قافية الذال

وقال يمدح مساور بن محمد الرومي:

أَمُسَاوِرٌ أَمْ قَرْنُ شَمْسٍ هَذَا؟
أَمْ لَيْثُ غَابٍ يَقْدُمُ الْأُسْتَاذَا؟١
شِمْ مَا انْتَضَيْتَ فَقَدْ تَرَكْتَ ذُبَابَهُ
قِطَعًا، وَقَدْ تَرَكَ الْعِبَادَ جُذَاذَا٢
هَبْكَ ابْنَ يَزْدَاذٍ حَطَمْتَ وَصَحْبَهُ
أَتَرَى الْوَرَى أَضْحَوْا بَنِي يَزْدَاذَا٣
غَادَرْتَ أَوْجُهَهُمْ بِحَيْثُ لَقِيتَهُمْ
أَقْفَاءَهُمْ وَكُبُودَهُمْ أَفْلَاذَا٤
فِي مَوْقِفٍ وَقَفَ الْحِمَامُ عَلَيْهِمِ
فِي ضَنْكِهِ وَاسْتَحْوَذَ اسْتِحْوَاذَا٥
جَمَدَتْ نُفُوسُهُمُ فَلَمَّا جِئْتَهَا
أَجْرَيْتَهَا وَسَقَيْتَهَا الْفُولَاذَا٦
لَمَّا رَأَوْكَ رَأَوْا أَبَاكَ مُحَمَّدًا
فِي جَوْشَنٍ وَأَخَا أَبِيكَ مُعَاذَا٧
أَعْجَلْتَ أَلْسُنَهُمْ بِضَرْبِ رِقَابِهِمْ
عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا فَارِسٌ إِلَّا ذَا٨
غِرٌّ طَلَعْتَ عَلَيْهِ طِلْعَةَ عَارِضٍ
مَطَرَ الْمَنَايَا وَابِلًا وَرَذَاذَا٩
فَغَدَا أَسِيرًا قَدْ بَلَلْتَ ثِيَابَهُ
بِدَمٍ وَبَلَّ بِبَوْلِهِ الْأَفْخَاذَا١٠
سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَشْرَفِيَّةُ طُرْقَهُ
فَانْصَاعَ لَا حَلَبًا وَلَا بَغْدَاذَا١١
طَلَبَ الْإِمَارَةَ فِي الثُّغُورِ ونَشؤُهُ
مَا بَيْنَ كَرْخَايَا إِلَى كَلْوَاذَا١٢
فَكَأَنَّهُ حَسِبَ الْأَسِنَّةَ حُلْوَةً
أَوْ ظَنَّهَا الْبَرْنِيَّ وَالْآزَاذَا١٣
لَمْ يَلْقَ قَبْلَكَ مَنْ إِذَا اخْتَلَفَ الْقَنَا
جَعَلَ الطِّعَانَ مِنَ الطِّعَانِ مَلَاذَا١٤
مَنْ لَا تُوَافِقْهُ الْحَيَاةُ وَطِيبُهَا
حَتَّى يُوَافِقَ عَزْمُهُ الْإِنْفَاذَا١٥
مُتَعَوِّدًا لُبْسَ الدُّرُوعِ يَخَالُهَا
فِي الْبَرْدِ خَزًّا وَالْهَوَاجِرِ لَاذَا١٦
أَعْجِبْ بِأَخْذِكَهُ، وَأَعْجَبُ مِنْكُمَا
أَنْ لَا تَكُونَ لِمِثْلِهِ أَخَّاذَا١٧

هوامش

(١) قرن الشمس: أول ما يبدو منها. وقدَم يقدُم: إذا تقدم، قال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. والوزير: يسمى الأستاذ في بعض لغة أهل الشام. شبهه في حسنه بقرن الشمس، وفي شجاعته بليث الغاب، وكان يتقدم الوزير.
(٢) يقول: اغمد سيفك الذي سللته من الغمد، فقد فللت حد طرفه بكثرة استعمالك إياه، وقد ترك سيفك الناس قطعًا. فشم: أمر من شام السيف إذا أغمده. وانتضاه: استله: وذباب السيف: حده. والجذاذ: جمع جذاذة، وهي القطعة المكسورة.
(٣) هبك: أي احسب نفسك. يقول: احسب أنك حطمت ابن يزداذ ومن معه، أفتظن الناس كلهم أعداء لك مثل ابن يزداذ، فتعاملهم معاملتك إياهم وتحاول أن تفنيهم جميعًا، فابن يزداذ: مفعول حطمت. وهو لا ينصرف للعجمة، ولكنه صرفه للضرورة.
(٤) يذكر ما فعله بهم يقول: إنك هزمتهم في الموضع الذي لقيتهم فيه فولوك أقفاءهم حتى قامت مقام وجوههم في استقبالك، وتركت أكبادهم قطعًا صغارًا. وقيل: المعنى: طمست وجوههم بالضرب حتى صارت كالأقفاء، فقوله: غادرت: فعل وفاعل، وأوجههم: مفعول أول، وأقفاءهم: مفعول ثان. وقوله: وكبودهم: أي وغادرت كبودهم أفلاذًا، والأفلاذ: جمع فلذ؛ القطعة من الكبد.
(٥) يقول: كان هذا الفعل منك في معركة ضيقة وقف الموت عليهم، فحبسهم في ضيقها حتى استولى على نفوسهم واستأصلهم جميعًا. فالحمام: الموت. والضنك: الضيق، ومنه قوله تعالى: مَعِيشَةً ضَنكًا؛ أي ضيقة. والضمير في ضنكه: لموقف. واستحوذ: استولى.
(٦) الفولاذ: من الحديد معروف؛ وهو مصاص الحديد، المنقى من خبثه، دخيل. قال ابن جني: يعني قست قلوبهم وصبروا وشجعوا فاشتدوا كالشيء الجامد. ثم قال المتنبي: فلما جئتها أجريتها؛ أي أجريت نفوسهم، أي أسلت دماءهم على سيوفك، فكأنك جعلتها سقيًا لها كما يسقى الفولاذ الماء. وقال الواحدي: في «جمدت» أقوال: أحدها أنها جمدت خوفًا منك، والخوف يجمد الدم، وعليه يتأول قول الشاعر:
فَلَوْ أَنَّا عَلَى جُحْرٍ ذُبِحْنَا
جَرَى الدَّمَيَانُ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ
(قبل هذا البيت:
لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا رَبَاحٍ
عَلَى طُولِ التَّكَاشُرِ مُنْذُ حِينِ
لَيُبْغِضُنِي وَأُبْغِضُهُ وَأَيْضًا
يَرَانِي دُونَهُ وَأَرَاهُ دُونِي
وهذه الأبيات نسبت إلى عدة شعراء، وأصحها — كما قال ابن دريد — أنها لشاعر اسمه علي بن بدال بن سليم.
والتكاشر: المباسطة من «الكشر» وهو: التبسم، و«جحر» بضم الجيم وسكون الحاء: الشق في الأرض. وأراد «بالخبر اليقين»: ما اشتهر عند العرب من أنه لا يمتزج دم المتباغضين.
قال ابن الأعرابي: يريد لم يختلط دمي ودمه، من بغضي له وبغضه لي بل يجري دمي يمنة ودمه يسرة.
وقال بعضهم: معناه لو ذبحنا على جحر لعلم من الشجاع منا من الجبان بجري دمي وجمود دمه؛ لأنهم يزعمون أن دم الشجاع يجري، ودم الجبان يجمد.)
يريد: أن دمي يسيل لأني شجاع، ودمك لا يسيل لأنك جبان. والثاني أن دماءهم كانت محقونة، فلما جئتها أبحتها بسيوفك، فجعل حقنها كالجمود؛ إذ كان يذكر بعده الإجراء، ثم أورد كلام ابن جني الذي أوردناه.
(٧) الجوشن: الدرع. يقول: لما رأوك رأوا أباك وعمك؛ لأنك تشبههما، فلصحة شبهك بهما كأنهم رأوهما؛ يعني اجتمع فيك فضلهما وشجاعتهما وكرمهما.
(٨) يقول: لما رأوك ورأوا شجاعتك أرادوا أن يقولوا: لا فارس إلا هذا، لكنك بادرتهم بالقتل فلم يتمكنوا أن يقولوا هذا القول؛ أي لو أمهلهم سيفك لأقروا بأنك قريع دهرك وأوحده فروسية وشجاعة. هذا، والألسن: جمع لسان على تأنيثه. يقال في التأنيث: ثلاث ألسن: كذراع وأذرع، ومن ذكره قال: ثلاثة ألسنة: مثل حمار وأحمرة، وهذا قياس ما جاء على فعال من المذكر والمؤنث.
(٩) غر: أي هو — ابن يزداذ — غر، والغر: الغافل. والعارض: السحاب المعترض في الأفق. والوابل: المطر الشديد. والرذاذ: الخفيف، وهما حالان. يقول كان غافلًا عنك حتى طلعت عليه كما يطلع السحاب، ولما جعله كالسحاب جعل مطره الموت قتلًا وجرحًا وأسرًا.
(١٠) يريد: أنه تلطخ بالدم والبول جميعًا.
(١١) المشرفية: السيوف المنسوبة إلى مشارف اليمن؛ وهي قرى هناك تعمل بها السيوف. وانصاع: انثنى وولى. وبغداذ: لغة في بغداد. يقول: انهزم وتلدد في أمره فلم يقصد الشام ولا العراق؛ لأن سيوفك أخذت عليه هذه الطرق. وحلبًا وبغدادًا: منصوبان بمضمر؛ أي لا يقصد حلب ولا بغداد وصرفهما ضرورة.
(١٢) كرخايا وكلواذا: قريتان بسواد العراق. يقول: حاول أن يكون أميرًا على الثغور، وهو إنما نشأ في سواد العراق؛ أي إنه لا يصلح لما طلب، لأنه سوادي خسيس.
(١٣) الأسنة: جمع سنان، وهو نصل الرمح. والبرني والآزاذ: نوعان من التمر كثيران بالعراق. يقول: إنه تعود أكل الرطب والتمر، وليس هو من أهل الطعان والحرب، فكأنه ظن الحرب تمرًا يأكله. هذا، والمشهور في الآزاذ القصر، لكنه مده للإقامة الوزن.
(١٤) القنا: الرماح. والمراد باختلافها أن يطغى هذا مرة وذاك أخرى والملاذ: الملجأ. يقول: لم يلق قبلك رجلًا إذا اختلف الرماح عند المطاعنة لم يهرب من الطعان إلا إلى الطعان، ولم يلجأ إلا إلى النزال لإقدامه وحفاظه وعلمه أنه لا يحمي حقيقته إلا بالطعان، كما قال الحصين بن الحمام:
تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ
لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا
(١٥) من: في موضع نصب، بدل من من الأولى. يقول: إنه لا يلتذ طعم الحياة إلا إذا أمضى عزمه فأنفذه لا يرجع فيه إلى الوراء؛ أي إن طيب عيشه في إنفاذ عزمه، فإذا رجع عن شيء لم ينفذه لم يطب عيشه. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: «لا يجد طعم الحياة من لا يجد لشهوته دركًا. ولا لأمره تصرفًا.»
(١٦) الخز: ثياب غليظة من الحرير. واللاذ: ثوب رقيق من الكتان. والهواجر: جمع هاجرة؛ وهي وقت شدة الحر في نهار الصيف. يقول: لم يلقَ قبلك إنسانًا متعودًا لبس الدروع يظنها في صبَارَّة البرد خزًّا يقيه البرد، وفي حمارَّة القيظ لاذًا يلاذ به من الحر، فلتعودك لبسها صارت عندك كلبس هذين النوعين من الثياب، فقوله: متعودًا، نعت لمن على أنها نكرة. هذا، وفي البيت عطف على معمولي عاملين مختلفين؛ لأن الهواجر معطوفة على البرد، ولاذا: عطف على خز، وإنما جوزه كون عامل أولهما جارًّا. وأنشدوا على جوازه قول الشاعر:
أَكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً
وَنَارٍ تَأَجَّجَ بِاللَّيْلِ نَارَا
(١٧) يقول: ما أعجب أخذك إياه في قوته وعدده! وأعجب من ذلك لو لم تأخذه؛ لأنك مظفر منصور على أعدائك لا يفلت منك أحد تقصده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤