتعمل كده؟ هو مزاجك إنك تاخد بالعافية.

شعرت بالخجل، فاعتذرت عما بدر مني، وأبديت لها ندمي، وتعللت بأن ما حدث من جانبي دليل على شدة تأثيرها الذي أفقدني الاتزان والوقار، وهي المرة الأولى التي أخرج فيها عن شعوري إلى هذا الحد، ورسمتُ ابتسامة على شفتي وقلت: ما بدر مني الليلة دليل على قوة تأثيرك، فأنا ودعت الشباب منذ فترة طويلة.

استأذنَتْ وغادرت الصالون وغابت فترة، واكتشفْتُ عند عودتها أنها استبدلت ملابسها بملابس أكثر إثارة … كانت تمسك بين أصابعها بورقة بيضاء فولسكاب وقلم وقالت: اعمللي بقى الخدمة دي.

التقطت الورقة والقلم وقلت لها: عاوزة إيه؟ كتب جديدة؟

ردت بهدوء: لا، حميدو بك فاهم إن أنا مؤلفة، وعاوزني أكتب له إعلان عن المدينة السكنية الجديدة بتاعة الشركة، واسمها مدينة زمزم.

– زمزم مرة واحدة، وعاوزاني اكتب أقول إيه؟

ضحكت وهي ترعش حاجبيها وقالت: أنا اللي حقولك برضه، أنا أقول للأستاذ الكبير … المهم تقول فيها حمامات سباحة وسوق وجناين وحديقة أطفال وسينما وملاهي، وشوية كدة من البكش اللي إنت عارفه. بس اكتب انت وانا هانقله بخط إيدي عشان حميدو ينبسط. ووجدت في كتابة الإعلان خروجًا من الورطة التي أوقعت نفسي فيها، وغادرت مقعدي وجلست على مائدة الطعام، وانهمكت في كتابة الإعلان، وعندما انتهيت من تحرير الإعلان سلمتها الورقة واستأذنت في الانصراف، فقالت بدلال: تمشي وإنت في الحال ده؟

– أمال عاوزاني أعمل إيه يعني؟ أنام هنا؟

– وفيها إيه يعني؟ ما إنت في بيتك برضه.

ثم جذبتني من يدي وأجلستني على الكنبة الفاخرة، ثم راحت تمارس معي نفس العمل الذي قامت به من قبل؛ راحت تدلك عنقي وكتفي وأعلى ظهري، فلما اقترب وجهها من وجهي تضاعفت متعتي كثيرًا عندما شعرت باستجابة زيزي، ولكنها انتزعت نفسها فجأة وبقوة، وراحت تسوي شعرها بأصابعها وتصلح من شأن فستانها القصير، وتصورت أنها غضبت مرة أخرى، ولكني فوجئت بدخول حميدو، وبدا عليَّ الاضطراب، ولكنه رحب بي بحرارة شديدة واعتذر عن تأخره بسبب انشغاله في أعمال الشركة، وخشيت أن يكون حميدو قد لمح أي تغيير في هيئتي أو على شكلي، ولكني لم ألمح من تصرفاته أي دليل على ذلك. وقد ابتهج كثيرًا عندما أبلغته زيزي بنبأ تنازلي وقبولي تحرير الإعلان عن مدينة زمزم، وقال وهو يكاد يطير من الفرحة: يا سلام، دي هتبقى مدينة مبروكة بحق وحقيق، طب تعرف سيادتك الطلبات اللي عندنا ضعف بيوت المدينة، عشان كده هنقبل طلبات الناس اللي هتدفع فوري، والناس التانيين هيطبق عليهم قانون اللي ما معهوش ما يلزموش!

ثم ضحك ضحكة طويلة ساخرة وقال: على فكرة يا أستاذ، الناس معاها فلوس زي الرز بس حطينها تحت البلاطة، والناصح بقى هو اللي يخليهم يطلعوها، ثم نظر نحوي وقال: أنا مزاجي بقى أحجزلك فيللا في المدينة، حاجة يا أستاذ زي الجنة بالضبط، وفاحتين فيها بير بيطلع ميه زي العسل، واتفقنا نعمل مصنع صغير وناويين نبيع الميه في السوق ونسميها مية زمزم، إيه رأيك أحجزلك فيللا؟

– وبكام الفيللا يا حاج حميدو؟

– نص مليون بس، ونهار ما يكمل المشروع هتساوي الفيللا ثلاثة مليون بالميت.

عندما لم يسمع مني جوابًا سألني في لهفة: إيه رأيك أحجزلك الصبح؟

أجبته بدون حماس: ما تعملش حاجة إلا لما أقولك.

وبالرغم من الإجهاد الذي يبدو عليه فقد نزل معي إلى الشارع، ولم يتركني إلا بعد أن انطلقت بسيارتي عائدًا إلى المنزل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤