خلافة عُثمان بن عفَّان

من لقتيلٍ بالسَّفا١ مُكفَّنِ
مرَّتْ به ثلاثةٌ لم يُدفَن
تَعرِضُه نوادبًا أراملُهْ
ويشفقُ النعشُ ويأْبى حاملُهْ
قد حيل بين الأرض وابنِ آدما
ونوزِعتْ دارُ البقاءِ قادما
مُثِّلَ بالمهاجرِ٢ المُثنِّي
على عُلوِّ شأْنه والسنِّ
تنبو العيون اليومَ عنه جيفهْ
وأمسِ كان نورها خليفهْ
قد عُرِيَ المِنبرُ من أسمائهِ
ورفل المُصحفُ في دمائهِ
تلازما تلازُم اللُّماتِ٣
خِلَّيْنِ في الحياة والمماتِ
كنزٌ عليه نُقِبَ الجدارُ
ورُقيتْ بالسارقين الدارُ
ومَلِكٌ بمَدْرج الأوغادِ
من رائحٍ يلطُمُه وغادِ
من كلِّ رُستاقٍ٤ وكلِّ حاضِرهْ
عقاربٌ والنعلُ غيرُ حاضرهْ
أتوْا من السواد والصعيد
شقاوة للبلد السعيدِ
لإحنةٍ أو غَيَّةٍ أو سَلَّهْ٥
وقلَّ مَن جاءَ لخير الملَّهْ
وخِيضَ في القضية السخيفهْ٦
ومُلئتْ دارُ الرسول خيفهْ
وبخِلتْ بالنُّصرةِ الأنصارُ
وأخَّرتْ نَجدتَها الأمصارُ
وقرَّتِ الفتيانُ في الحِجالِ
وفرَّتِ الشِّيخَانُ بالآجال
وتعب الوصيُّ٧ بالسفارهْ
وانتُدبَ السِّبطان للخِفارهْ٨
وابنُ أبي بكرٍ٩ مع الثُّوَّارِ
بغيَ الحواريِّ على الحوارِي
يا ليت شعري كيف ولَّاه علِي!
ليت الإمامَ المرتضَى لم يفعلِ
كيف يُولَّى مصرَ مخضوبُ اليدِ
من راشدٍ مُوفَّق مؤيَّدِ؟
الرأس في الشغْبِ١٠ سواءٌ والذَّنَبْ
لا تبرأ العقربُ من ذنْب الذَّنَبْ

•••

إن محمدًا على الشيخ افترى
وجرَّأَ الناسَ عليه واجترَى١١
آذاه في حُجرتهِ مخذولا
ممتنعًا قيادُه مبذولا
عاينَ فيها الموت أَربعينا
ينتظرُ الناعِي أو المُعينا١٢
وشرُّ ما هبَّ عليه الغافلُ
إن حكمتْ في العِليةِ الأسافلُ
ابنُ ثمانينَ فَتيُّ النيَّهْ
مُوطَّنُ النفس على المنيَّهْ
لم يُعطهِم، حيث النفوسُ تجزعُ
خلافةَ الله التي لا تُنْزَعُ
أليستِ النفسُ تموتُ مَرَّهْ
فخذْ عليها أن تموتَ حُرَّهْ

•••

فإن تسلْ ماذا أتى عُثمانْ؟
مما يردُّ الدينَ والإيمانْ
تجدْ دَعَاوَى القوم لفَّقوها
وسِلَعًا بالدين نفَّقوها
زرَوْا على الإمام ما لا يُزرَى
وأركبوه الحسناتِ وِزرا
واستنكروا عُلُوَّه بالدُّورِ
عن دارةِ الثلاثةِ البدور١٣
وقال قومٌ: خالَفَ الأترابا
وحالف الثراءَ والإترابا١٤
وكرهوا التمصيرَ والتمْدِينا
وعموا الدنيا تُعفِّي الدِّينا
ويحهُمو! ما لهُمو وما لَهْ؟
طاب وطيَّبَ الحلالُ مالَهْ
مالٌ كما شاء العفافُ والكرمْ
زكا كهَدْي البيت أو حَلْيِ الحَرَمْ
والزهدُ حالٌ للقلوب والنُّهى
ما أمرَ الله به ولا نهى
وهذه الدنيا يدُ العظيمِ
وسِرُّه في مُلكِه النظيمِ
أسكنها العقلَ فكانتْ أشرَفا
من كلِّ زاهٍ في السماءِ أشرفا
أحلَّ منها ما صفا مشارعا
وحرَّمَ الآياتِ والمَصَارِعا
وساقها للأنبياء ترسُفُ
هذا سليمانُ وهذا يوسفُ
وأين من شأنْيهما عُثمانُ؟
على الذي خَوَّلَه الرحمنُ
استقبحوا إحسانَه العميما
أن يَشمَلَ القريبَ والحميما
وأن يناطَ القُطْرُ والولايهْ
بمن له الصِّهرُ أو الوَلايهْ
وردَّدتْ قولَهمو الغَوْغاءُ
كما تُعيدُ القولَ بَبَّغاءُ
واتُّخِذَ المشاغبون آلهْ
وقيل عثمانُ يخُصُّ آلهْ
رماهمو بعضُ الشيوخ من حسدْ
ووقعوا في الرأْس طعنًا والجسدْ

•••

يا حبذا ولاتُه الأخيارُ
ورأُيُه فيهم والاختيارُ
من حَسَنِ السيرة بالأمس أمرْ
تحت النبيِّ والعتيقِ وعُمَرْ١٥
كهلٍ على الأمر قويِّ الكاهلِ
بين الحواريِّ وبين العاهل
أو ذي شبابٍ تُرتَضَى حكومتُهْ
لا فضلُه خافٍ ولا أَرومتُهْ١٦
مُقدِّمٌ للفضلِ والأرابهْ
وليس للصهر ولا القرابهْ
يُضافُ مرفوعًا إلى الإمامِ
إضافةَ البدرِ إلى التمامِ
فِتيانُ مُلْكٍ وبنو خلافهْ
قد صَدقوا الأبوَّةَ الخلافهْ
قد فتحوا قُبْرُسَ للإمامِ
بالسُّفُنِ المُزْجاةِ كالغمامِ
فأصبح القاصي من البرِّ اقتربْ
وصار بحرُ الروم لُجَّةَ العربْ
وخفقتْ كتائبُ الإسلامِ
في البحر أعلامًا على أعلامِ
فخرٌ لذي النوريْن أيُّ فخر
وهمَّةٌ تذكَرُ لابن صخر١٧
يا طالما بالغَ في الخطابِ
فلم ينلْها من فتى الخطَّابِ
سبحان من فرَّقَ في الأئمهْ
ما جلَّ من مَنقَبةٍ وهِمَّهْ
له الكمالُ وحدَه والمُلْكُ
وهُو الدوامُ وسواهُ هُلْكُ
١  الغبار.
٢  عثمان رضي الله عنه.
٣  الأتراب.
٤  الرستاق: القرية، والحاضرة: المدينة.
٥  السرقة.
٦  يفهم القارئ — إن شاء — سخف القضية العثمانية من الأبيات الآتية.
٧  علي رضي الله عنه، وكان السفير بين عثمان والثائرين.
٨  هما الحسن والحسين، وكانا في خفارة عثمان.
٩  كان محمد بن أبي بكر يدبِّر ويكيد مع الثوار.
١٠  الفتنة.
١١  هو كما تقدم محمد بن أبي بكر، وكان شديدًا على عثمان محرضًا عليه.
١٢  من يُنقذه.
١٣  هم متقدِّموه من الخلفاء.
١٤  الإيسار.
١٥  أي جلُّهم كانوا عمالًا لرسول الله وللعمرين.
١٦  أصله ومَحْتِدُه.
١٧  هو معاوية رضي الله عنه، أول من أركب العرب البحر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤