المحادثة الرابعة

قال الهدهد: وكان الغد، فأصبحت فيما أمسيت فيه، أهفو إلى النسر ولا أُعطَى عنه صبرًا، والنفس إلى ما يشغلها شيِّقة ولِعة، فما زلت رهن أحوال، وجارَ عيش وأشغال، حتى زُيِّنت السماءُ الدنيا بالآصال، وإذا أنا من جُؤجُئي في سفينة عند دأماء، وهي تجري في بحر ولا ماء، من مذاهب السماء، دفتها ريشتان، وشراعها جناحان، فاستوت على ما وراء النهر، وإني لفي الحانوت كأن لم أبرحه، أراني فوق كتف النسر، أنظر إلى الصائغ والغلام، وكأن ما مر فترةٌ من حُلم، إذ الحديث متصل، والصائغ يقول: هذا يا بنيَّ صاحبُ الملك وشاعره، وبوقُه في الغَزاة، وظلُّه في النقلة، وداعيه في الأمة، وآية ملكه في الأولين، وحديثه من بعده في الآخِرين، أوفده حفيد السموات، وشعاع الشمس في الجماعات، برسالة عملتُ بها قبل أن تبلغ إليَّ.

ثم التفت إلى بنتاءور وسأله قائلًا: أليس أمر الملك يا مولاي أن تُنقش على القلائد الثلاث صُوَرُهُ الثلاثُ: يوم قدِم طيبةَ ظافرًا، ويوم صلَّى صلاة الظفر في هيكلها، ويوم المهرجان؛ وكانت إشارته السابقة أن تتضمن الصور الثلاث حملته على الأعداء في آتيش، ودخوله المدينة فاتحًا، وجلوسه لملكها ومُترفيها يأتونه أذلة صاغرين؟

قال: في هذا جئت؛ فلعل إنسانًا جاءك به قبلي.

فتبسَّم الصائغ حينئذٍ وقال: إنه ليس إنسانًا، إنه الملك بذاته، أشرق هذا الحانوتُ بنوره، وكأني به قائم عند رأسي يقول: اصنع كيت، وافعل كيت، وأنا جالس كما أنا الآن أحدثه كما أحدثك، ثم مشى تُظلِّله السماء، وتحرسه عينُ ذُكاء.

قال الهدهد: فدهشت مما سمعت، وودت لو كنت حاضرًا في تلك الساعة، أرى الملك وأسمع حديثه، وتحسَّر الغلام كذلك وسأل أستاذه قائلًا: وأين كنتُ يا مولاي عندما تَقَدَّس هذا المكانُ بالملك؟

قال: كنت في إصباحك لم تَغْدُ بعدُ إلى العمل، فلم أشأ أن يُخجلك أن تعلم أن ملك الملوك سبقك إلى حانوت أنت فيه صبي تتعلم صناعة.

فخرس الغلام وتلوَّن ألوانًا من الخجل.

ثم قال الصائغ يخاطب الأستاذ: ليس العجب يا مولاي أن يسعى الملك إلى عبده، فإن دأبه الأخذ بيد العاملين، فكيف بعباده المخلصين أمثالي؟ على أن كبار الملوك يتنكرون لأخذ الحكمة التي لا تنفُذ على الملوك حجابهم، وطلب الحقيقة التي لا تلِج عليهم أبوابَهم، كما يتنكر صغارهم ليزدادوا من الصغائر؛ لكن العجب كل العجب أن يلفيني الملك قد ألغيت العمل بأمره الأول قبل أن ينقضه، وعملت بما جاء من أجله قبل أن أعلم به، أمهلتُه ريثما تكلم وأشار وأمر، ثم كشفتُ عن القلائد بين عينيه؛ فاستغرب الأمر وسأل عن السبب، فقلت له: القلائد يا مولاي للملكة الصغرى، وهي بنت ملك آتيش الذي كان عزيزًا فأذللته، وملكًا فاستعملته ثم صاهرته، وأنت تحبها وتفضلها في هوى القلب على سائر نسائك، ولَحَبْلٌ من مَسَد تجعله في جيدها أحبُّ إليها من قلائدك التي تذكِّرها فشلَ قومها وذلَّ أبيها.

فسُر الملك بما قلت له، وأقرَّني على ما أخذت به من العمل، وقال: خُلق الغرور للملك، وقد يبلغ بنا معشر الملوك حتى نسيء إلى أعز الناس علينا ونحن نحسب أننا نحسن إليه.

قال الهدهد: ثم ودَّع الأستاذ الصائغ وخرجنا وأنا أقضي العجب مما سمعت ورأيت ولا أستطيع مع الأستاذ صبرًا، فلما صار وحده قلت: حفظتُ أشياء وغاب عني شيء واحد يا مولاي.

قال: وما ذاك؟

قلت: إنفاذ الملك إياك في أمر سبقتْ به كلمته للصائغ!

فتبسم ثم قال: هذا من تأديب رمسيس صحابته لكيلا يطغوا، يُعلمنا أن له جسدًا وقدمين ولسانًا وعينين، وأن بين غمر العامة ولفيف الخاصة ممن لا يحوزهم مجلسه من يليق أن يسعى الملوك إليه ويأخذوا الحكمة عنه!

قلت: تظل تشوقني إليه، فهل أَنَى أن أراه أم لم يأْنِ يا مولاي؟

قال: لكل شيء ميقات، وليس هذا وقت رؤية الملك، فاصبر معي أو انقلب إلى عشك جاهلًا محرومًا!

فاستعنت الله على الأستاذ في نفسي، ولُذت بالصبر في أمري.

وطفق يجوب بي الطرق، ويحول في الأزقة حتى خرجنا إلى بناء رفيع، فوق طريق وسيع، فقصد الأستاذ قصده، فسألته: ما هذه الدار يا مولاي؟ ولمن؟

قال: هذه يا بني شمس النهار، ومشرق الأنوار، ومهبط الحكمة والأسرار، ونقطة تلاقي العقول الكبار، دار الأدب والفلسفة، أسسناها على مثال الدار الكبرى في طيبة، وكنا أربعة، فلم يمضِ علينا عشرون عامًا حتى نمَت ورَبَتْ، ونجحت ورقَت، وأصبحت من تعدُّد الأساتذة وتكاثر الطلاب وتهافت المستفيدين من الأجانب علماء وفلاسفة، بحيث تضارع أختها في طيبة، ويميزها أن ليس للملك ولا لحكومته ولا للكهنة يدٌ في التأسيس، ولا سبيلٌ على التدريس، وأنها غراس الأفراد وإحدى هممهم؛ فانظر إلى الكثير كيف يأتي من القليل! ومن ميمون أمر هذه الدار أن وزير الخزانة السلطانية لما سمع بها وزارها وهي في أيامها الأولى، كتب لها صكًّا بربع ثروته الواسعة، تستوفي ذلك في حياته وبعد مماته؛ ثم مات وانتقلت روحه الكريمة إلى المغرب،١ وكان قد أدخل ولديه فيها، فلا ورأس الملك يا بني، ما رأيت أنجب منهما، ولا أحَبَّ للعلم، ولا أصبَرَ على تحصيله، ولا أطلَبَ للغايات فيه؛ إذا ذُكر فتيان المملكة في مجلس صاحبها سماهما وأثنى عليهما، وسمع ثناء الناس فيهما؛ فليت أباهما يُرد إلى الحياة لينظر كيف تجزي العناية المحسنين، وتجعل عماد بيوتهم من بعدهم البنين!
قلت: سعداء أنتم معشر الآباء، اتفق أربعة منكم ولن يتفق اثنان منا، وبذل أحدكم ربع ماله في البر ولن ينفق أحدنا دخل عام واحد في صالح الأعمال، ونحن الذين قال بعضهم فينا: «اتفقوا على أن لا يتفقوا.»٢

فأَحفظَت عبارتي الأستاذ، وقال: ما هذا السم في الدسم؟! ومن ذاك الذي يثبط الهمم؟! هذا ومثله أيها الهدهد من الأوهام، وإنها لتُخامر العقول فتعقلها، وتُداخل النفوس فتقتلها. الأوهام داء الأمم، ومنيَّة الشعوب؛ إذا تمكنت من قوم كانت كالفاس في الأساس، وكالنار في الشعار، وكالحبل في الخناق، وكالعلة في القلب، لا يخفق معها إلا إلى حين. ومن تبالغ نكد الدنيا على الشرق الحاضر تبالُغُ هذا الداء فيه، حكوماته دواليب تدور بالأوهام، وبلدانه مملوءة ما بين السِّمَاكَين من الأوهام، وأممه تروح وتغدو حيث تجعلها الأوهام. نظرُ الواحد منهم في الأمور عرَضًا وبعين غيره، وحُكمه فيها عن الهوى، وانقياده في إيرادها وإصدارها بأزمَّة الأوهام. قال لكم رجل قولًا فوهمتم فمتُّم أحياء. ليس مع السلوة عيش، ولا مع القنوط عمل، ولا مع اليأس حياة، وليس أجلب للشر والضر من الدعوة إلى الربوض، وتوهينِ العزائم، وإماتة القلوب، وإخراج النفوس من الرجاء إلى اليأس الذي هو الموت في أشنع صوره وأقبح أحواله.

قلت: الأوهام يا مولاي داء الأمم منذ القدم، لم تخْلُ منها أمة خالية، ولن تخلو منها أمة آتية، فما بالك تُلزمها فريقًا دون فريق، وتنكرها على قوم ولا تنكرها على آخرين؟

قال: خُلق الإنسان من ضعف، فكان الوهم أول دينٍ دان به، وأول حكومة دان لها، وأول شيطان سكن إليه. كان على وجه الدهر يستقبل المجسمات ويتخذ منها آلهة يسجد لها، ولا يزال آخر الدهر يتوجه إليها بالتأليه والتقديس والتنزيه، وإذا عَبَد الله كما تعبدونه أنتم والنصارى واليهود، كان لله الشطر من تلك العبادة وللأوهام الشطر؛ فالمسيحي يُبلي الحديد في كنيسة القديس بطرس بِروما استلامًا وتقبيلًا، كما يضع المسلم خده في عتب الأضرحة بالقاهرة تمسُّحًا وتأميلًا وتعظيمًا وتبجيلًا. وكان في شبيبة الدهر يؤلِّه الجبابرة من البشر أمثاله، ويحكِّمهم في عرضه ودمه وماله، ولا يزال معظم الخلق حتى الآن عبادًا للملوك يأتونهم طائعين، غرَّهم التاج، وخدعهم العرش، وغشَّهم الحجاب، وضللهم الاستبداد، فالسلطان في الأصل للوهم لا للسلاطين، وحقيقة الطاعة له لا للمالكين. وكان الوهم أول شيطان سكن إليه الإنسان، تولَّد منه يقينه، ونشأ عنه علمه، وجرت عليه أموره، وانبنى عليه حكمه، وتألَّف منه مألوفُ عاداته، يحس به ويشعر، ويسمع به ويبصر، ويعجز به ويقدر، وبه يعيش وعليه يموت. خلَت آلاف من السنين، وحافر البغل في مصر حافر البغل فيها، يمسح في وهم بعض الناس من بعض العلل، ويشفي من بعض الأمراض. ومضت مئات من القرون والميت في مصر يُجنَّز آخر الدهر كما كان يُجنَّز أوله، فلو رُفع الصليب من جنازة قبطية، وصِين القرآنُ عن أن يرتله الهملُ في جنازة مسلمة، لخُيل لك أنها جنازة ميت منا معشر القدماء؛ رسوم احتفال، وقربان، وأكل، وحثو تراب، وشق جيوب، وولولة نساء، وعويل عبيد وإماء، وندب الميت ونعته بكيت وكيت؛ والأوهام يا بني كما قلتَ لا تخلو منها الأمم الكبيرة والشعوب الحية، إلا أنها تقف حينئذٍ حيث العامة لا تجاوزها إلى الخاصة، إلا ما ندر؛ كما أنها تتملك الأمم الصغيرة والشعوب المنحطة، فيكون للخاصة منها مثل حظ العامة، وهنا عظيم البلوى، ومنتهى نكد الدنيا. أليس من الوهم القاتل للأنفس، المميت للقلوب، أن يصح في أذهان خاصة المصريين من أمراء وعظماء، وأدباء وعلماء، أنهم أمَّة ليس فيهم فَلَاح، ولا يرجى في أمرهم صلاح؛ وأن اتفاقهم سابع الجهات، ورابع المستحيلات، وأن الوطن ميت وأنهم ميتون، وما أشبه ذلك من الدعاوى الباطلة التي لا تنطبق على نواميس الوجود، ولا ترد إلى أحوال البشر وحوادث التاريخ. الأمم يا بني لا تموت، ولئن بدت عليها دلائل الموت في أزمنة الاضمحلال فما تلك إلا بؤسى تزول، وحال ستحُول. الأمة تصح ثم تعتل ثم تصح؛ تتجدد من حيث تبلَى، وتقوم من حيث تسقط، وتصح بالعلل. هذه اليابان، هل كان في حسبان أحد أن تضم صوتها يومًا ما إلى أصوات دول الغرب في مسألة من أكبر مسائل العصر، وتطمع مع الممالك الطامعة، وتسيِّر الجيوش في البر، وتُخرج الأساطيل في البحر، وقد كانت وأنت في زمن الدراسة لا يُذكر اسمها إلا مقرونًا باسم الصين، عنوان الهمجية، ومثال التوحُّش، والمشبَّه به إذا ذُكر التأخر والانحطاط.٣ وعُرض على المسيو تييرس الوزير الفرنساوي المشهور، مشروعٌ يُراد به إنشاء السكة الحديدية في فرنسا، فسخر منه علانية في المجلس، وعدَّه ضربًا من الهذيان، ثم لم يمضِ نصف قرن على ذلك حتى أصبحت سكك الحديد في فرنسا تُكاثر الأنعام. وقارن المؤرخ فولنيه — الشهير بأسفاره الطويلة في الشرق وكتبه الجليلة عنه — بين القاهرة وباريز على عهده، فذهب إلى أن عدد أهالي القريتين واحد، وأنهما كلتيهما تُضاءان بالسُّرُج وزيت الزيتون، وتُحصَّنان من الخارج بالأسوار، ومن الداخل بالأبواب، وأن الإنسان لا يخرج فيهما بعد ساعة معلومة من الليل، إلى غير ذلك من شُبه التأخر ومخايل الانحطاط. وفولنيه هذا قدِم القاهرة في أيام المماليك،٤ وكتب ما كتب عنها في القرن الثامن عشر، فانظر كيف تبدَّلت الأمور، وتحولت الأحوال، وأصبحت باريز كما عهدتَ عروس عواصم الغرب، تعتاض كل يوم عن ضوء بضوء، وتبدِّل حصونًا بحصون، وتذهب مخترعات وتأتي مخترعات، وتخرج المدينة من أبوابها، وتمتد إلى ما وراء أسوارها، من تكاثر الأعمال، وتزاحم العمال؛ على كثرة ما أصابها بعد فولنيه من مصائب الدهر ونوائبه؛ فكم هَولِ ثورةٍ لاقت، ونارِ حربٍ ذاقت، وخرابٍ إليه انساقت، وكم حكومة قلبت، ودولة غيَّبت، وملك قتلت، وقيصر عزلت، كل ذلك في قرن ونصف قرن، ثم كانت النتيجة خروجها من دجنَّة هذه الحوادث سافرة زاهرة، عظيمة فاخرة، فلو أن أهلها دُعوا إلى اليأس فلبَّوا، وقال لهم عقلاؤهم موتوا أحياءً فسمعوا، لكانت النتيجة بقاءها كما وصفها فولنيه أو أضيقَ حلقةً أو أشدَّ انحطاطًا. من هذا ومثله تعلم يا بني أن العلم والبيان خُلِقا ليكونا حرب الأوهام، ونورًا يخرج إليه الأمم من الظلمات، وأن حاملهما مطالبٌ بالعمل والدعوة إلى العمل حتى النفس الأخير من الحياة، فمن ثبَّط هممكم من علمائكم وعظمائكم، فالْوُوا الوجوه عنه، وانفروا بالأسماع عنه؛ ومن دعاكم إلى حياة فذلك داعي الخير، فاستمعوا له وأنصتوا.

قال الهدهد: فما استتمَّ النسر حتى مُلئت حياةً وأملًا وثقة من المستقبل الذي أعتقد أنه بيد الله، إذا شاء صدَّ عنه وإذا شاء أقام فيه.

وكان للأستاذ درسٌ يلقيه على الطلبة، فأدرك أن الوقت سرق بعضه بعضًا، وأن حديثه معي كان السبب في ذلك، فغضب في نفسه، وهرول حتى دخل القاعة الكبرى، وهناك خفَّ مئات الطلبة له إجلالًا، ثم انحنوا إكبارًا؛ وكان ملل الانتظار تبدو دلائله على وجوههم، فتأملتهم وأنا لا أصدِّق حسِّي فيما أنظر وأسمع، فإذا هم جميعًا مُرْدٌ أو كالمرد؛ لأن من عادتهم إزالة شعر الوجه — كما قدمنا، وعليهم أردية صافية من الكتان الأبيض.

ثم تصدَّر الأستاذ للتدريس كأنه الملك على عرشه، فغلب عليَّ السرور وقلت في نفسي: الآن نلت من السعادة ما لم ينله أحد، لكني ما تأهبت للسماع حتى تثاءب النسر وغشيته السِّنَة المعهودة، فالتفت إليَّ يقول بلسان يعقده النعاس: إذا جاء الليل ذهبت الشياطين، وموعدنا غدًا هذا المكان.

فاستعذت بالله وخرجت من أحلامي، وإذا أنا في وكري بحلوان.

١  كانوا يعتقدون أن الروح بعد مفارقة البدن تذهب إلى حيث تغرب الشمس.
٢  تنسب هذه الكلمة إلى السيد جمال الدين الأفغاني.
٣  أنشأ شوقي — رحمه الله — هذا الكتاب في أول هذا القرن، وكانت حال اليابان والصين على ما وصف.
٤  إنَّما كان قدوم فولنيه إلى القاهرة في عصر الحكم التركي العثماني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢