وفاء الأصدقاء!

كان المتحدث رقم «صفر». وأدار «أحمد» مفتاحًا جعل المكالمة مذاعة في الغرفة. وسمع الشياطين صوته العميق وهو يقول: إنني طلبت دراسة سريعة عن موقف صديقكم «فرانك» … أليس هو «فرانك»؟

ردَّ «أحمد» على الفور: نعم يا سيدي!

رقم «صفر»: لقد غيَّرنا عميلنا في «نيويورك»، والرجل الجديد ما زال يدرس ملفات عميلنا السابق الذي نُقل إلى «هافانا»، وسيحتاج بعض الوقت حتى يصل إلى المعلومات المطلوبة.

أحمد: ولكن يا سيدي المشكلة أنَّ الموضوع لا يحتمل التأجيل … فغدًا في السابعة مساء سوف يقوم مجرم مشهور يُدعى «موكا برازي» بمهاجمة المقر الرئيسي ومطعم «مانهاتن» الذي يملكه صديقُنا «فرانك» … فإذا حسبنا فارق التوقيت بيننا وبين أمريكا وهو تسع ساعات، فإننا يجب أن نسافر فورًا.

رقم «صفر»: لقد أخذ صديقكم «فرانك» منَّا وقتًا طويلًا، وجهدًا كثيرًا … وأظن أنَّ منظمة الشياطين اﻟ «١٣» لا تتدخل إلا في موضوعات تهمُّ العالم العربي … وهذا الموضوع لا يهمنا.

أحمد: ولكن يا سيدي أرجو ألا تنسى أنَّ «فرانك» ساعدنا في العثور على قائمة مهرِّبي المخدرات الكبار في الشرق الأوسط … وهذا يهم كل العالم العربي.

رقم «صفر»: هذا صحيح، وقد تركتكم تحاربون من أجله مرة … ولكن ليس في كل وقت!

أحمد: نَعِد رقم «صفر» بأن تكون هذه آخر مرة؛ لأنَّا ننوي أن ننتهيَ من هذه المعركة بشكل حاسم.

رقم «صفر»: لا بأس، ولكن خذوا حذركم … وسترسل لكم سكرتارية المقر السري جميع المعلومات اللازمة، بالإضافة إلى الشفرة الجديدة للاتصال بعميلنا الجديد في نيويورك.

أحمد: شكرًا لك يا سيدي … ونعد أن نكون في منتهى الحذر.

رقم «صفر»: إنني مُعجب بإخلاصكم لصديق ساعدكم في وقت الشدة …

ونصيحتي أن تؤجِّلوا أول جولة، فعادة ما يستعد العدو للجولة الأولى استعدادًا خاصًّا، ومن الأفضل تفويت الفرصة عليه.

أحمد: سنضع ذلك في اعتبارنا.

ووضع «أحمد» السماعة، وقد بدَا عليه الابتهاج والتوتر وقال: هيَّا نضع خطتنا!

جلس الأربعة أمام مائدة صغيرة في غرفة «أحمد» الذي قال: إنَّ رقم «صفر» ينصحنا بأن نؤجِّل الجولة الأولى!

عثمان: معنى هذا أن نترك «فرانك» لهذا الوحش «موكا برازي» يفعل به ما يشاء.

إلهام: أعتقد أنني فهمت أنَّ «موكا» سوف يذهب غدًا في السابعة مساء لمهاجمة «فرانك».

أحمد: هذا صحيح.

إلهام: المطلوب إذن أن نطلب من «فرانك» ألا ينتظر … عليه أن يُغلقَ المحل، ويختبئَ في مكان أمين حتى نَصِل وندرُس الموقف مع عميل رقم «صفر» الجديد في نيويورك.

أحمد: هذا هو الرأي الأفضل!

وفورًا طلب «أحمد» من غرفة الاتصال أن يطلبوا رقم «فرانك» في «نيويورك» … وبعد دقائق قليلة كان «فرانك» يتحدث …

قال «أحمد»: اسمع يا «فرانك» … أغلق المحل من اليوم، واذهب إلى أي مكان أمين حتى نصلَ إليك.

فرانك: إنَّ هذا سوف يدفع «موكا» إلى الجنون … وسيبحث عني في كل مكان.

أحمد: بالتأكيد سوف نَصِل قبل أن يَصِل إليك … ودَع الباقي علينا!

فرانك: إنَّ «جوك» عنده كوخ صغير على شاطئ جزيرة «ريكرز» في خليج «نيويورك» … سأذهب إلى هناك مع «جوك» وننتظر وصولكم.

أحمد: سنركب الطائرة خلال ساعات قليلة … ومن المتوقع أن نكون عندكم في نيويورك مساء الغد!

فرانك: أرجو أن تتصلوا بي في رقم «٤٣٩٨٩٤٤» وسأكون بجوار التليفون.

أحمد: اتَّفقنا … وإلى اللقاء!

وضع «أحمد» سماعة التليفون. وبدأت على الفور استعدادات السفر … ولحسن الحظ كانوا قد تركوا أسلحتهم في «نيويورك» عند «جوك» فلم يكن عندهم مشكلة المرور بالأسلحة عبر المطارات، رغم وجود حقائب مجهزة خصيصًا لهذا الغرض!

وبعد ساعتين كانوا يغادرون المقر السري، بعد أن حصلوا على المعلومات اللازمة والشفرة الجديدة من سكرتارية المقر … ومن أقرب مطار إلى المقر كانوا يستقلون طائرة من طراز «تراي ستار ١٠٠٠» الجبارة، والتي انطلقت تشقُّ طريقها إلى لندن، فوصلَتها بعد خمس ساعات … وبعد فترة راحة في مطار «هيثرو» عادت الطائرة — بعد أن تزوَّدت بالوقود — تُحلِّق من جديد في طريقها إلى المدينة الضخمة، على مسافة ساعة واحدة من الطيران المتصل. وعندما هبطت الطائرة بالمطار الكبير ونزل الشياطين الأربعة، كان إحساسهم جميعًا أنَّهم مقبلون على مغامرة عنيفة لا أحد يدري نهايتها … فهذه أكبر مدينة في العالم؛ فمساحتها نحو ١٠٠٠ كيلومتر مربع، وعدد سكانها يزيد على ١٢ مليون نسمة، بالإضافة إلى أنَّها أعظم ميناء ومركز مالي في العالم كله … وهم قادمون وحدهم لإنقاذ صديق ساعدهم في وقت عصيب … وهذه ثاني مرة يأتون من أجل هذا الصديق، فالوفاء قيمة من أعظم قِيَم الإنسان، ومن الصفات التي يعتز بها البشر.

كانوا قد اتفقوا في الطائرة على ألَّا ينزلوا في «شيراتون روكفلر سنتر»، فقد نزلوا به قبل ذلك، وطاردهم «موكا برازي» فيه، وبالتأكيد سوف يبحث عنهم هناك … لهذا ذهبوا إلى مكتب الاستعلامات في المطار وسألوا عن شقة صغيرة مفروشة، ومن الأفضل أن تكون فيلَّا ذات حديقة، وسرعان ما دلَّهم موظف الاستعلامات على أكثر من عنوان … وخرجوا من المطار إلى مكتب شركة لتأجير السيارات فاختاروا سيارة من طراز «كونتننتال»، وهي أقوى سيارة أمريكية، ثم وضعوا حقائبهم القليلة، وانطلقوا، وقد أوشكت الشمس على المغيب فوق المدينة الكبيرة … وبدأت الأضواء تلمع في المساء المشبع بالضباب، وكأنَّها عيون آلاف العناكب الغارقة تحت الماء … وأمام خريطة للمدينة الضخمة، أخذت «إلهام» توجِّه «عثمان» الذي كان يقود السيارة، وسرعان ما وصلوا إلى الشاطئ الشرقي للمدينة، وساروا في طريق تحفُّه الأشجار الضخمة حتى أشرفوا على الفيلَّا التي اختاروها والتي دفعوا إيجارها في مكتب الاستعلامات.

كانت فيلَّا صغيرة مطفأة الأنوار بين الأشجار العالية، ولها ممرٌّ صغير يؤدي إلى النهر … ودخلت السيارة إلى جراج الفيلَّا ونزل الشياطين مسرعين إلى الفيلَّا، بينما قام «عثمان» و«زبيدة» و«إلهام» بإخراج الملابس من الحقائب، وترتيب المكان. كان «أحمد» يتصل ﺑ «فرانك» وكانت قد بقيت ساعة واحدة على موعد هجوم «موكا» على مقر «فرانك».

ردَّ «فرانك» على الفور. فسأله «أحمد»: ما هي الأخبار؟

فرانك: أين أنت؟

أحمد: في فيلَّا صغيرة على النهر، ومعي «عثمان» و«زبيدة» و«إلهام».

ثم شرح له العنوان بالتفصيل، وقال: هل عندك مكان نُشرف منه على هجوم «موكا»؟

فرانك: عندي شقة صغيرة في العمارة المقابلة للمطعم، كنت أستخدمها في الماضي، وهي الآن مهجورة.

أحمد: سنأتي فورًا … نريد أن نرى كيف سيدبر الهجوم، وعدد الأشخاص الذين معه، ويجب أن نُسرع فالوقت ضيق.

بعد نصف ساعة من هذا الحديث كان الشياطين يُطلُّون من شرفة صغيرة على واجهة مطعم «فرانك» المغلق … كان المكان هادئًا، والمطر ينزل في خيوط رفيعة كالحرير وقد خلا الشارع من المارة إلا من شخص يجري متقيًا المطر بمظلته، وسيارة تمر بين الحين والحين …

أخرج «عثمان» كاميرا صغيرة ولكنها تستطيع التصوير في جميع الظروف وفي أي ضوء، وأخذ يختار زاوية معينة يوجِّه منها الآلة … بينما انهمكَت «زبيدة» و«إلهام» في إعداد الأسلحة التي قد يحتاجونها إذا تقرَّر الهجوم على «موكا» وأعوانه … بينما وقف «أحمد» و«فرانك» و«جوك» يتحدَّثون بجوار النافذة، ومع «أحمد» جهاز صغير يُشبه بندقية ولكن ماسورته أوسع بكثير.

في الموعد المحدد ظهرت سيارة ضخمة سوداء من طراز «فورد» دخلت الشارع ثم توقَّفت أمام محل «فرانك»، وتبعتها بعد لحظات سيارتان أخريان من نفس الطراز، ونزل ثلاثة رجال، كل واحد من سيارة، ووقفوا أمام المحل … كان كلٌّ منهم يحمل مدفعًا رشاشًا أخفاه تحت ذيل معطفه الطويل … ووقفوا أمام المحل لحظات، ثم نزل «موكا برازي» من السيارة الثانية، ووقف تحت المطر يتحدث مع الرجال الثلاثة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢