لغز الخيط القرمزي

١

أخذ آلة التفكير — البروفيسور أوجستوس إس إف إكس فان دوسين، الأستاذ الجامعي والحائز على الدكتوراه في القانون وزميل الجمعية المَلكية والطبيب البشري وطبيب الأسنان — يستمع في اهتمامٍ ودون أن يُصدِر تعليقًا إلى قصةٍ عجيبةٍ يتعذَّر تفسيرها. كان هاتشينسون هاتش، الصحفي، هو من يروي القصة. كان العالِم الكبير يجلس مُسترخيًا في كرسيٍّ ضخم، وكان رأسه الكبير ذو الشعر الأصفر الأشعث مائلًا إلى الخلف، وأصابعه النحيلة البيضاء مضمومةً أطرافها بعضها قُبالة بعض، وعيناه الزرقاوان، الأشبَهُ بشقَّين من فرط ضيقهما، كانتا تُحدِّقان نصف مُغمَضتَين إلى الأعلى. كان العالِم مُنفتحًا لاستقبال ما يُقال.

طلب من المُتحدِّث قائلًا: «من البداية، كل حقيقة تعرفها؟»

قال الصحفي: «الأمر كله حدَث في باك باي. ثمةَ مبنًى سكني كبير هناك، مبنًى حديث الطراز، في شارع جانبي متفرِّع من طريق كومنولث، يبلغ ارتفاع المبنى خمسة طوابق إجمالًا، وهو مقسَّم إلى أجنحة صغيرة، كلٌّ منها مكوَّن من غرفتَين أو ثلاثِ غُرَف مزوَّدة بحمَّام. بعض الأجنحة مؤثَّثة تأثيثًا أنيقًا، بل فاخرًا، ويشغلها أناسٌ يُمكِنهم تحمُّل تكلفة الإيجار الضخم. يُوجَد عادةً رجال غير مُتزوِّجين، ولكن في كثيرٍ من الحالات، يُوجَد زوجان بكل جناح. إنه مبنًى مزوَّد بكل التجهيزات الحديثة، وخدمة مَصاعد، وصبية للرَّدهة، وبوَّابين يرتدُون سُترات رسمية، وردهات فسيحة وكل ما شابه من أمور. كان مزوَّدًا بمنظومتَي إضاءة تعتمد على الغاز والكهرباء، وكان السكان لديهم الحرية في استخدام أيهما أو كلَيهما.

يقطن سمسارٌ شابٌّ، يُدعى ويلدون هينلي، في واحدٍ من أكثر هذه الأجنحة أناقة، والموجود في الطابق الثاني عند الواجهة، وقد حقَّق هذا الشخص نجاحًا كبيرًا في بورصة الأوراق المالية. كان عازبًا يعيش هناك وحدَه؛ لم يكُن له خادم شخصي، وكان يُمارِس التصوير الفوتوغرافي هوايةً، ويُقال إنه كان خبيرًا بارعًا فيه.

توارَدت أنباء مُؤخرًا مُفادها أنه كان يعتزم الزواج هذا الشتاء بفتاة جميلة من فيرجينيا كانت تزور بوسطن من وقتٍ إلى آخر، واسمُها الآنسة ليبسكومب؛ تشارلوت ليبسكومب، من ريتشموند. لم يؤكِّد هينلي أو ينفي هذه الشائعة، رغم أنه سُئل عنها مرارًا. من المُستحيل الوصول إلى الآنسة ليبسكومب حتى حين تزور بوسطن، وهي الآن في فيرجينيا، حسب علمي، لكنها ستعود إلى بوسطن في وقتٍ لاحقٍ من الموسم.»

توقَّف الصحفي لبُرهة، وأشعل سيجارة ومال إلى الأمام في كرسيه، وهو يُحدِّق في ثباتٍ في عينَي العالِم المُبهَمتَين.

ثم واصَل الحديث قائلًا: «حين سكن هينلي في الجناح طلب إزالة كل أجهزة الإضاءة الكهربائية منه. كان قد استأجر المكان لفترةٍ طويلة، وأُجيبَ طلبه؛ ولهذا السبب فهو يستخدم الغاز فقط لأغراض الإضاءة، وعادةً ما يُبقي مصابيح الغاز مُشتعِلة في خفوتٍ أثناء الليل.»

علَّق العالِم قائلًا: «مُضِر، هذا أمر مُضِرٌّ بصحته.»

واصل الصحفي حديثه قائلًا: «الآن إليك اللُّغز. منذ خمسة أسابيع أو نحو ذلك خلَد هينلي إلى فراشه كالمُعتاد، في منتصف الليل تقريبًا. أغلق الباب من الداخل — هو متأكِّد من هذا — ثم استيقظ في الرابعة صباحًا تقريبًا وقد شارف على الاختناق بالغاز، وقد تمكَّن بالكاد من النهوض من فراشه وفتح النافذة كي يسمح بدخول الهواء النقي. كان مصباح الغاز الذي تركه مُشتعلًا قد انطفأ، وامتلأ الجناح كله بالغاز.»

قال آلة التفكير: «من المُحتمَل أن يكون ذلك حادثًا؛ تيَّار هوائي مرَّ عبر الشقة، انخفاض بسيط في ضغط الغاز، ثمَّةَ مائة احتمال.»

قال الصحفي: «هذا ما افترضه الجميع. بالطبع كان من المستحيل أن …»

قاطعه مُحدِّثه بحدَّة قائلًا: «لا يُوجد شيء مستحيل. لا تقُل ذلك؛ فهذا يُضايقني بشدة.»

واصل الصحفي حديثه وعلى وجهه ترتسِم ابتسامةٌ خفيفة قائلًا: «حسنًا إذن، يبدو من غير المُرجَّح بشدَّة أن الباب قد انفتح، أو أن أيَّ شخصٍ قد دخل الغرفة وفعل هذا عمدًا. وهكذا لم يقُل هينلي شيئًا عن هذا الحادث وعزاه إلى الصُّدفة. وفي الليلة التالية أشعل مصباح الغاز كالمعتاد لكنه تركه مشتعلًا على نحوٍ أشدَّ سطوعًا بقليل، ثم تكرَّر الأمر مجدَّدًا.»

قال آلة التفكير وقد غيَّر وضعه قليلًا: «آه، للمرة الثانية.»

قال هاتش: «ومرة أخرى استيقظ في الوقت المناسب كي يُنقِذ حياته، ومع ذلك فقد نسب الأمر إلى الصُّدفة، وقرَّر أن يتجنَّب حدوث الأمر مجدَّدًا عن طريق إطفاء مصباح الغاز ليلًا، ثم ابتاع مصباحًا ليليًّا صغيرًا واستخدمه لأسبوعٍ أو أكثر قليلًا.»

سأله العالم في حدَّة: «ولماذا يُضيء مصباحًا من الأساس؟»

ردَّ هاتش: «لا أعرف لهذا جوابًا، لكن بوسعي القول إنه شخصٌ ذو مزاجٍ عصبي للغاية، وهو ينهض كثيرًا أثناء الليل، ويقرأ أحيانًا حين يُجافيه النوم، علاوةً على ذلك فقد نام طولَ حياته وثمَّةَ ضوءٌ مُشتعِل، إنها عادة لدَيه.»

«استمر.»

«ذاتَ ليلةٍ بحث عن المصباح الليلي لكنه اكتشف اختفاءه — على الأقل لم يكن بمقدوره العثور عليه — لذا فقد أشعل مصباح الغاز مُجدَّدًا، وقد طرد من ذهنه حقيقةَ أن الغاز قد انطفأ مرتَين من قبل ولم يتعامل معها باعتبارها احتمالية جديَّة، وفي الصباح التالي بينما كان أحد الصِّبية الخدَم يجتاز الردهة شمَّ رائحة الغاز وتحقَّق من الأمر بسرعة. لقد استننتج أنه ينبعث من جناح هينلي، فطرق على الباب، وعندما لم يجد جوابًا خلُص في النهاية إلى أنه من الضروري فتح الباب عُنوة، وقد وجد هينلي على فراشه فاقدًا الوعي بينما يتدفَّق الغاز إلى الحجرة مُنبعثًا من المصباح غير المُضاء. عاد هينلي إلى وعيه بفضل الهواء النقي، لكنه ظلَّ مُتعَبًا للغاية عدة ساعات.»

سأله آلةُ التفكير: «لماذا اقتُحِم الباب عُنوة؟ لماذا لم يُفتَح؟»

فسَّر هاتش الأمر قائلًا: «سبب ذلك هو أنَّ هينلي قد أوصدَه بإحكام. لقد صار مُتشكِّكًا، حسب ظني، وبعد المرة الثانية أصبح يُحكِم إغلاق الباب ويُوصِد كلَّ نافذة قبل الخلود إلى النوم. كان ثمَّةَ مخاوفُ من أنَّ شخصًا استخدم مفتاحًا للدخول.»

سأله العالِم: «حسنًا، وماذا بعد؟»

واصل هاتش قائلًا: «انقضَتْ ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، وهو ما يقودنا إلى ما حدث هذا الصباح، ثم حدث الأمر عينُه لكن على نحوٍ مختلف قليلًا. على سبيل المثال، بعد المرة الثالثة التي انبعث فيها الغاز قرَّر هينلي أن يعثُر بنفسه على سببِ ما حدث؛ ومن ثَم أفصح عن نواياه لقلَّةٍ من أصدقائه الذين يعلمون باللغز. وهكذا فقد ظل، ليلةً تلوَ الأخرى، يُشعِل المصباح ويُراقبه. لم يتعرَّض المصباح لأي اضطرابٍ كل ذلك الوقت، فكان يشتعل في ثباتٍ طوال الليل، وكان هينلي ينام بالنهار.

الليلة الماضية ظلَّ هينلي مُستيقظًا لبعض الوقت، ثم بسبب شعوره بالتعب والإنهاك خلد إلى النوم، وفي هذا الصباح استيقظ ليجد الغرفة قد ملأها الغاز مجدَّدًا، ثم نما هذا الأمر إلى عِلم المحرِّر المسئول عن الأخبار المحلية وطلب منِّي سَبْر أغوار ذلك اللغز.»

كان هذا كلَّ شيء. ظلَّ الرجلان صامتَين لبعض الوقت، وأخيرًا استدار آلة التفكير إلى الصحفي.

وسأله: «أيُوجَد أيُّ شخصٍ آخر في المبنى يُبقي مصباح الغاز مُشتعلًا طوال الليل؟»

ردَّ عليه قائلًا: «لا أدري. أعلم أن أغلبَهم يستخدمون الكهرباء.»

«ولم يتعرَّض أحد غيره لهذا الأمر، أليس كذلك؟»

«بلى. لقد تفحَّص الفنِّيون كلَّ أنظمة الإضاءة في المبنى كله ولم يكتشفوا أي خلل.»

«هل الغاز الذي يدخل المبنى يأتي كله من العداد ذاته؟»

«نعم، هكذا أخبرني مدير المبنى. لقد افترضتُ أنه من المُحتمَل أن يكون أحدُهم قد أغلقه من هناك في هذه الليالي كي يُطفئ الأنوار في المبنى كله، ثم أعاد تشغيله. هذا بافتراض أنَّ الأمر مُتعمَّد. أتظنُّ أنها كانت محاولة لقتْل هينلي؟»

رد عليه قائلًا: «ربما. فلتعرِف لي مَن في المبنى تحديدًا يستخدم الغاز، وأيضًا لو كان ثمةَ شخصٌ آخر يترك المصباح مُضاءً طوال الليل، وأيضًا مدى إمكانية وصول أي شخص إلى العداد، ولتحصل لي كذلك على بعض المعلومات عن علاقة الحُبِّ التي تجمع بين هينلي والآنسة ليبسكومب. أهناك أيُّ شخصٍ آخر؟ وإذا كانت الحال كذلك، فمن؟ وأين يعيش؟ حين تعرف هذه الأشياء عد إليَّ.»

في الواحدة من ظهيرة ذلك اليوم عاد هاتش إلى شقة آلة التفكير، تظهر على وجهه مشاعر الإثارة واضحة.

سأله العالِم: «حسنًا؟»

أفصح هاتش عمَّا لدَيه بسرعة قائلًا: «هناك شابَّة فرنسية، تُدعى لويز رينيه، تعمل خادمة لدى السيدة ستاندينج في ذلك المبنى، عُثِر عليها صريعة في غرفتها بالطابق الثالث اليوم. يبدو الأمر انتحارًا.»

سأله آلةُ التفكير: «كيف؟»

أجاب هاتش: «الشخصان اللذان وظَّفاها — الزوج والزوجة — سافَرا لبضعة أيام، وقد كانت في الجناح بمُفردها. وفي ظهيرة هذا اليوم لم تظهر، وكانت رائحة الغاز تنبعث من الجناح، وحين كُسِر الباب اكتُشِف أنها قد لقِيَت حتفها.»

«بينما الغاز يتدفق؟»

«بينما الغاز يتدفَّق. لقد اختنقت.»

قال العالِم: «يا إلهي، يا إلهي.» ثم نهض وأمسك قُبَّعته وأضاف: «لنذهب ونتحقَّق من هذا الأمر.»

٢

حين وصل البروفيسور فان دوسين وهاتش إلى المبنى السكني كان قد سبقهما كلٌّ من الطبيب الشرعي والشرطة. كان المُحقِّق مالوري، الذي يعرفه كلاهما، يتحرك داخل الشقة التي عُثِر فيها على الفتاة المَيتة. كان الجثمان قد أُخِذ بعيدًا وأُرسِلت برقية إلى الزوجَين اللذَين كانت الفتاة تعمل لديهما، واللذين كانا حينها في نيويورك.

قال مالوري وهما يدخُلان: «لقد فات الأوان.»

سأله العالِم: «ما الأمر يا سيد مالوري؟»

أجابه: «انتحار. لا شكَّ في ذلك. وقد حدَث في هذه الغرفة.» ثم تقدَّمهما إلى الغرفة الثالثة بالجناح وأضاف: «الخادمة، الآنسة رينيه، كانت تسكن هذه الغرفة، وكانت وحيدةً هنا ليلة أمس. لقد ذهب الزوجان، السيد والسيدة ستاندينج، إلى نيويورك لقضاء بضعة أيام. لقد تُركَت وحدَها، وانتحرت.»

من دون أسئلة إضافية ذهب آلة التفكير إلى الفِراش، الذي أُخِذ من فوقه جثمان الفتاة، ثم انحنى فوقه وأمسك كتابًا. كان روايةً كتبَتها «الدوقة». فحص الكتاب بدقَّة ثم وقف على كرسي وتفحَّص مصباح الغاز، بعد ذلك نزل وذهب إلى نافذة الغرفة الصغيرة، وفي النهاية استدار مُواجهًا المُحقِّق.

وسأله: «ما مقدار الغاز الذي كان يعمل به المصباح؟»

ردَّ عليه: «كان يعمل بأقصى طاقته.»

«أكان كِلا بابَي الغرفة مُغلَقَين؟»

«كلاهما، نعم.»

«وهل يُوجَد أي قطن أو قماش أو ما شابَه محشورٌ في فتحات النافذة؟»

«كلا، إنها نافذة مُحكَمة الغلْق على أي حال. هل تُحاوِل إظهار الأمر بمظهر اللغز؟»

واصلَ آلة التفكير حديثه قائلًا: «هل الشقوق في الأبواب مسدودة؟»

قال المُحقِّق والابتسامة ترتسِم على شفتَيه: «كلا.»

جثا آلةُ التفكير على ركبتَيه وتفحَّص الجزء السُّفلي من أحد البابَين، والذي كان يُفضي إلى الردهة. كان مزلاج ذلك الباب قد كُسِر حين اندفع الموظفون داخل الغرفة. وبعد أن أكمل آلة التفكير فحصه هذا المَوضع والجزء السفلي الخاص بالباب الآخر، الذي كان يربط بين هذه الغرف وغرفة النوم المُتاخِمة لها، وقفَ مرةً ثانية على كرسيٍّ وفحص الجزء العلوي لكلا البابَين.

تساءل: «كلتا النافذتَين الفَوقيَّتَين مُغلَقتان، أليس كذلك؟»

جاءه الرد: «بلى. لا يُوجَد تفسير آخر سوى الانتحار.» هكذا أوضح المُحقِّق، مُضيفًا: «كان هذا رأي الطبيب الشرعي، وكل شيء عثرتُ عليه يُشير إلى هذا.»

ردَّ آلة التفكير على نحوٍ مُباغِت: «حسنًا، لا تدَعْنا نعطِّلك.»

بعد قليلٍ ذهب المُحقِّق مالوري بعيدًا. ذهب هاتش والعالِم إلى طابق المكاتب، حيث قابلا مدير المبنى. بدا في حالة كرْب عظيم، لكنه كان مُستعدًّا لبذْل كل ما في وسعه في هذا الأمر.

سأله آلة التفكير: «هل مهندس المُناوبة الليلية جدير بالثقة تمامًا؟»

ردَّ قائلًا: «بالتأكيد. إنه أحد أفضل الرجال الذين قابلتُهم في حياتي وأكثرهم جدارة بالثقة، وهو شخصٌ يقِظ ومُنتبِه على الدوام.»

«أيُمكِنني مقابلته الآن؟ مهندس المناوبة الليلية أعني.»

ردَّ قائلًا: «بالطبع. إنه بالأسفل؛ فهو ينام هناك. هو على الأرجح مُستيقظ الآن، وهو ينام عادةً حتى الواحدة ظهرًا؛ نظرًا لسهرِه طوال الليل.»

«هل توفِّرون الغاز للمُستأجرين؟»

«الغاز والكهرباء مشمولان في إيجار الأجنحة، ويحقُّ للمُستأجرين استخدام أيهما.»

«والغاز كله يتبع عدادًا واحدًا؟»

«نعم، عداد واحد. إنه يقع قُبالة غرفة المُحرِّكات مباشرة.»

«أعتقد أنه ما من سبيل إلى معرفة مَن في هذا المبنى تحديدًا يستخدم الغاز، أليس كذلك؟»

«كلا؛ فبعضهم يستخدمونه وبعضهم لا. لا أدري.»

كان هذا هو ما أخبر به هاتش العالِم. ذهبا بعد ذلك معًا إلى القبو، وقابلا مهندس المناوبة الليلية هناك، ويُدعى تشارلز برلينجيم، وهو رجل طويل قوي مليح القسَمات، يتَّسِم باليقظة والحديث القاطع. حدَّق ببعض الدهشة في الجسد النحيل الشبيه بالطفل لآلة التفكير وفي رأسه الكبير العجيب الشكل.

بدأ آلة التفكير حديثه قائلًا: «تُوجَد في غرفة المُحركات أو على مقربة منها كل ليلة، ألست كذلك؟»

ردَّ قائلًا: «لم أفوِّت ليلةً واحدة منذ أربع سنوات.»

«وهل يأتي أحدٌ إلى هنا لمُقابلتك ليلًا؟»

«مطلقًا؛ فهذا مُخالف للقواعد.»

«المدير أو صبيُّ الردهة؟»

«مُطلقًا.»

واصل آلة التفكير إلحاحَه قائلًا: «ماذا عن آخِر شهرَين؟»

جاءه الردُّ القاطع: «ولا في آخِر سنتَين؛ فأنا أخرج لمباشرة نَوبَتي كلَّ ليلةٍ في السابعة مساء، وأظلُّ في الخدمة حتى السابعة صباحًا. لا أعتقد أنَّني رأيتُ شخصًا في القبو هنا معي بين هاتَين الساعتَين لسنةٍ على الأقل.»

كان آلة التفكير ينظر مُضيِّقًا عينَيه في عَينَي المهندس، ولبعض الوقت ظلَّ كلاهما صامتًا. تجوَّل هاتش في أرجاء غرفة المُحركات التي كانت شديدة التنظيم، وأومأ مُوجِّهًا التحية لمهندس المناوبة النهارية، الذي جلس وقد أسند ظهره إلى الحائط، وكان أمامه مباشرة مقياس ضغط البخار.

كان السؤال التالي الذي وجَّهه آلة التفكير هو: «ألدَيكم وقَّاد؟»

قال مهندس النوبة الليلية: «كلا؛ فأنا أُشعِل النار بنفسي، ها هو الفحم.» ثم أشار إلى صندوقٍ موضوع على مسافة بضع خطوات من فتحة الغلاية.

قال آلة التفكير: «لا أظنُّ أن الفرصة قد سنحت لكما للتعامُل مع عداد الغاز من قبل؟»

قال الرجل الآخر: «لم ألمسه في حياتي قط، ولا أعرف أيَّ شيء عن العدادات على أي حال.»

«ولا يَغلبك النعاس مطلقًا لبضع دقائق حين تكون وحيدًا بالليل؟ أعني إغفاءة خفيفة؟»

ابتسم المهندس في دماثة.

ثم قال: «لم تُراوِدني الرغبة في ذلك، كما أنَّني لم أكن لأحظى بالفرصة؛ فلدَينا ميقاتي هنا.» ثم أشار إليه وأكمل: «ويتعيَّن عليَّ أن أضغط عليه كلَّ نصف ساعة طوال الليل كي أُثبِتَ أنَّني مُستيقظ.»

قال آلة التفكير في حِدَّة: «عجبًا، عجبًا.» ثم سار نحو الميقاتي وتفحَّصه، وكان عبارة عن قُرص ورَقي دوَّار مسجَّل عليه الساعات، وكان يدور بفعل حركة ساعة، وكان وجه تلك الساعة ظاهرًا في المنتصف.

واصل المهندس حديثه قائلًا: «كما أنَّ هناك مقياسَ ضغط البخار الذي يجب مُراقبته. لا يجرؤ أي مهندس على النوم؛ فقد يقع انفجار.»

سأله آلة التفكير فجأة: «أتعرِف السيد ويلدون هينلي؟»

تساءل برلينجيم: «مَن؟»

«ويلدون هينلي؟»

ردَّ ببطء: «كلا، كلا، لم أسمع به قط. من هو؟»

«أحد المُستأجِرين، في الطابق الثاني حسب ظنِّي.»

«يا إلهي، لا أعرف أيًّا من المُستأجِرين. ماذا عنه؟»

«متى يأتي المُفتِّش هنا لقراءة العداد؟»

«لم أرَه قط. أعتقد أنه يأتي نهارًا، صحيح يا بيل؟» ثم استدار إلى مهندس المناوبة النهارية.

قال بيل من الركن: «دائمًا بالنهار، عادةً قبل الظهر.»

«أيُوجَد أيُّ مدخلٍ آخر إلى القبو بخلاف هذا الطريق؟ أعتقد أنَّ بوسعك رؤية أي شخص يأتي من هذا الطريق، أليس كذلك؟»

«بالتأكيد يُمكِنني رؤيته، ولا يُوجَد مدخل آخر إلى القبو عدا فتحة الفحم في الرصيف الأمامي.»

«ثمةَ مصباحان كهربائيان كبيران أمام المبنى، أليس كذلك؟»

«بلى. إنهما مُضاءان طوال الليل.»

تسلَّلت علامات الحيرة إلى عينَي آلة التفكير. كان هاتش يعلم من إلحاحه في السؤال أنه لم يكن راضيًا، لكنه لم يكن قادرًا على استيعاب كلِّ الاستفسارات أو فَهمها. بصورةٍ ما كان يتعيَّن عليهما التعامُل مع إمكانية وصول أحدِهم إلى العداد.

كان سؤال آلة التفكير التالي هو: «أين تجلسون في المعتاد ليلًا في هذا المكان؟»

«هناك حيث يجلس بيل. دائمًا ما أجلس هناك.»

عبَر آلة التفكير الغرفة نحوَ بيل، وكان رجلًا ذا مظهرٍ تقليدي ويدَين مُتَّسِختَين حسب ما تفرضه مِهنته.

سأله: «أيُمكِنني الجلوس هنا للَحظة؟»

نهض بيل في تراخٍ، وجلس آلة التفكير على الكرسي، ومن هذه النقطة كان يرى بوضوحٍ عبر الفتحة في القبو — فلم يكن هناك باب — عداد الغاز ذا الحجم الضخم الذي يتدفَّق عبره كلُّ الغاز الداخل إلى المنزل. كان ثمَّةَ ضوءٌ كهربائي جعل المكان مُضيئًا كضوء النهار. لاحظ آلة التفكير هذه الأشياء، ونهض ثم أومأ شاكرًا الرجلَين، ثم صعد الدرَج بينما لا تزال تعبيرات الحيرة ترتسِم على وجهه، وهناك، كان المدير لا يزال موجودًا في مكتبه.

سأله: «أعتقد أنك تفحص الميقاتي الموجود في غرفة المهندس وتتأكد من أنه يُسجِّل التوقيت بدقةٍ كلَّ نصفِ ساعة خلال الليل؟»

«نعم؛ فأنا أفحص القُرص كل يوم، والبطاقات موجودة لديَّ هنا في الواقع، كلها مُدوَّن عليها تواريخها.»

«أيُمكِنني رؤيتها؟»

الآن شعَر المدير بالحيرة. أخرج البطاقات، واحدةً تلوَ الأخرى، وعلى مدار نصف ساعة فحصها آلة التفكير بدقَّة، وفي نهاية ذلك الوقت، حين نهض ونظر إليه هاتش مُستفسِرًا، كان تعبير الحيرة لا يزال مُرتسِمًا على وجهه.

بعد الإلحاج في الطلب، أوصلهم المدير إلى شقَّة ويلدون هينلي. كان السيد هينلي قد ذهب إلى مكتبه في شارع ستيت، وهنا، فعل آلة التفكير عددًا من الأشياء التي أثارت حفيظة المدير، ومن بين تلك الأشياء الفحص الدقيق لمصابيح الغاز، بعد ذلك فتح آلة التفكير إحدى النوافذ الأمامية ونظر منها إلى الشارع؛ أسفلَه بخمس عشرة قدمًا كان يُوجَد الرصيف، وأعلاه كانت تُوجَد الواجهة المُصمَتة للمبنى، التي لا يبرُز منها شيء بخلافِ ساريةِ علَمٍ كانت تمتد، بحبالها الكاملة، من نافذة ردهة الطابق العلوي مباشرة، فوق الرصيف لمسافة اثنتي عشرة قدمًا أو نحو ذلك.

سأل المدير: «هل تستخدمون سارية العلَم؟»

قال المدير: «نادرًا. أحيانًا في الأعياد الرسمية؛ كاحتفال الرابع من يوليو وما شابه. لدَينا علَم كبير من أجلها.»

غادر آلة التفكير الشقة وصعد إلى الردهة بالدور التالي؛ كي يفحص سارية العلَم. مال من النافذة ونظر إلى الأسفل نحو الشقة التي غادرها للتو، بعد ذلك تفحَّص حبل السارية، وجذَبه بيدَيه النحيلتَين ببطءٍ وحِرص، وفي النهاية أمسك خيطًا قرمزيًّا رفيعًا وفحصه جيدًا.

قال مُتعجِّبًا: «آه.» ثم خاطب هاتش قائلًا: «لنذهب يا سيد هاتش. أشكرك.» كانت هذه الكلمة الأخيرة مُوجَّهة إلى المدير، الذي كان يشهد ذلك مُتحيِّرًا.

حين وصلا إلى الشارع كانت أسئلة عديدة تحتشِد في رأس هاتش، الذي يسير إلى جوار آلة التفكير، لكنه لم يطرحها. كان يعلَم أن هذا سيكون بلا فائدة، وفي النهاية كسر آلة التفكير الصمت.

فقال فجأة وبنبرةٍ واثقة: «هذه الفتاة، الآنسة رينيه، قُتلَت. كما جرَتْ أربعُ محاولات لقتْل هينلي.»

سأله هاتش مذهولًا: «كيف؟»

جاءه الردُّ المُدهش: «عن طريق خطة شديدة البساطة، لدرجةِ أنه لم يسبِق لك ولا لي ولا لرجال الشرطة أن سمِعوا أنها نُفِّذت بالفعل. إنها شديدة الترويع من فرْط بساطتها.»

سأله هاتش في إلحاح: «ما هي؟»

وكان الرد: «سيكون الخَوض في ذلك الآن من غير المُجدي. لقد وقعَتْ جريمة قتْل، ونحن نعلم كيف، والسؤال هو: من القاتل؟ مَن لدَيه الدافع لقتْل هينلي؟»

٣

ساد الصمت لبُرهة بينما واصلا السير.

وفي النهاية سأله هاتش: «إلى أين أنت ذاهب؟»

ردَّ آلة التفكير: «تعالَ إلى منزلي ولنتدبَّر هذا الأمر بمزيدٍ من التعمق.»

لم ينبس أحدهما ببنت شفة إلا بعد نصف ساعة، حين كانا في المُختبَر الصغير. فلوقتٍ طويل استغرق العالِم في التفكير العميق. أخذ العالِم كتابًا من أحد الأرفُف ولمَح هاتش العنوان، كان العنوان هو: «الغازات: خصائصها». وبعد قليل، أعاد هذا الكتاب إلى الرفِّ وأخذ كتابًا آخر، لمح الصحفي عنوانه، وكان «التشريح».

قال آلة التفكير بصوته المُتعكِّر المعتاد: «الآن يا سيد هاتش، لدَينا لغز من نوعٍ فريد بحق، وهو يكتسب سِمَته الاستثنائية من بساطته، ومع ذلك فليس من الضروري الدخول في تفاصيله الآن؛ سأُوضِّح لك الأمر حين نعرِف الدوافع.

كقاعدة عامَّة، لا تُكتشَف أكبر الجرائم لأنَّ كبار المجرمين، مُرتكِبيها، أبرع من أن يُقبَض عليهم. هنا لدَينا ما يُمكِن أن أسمِّيَه جريمة كبيرة ارتُكِبت ببساطةٍ شديدة تُثير قدرًا هائلًا من الحيرة، وجريمة أعظم من هذا جرى التخطيط لها. كانت هذه هي جريمة قتل ويلدون هينلي، وأول مهمَّة يتعيَّن عليك القيام بها هي مقابلة السيد هينلي وتحذيره من الخطر الذي يحيق به. لن يتعرَّض للخنق مُجدَّدًا، ولكن ثمةَ احتماليةٌ للتسمُّم أو التعرُّض لطلقٍ ناري، أو طعنة سكين، أو أي شيء آخر. في الحقيقة، إنه على خطر عظيم.

ظاهريًّا، يبدو موت الآنسة رينيه، الخادمة، انتحارًا، غير أنه حدث نتاجًا لخطة جُرِّبت مرةً تلوَ الأخرى على هينلي. ثمةَ احتمال أنَّ الآنسة رينيه لم تكن الضحية المقصودة للمكيدة، لكن تظلُّ حقيقة أنها تعرضت للقتل. لماذا؟ إذا عثرنا على الدافع وراء التخطيط لقتل السيد هينلي فسنعلم السبب.»

مدَّ آلة التفكير يدَه إلى الرف، وأخذ كتابًا، ونظر فيه للحظة ثم واصل قائلًا:

«السؤال الأول الذي يجِب حسمه على نحوٍ لا لبس فيه هو: من يكره ويلدون هينلي بما يكفي كي يرغب في قتله؟ كما ترى فهو رجل ناجح في عالم الأعمال؛ ولذا ثمةَ احتماليةُ أن يكون له أعداء ممَّن لا يُبلون بلاءً حسنًا هناك، غير أن ذلك يبدو غير مُرجَّح، وإذا حدث أن دمَّر السيد هينلي حياة رجلٍ آخر بفعل عمله، فيتعيَّن عليك أن تعرف هذا الرجل وأن تتقصَّى بشأن كلِّ شيء يتعلق به. ربما يكون هو المنشود. سيُثار أمام رجلٍ واسع الحيلة مثلك عددٌ لا حصر له من الأسئلة في هذا الصدد. لا تدَعْ أيًّا منها دون إجابة.

من ناحية أُخرى هناك علاقة هينلي الغرامية. هل لدَيه مُنافِس ربما يرغب في وفاته؟ ألدَيه أي مُنافِس؟ وإذا كان الحال كذلك، فلتعرف كل ما يُمكِن معرفته عنه. ربما يكون هو الرجل الذي خطَّط لكل هذا. هنا، أيضًا، ستُثار أسئلةٌ تستلزم الإجابة عنها؛ إذن أجِب عنها — كلها — على نحوٍ وافٍ وبوضوح قبلَ أن تراني مجدَّدًا.

هل كان هينلي طرفًا في علاقة غرامية من أي نوع؟ فلتعرف هذا أيضًا؛ فمِن شأن امرأة توَّاقة للانتقام أو حبيبٍ مهجور لامرأة توَّاقة للانتقام، كما تعلم، أن يفعلا أيَّ شيء. إن شائعة ارتباطه بالآنسة … الآنسة …»

أكمل هاتش: «الآنسة ليبسكومب.»

«إن شائعة ارتباطه بالآنسة ليبسكومب ربما تكون قد دفعت امرأةً كان مهتمًّا بها فيما سبق، أو كانت مهتمَّة به فيما سبق، إلى محاولة قتله. إن جرائم القتل الأكثر تعقيدًا — أي تلك الأكثر جاذبية كألغاز — تكون على نحوٍ شِبه دائم نَتاجَ قريحة امرأة داهية. لا أعرف شيئًا عن النساء.» هكذا سارع بالتوضيح. «غير أن لامبروزو تبنَّى هذا الرأي؛ ولهذا فلترَ إذا كان ثمةَ تورطٌ لامرأة في الأمر.»

كان هاتش قد رأى أغلب هذه النقاط من قبل — رآها بالعينَين الثاقبتَين لصحفي ماهر — لكن كانت ثمةَ عدةُ نقاط لم تخطر على باله. أومأ مُشيرًا إلى تفهُّمه.

واصَل آلة التفكير حديثه قائلًا: «بطبيعة الحال، مِحور اللغز كله هو المبنى السكني الذي يعيش فيه هينلي. إن الشخص الذي حاوَل قتله إما يعيش هناك أو لدَيه القدرة على دخول المبنى، ويقضي الليل هناك على نحوٍ مُتكرِّر. هذا سؤال مُهم يتعيَّن عليك الإجابة عنه. سأترك كل هذا لك لأنك تعرف كيفية التعامُل مع هذه الأمور بطريقةٍ أفضل منِّي. أعتقد أن هذا كل ما هنالك. حين تعرف كل هذه الأمور عُد إليَّ.»

نهض آلة التفكير كما لو أن هذا اللقاء قد انتهى، ونهض هاتش أيضًا في تردُّد. كان ثمةَ فكرةٌ تختمر في عقله.

تساءل: «هل خطر ببالك احتمالية وجود علاقة بين هينلي والآنسة رينيه؟»

جاءه الرد: «أمرٌ مُحتمل. لقد فكَّرت فيه. لو كانت هناك صلة فهي لم تتَّضِح بعد.»

«كيف إذن … كيف قُتلَت، أو قَتلت نفسها، أيًّا كان حقيقة ما حدث، وأيضًا …»

«إن محاولة قتل هينلي هي التي تسبَّبت في مقتلها. هذا كل ما يُمكِنني قوله الآن.»

سأله هاتش بعد فترة من الصمت: «أهذا كل شيء؟»

«كلا. فلتُحذِّر السيد هينلي على الفَور من أنه يُواجِه خطرًا شديدًا. تذكَّر أن الشخص الذي خطَّط لهذا مُستعد على الأرجح لفعل أيِّ شيء. لا أعرف السيد هينلي بطبيعة الحال، لكنني استنادًا إلى حقيقةِ أنه دائمًا ما يترك النور مُضاءً ليلًا، أستنتج أنه رجل واهِن العزيمة — ليس بالضرورة رجلًا جبانًا، وإنما رجلٌ يفتقر إلى الجَلَد — ولذا من الأفضل له أن يختفي لمدة أسبوع أو نحو ذلك حتى يُحَلَّ اللغز. وأهم ما في الأمر أن تنقل له جِديَّة هذا التحذير.»

فتح آلة التفكير مُفكِّرته الشخصية وأخرج منها الخيط القرمزي الذي التقطه من حبل سارية العلَم.

أوضح لهاتش قائلًا: «هذا، في اعتقادي، الحل الفعلي للغز. ماذا يُمكِن أن يكون الحل من وجهة نظرك؟»

تفحَّصه هاتش من كثَب.

ثم أصدر حُكمَه النهائي قائلًا: «أعتقد أنه خيط مأخوذ من ثوب استحمام تركي.»

«مُحتمَل. اسأل خبيرًا في الأقمشة عن رأيه فيه، ثم إذا بدا الأمر واعدًا فلتُتابِعه. اعرف لو كان من المُمكِن بأيِّ صورة أن يكون جزءًا من أي ثَوبٍ يرتديه أيُّ شخصٍ في هذا المبنى السكني.»

قال هاتش: «لكنه رفيع للغاية …»

قاطعَه آلة التفكير في حدَّة: «أعلم هذا. إنه رفيع، لكنني أعتقد أنه جزء من ثوب الشخص — رجلًا كان أم امرأة — الذي حاوَل قتل السيد هينلي أربعَ مرات، والذي قتل الفتاة؛ ولهذا فالخَطب جدُّ خطير.»

نظر هاتش إليه بسرعة.

«حسنًا، كيف — بأي طريقة — وصل إلى المَوضِع الذي وجدتَه فيه؟»

قال العالِم: «الأمر بسيط. من العجيب أنه لم تكن تُوجَد أجزاء أخرى منه، هذا كل ما هنالك.»

غادر هاتش منزل آلة التفكير، شاعرًا بالحيرة بفعل التعليمات، لكن واثقًا في النتائج. ما العلاقة المُحتمَلة التي يُمكِن أن تربط هذا الخيط القرمزي الرفيع، الذي عُثِر عليه على سارية علَم، بالشخص الذي أطفأ الغاز في شقة هينلي؟ كيف دخل أي شخص إلى شقة هينلي كي يُطفئ الغاز؟ كيف لقِيَت الآنسة رينيه حتفها؟ وبأي كيفية ماتت؟

استخدم خبير في الأقمشة بأحد المتاجر الكبرى معرفته وتفحَّص الخيط القرمزي الرفيع كي يُفيد هاتش بشأنه، غير أنه لم يقُل شيئًا بخلاف أنه يبدو وكأنه جزء من ثوب استحمام تركي.

سأله هاتش: «ثوب رجل أم امرأة؟»

ردَّ قائلًا: «القماش المصنوعة منه أثواب الاستحمام يكون هو ذاته في حال الرجال والنساء. لا أستطيع إفادتك بشيءٍ آخر. بالطبع لا يُوجد ما يكفي منه كي أُخمِّن حتى شكل الثوب.»

بعد ذلك ذهب هاتش إلى منطقة المال وأُرشِد إلى مكتب ويلدون هينلي الذي كان رجلًا نحيلًا وسيمًا في الثانية أو الثالثة والثلاثين من العمر، وله وجه شاحب ومظهر عصبي. كان تأثير التسمُّم بالغاز لا يزال باديًا عليه، وكانت ثمةَ لمحةٌ من خوف دفين — خوف من شيء لم يكن هو ذاته يعرفه — تظهر في سلوكه.

تحدَّث هينلي في حُرية إلى الصحفي عن أشياء مُعيَّنة، لكنه كان مُتحفِّظًا في الحديث عن أمور أخرى، وقد أقر بخِطبته إلى الآنسة ليبسكومب، وفي النهاية أقرَّ بأن رجلًا آخر كان يسعى إلى خطبة الآنسة ليبسكومب، ويُدعى رينيو كابيل، وكان يقطن بفيرجينيا سابقًا.

سأله هاتش: «أيُمكِنك أن تُعطيني عنوانه؟»

ردَّ عليه: «إنه يعيش في المبنى السكني ذاته الذي أعيش فيه، فوقي بطابقَين.»

ذُهِل هاتش، ذهل إلى درجةٍ فاقت ما كان مُستعدًّا للإقرار به.

سأله: «أأنت على وفاق معه؟»

قال هينلي: «بالتأكيد. لن أقول المزيد عن هذا الأمر. لن يكون هذا من الحصافة لأسبابٍ واضحة.»

«أعتقد أنك تُفكِّر في أنَّ تشغيل الغاز كان محاولة لقتلك، أليس كذلك؟»

«ليس لديَّ افتراض آخر.»

تفحَّص هاتش الوجه الشاحب من كثبٍ ثم طرح عليه السؤال الآتي:

«أتعرف أن الآنسة رينيه عُثِر عليها صريعةً اليوم؟»

قال هينلي مُتعجِّبًا وهو ينهض: «صريعة؟ مَن — ماذا — من تكون؟»

بدا أنه يبذُل مجهودًا كبيرًا في محاولة تمالُك نفسه.

أوضح الصحفي له بالتفصيل الظروف التي عُثِر فيها على جثمان الفتاة، واستمع السمسار دون تعليق، ومنذ ذلك الحين وصاعدًا تفادى هينلي كلَّ أسئلة الصحفي أو رفَض الإجابة عليها صراحة. وفي النهاية كرَّر هاتش عليه التحذير الذي تلقَّاه من آلة التفكير، ثم انصرف شاعرًا بأنه لم يُنجِز الكثير.

في الثامنة من مساء تلك الليلة — وكانت ليلة حالكة السواد — وُجِد هينلي فاقدًا الوعي، مُستلقيًا على رصيفٍ غير مطروق في حديقة عامة. كان ثمَّةَ ثَقْبُ رصاصة في كتفه الأيسر، وكان ينزف بغزارة. نُقِل هينلي إلى المستشفى، وهناك استردَّ وعيَه للحظة.

وحين سُئل: «من أطلق النار عليك؟»

أجاب: «ليس هذا من شأنكم.» ثم فقد وعيه مُجدَّدًا.

٤

واصل هتشينسون هاتش تحقيقاته، وهو غير مُدرِك بالمرة لآخر محاولات القتل التي تعرَّض لها السمسار، وفي النهاية قادتْه تحقيقاته إلى صديقٍ حميم لرينيو كابيل. كان الشاب الجنوبي يمتلك شقة كبيرة في الطابق الرابع من المنزل الكبير المُواجِه لطريق كومنولث، أعلى الشقة التي يشغلها هينلي مباشرة، لكن تعلُوها بطابقَين. كان هذا الصديق شخصية بارزة بالأوساط الاجتماعية في باك باي، وقد تحدَّث في حرية لهاتش عن كابيل.

قال: «إنه شخص طيب، وأحد أفضل الأشخاص الذين قابلتهم، وهو سليل إحدى أفضل العائلات في فيرجينيا؛ ابنٌ بارٌّ حقيقي لفيرجينيا. إنه شخصٌ عصبيُّ المزاج لا أُنكِر هذا، لكنه رجل ممتاز، وفي كلِّ مكانٍ ذهب إليه عقدَ صداقات.»

سأله هاتش على نحوٍ عارض: «لقد كان واقعًا في غرام الآنسة ليبسكومب من فيرجينيا، أليس كذلك؟»

«كان؟!» هكذا كرَّر مُحدِّثه وهو يضحك، وأضاف: «إنه لا يزال واقعًا في غرامها، غير أنه علِم مؤخَّرًا أنها مخطوبة إلى ويلدون هينلي، وهو سمسار — هل سبق أن سمِعتَ به؟ — وهذا، حسب ظني، هدَّأ حماسته كثيرًا. في الحقيقة، كان كابيل يأخذ الأمور بجديةٍ شديدة. كان يعرف الآنسة ليبسكومب في فيرجينيا — فهي سليلة عائلة أخرى مشهورة هناك — وبدا أنه يعتقد أن هذا يمنحه الأفضلية في امتلاك قلبها.»

سمع هاتش كل هذه الأشياء كما يستمع أي رجل إلى القيل والقال، لكن كلَّ حقيقة إضافية كانت تغُوص في عقله، وكل حقيقة إضافية كانت توجِّه شكوكه أكثر نحوَ الوجهة التي اختاراها.

واصل مُحدِّثه كلامه قائلًا: «إن كابيل ميسور الحال، ليس ثريًّا بمعايير الشمال، لكنه ميسور الحال تمامًا، وأعتقد أنه أتى إلى بوسطن لأنَّ الآنسة ليبسكومب كانت تقضي قدرًا كبيرًا من الوقت هنا. إنها شابَّة جميلة في الثانية والعشرين، وتتمتع بشعبية طاغية في الأوساط الاجتماعية في كلِّ مكان، خاصة في بوسطن، وهناك أيضًا الحقيقة الإضافية المُتمثِّلة في وجود هينلي هنا.»

قال هاتش: «ألم تُتَح فرصة لكابيل على الإطلاق؟»

جاءه الرد: «على الإطلاق، لكن رغم كسرة القلب كان أول مَن هنَّأ هينلي على الفوز بحبها، وكان يقصد هذا أيضًا.»

«وما هو رأيه في هينلي الآن؟» سأله هاتش بصوتٍ هادئ، لكن كانت ثمَّةَ نبرةٌ عصبية لا يلحظها المُتلقِّي.

«إنهما يتقابلان ويتحدَّثان ويتحرَّكان في الوسط الاجتماعي ذاته. لا أعتقد أنهما على وفاقٍ تامٍّ بالطبع، لكن لا يُوجَد أي أثر لمشاعر ضغينة بينهما.»

«هل كابيل من نوعية الرجال المُحِبين للانتقام؟»

«مُحِب للانتقام؟!» قالها مُحدِّثه وهو يضحك. «كلا، إنه أشبَهُ بصبيٍّ كبير، مُتسامح وكل ما شابَهَ من خصال، لكنه مُنفلِت الأعصاب، يُمكِنني تخيُّله وهو يأخذ الأمر على مَحملٍ شخصي مع هينلي وقد استشاط غضبًا، لكنني لا أعتقد أنه فعل ذلك قط.»

كان عقل الصحفي يُركِّز على نقطةٍ واحدة، وتسبَّب احتشاد الأفكار وتصاعُد الأسئلة والشكوك في إسكاته للحظة.

بعد ذلك قال:

«كم من الوقت مكث كابيل في بوسطن؟»

«سبعة أشهر أو ثمانية — أعني أنه مكث في الشقة هنا هذه المدة — لكنه زار الجنوب عدة مرات. أعتقد أنه ذهب إلى الجنوب. إنه معتاد على الاختفاء عن الأنظار من حينٍ لآخر. أعرف أنه ينوي العودة إلى الجنوب بصورة نهائية قريبًا جدًّا، وإذا لم أكُن مخطئًا، فهو يسعى الآن إلى تأجير جناحه.»

نظر هاتش فجأةً إلى مُحدِّثه؛ إذ خطرت على باله فكرة مقابلة كابيل وامتلاك مُسوِّغٍ مشروع للتحدُّث معه.

قال أخيرًا: «أنا أبحث عن جناح، وأتساءل إذا أمكنك أن تمنحني بطاقتك كي تُقدِّمني له. ربما نتَّفِق على الأمر.»

وهكذا كان هاتش في طريقه بعد ساعة ونصف الساعة، في نحو التاسعة وعشر دقائق، إلى المبنى السكني الكبير، وقابَل المدير في المكتب.

سأله المدير: «أسمِعتَ بالخبر؟»

ردَّ هاتش: «كلا، ماذا حدَث؟»

«لقد أطلق أحدُهم النار على السيد هينلي بينما كان يجتاز الحديقة العامَّة في أول المساء.»

أطلق هاتش صفير تعجُّب.

«هل مات؟»

«كلا، لكنه فاقد الوعي. يقول طبيب المستشفى إن الجُرح سيئ، لكنه ليس خطيرًا بالضرورة.»

«من أطلق النار عليه؟ هل يعرفون بعد؟»

«إنه يعلم، لكنه يرفض الإفصاح.»

مُندهشًا ومُنزعجًا من هذا التطوُّر الأخير، ذلك التحقُّق الدقيق لنبوءة آلة التفكير، وقف هاتش مُفكرًا للَحظة، ثم استعاد رَباطة جأشه وطلب مقابلة كابيل.

قال المدير: «لا أظنُّ أنَّ ثمةَ فرصةً كبيرة لمقابلته. إنه سيُغادِر مستقلًّا قطار منتصف الليل، إلى الجنوب، إلى فيرجينيا.»

هتف هاتش: «سيُغادِر الليلة؟»

«أجل. يبدو أنه كان قرارًا مفاجئًا. لقد كان يتحدَّث معي هنا منذ نصف ساعة أو نحو ذلك، وذكر شيئًا عن المُغادرة، وبينما كان هنا أخبرني صبيُّ الهاتف أن هينلي أُصيب بطلق ناري، وأنهم «اتصلوا من المستشفى كي يُعلِمونا.» بعدها بدا كابيل عصبيًّا بشدة، وقال إنه سيُغادِر الليلة، لو استطاع اللحاق بقطار منتصف الليل، والآن هو يحزم أمتعته.»

قال الصحفي: «أظنُّ أن حادثة إطلاق الرصاص على هينلي أزعجته بشدة، أليس كذلك؟»

ردَّ المدير: «بلى، أعتقد ذلك. كانا جزءًا من الوسط الاجتماعي ذاته، وكانا يرتادان الأندية عينها.»

أرسل المدير مع هاتش بطاقة تقديم إلى شقة كابيل. صعد هاتش إليها وأُرشدَ إلى جناحٍ مُطابِق لجناح هينلي في كلِّ شيء تقريبًا، ما عدا بعض تفاصيل الأثاث البسيطة. كان كابيل واقفًا في منتصف المكان، بينما مُتعلِّقاته الشخصية مُتناثِرة في أرجاء الغرفة، وكان خادمه الخصوصي — من الواضح أنه رجل فرنسي — مُنشغلًا بحَزَم الأمتعة.

كانت تحية كابيل ودودة على نحوٍ روتيني، وبدا عليه العصبية. كان وجهه مُحمرًّا وكان يمرِّر أصابعه بين الحين والآخر في شعره البُنِّي الطويل. حدَّق في هاتش بعينَين مُنشغِلتَين، ثم انخرطا في حوارٍ حول إيجار الشقة.

قال كابيل في عُجالة: «سأقبل بأيِّ سعر معقول. كما ترى فأنا سأسافر الليلة، على نحوٍ مفاجئ وفي موعدٍ أقرب ممَّا كنت أنتويه، وأنا حريص على التخلي عن هذا الجناح المستأجَر. إنني أدفع مائتَي دولار شهريًّا في هذه الغُرَف وهي في وضعها الحالي.»

سأله هاتش: «أيُمكِنني تفقُّدها؟»

مرَّ من غرفة المعيشة إلى الغرفة التالية لها، وهناك كان مُتكوِّمًا على الفراش كمية كبيرة من الملابس، وكان الخادم مُنهمِكًا، بأصابعه البارعة، في عملية التنظيف والطي، استعدادًا لحزْم الأمتعة. كان كابيل خلف هاتش مباشرة.

أوضح قائلًا: «مريحة تمامًا كما ترى. هناك مساحة كبيرة مُتاحة لو كنتَ وحيدًا. أأنت كذلك؟»

ردَّ هاتش: «آه، نعم.»

أكمل كابيل قائلًا: «هذه الغرفة الأخرى ليست مُرتَّبة تمامًا الآن. لقد كنتُ خارج المدينة لعدَّة أسابيع ثم … ما الأمر؟» هكذا قال على نحوٍ مُباغِت.

استدار هاتش بسرعة عند سماع السؤال وحدَّق فيه، ثم تمالَك نفسه بانتفاضةٍ سريعة.

وتمتم قائلًا: «أستميحك عذرًا. لقد ظننتُ أنني رأيتُك في المدينة هنا منذ أسبوع أو نحو ذلك — بالطبع لم أعرفك — وكنت أتساءل إن كنتُ مُخطئًا.»

رد كابيل في هدوء: «هذا أمر وارد. خلال الوقت الذي كنت فيه بعيدًا كانت آنسةٌ شابة؛ صديقة لشقيقتي، تسكن الجناح. أخشى أنَّ بعضًا من أشيائها موجود هنا. إنها لم تُرسِل من أجلها بعد. كانت تشغل هذه الغرفة على ما أظن، وحين عدتُ منذ بضعة أيام استأجرَت مكانًا آخر لكنها لم تأخذ كلَّ أشيائها بعد.»

قال هاتش بطريقة ودودة: «أتفهَّم هذا. لا أعتقد أنها من المُمكِن أن تعود إلى هنا على نحوٍ غير مُتوقَّع لو حدَث أنني استأجرتُ الشقة، أليس كذلك؟»

«لا يوجد أدنى احتمال لذلك. إنها تعلَم أنني قد عُدت، وتعتقد أنني سأواصل البقاء. كان من المُفترَض أن تُرسِل في طلب أشيائها.»

حدَّق هاتش في أنحاء الغرفة في تفاخُر. على أحد صناديق الملابس كان يُوجَد ثوب استحمام تركي به خط قرمزي. كان هاتش مُتلهِّفًا للإمساك به، وتفحُّصِه من كثَب، لكنه لم يجرؤ على فعل هذا حينها. عاد الاثنان إلى غرفة المعيشة.

قال هاتش بعد بُرهة من الوقت: «يُعجِبني المكان، لكن السعر …»

قاطعه كابيل: «لحظة من فضلك. جان، قبل أن تُنهي حزم تلك الحقيبة احرص على أن تضع ثوب استحمامي داخلها. إنه في الغرفة البعيدة.»

هكذا حُسِم أحد الأسئلة التي كانت تُراوِد هاتش، وبعدَ لحظةٍ عاد الخادم حاملًا ثوب الاستحمام الذي كان في الغرفة البعيدة. كان ثوب استحمام كابيل. وبينما كان الخادم يمرُّ أمام هاتش، علق طرف الثوب في الصندوق، وأوقفه، فحرَّره هاتش. علق خيط رفيع من الثوب في المعدن، فأزاله هاتش ووقف في سكونٍ يلفُّه بين أصابعه.

ثم استكمل حديثه قائلًا: «كما كنتُ أقول؛ يُعجِبني المكان، لكن السعر مُرتفع للغاية. أفترض أنك ستترُك الأمر في يدِ مدير المبنى …»

قاطعه الجنوبي قائلًا: «كنتُ أنوي فعل هذا.»

أضاف هاتش: «حسنًا، سأراه بخصوص هذا الأمر لاحقًا.»

صافَحه كابيل بصورةٍ ودودة، لكن تفكيره كان مُنشغِلًا، واصطحبه إلى الباب. نزل هاتش في المصعد وهو يشعُر بالبهجة؛ إذ كان يشعُر أنه حقَّق إنجازًا كبيرًا. كان المدير ينتظر ركوب المصعد.

سأله: «هل تذكُر اسم الشابة التي كانت تشغل جناح السيد كابيل إبَّان غيابه؟»

قال المدير: «الآنسة أوستن، لكنها ليست شابَّة. لقد كانت تبلُغ من العمر نحو خمسة وأربعين عامًا، حسب تقديري.»

«هل اصطحب السيد كابيل خادِمَه جان معه؟»

قال المدير: «آه، كلا. لقد ترك الخادم الجناح للآنسة أوستن بالكامل، وحتى عودة السيد كابيل شغل غرفة في الجزء المُخصَّص لموظفينا.»

سأله هاتش: «هل كانت الآنسة أوستن تُعاني من أي علة؟ لقد رأيتُ عددًا كبيرًا من زجاجات الأدوية بالأعلى.»

ردَّ المدير وعلى وجهه تقطيبة مُتحيِّرة: «لا أعرف ما خَطبها. بالتأكيد لم تكن في حالة عقلية مُتوازِنة؛ بمعنى أنها كانت غريبة الأطوار قليلًا. أعتقد أنَّ السيد كابيل كان يتركها تسكن جناحه إبَّان غيابه بدافع الإحسان. بالتأكيد لم يكن يريدها هناك.»

خرج هاتش من المبنى وذهب مُتحمِّسًا إلى آلة التفكير في مُختبَره.

«انظر.» هكذا قال في انتصار، ثم أخرج قطعة الخيط الصغيرة التي حصل عليها من آلة التفكير والقطعة الأخرى ذات اللون المُطابِق والمأخوذة من ثوب استحمام كابيل، وأضاف: «هل ترى أنهما مُتطابِقتان؟»

وضعهما آلة التفكير تحت الميكروسكوب وفحصهما على الفور، وبعد ذلك أخضعهما لفحصٍ كيميائي.

وفي النهاية قال: «إنهما مُتطابِقتان.»

قال هاتش في حسم: «لقد حُلَّ اللغز إذن.»

٥

حدَّق آلة التفكير في ثباتٍ في العينَين المُتحمِّستَين المُبتهِجتَين للصحفي، إلى أن بدأ هاتش أخيرًا يخشى أن يكون قد تسرَّع. وبعد برهة، وبعد التدقيق الحريص، بدأ الصحفي يقتنع بأنه ارتكب خطأً؛ ورغم أنه لم يكن يعرِف أين مَكمن الخطأ تحديدًا، إلا أنه كان متأكِّدًا من وجوده، وتلاشَتْ مشاعر السرور داخله، وكان صوت آلة التفكير مثل الدشِّ البارد.

قال مُنتقِدًا: «تذكُر يا سيد هاتش أنه ما لم تُعطَ العناية الكافية لكل سؤال مُحتمَل، لا يكون بمقدور المرء التفاخُر بوصوله إلى حل. هل هناك أي سؤال مُحتمَل لا يزال عالقًا في رأسك؟»

فكَّر الصحفي للحظات في صمتٍ ثم قال:

«حسنًا، لديَّ الحقائق الأساسية على أي حال. ربما يتبقَّى سؤال أو سؤالان هامشيان، لكن الأسئلة الرئيسية أُجيبَ عنها.»

«أخبِرني إذن، بأدقِّ التفاصيل؛ ما تعرفه، وما حدَث.»

عاد البروفيسور فان دوسين مُجدَّدًا إلى وضعيته القديمة المألوفة على كرسيه الكبير ذي المسندَين، بينما أخذ هاتش يروي ما يعرفه وما يُخمِّن أنه حدث، كما أنه روى كذلك الظروف العجيبة المحيطة بجرح هينلي، وصولًا إلى بداية المقابلة ونهايتها مع كابيل في شقته. جلس آلة التفكير صامتًا لبعض الوقت، ثم توالت الأسئلة.

كان أول الأسئلة: «أتعرف أين تُوجَد المرأة — الآنسة أوستن — الآن؟»

أقر هاتش قائلًا: «كلا.»

«وماذا عن حالتها العقلية المُحدَّدة؟»

«كلا.»

«أو علاقتها المُحدَّدة بكابيل؟»

«كلا.»

«هل تملك فكرة، إذن، عمَّا يعرفه الخادم عن العلاقة؟»

«كلا، ليس لديَّ علم بهذا الخصوص.» هكذا قال الصحفي وقد تورَّد وجهه خجلًا نتيجة هذا الاستجواب، وأضاف: «كان يبيت خارج الجناح كلَّ ليلة.»

ردَّ آلة التفكير في حدَّة: «إذن ربما كان هو مَن فتح الغاز.»

قال الصحفي بنبرةٍ عدوانية إلى حدٍّ ما: «على حسْب علمي لم يكن بمقدور أي شخص دخول تلك الغرفة وفتح الغاز. لقد أحكم هينلي إغلاق الأبواب والنوافذ وكان يُراقِبها، ليلةً تلوَ الأخرى.»

قال آلة التفكير: «ومع ذلك ففي اللحظة التي أُنهِك فيها وغلبه النعاس فُتِح الغاز بغرَض قتله، وهكذا نرى أنه كان مُراقَبًا على نحوٍ أوثقَ ممَّا كان يُراقِب.»

قال هاتش بعد فترة صمتٍ طويلة: «أرى ما تعنيه الآن.»

قال آلة التفكير: «أودُّ أن أعرف ما يعرفه هينلي وكابيل والخادم عن الفتاة التي عُثِر عليها ميِّتة، كما أودُّ أيضًا أن أعرف ما إذا كانت تُوجَد مرآة ذات حجم كبير — ليست واحدة كالتي تُوضَع في مكتب أو على مِزينة — في غرفة هينلي أو الشقة التي عُثِر فيها على الجثة. هل يُمكِنك أن تتبيَّن هذا من أجلي؛ لا عليك، سأذهب معك بنفسي.»

غادر العالِم الغرفة، وحين عاد كان قد ارتدى مِعطفه وقُبَّعته. نهض هاتش بصورة ميكانيكية ليتبعه، وعلى مسافة مُربَّع سكني أو نحو ذلك سارا من دون حديث، وكان آلة التفكير أول من كسر جدار الصمت.

«أتعتقد أن كابيل هو الشخص الذي حاوَل قتل هينلي؟»

ردَّ الصحفي: «بصراحة، نعم.»

«لماذا؟»

«لأن لدَيه الدافع؛ حب بلا أمل.»

«كيف؟»

اعترف هاتش: «لا أدري؛ فأبواب جناح هينلي كانت مُوصَدة. لا أرى كيف يُمكِن لأي شخصٍ أن يعبُرها.»

«وماذا عن الفتاة؟ من قتلَها؟ كيف؟ ولماذا؟»

هزَّ هاتش رأسه في أسًى بينما كان يسير، وأصاب آلة التفكير في تفسير صمته.

فقال ناصحًا في حِدَّة: «لا تقفِز إلى النتائج. لقد كنتَ واثقًا من أن كابيل هو المَلوم — وربما هو كذلك، فلا أدري بعد — لكنك عجزتَ عن أن تقترح شيئًا يُشير إلى الكيفية التي فعلها به. لقد أخبرتُك من قبل أنَّ الخيال نصف المَنطق.»

وفي النهاية لاحتْ أضواء المبنى السكني الكبير الذي يعيش فيه هينلي للعيان. هزَّ هاتش كتفَيه؛ إذ كان لدَيه شكٌّ كبير —بناءً على ما يعرفه — فيما إذا كان آلة التفكير سيتمكن من رؤية كابيل أم لا. كانت الساعة تُقارِب الحادية عشرة، وكان كابيل سيُغادِر إلى الجنوب في منتصف الليل.

سأل العالِم صبيَّ المصعد: «هل السيد كابيل هنا؟»

«نعم، لكنه على وشْك المغادرة. لن يُقابِل أحدًا.»

«أعطِه هذه الرسالة.» هكذا قال آلةُ التفكير وكتَب شيئًا على قطعة ورق، وأضاف: «سيُقابِلنا.»

نظر الصبيُّ إلى الورقة وارتفع به المصعد إلى الطابق الرابع.

ثم عاد بعد قليل.

قال: «سيُقابِلكما.»

«هل يُفرِغ الحقائب؟»

ردَّ الصبي: «بعد أن قرأ رسالتك مرَّتَين أخبر خادمه بأن يُفرِغ الحقائب.»

قال آلة التفكير: «آه، ظننتُ ذلك.»

دخل آلة التفكير المصعد، يتبعه هاتش الذي يشعُر بالحيرة والارتباك، ثم غادر الاثنان، بعد ثانيتَين أو نحو ذلك، المصعد في الطابق الرابع، وبعد مغادرة المصعد وجدا باب شقة كابيل مفتوحًا، وكان كابيل واقفًا هناك. تبيَّن هاتش لمحةً من القلق في عينَي الشاب.

تساءل كابيل: «بروفيسور فان دوسين؟»

قال العالِم: «نعم. كان من الأهمية بمكانٍ أن أراك، وإلَّا ما كنتُ لآتي في مثل هذا الوقت من الليل.»

لوَّح كابيل بيدِه مُتغاضيًا عن هذه التفصيلة.

ثم قال: «كنتُ حريصًا على المُغادرة في منتصف الليل، لكن الآن بالطبع لن أذهب، في ضوء رسالتك. لقد أمرتُ خادمي بإفراغ الحقائب، على الأقل حتى الغد.»

دخل الصحفي والعالِم إلى الشقة ذات الأثاث الفاخر. كان جان، الخادم الشخصي، مُنحنيًا فوق إحدى الحقائب حين دخلا، وكان يُخرِج منها بعض الأشياء التي كان قد وضعها بحرصٍ هناك. لم ينظر إلى الزائرَين أو يُعِيرهما أدنى اهتمام.

تساءل آلة التفكير: «هل هذا خادمك الشخصي؟»

قال الشاب: «نعم.»

«أهو فرنسي؟»

«نعم.»

«هل يتحدَّث الإنجليزية؟»

قال كابيل: «بصورة رديئة للغاية. إنَّني أستخدم الفرنسية حين أتحدَّث معه.»

سأله آلة التفكير بنبرةٍ هادئة ودودة: «أيعرف أنك مُتَّهم بالقتل؟»

كان تأثير هذه العبارة على كابيل مُروِّعًا؛ إذ تراجَع إلى الخلف خطوةً أو نحو ذلك كما لو كان قد صُفِع على وجهه، وعلَتْ حُمرةٌ قرمزيةٌ حاجبَيه. أما الخادم جان فقد وقف فجأةً ونظر حوله. كان ثمةَ تعبيرٌ غريب في عينَيه؛ تعبير لم يستطع هاتش أن يفهمه.

وأخيرًا هتف كابيل: «قَتْل؟»

قال آلة التفكير: «أجل، إنه يتحدَّث الإنجليزية جيدًا، والآن يا سيد كابيل، هلا أخبرتَني مَن تكون الآنسة أوستن بالضبط؟ وأين هي؟ وما هي حالتها العقلية؟ صدِّقني، قد يوفِّر هذا عليك قدرًا كبيرًا من المشقَّة. لم أكن أُبالِغ فيما كتبتُه في رسالتي.»

استدار الرجل فجأةً وبدأ يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا، وبعد دقائق قليلة توقَّف أمام آلة التفكير، الذي وقف بنفادِ صبرٍ ينتظِر جوابًا.

قال كابيل في حزم: «سأُخبِرك، نعم. الآنسة أوستن امرأة في منتصف العمر، تعاملت شقيقتي معها كصديقة في أوقاتٍ عديدة، بل كانت في الواقع مُربِّية شقيقتي حين كانت طفلة، وفي السنوات الأخيرة لم تكن بكامل صِحَّتها العقلية، وعانت من الفقر الشديد، وقد أنهيتُ تقريبًا الترتيبات المُتعلِّقة بوضعها في إحدى المصحَّات العقلية، وقد سمحتُ لها بالبقاء هنا إبَّان غيابي، في الجنوب. لم أصطحب معي جان، بل كان يعيش في غُرَف الموظفين الآخرين بالمبنى، ومنحتُ الشقَّة بالكامل للآنسة أوستن. كان ذلك من قبيل الإحسان ببساطة.»

سأله العالِم: «ماذا كان سبب عزمك المُفاجئ على الذهاب إلى الجنوب الليلة؟»

ردَّ عليه مُتجهِّمًا: «لن أرد على هذا السؤال.»

ساد صمتٌ طويل يشُوبه التوتُّر، ودخل جان، الخادم الشخصي، وخرج عدَّة مرات.

«منذ متى والآنسة أوستن تعرف السيد هينلي؟»

ردَّ عليه قائلًا: «منذ أن كانت في هذه الشقة حسْب ظني.»

قال العالِم: «هل أنت مُتأكِّد من أنكَ لستَ الآنسة أوستن؟»

كان السؤال مُزلزِلًا، ليس فقط لكابيل ولكن لهاتش أيضًا، وعلى الفور اندفع الشاب الجنوبي إلى الأمام، بوجهٍ يشتعل غضبًا، كما لو كان سيضرب آلة التفكير.

قال العالِم في برود: «لن يُفيد هذا. أأنت واثِق من أنك لستَ الآنسة أوستن؟»

ردَّ كابيل بعنف: «بالتأكيد لستُ أنا الآنسة أوستن.»

تساءل آلة التفكير: «ألدَيك في هذه الشقة مرآة أبعادها اثنتا عشرة بوصة في اثنتَي عشرة بوصة؟»

تمتم الشاب قائلًا: «أنا … لا أدري. ألدَينا واحدة يا جان؟»

ردَّ الخادم بالفرنسية أن «أجل.»

قال آلة التفكير: «فلتتحدَّث بالإنجليزية من فضلك. أيُمكِنني رؤيتها؟»

لم ينبس الخادم ببنت شفة وإنما رمق السائل بنظرة مُتجهِّمة، ثم استدار وغادر الغرفة، ثم عاد بعد لحظاتٍ مع المرآة. فحص آلة التفكير الإطار بعناية، من الأعلى إلى الأسفل، ومن الجانبَين، وفي النهاية رفع بصره عنها، وكان الخادم مُنحنيًا فوق إحدى الحقائب.

سأله العالِم فجأة: «هل تستخدمون الغاز في هذه الشقة؟»

ردَّ عليه مُتحيِّرًا: «كلا، ما كل هذا، على أي حال؟»

لم يُجِب آلة التفكير وإنما جذب كرسيًّا ووضعه تحت الثُّريا، حيث تُوجَد مخارج الغاز والكهرباء، وبدأ في تحريك أطراف مخرَج الغاز بأصابعه، وبعد برهة نزل ودخل إلى الغرفة التالية، يتبَعُه هاتش وكابيل، وكلاهما مُرتبِكان بشدة. فعل العالِم الأمر عينه بمخرج الغاز، وأخيرًا خرج أحد مقابس الغاز في يده.

صاح فجأة: «آه.» وميَّز هاتش نبرة الانتصار في صيحته. كان المخرج الذي انخلع منه الغطاء في مستوى الكتفَين، وكان موجودًا بين مزينة ونافذة. مال إلى الأمام وضيَّق عينَيه ناظرًا إلى ماسورة الغاز من كثب، ثم عاد إلى الغرفة التي كان فيها الخادم.

ثم قال بصوتٍ هادئ يخلو من الانفعال: «الآن يا جان، أخبِرني من فضلك ما إذا كنتَ قتلتَ الآنسة رينيه عمدًا أم لا.»

قال الخادم في تجهُّم شديد وهو يستشيط غضبًا، بينما كان يلتفتُ لمواجهة العالِم: «لا أدري ماذا تعني.»

قال آلة التفكير على نحوٍ مُقتضَب: «أنت تتحدَّث الإنجليزية جيدًا الآن. أغلِق الباب يا سيد هاتش واستخدِم هذا الهاتف كي تتَّصِل بالشرطة.»

استدار هاتش كي يفعل ما طُلِب منه، فرأى وَميضَ شيء معدني في يد كابيل، كان قد سحبه بغتةً من جيبه. كان ذلك مُسدسًا. لمع السلاح في الضوء، وألقى هاتش نفسه إلى الأمام. كان هناك دويٌّ قصير وانغرست رصاصة في الأرضية.

٦

بعد ذلك نشب قتالٌ عنيفٌ ضارٍ حول المسدس، وانتهى بالمسدس وهو في يد هاتش، بينما يلهث هو وكابيل من فرْط المجهود الذي بذلاه. عند سماعه صوت الطلقة، استدار الخادم جان واتجه نحو الباب المُفضي إلى الردهة. خطا آلة التفكير أمامه، ووقف مولِّيًا ظهره للباب. من الناحية البدنية، سيكون كالطفل بين يدَي الخادم، لكن نظرة عينَيه أوقفَته.

قال العالِم في هدوء، وبلمحةٍ من السخرية في صوته: «الآن يا سيد هاتش، أعطِني المسدس، ثم اتَّصِل بالمُحقِّق مالوري كي يأتي إلى هنا على الفور. أخبِره أن لدَينا قاتلًا، وأنه إذا لم يستطع المجيء على الفور فليُرسِل مُحقِّقًا آخر يعرفه.»

هتف كابيل: «قاتل!»

كان الغضب الخارج عن السيطرة يشتعِل في عينَي الخادم، وبدا عازمًا على الإطاحة بآلة التفكير جانبًا، رغم المسدس، حين كان هاتش على الهاتف، لكن حين شرع جان في التحرُّك إلى الأمام أوقفه كابيل بإشارة سريعة صارمة، وعلى نحوٍ مُباغِت تحوَّل الشاب الجنوبي إلى آلة التفكير، لكن كان يحمِل له سؤالًا.

سأله مُتحيِّرًا: «ما الذي يعنيه كلُّ هذا؟»

«إنه يعني أن ذلك الرجل»، وأشار آلة التفكير إلى الخادم بإيماءة برأسه، «قاتل، وأنه قتل لويز رينيه، وأنه أطلق الرصاص على ويلدون هينلي في حديقة بوسطن العامَّة، وأنه حاول في السابق بمساعدة الآنسة رينيه قتل السيد هينلي أربع مرات. أهو قادم يا سيد هاتش؟»

ردَّ عليه قائلًا: «نعم، يقول إنه سيأتي إلى هنا على الفور.»

قال آلة التفكير للخادم: «أتُنكِر هذا؟»

قال الخادم في عبوس: «لم أفعل شيئًا، سأخرج من هنا.» ثم اندفع كالحيوان الغاضب إلى الأمام. أمسك به هاتش وكابيل وجذباه إلى الأرض، وبعد صراعٍ محموم ظلَّ على الأرض مكبَّلًا بينما وقف الرجال الثلاثة ينتظرون قدوم المُحقِّق مالوري. غاص كابيل في كرسيه بينما تعلو وجهَه نظرةُ حيرة، ومن وقتٍ إلى آخر كان يختلس النظر إلى جان. كانت حُمرة الغضب التي علَت وجه الخادم قد زالت الآن، وحلَّ محلَّها شحوبُ الخوف.

قال كابيل بنفاد صبر: «ألن تُخبِرنا؟»

قال آلة التفكير: «حين يأتي المُحقِّق مالوري ويأخذ سجينه.»

بعد عشر دقائق سمِعوا وقع خطوات سريعة في الردهة بالخارج، وفتح هاتش الباب. دخل المحقِّق مالوري ونظر إليهم واحدًا تلوَ الآخر نظرةَ استفسار.

قال العالِم في فتور: «ها هو سجينك يا سيد مالوري. إنني أتَّهِمه بقتل الآنسة رينيه، التي كنتَ واثقًا من أنها انتحرت، كما أتَّهِمه بمحاولة قتل ويلدون هينلي خمس مرات، أربعًا منها عن طريق الغازات السامة، وقد تواطأت معه فيها الآنسة رينيه، وواحدة بإطلاق النار. إنه هو الرجل الذي أطلق النار على السيد هينلي.»

نهض آلة التفكير وسار نحوَ الرجل المُقيَّد، وناول المسدس إلى هاتش، ثم نظر إلى جان في غضبٍ شديد.

بعدها قال آمرًا: «هل تقول كيف فعلتَها أم أقول أنا؟»

كان الرد نظرةَ تحدٍّ مُتجهِّمة؛ فاستدار وأمسك المرآة المُربعة التي كان الخادم قد أحضرها منذ قليل.

«هذا هو الموضع الذي كان فيه البُرغي، أليس كذلك؟» هكذا سأل وهو يشير إلى ثُقب صغير في إطار المرآة. حدَّق جان فيه ومال رأسه إلى الأمام في يأس، فقال آلة التفكير ثانية: «وهذا هو الرداء الذي ارتدَيتَه، أليس كذلك؟» ثم أخرج رداءً به شريط قرمزي.

ردَّ الخادم في تجهُّم: «أعتقد أنك على حق.»

قال آلة التفكير: «ربما يكون من الأفضل أن تروي أنت القصة إذن.»

«أنت تعرف كثيرًا عنها، فلتروِها أنت.»

ردَّ آلة التفكير بهدوء: «حسنًا، سأفعل، وإذا ارتكبتُ أي خطأ، فلتُصحِّح لي.»

ساد الصمت لوقتٍ طويل. كان آلة التفكير قد جلس مُسترخيًا على أحد الكراسي وكان يحدِّق عبر نضارته السميكة إلى السقف، بينما كانت أطراف أصابعه مُنضغِطة في إحكام بعضها قُبالة بعض، وفي النهاية بدأ حديثه قائلًا:

«كانت هناك بعض الثغرات البسيطة التي لم يكن يملؤها سوى الخيال، إلى أن تمعَّنت في الأمر على نحوٍ أوفى. كان من المُفترَض أن أتوصَّل إليها بنفسي، غير أن القبض على هذا الرجل، جان، عجَّلت به محاولة المُغادرة السريعة للسيد كابيل إلى الجنوب الليلة، ولم يكن لديَّ وقت لتدبُّر القضية على أكمل وجه.

ومن ثَم سنبدأ بحقيقة وجود عدَّة محاولات بارعة لقتْل السيد هينلي، وقد تحقَّق هذا عن طريق إطفاء شُعلة الغاز التي كان معتادًا على تركها تشتعل في غرفته. حدَث هذا الأمر أربع مرات، وهو ما أثبت أنها محاولة لقتله؛ فلو أنها حدثت مرة واحدة فقط، ربما كان سيُنظَر إلى الأمر بوصفه حادثًا، بل حتى لو حدث الأمر مرتَين يُمكِن أن يُرى بوصفه حادثًا، لكن الحادث نفسه يستحيل أن يتكرَّر أربع مرات في الوقت عينه من الليل.

في النهاية، توصَّل السيد هينلي إلى أن الانطفاء العجيب لشعلة الغاز هو محاولة لقتله، وأحكم إغلاق الباب والنوافذ كل ليلة. كان يعتقد أن شخصًا ما كان يدخل شقته ويُطفئ شعلة الغاز، تاركًا الغاز يتدفق، وهذا، بطبيعة الحال، ليس صحيحًا، غير أن الشعلة كانت تنطفئ، فكيف هذا؟ كانت فكرتي الأولى، الطبيعية، هي أن الغاز كان ينقطع للحظةٍ عند العداد، وحين تنطفئ الشعلة كان يُعاد تشغيله مُجدَّدًا، لكنني أقنعتُ نفسي أن هذا ليس صحيحًا، وهكذا يظلُّ السؤال عالقًا: كيف؟

ثمَّةَ حقيقة — لا أدري مدى العلم بها — تُفيد بأن كل ضوء غازي في هذا المنزل يُمكِن إطفاؤه في الوقت ذاته من هذه الغرفة دون مغادرتها. كيف؟ فقط بإزالة غطاء المصباح الغازي ذلك والنفخ في ماسورة الغاز. لن يترك هذا مصباحًا واحدًا في المبنى مُضاءً؛ والسبب في ذلك أن قوة الرئتَين أعظم من الضغط في مواسير الغاز؛ ومن ثَم يُجبِر الهواء الغاز على الخروج.

وهكذا صار لدَينا الطريقة المستخدَمة في إطفاء المصباح الموجود في شقة السيد هينلي، والتي لن تمنعها كلُّ الأبواب والنوافذ المُوصَدة. في الوقت ذاته، فإنها تُهدِّد حياة كلِّ شخص آخر في المنزل، أو بالأحرى كل شخص آخر يستخدم الغاز؛ وربما لهذا السبب كانت المحاولة تُبذَل دائمًا في وقتٍ متأخِّر من الليل، في الثالثة أو الرابعة صباحًا حسب اعتقادي. هذا هو الوقت الذي نفَّذتَ فيه محاولاتك، أليس كذلك؟» ووجَّه هذا السؤال الأخير على نحوٍ مُفاجئ للخادم.

حدَّق الخادم في آلة التفكير فاغرًا فاه من فرط الدهشة، وأومأ موافقًا قبل أن يعي الأمر بالكامل.

استكمل آلة التفكير حديثه في هدوء قائلًا: «نعم، هذا صحيح. كان من السهل معرفة هذا، نسبيًّا. كان السؤال الذي طرح نفسه بعد ذلك هو: كيف كان السيد هينلي يُراقَب؟ فلم يكُن من المُجدي البتةَ إطفاءُ شعلة الغاز قبل أن يخلد إلى النوم، أو حين لا يكون موجودًا في الغرفة. ربما كان هذا ليؤدِّي إلى الاكتشاف المُبكِّر للكيفية التي نُفِّذ بها الأمر.

ثمةَ مِزلاج زنبركي يُغلِق باب شقة السيد هينلي؛ ولهذا سيكون من المستحيل لأي شخص اختلاس النظر من ثُقب المفتاح، ولا تُوجَد شقوق يُمكِن الرؤية من خلالها. كيف كان السيد هينلي يُراقَب؟ كيف كان المُتآمِر يتأكَّد بدقَّة من الوقت الذي ينام فيه السيد هينلي؟ كيف لم تُطفأ شعلة الغاز في الليالي النيف والعشرين التي ظلَّ فيها السيد هينلي مُستيقظًا بغرَض المراقبة؟ من الواضح أنه كان يُراقَب عبر النافذة.

لا يستطيع أي شخصٍ أن يقف على إفريز النافذة وينظر إلى شقة السيد هينلي، ولا يستطيع أحد رؤية الشقة من الشارع؛ بمعنى رؤيةِ ما إذا كان السيد هينلي مُستيقظًا أم نائمًا. كان من المُمكِن رؤية الضوء. كانت المُراقبة تتمُّ بمساعدة سارية العلَم، بالاستعانة بمرآة؛ هذه المرآة. لقد ثُبِّت بُرغي في الإطار — لكنه أُزيلَ الآن — وكانت المرآة تُثبَّت إلى حبل الراية، وتُشَدُّ إلى نهاية السارية، بحيث تُواجِه المبنى، ومن منظورِ رجلٍ يقِف في نافذة ردهة الطابق الثالث كانت المرآة تُتيح الزاوية المطلوبة حتى تعكس ما بداخل جناح السيد هينلي، بل ربما كانت تُبيِّنه وهو في الفراش عبر فتحة ضيقة في الستار. لا تُوجَد ستائر مُظلِّلة على النوافذ في ذلك الجناح، بل مجرَّد ستار قماشي عادي ثقيل، أهذا صحيح؟»

مرة أخرى عبَّر السجين عن موافقته في دهشة.

«رأيتُ أن هذه الأشياء مُمكِنة، ورأيتُ أيضًا أنه في الثالثة صباحًا أو الرابعة سيكون من المُمكِن تمامًا لأي شخصٍ أن يتجوَّل في الردهات العُليا من هذا المنزل دون أن يُرى، وإذا ارتدى هذا الشخص ثوب استحمام، مزوَّدًا بغطاء رأس مثلًا، فلن يستطيع أحد التعرُّف عليه حتى لو رآه، كما أن هذا الزي لن يؤدِّي إلى إثارة الشكوك، وثوب الاستحمام هذا له غطاء رأس.

خلال عملية تحريك المرآة إلى الأمام والخلف على سارية العلَم ليلًا، انفتل خيط من الثوب وعلق بالحبل. عثرتُ على هذا الخيط، وقد عثر السيد هاتش لاحقًا على خيط مُطابق في هذه الشقة، جاء كلاهما من الثوب نفسه. ويقضي المنطق البسيط بأن الشخص الذي نفخ في ماسورة الغاز هو من نفَّذ حيلة المرآة، والشخص الذي نفَّذ حيلة المرآة ترك خلفه الخيط، والخيط يأتي من ثوب الاستحمام، ذلك الثوب تحديدًا.» وأشار إليه بصورة درامية وأضاف: «وهكذا فإنَّ الشخص الذي رغب في وفاة هينلي كان موجودًا في هذه الشقة، أو كان دخوله إياها مُتيسِّرًا.»

توقَّف عن الحديث للحظة، وعمَّ صمت مشُوب بالتوتر. كان هاتش يستوعب الأمر، على مهلٍ لكن بثقة. لقد كان العقل الذي تتبَّع كلَّ هذا غير محدود في قُدراته.

واصل العالِم حديثه في هدوء قائلًا: «وحتى قبل أن نتتبَّع أصل الجريمة إلى هذه الغرفة، كان الانتباه قد اتجه إلى هنا، وتحديدًا إليك يا سيد كابيل؛ فمن خلال العلاقة الرومانسية، التي كانت الآنسة ليبسكومب مِحورها، علِم السيد هاتش أنك أنت وهينلي كنتما تتنافسان على حبها، وقد كان هذا، حتى قبل العثور على الخيط القرمزي، هو ما دلَّ على أن لك معرفةً ما بالأمر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

أنت لستَ رجلًا شريرًا أو مُحبًّا للانتقام يا سيد كابيل، غير أنك حامي الطبع؛ للغاية. وقد أظهرتَ هذا توًّا حين أقدمت، في حالة الغضب وعدَم الفهم، ولكن عندما شعرت أن شرفك على المحك، أحدثتَ ثقبًا في الأرضية بإطلاق الرصاص عليها.»

قال المُحقِّق مالوري: «ماذا؟»

أوضح آلة التفكير سريعًا: «حادث بسيط. أنت لستَ رجلًا شريرًا أو مُحبًّا للانتقام؛ فأنت لست بالرجل الذي يضع خُططًا مُتقَنة ومدروسة على نحوٍ جيد لقتل هينلي. ربما تكون قد قتلته في فورة انفعال، لكن يستحيل أن تكون قد قتلتَهُ عمدًا ومع سبق الإصرار، كما أنك كنت خارج المدينة، فمَن كان موجودًا وقتها في هذه الشقة؟ من كان لدَيه القدرة على دخول هذه الشقة؟ من كان يستطيع استخدام ثوب استحمامك؟ الخادم، وربما الآنسة أوستن، أيهما؟ لنتدبر الآن كيف وصلنا إلى النتيجة التي أدَّت بنا إلى الخادم.

لقد عُثِر على الآنسة رينيه صريعة. لم يكن هذا انتحارًا، كيف عرفت؟ لأنها كانت تقرأ بينما ضوء المصباح الغازي على أشدِّه. وإذا كانت تقرأ على ضوء المصباح الغازي، فكيف انطفأ الضوء إذن وخنقها قبل أن تنهض وتُغلِقه؟ من الواضح أن النوم غلبها وهي تقرأ كتابها، وأنها تركت النور مُضاءً.

هل كانت جزءًا من مخطَّط قتل هينلي، ولماذا أضاءت المصباح في غرفتها؟ ربما كان ثمةَ خللٌ بالمصباح الكهربائي الموجود في غرفتها وقد اكتشفته لتوِّها؛ ولهذا أضاءت مصباح الغاز، عازمةً على إطفائه — بالكامل — في وقتٍ لاحق، غير أن النوم غلبها؛ ولهذا حين نفخ الخادم في الماسورة، مُنتويًا قتل السيد هينلي، فإنه بغيرِ علمٍ قتل المرأة التي أحبها؛ الآنسة رينيه. في الوقت ذاته من المُمكِن أيضًا ألا تكون هذه المرأة قد علمت بالمحاولة الي كانت ستُبذَل تلك الليلة، رغم انخراطها في محاولات أخرى؛ إذ تعلم أن هينلي ظلَّ مُستيقظًا ليلةً تلوَ الأخرى وهو يُراقِب الضوء في غرفته.

إن الحقائق، كما أعرفها، لم تُبيِّن أي علاقة بين الآنسة رينيه وهذا الرجل في ذلك الوقت، ولا أي علاقة بينها وبين هينلي. ربما لم يكن الشخص الذي نفخ في الماسورة دافعًا الغاز في هذه الغرفة يعلم شيئًا عن الآنسة رينيه، تمامًا مثلما لم يعلم مَن أيضًا كان مِن الممكن أن يقتُل داخل المبنى.

لكنني فهمت الطريقة التي ماتت بها، وقد استبعدتك يا سيد كابيل من دائرة الاشتباه، وهكذا تبقَّت الآنسة أوستن والخادم. كانت الآنسة أوستن شخصية غريبة الأطوار، يُمكِن القول بأنها مخبولة. هل لديها أي دافع لقتل هينلي؟ لا أستطيع تصوُّر أي دافع كهذا. أهو الحب؟ الأرجح لا. أهو المال؟ لم يكن ثمةَ شيءٌ يجمعهما في هذا الجانب. ماذا إذن؟ لا شيء أستطيع رؤيته؛ ولهذا استبعدتُ الآنسة أوستن، لبعض الوقت، بعد أن سألتك يا سيد كابيل إن كنتَ أنت الآنسة أوستن.

مَن المُتبقِّي؟ الخادم. وما الدافع؟ هناك عدة دوافع مُحتملة، واحد منها أو اثنان مرجَّحان؛ فهو رجل فرنسي، أو يقول إنه كذلك، والآنسة رينيه فرنسية؛ ولهذا خلصتُ إلى أنهما كان يعرف أحدهما الآخر كما سيعرف أيُّ شخصَين يمتلكان الجنسية عينها أحدهما الآخر في منزل كهذا. تذكَّر أيضًا أنني استبعدتُ السيد كابيل والآنسة أوستن؛ لذا كان الخادم هو الشخص الوحيد المُتبقي، وكان بوسعه استخدام ثوب الاستحمام.

حسنًا، وماذا عن الدافع؟ بصراحة كانت هذه هي النقطة الوحيدة الصعبة في المسألة كلها؛ وصعوبتها ترجع إلى وجود احتمالاتٍ عديدة للغاية، وكل احتمال يطرح نفسه يتضمَّن امرأة. أهي الغيرة؟ لا بدَّ من وجود امرأة. أهي الكراهية؟ على الأرجح ثمةَ امرأة. محاولة ابتزاز؟ بمساعدة امرأة. لم أستطع التفكير في أي دافع آخر يُمكِن أن يؤدي إلى مخطَّط قتل معقَّد كهذا. من كانت المرأة؟ الآنسة رينيه.

هل كانت الآنسة رينيه تعرف هينلي؟ كان لدى السيد هاتش أسباب تدعوه إلى الاعتقاد بأنه كان يعرفها، وذلك بسبب سلوكه حين علم بموتها. إلى أيِّ مدًى كان يعرفها؟ الأشخاص المنتمون إلى طبقاتٍ مختلفة في الحياة يُمكِن أن يعرف بعضهم بعضًا — أو ربما يعرف بعضهم بعضًا بالفعل — على مستوًى واحدٍ وحسب. كان السيد هينلي شابًّا عاديًّا، مُتَّقِد الذهن، ومتحرِّرًا. ربما كان ثمة علاقة تجمعهما. حين رأيتُ هذه الاحتمالية كان لديَّ الدوافع — كلها — كالغيرة والكراهية وربما محاولة الابتزاز كذلك.

ما الأمر الأكثر ترجيحًا من وجود علاقة تجمع بين السيد هينلي والآنسة رينيه؟ إن العلاقات كلها سرية. ماذا لو كان هينلي قد تخلَّى عنها بسبب خِطبته إلى فتاة شابة من نفس مستواه؟ ماذا لو أنها وثِقت في الخادم؟ أترى؟ كلها دوافع كافية لارتكاب أي جريمة، مهما كانت شيطانية، وعلى الأرجح فإنَّ محاولات قتل السيد هينلي أعقبت محاولة ابتزاز المال منه. إن الطلقة التي جرحت السيد هينلي أطلقها ذلك الرجل، الخادم. لماذا؟ لأن المرأة التي كان لدَيها السبب لكراهيته كانت قد ماتت. ماذا عن الرجل؟ كان حيًّا وتتملكه مشاعر الانتقام. كان هينلي يعلم مَن أطلق عليه النار، وكان يعلم السبب، لكنه لم يكن ليُصرِّح بذلك علانية، فلم يكن بوسعه تحمُّل تَبِعات ذلك؛ إذ قد يتسبب الأمر في تدميره. أعتقد أن هذا كل ما في الأمر.» ثم سأل الخادم: «أتودُّ إضافة أي شيء؟»

«كلا.» هكذا ردَّ الخادم في شراسة، ثم أضاف في يأس: «يُؤسِفني أنني لم أقتله، هذا كل ما في الأمر. كان الأمر كما قلتَ تمامًا، والله وحدَه يعلم كيف تمكَّنتَ من اكتشافه.»

«أأنت فرنسي؟»

«لقد وُلِدت في نيويورك، لكنني عِشتُ في فرنسا أحد عشر عامًا. عرفتُ لويز للمرة الأولى هناك.»

خيَّم الصمتُ على المجموعة الصغيرة، ثم وجَّه هاتش سؤالًا:

«لقد أخبرتَني، أيها البروفيسور، أنه لن تكون هناك محاولات أخرى لقتْل هينلي عن طريق إطفاء شعلة الغاز. كيف علمت ذلك؟»

ردَّ البروفيسور قائلًا: «لأن ثمةَ شخصًا ما — وهو الشخص الخطأ — قُتِل بتلك الطريقة؛ ولهذا السبب من غير المُرجَّح أن تُجرى محاولة أخرى من النوع نفسه. لم تكن لديك نية لقتل لويز رينيه يا جان، أليس كذلك؟»

«نعم، فليُعينني الرب، نعم لم أكن أنوي قتلها.»

أضاف آلة التفكير مُتحوِّلًا إلى كابيل: «لقد نُفِّذ الأمر كله في هذه الشقة، عند منفذ الغاز الذي نزعتُ عنه الغطاء. لقد وُضِع على نحوٍ غير مُحكَم، وكان المعدن ملطَّخًا في الموضع الذي تسبَّبت الشفتان في ترطيبه.»

قال المُحقِّق مالوري: «لا بدَّ أن الأمر يتطلَّب قوة عظيمة من الرئتَين لعمل ذلك.»

قال العالِم: «ستندهش من مدى سهولة الأمر. جرِّبه في وقتٍ ما.»

ثم نهض آلة التفكير وأمسك قُبعته، وفعل هاتش الأمر عينه، ثم التفتَ الصحفي إلى كابيل.

وسأله: «أتُمانِع أن تُخبِرني لماذا كنتَ متلهِّفًا على المغادرة الليلة؟»

«حسنًا، لا أمانع.» قالها كابيل وحُمرة الخجل تعلو وجهه، وأضاف: «سبب هذا أنني تلقَّيتُ برقيةً من فيرجينيا، من الآنسة ليبسكومب في الواقع. لقد نما إلى علمها جزء من ماضي هينلي، وأرسلَتْ لي برقية تُعلِمني فيها أن الخطبة قد فُسخَت، كما أنني عرفتُ بنبأ إطلاق النار على هينلي، وكنت غاضبًا بشدة.»

كان آلة التفكير وهاتش يسيران في الشارع.

تساءل الصحفي في فضول: «ماذا كتبتَ في الرسالة التي بعثتها إلى كابيل بحيث جعلته يُفرِغ الحقائب؟»

ردَّ آلة التفكير في غموض: «هناك أشياء ليس من المناسب أن يعرفها الجميع. ربما يجدُر بك التغاضي عن هذا الجزء الصغير من التفاصيل.»

ردَّ الصحفي في تعجُّب: «بالطبع، بالطبع.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠