قافية الراء

وقال يمدح سيف الدولة وقد سأله المسير معه لما سار لنصرة أخيه ناصر الدولة، وذلك سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة:

سِرْ، حَلَّ حَيْثُ تَحُلُّهُ النُّوَّارُ!
وَأَرَادَ فِيكَ مُرَادَكَ الْمِقْدَارُ١
وَإِذَا ارْتَحَلْتَ فَشَيَّعَتْكَ سَلَامَةٌ
حَيْثُ اتَّجَهْتَ وَدِيمَةٌ مِدْرَارُ٢
وَأَرَاكَ دَهْرُكَ مَا تُحَاوِلُ فِي الْعِدَى
حَتَّى كَأَنَّ صُرُوفَهُ أَنْصَارُ٣
وَصَدَرْتَ أَغْنَمَ صَادِرٍ عَنْ مَوْرِدٍ
مَرْفُوعَةً لِقُدُومِكَ الْأَبْصَارُ٤
أَنْتَ الَّذِي بَجِحَ الزَّمَانُ بِذِكْرِهِ
وَتَزَيَّنَتْ بِحَدِيثِهِ الْأَسْمَارُ٥
وَإِذَا تَنَكَّرَ فَالْفَنَاءُ عِقَابُهُ
وَإِذَا عَفَا فَعَطَاؤُهُ الْأَعْمَارُ٦
وَلَهُ وَإِنْ وَهَبَ الْمُلُوكُ مَوَاهِبٌ
دَرُّ الْمُلُوكِ لِدَرِّهَا أَغْبَارُ٧
لِلهِ قَلْبُكَ مَا يَخَافُ مِنَ الرَّدَى!
وَيَخَافُ أَنْ يَدْنُو إِلَيْكَ الْعَارُ٨
وَتَحِيدُ عَنْ طَبْعِ الْخَلَائِقِ كُلِّهِ
وَيِحِيدُ عَنْكَ الْجَحْفَلُ الْجَرَّارُ٩
يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَى الْأَعِزَّةِ جَارُهُ
وَيَذِلُّ مِنْ سَطَوَاتِهِ الْجَبَّارُ١٠
كُنْ حَيْثُ شِئْتَ فَمَا تَحُولُ تَنُوفَةٌ
دُونَ اللِّقَاءِ وَلَا يَشِطُّ مَزَارُ١١
وَبِدُونِ مَا أَنَا مِنْ وِدَادِكَ مُضْمِرٌ
يُنْضَى الْمَطِيُّ وَيَقْرُبُ الْمُسْتَارُ١٢
إِنَّ الَّذِي خَلَّفْتُ خَلْفِي ضَائِعٌ
مَا لِي عَلَى قَلَقِي إِلَيْهِ خِيَارُ١٣
وَإِذَا صُحِبْتَ فَكُلُّ مَاءٍ مَشْرَبٌ
لَوْلَا الْعِيَالُ وَكُلُّ أَرْضٍ دَارُ١٤
إِذْنُ الْأَمِيرِ بِأَنْ أَعُودَ إِلَيْهِمِ
صِلَةٌ تَسِيرُ بِشُكْرِهَا الْأَشْعَارُ١٥

وخيره بين فرسين؛ دهماءَ وكُمَيت، فقال:

اخْتَرْتُ دَهْمَاءَ تَيْنِ يَا مَطَرُ
وَمَنْ لَهُ فِي الْفَضَائِلِ الْخِيَرُ١٦
وَرُبَّمَا فَالَتِ الْعُيُونُ وَقَدْ
يَصْدُقُ فِيهَا وَيَكْذِبُ النَّظَرُ١٧
أَنْتَ الَّذِي لَوْ يُعَابُ فِي مَلَأٍ
مَا عِيبَ إِلَّا بِأَنَّهُ بَشَرُ١٨
وَأَنَّ إِعْطَاءَهُ الصَّوارِمُ وَالْخَيْـ
ـلُ وَسُمْرُ الرِّمَاحِ وَالْعَكَرُ١٩
فَاضِحُ أَعْدَائِهِ كَأَنَّهُمُ
لَهُ يَقِلُّونَ كُلَّمَا كَثُرُوا٢٠
أَعَاذَكَ اللهُ مِنْ سِهَامِهِمِ
وَمُخْطِئٌ مَنْ رَمِيُّهُ الْقَمَرُ٢١
وجاءه رسول سيف الدولة برقعة فيها بيتان للعباس بن الأحنف٢٢ يسأله إجازتهما، فقال:
رِضَاكَ رِضَايَ الَّذِي أُوثِرُ
وَسِرُّكَ سِرِّي، فَمَا أُظْهِرُ؟!٢٣
كَفَتْكَ الْمُرُوءَةُ مَا تَتَّقِي
وَآمَنَكَ الْوُدُّ مَا تَحْذَرُ٢٤
وَسِرُّكُمُ فِي الْحَشَا مَيِّتٌ
إِذَا أُنْشِرَ السِّرُّ لَا يُنْشَرُ٢٥
كَأَنِّي عَصَتْ مُقْلَتِي فِيكُمُ
وَكَاتَمَتِ الْقَلْبَ مَا تُبْصِرُ٢٦
وَإِفْشَاءُ مَا أَنَا مُسْتَوْدَعٌ
مِنَ الْغَدْرِ، وَالْحُرُّ لَا يَغْدِرُ٢٧
إِذَا مَا قَدَرْتُ عَلَى نَطْقَةٍ
فَإِنِّي عَلَى تَرْكِهَا أَقْدَرُ٢٨
أُصَرِّفُ نَفْسِي كَمَا أَشْتَهِي
وَأَمْلِكُهَا وَالْقَنَا أَحْمَرُ٢٩
دَوَالَيْكَ يَا سَيْفَهَا دَوْلَةً
وَأَمْرَكَ يَا خَيْرَ مَنْ يَأْمُرُ٣٠
أَتَانِي رَسُولُكَ مُسْتَعْجِلًا
فَلَبَّاهُ شِعْرِي الَّذِي أَذْخَرُ
وَلَوْ كَانَ يَوْمَ وَغًى قَاتِمًا
لَلَبَّاهُ سَيْفِيَ وَالْأَشْقَرُ٣١
فَلَا غَفَلَ الدَّهْرُ عَنْ أَهْلِهِ
فَإِنَّكَ عَيْنٌ بِهَا يَنْظُرُ٣٢
وقال وقد استبطأ سيف الدولة مدحه وتنكر لذلك:٣٣
أَرَى ذَلِكَ الْقُرْبَ صَارَ ازْوِرَارَا
وَصَارَ طَوِيلُ السَّلَامِ اخْتِصَارَا٣٤
تَرَكْتَنِيَ الْيَوْمَ فِي خَجْلَةٍ
أَمُوتُ مِرَارًا وَأَحْيَا مِرَارَا٣٥
أُسَارِقُكَ اللَّحْظَ مُسْتَحْيِيًا
وَأَزْجُرُ فِي الْخَيْلِ مُهْرِي سِرَارَا٣٦
وَأَعْلَمُ أَنِّي إِذَا مَا اعْتَذَرْتُ
إِلَيْكَ أَرَادَ اعْتِذَارِي اعْتِذَارَا٣٧
كَفَرْتُ مَكَارِمَكَ الْبَاهِرَا
تِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنِّي اخْتِيَارَا٣٨
وَلَكِنْ حَمَى الشِّعْرَ إِلَّا الْقَلِيـ
ـلَ هَمٌّ حَمَى النَّوْمَ إِلَّا غِرَارَا٣٩
وَمَا أَنَا أَسْقَمْتُ جِسْمِي بِهِ
وَمَا أَنَا أَضْرَمْتُ فِي الْقَلْبِ نَارَا٤٠
فَلَا تُلْزِمَنِّي ذُنُوبَ الزَّمَانِ
إِلَيَّ أَسَاءَ وَإِيَّايَ ضَارَا٤١
وَعِنْدِي لَكَ الشُّرُدُ السَّائِرَا
تُ لَا يَخْتَصِصْنَ مِنَ الْأَرْضِ دَارَا٤٢
قَوَافٍ إِذَا سِرْنَ عَنْ مِقْوَلِي
وَثَبْنَ الْجِبَالَ وَخُضْنَ الْبِحَارَا٤٣
وَلِي فِيكَ مَا لَمْ يَقُلْ قَائِلٌ
وَمَا لَمْ يَسْرِ قَمَرٌ حَيْثُ سَارَا
فَلَوْ خُلِقَ النَّاسُ مِنْ دَهْرِهِمْ
لَكَانُوا الظَّلَامَ وَكُنْتَ النَّهَارَا٤٤
أَشَدُّهُمُ فِي النَّدَى هِزَّةً
وَأَبْعَدُهُمْ فِي عَدُوٍّ مُغَارَا٤٥
سَمَا ِبَكَ هَمِّيَ فَوْقَ الْهُمُومِ
فَلَسْتُ أَعُدُّ يَسَارًا يَسَارَا٤٦
وَمَنْ كُنْتَ بَحْرًا لَهُ يَا عَلِيـْ
ـيُ لَمْ يَقْبَلِ الدُّرَّ إِلَّا كِبَارَا٤٧

وقال يهنئه بعيد الفطر:

الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ وَالْأَعْيَادُ وَالْعُصُرُ
مُنِيرَةٌ بِكَ حَتَّى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ٤٨
تُرِي الْأَهِلَّةَ وَجْهًا عَمَّ نَائِلُهُ
فَمَا يُخَصُّ بِهِ مِنْ دُونِهَا الْبَشَرُ٤٩
مَا الدَّهْرُ عِنْدَكَ إِلَّا رَوْضَةٌ أُنُفٌ
يَا مَنْ شَمَائِلُهُ فِي دَهْرِهِ زَهَرُ٥٠
مَا يَنْتَهِي لَكَ فِي أَيَّامِهِ كَرَمٌ
فَلَا انْتَهَى لَكَ فِي أَعْوَامِهِ عُمُرُ٥١
فَإِنَّ حَظَّكَ مِنْ تَكْرَارِهَا شَرَفٌ
وَحَظَّ غَيْرِكَ مِنْهَا الشَّيْبُ وَالْكِبَرُ٥٢

وقال وقد جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم ولم يصل إليه المتنبي لزحام الناس، فعاتبه سيف الدولة على تأخره وانقطاعه.

فقال المتنبي ارتجالًا، وذلك سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة:

ظُلْمٌ لِذَا الْيَوْمِ وَصْفٌ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ
لَا يَصْدُقُ الْوَصْفُ حَتَّى يَصْدُقَ النَّظَرُ٥٣
تَزَاحَمَ الْجَيْشُ حَتَّى لَمْ يَجِدْ سَبَبًا
إِلَى بِسَاطِكَ لِيْ سَمْعٌ وَلَا بَصَرُ
فَكُنْتُ أَشْهَدَ مُخْتَصٍّ وَأَغْيَبَهُ
مُعَايِنًا وَعَيَانِي كُلُّهُ خَبَرُ٥٤
الْيَوْمَ يَرْفَعُ مَلْكُ الرُّومِ نَاظِرَهُ
لِأَنَّ عَفْوَكَ عَنْهُ عِنْدَهُ ظَفَرُ٥٥
وَإِنْ أَجَبْتَ بِشَيْءٍ عَنْ رَسَائِلِهِ
فَمَا يَزَالُ عَلَى الْأَمْلَاكِ يَفْتَخِرُ٥٦
قَدِ اسْتَرَاحَتْ إِلَى وَقْتٍ رِقَابُهُمُ
مِنَ السُّيُوفِ وَبَاقِي الْقَوْمِ يَنْتَظِرُ٥٧
وَقَد تُبَدِّلُهَا بِالْقَوْمِ غَيْرَهُمُ
لِكَيْ تَجِمَّ رُءُوسُ الْقَوْمِ وَالْقَصَرُ٥٨
تَشْبِيهُ جُودِكَ بِالْأَمْطَارِ غَادِيَةً
جُودٌ لِكَفِّكَ ثَانٍ نَالَهُ الْمَطَرُ٥٩
تَكَسَّبُ الشَّمْسُ مِنْكَ النُّورَ طَالِعَةً
كَمَا تَكَسَّبَ مِنْهَا نُورَهُ الْقَمَرُ٦٠

وقال لما أوقع سيف الدولة ببني عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب حين عاثوا في عمله وخالفوا عليه، ويذكر إجفالهم من بين يديه وظفره بهم، وله خبر طويل:

طِوَالُ قَنًا تُطَاعِنُهَا قِصَارُ
وَقَطْرُكَ فِي نَدًى وَوَغًى بِحَارُ٦١
وَفِيكَ إِذَا جَنَى الْجَانِي أَنَاةٌ
تُظَنُّ كَرَامَةً وَهِيَ احْتِقَارُ٦٢
وَأَخْذٌ لِلْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِي
بِضَبْطٍ لَمْ تُعَوَّدْهُ نِزَارُ٦٣
تَشَمَّمُهُ شَمِيمَ الْوَحْشِ إِنْسًا
وَتُنْكِرُهُ فَيَعْرُوهَا نِفَارُ٦٤
وَمَا انْقَادَتْ لِغَيْرِكَ فِي زَمَانٍ
فَتَدْرِي مَا الْمَقَادَةُ وَالصَّغَارُ٦٥
فَقَرَّحَتِ الْمَقَاوِدُ ذِفْرَيَيْهَا
وَصَعَّرَ خَدَّهَا هَذَا الْعِذَارُ٦٦
وَأَطْمَعَ عَامِرَ الْبُقْيَا عَلَيْهَا
وَنَزَّقَهَا احْتِمَالُكَ وَالْوَقَارُ٦٧
وَغَيَّرَهَا التَّرَاسُلُ وَالتَّشَاكِي
وَأَعْجَبَهَا التَّلَبُّبُ وَالْمُغَارُ٦٨
جِيَادٌ تَعْجِزُ الْأَرْسَانُ عَنْهَا
وَفُرْسَانٌ تَضِيقُ بِهَا الدِّيَارُ٦٩
وَكَانَتْ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاهَا
نُفُوسًا فِي رَدَاهَا تُسْتَشَاَرُ٧٠
وَكُنْتَ السَّيْفَ قَائِمُهُ إِلَيْهِمْ
وَفِي الْأَعْدَاءِ حَدُّكَ وَالْغِرَارُ
فَأَمْسَتْ بِالْبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُ
وَأَمْسَى خَلْفَ قَائِمِهِ الْحِيَارُ٧١
وَكَانَ بَنُو كِلَابٍ حَيْثُ كَعْبٌ
فَخَافُوا أَنْ يَصِيرُوا حَيْثُ صَارُوا٧٢
تَلَقَّوْا عِزَّ مَوْلَاهُمْ بِذُلٍّ
وَسَارَ إِلَى بَنِي كَعْبٍ وَسَارُوا٧٣
فَأَقْبَلَهَا الْمُرُوجَ مُسَوَّمَاتٍ
ضَوَامِرَ لَا هِزَالَ وَلَا شِيَارُ٧٤
تُثِيرُ عَلَى سَلَمْيَةَ مُسْبَطِرًّا
تَنَاكَرُ تحْتَهُ لَوْلَا الشِّعَارُ٧٥
عَجَاجًا تَعْثُرُ الْعِقْبَانُ فِيهِ
كَأَنَّ الْجَوَّ وَعْثٌ أَوْ خَبَارُ٧٦
وَظَلَّ الطَّعْنُ فِي الْخَيْلَيْنِ خَلْسًا
كَأَنَّ الْمَوْتَ بَيْنَهُمَا اخْتِصَارُ٧٧
فَلَزَّهُمُ الطِّرَادُ إِلَى قِتَالٍ
أَحَدُّ سِلَاحِهِمْ فِيهِ الْفِرَارُ٧٨
مَضَوْا مُتَسَابِقِي الْأَعْضَاءِ فِيهِ
لِأَرْؤُسِهِمْ بِأَرْجُلِهِمْ عِثَارُ٧٩
يَشُلُّهُمُ بِكُلِّ أَقَبَّ نَهْدٍ
لِفَارِسِهِ عَلَى الْخَيْلِ الْخِيَارُ٨٠
وَكُلِّ أَصَمَّ يَعْسِلُ جَانِبَاهُ
عَلَى الْكَعْبَيْنِ مِنْهُ دَمٌ مُمَارُ٨١
يُغَادِرُ كُلَّ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ
وَلَبَّتُهُ لِثَعْلَبِهِ وَجَارُ٨٢
إِذَا صَرَفَ النَّهَارُ الضَّوْءَ عَنْهُمْ
دَجَا لَيْلَانِ: لَيْلٌ وَالْغُبَارُ
وَإِنْ جُنْحُ الظَّلَامِ انْجَابَ عَنْهُمْ
أَضَاءَ الْمَشْرَفِيَّةُ وَالنَّهَارُ٨٣
يُبَكِّي خَلْفَهُمْ دَثْرٌ بُكَاهُ
رُغَاءٌ أَوْ ثُؤَاجٌ أَوْ يُعَارُ٨٤
غَطَا بِالْعِثْيَرِ الْبَيْدَاءَ حَتَّى
تَحَيَّرَتِ الْمَتَالِي وَالْعِشَارُ٨٥
وَمَرُّوا بِالْجَبَاةِ يَضُمُّ فِيهَا
كِلَا الْجَيْشَيْنِ مِنْ نَقْعٍ إِزَارُ٨٦
وَجَاءُوا الصَّحْصَحَانِ بِلَا سُرُوجٍ
وَقَدْ سَقَطَ الْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ٨٧
وَأُرْهِقَتِ الْعَذَارَى مُرْدَفَاتٍ
وَأُوْطِئَتِ الْأُصَيْبِيَةُ الصِّغَارُ٨٨
وَقَدْ نُزِحَ الْغُوَيْرُ فَلَا غُوَيْرٌ
وَنِهْيَا وَالْبُيَيْضَةُ وَالْجِفَارُ٨٩
وَلَيْسَ بِغَيْرِ تَدْمُرَ مُسْتَغَاثٌ
وَتَدْمُرُ كَاسْمِهَا لَهُمُ دَمَارُ٩٠
أَرَادُوا أَنْ يُدِيرُوا الرَّأْيَ فِيهَا
فَصَبَّحَهُمْ بِرَأْيٍ لَا يُدَارُ٩١
وَجَيْشٍ كُلَّمَا حَارُوا بِأَرْضٍ
وَأَقْبَلَ أَقْبَلَتْ فِيهِ تَحَارُ٩٢
يَحُفُّ أَغَرَّ لَا قَوَدٌ عَلَيْهِ
وَلَا دِيَةٌ تُسَاقُ وَلَا اعْتِذَارُ٩٣
تُرِيقُ سُيُوفُهُ مُهَجَ الْأَعَادِي
وَكُلُّ دَمٍ أَرَاقَتْهُ جُبَارُ٩٤
فَكَانُوا الْأُسْدَ لَيْسَ لَهَا مَصَالٌ
عَلَى طَيْرٍ وَلَيْسَ لَهَا مَطَارُ٩٥
إِذَا فَاتُوا الرِّمَاحَ تَنَاوَلَتْهُمْ
بِأَرْمَاحٍ مِنَ الْعَطَشِ الْقِفَارُ٩٦
يَرَوْنَ الْمَوْتَ قُدَّامًا وَخَلْفًا
فَيَخْتَارُونَ وَالْمَوْتُ اضْطِرَارُ٩٧
إِذَا سَلَكَ السَّمَاوَةَ غَيْرُ هَادٍ
فَقَتْلَاهُمْ لِعَيْنَيْهِ مَنَارُ٩٨
وَلَوْ لَمْ تُبْقِ لَمْ تَعِشِ الْبَقَايَا
وَفِي الْمَاضِي لِمَنْ بَقِيَ اعْتِبَارُ٩٩
إِذَا لَمْ يُرْعِ سَيِّدُهُمْ عَلَيْهِمْ
فَمَنْ يُرْعِي عَلَيْهِمْ أَوْ يَغَارُ١٠٠
تُفَرِّقُهُمْ وَإِيَّاهُ السَّجَايَا
وَيَجْمَعُهُمْ وَإِيَّاهُ النِّجَارُ١٠١
وَمَالَ بِهَا عَلَى أَرَكٍ وَعُرْضٍ
وَأَهْلُ الرَّقَّتَيْنِ لَهَا مَزَارُ١٠٢
وَأُجْفَلَ بِالْفُرَاتِ بَنُو نُمَيْرٍ
وَزَأْرُهُمُ الَّذِي زَأَرُوُا خُوَارُ١٠٣
فَهُمْ حِزَقٌ عَلَى الْخَابُورِ صَرْعَى
بِهِمْ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهِمِ خُمَارُ١٠٤
فَلَمْ يَسْرَحْ لَهُمْ فِي الصُّبْحِ مَالٌ
وَلَمْ تُوقَدُ لَهُمْ بِاللَّيْلِ نَارُ١٠٥
حِذَارَ فَتًى إِذَا لَمْ يَرْضَ عَنْهُمْ
فَلَيْسَ بِنَافِعٍ لَهُمُ الْحِذَارُ١٠٦
تَبِيتُ وُفُودُهُمْ تَسْرِي إِلَيْهِ
وَجَدْوَاهُ الَّتِي سَأَلُوا اغْتِفَارُ١٠٧
فَخَلَّفَهُمْ بِرَدِّ الْبِيضِ عَنْهُمْ
وَهَامُهُمُ لَهُ مَعَهُمْ مُعَارُ١٠٨
وَهُمْ مِمَّنْ أَذَمَّ لَهُمْ عَلَيْهِ
كَرِيمُ الْعِرْقِ وَالْحَسَبُ النُّضَارُ١٠٩
فَأَصْبَحَ بِالْعَوَاصِمِ مُسْتَقِرًّا
وَلَيْسَ لِبَحْرِ نَائِلِهِ قَرَارُ١١٠
وَأَضْحَى ذِكْرُهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ
تُدَارُ عَلَى الْغِنَاءِ بِهِ الْعُقَارُ١١١
تَخِرُّ لَهُ الْقَبَائِلُ سَاجِدَاتٍ
وَتَحْمَدُهُ الْأَسِنَّةُ وَالشِّفَارُ١١٢
كَأَنَّ شُعَاعَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِيهِ
فَفِي أَبْصَارِنَا مِنْهُ انْكِسَارُ١١٣
فَمَنْ طَلَبَ الطِّعَانَ فَذَا عَلِيٌّ
وَخَيْلُ اللهِ وَالْأَسَلُ الْحِرَارُ١١٤
يَرَاهُ النَّاسُ حَيْثُ رَأَتْهُ كَعْبٌ
بِأَرْضٍ مَا لِنَازِلِهَا اسْتِتَارُ
يُوَسِّطُهُ الْمَفَاوِزُ كُلَّ يَوْمٍ
طِلَابُ الطَّالِبِينَ لَا الِانْتِظَارُ١١٥
تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجَاوِبَاتٍ
وَمَا مِنْ عَادَةِ الْخَيْلِ السِّرَارُ١١٦
بَنُو كَعْبٍ وَمَا أَثَّرْتَ فِيهِمْ
يَدٌ لَمْ يُدْمِهَا إِلَّا السِّوَارُ
بِهَا مِنْ قَطْعِهِ أَلَمٌ وَنَقْصٌ
وَفِيهَا مِنْ جَلَالَتِهِ افْتِخَارُ١١٧
لَهُمْ حَقٌّ بِشِرْكِكَ فِي نِزَارٍ
وَأَدْنَى الشِّرْكِ فِي أَصْلٍ جِوَارُ١١٨
لَعَلَّ بَنِيهِمِ لِبَنِيكَ جُنْدٌ
فَأَوَّلُ قُرَّحِ الْخَيْلِ الْمِهَارُ١١٩
وَأَنْتَ أَبَرُّ مَنْ لَوْ عُقَّ أَفْنَى
وَأَعْفَى مَنْ عُقُوبَتُهُ الْبَوَارُ١٢٠
وَأَقْدَرُ مَنْ يُهَيِّجُهُ انْتِصَارٌ
وَأَحْلَمُ مَنْ يُحَلِّمُهُ اقْتِدَارُ١٢١
وَمَا فِي سَطْوَةِ الْأَرْبَابِ عَيْبٌ
وَلَا فِي ذِلَّةِ الْعُبْدَانِ عَارُ١٢٢

وقال ارتجالًا يهجو سوارًا الديلمي وقد نزلوا منزلًا أصابهم فيه مطر وريح:

بَقِيَّةُ قَوْمٍ آذَنُوا بِبَوَارِ
وَأَنْضَاءُ أَسْفَارٍ كَشَرْبِ عُقَارِ١٢٣
نَزَلْنَا عَلَى حُكْمِ الرِّيَاحِ بِمَسْجِدٍ
عَلَيْنَا لَهَا ثَوْبا حَصًى وَغُبَارِ١٢٤
خَلِيلَيَّ مَا هَذَا مُنَاخًا لِمِثْلِنَا
فَشُدَّا عَلَيْهَا وَارْحَلَا بِنَهَارِ١٢٥
وَلَا تُنْكِرَا عَصْفَ الرِّيَاحِ فَإِنَّهَا
قِرَى كُلِّ ضَيْفٍ بَاتَ عِنْدَ سِوَارِ١٢٦

وقال في صباه وهو بيت مفرد، وروى قوم أنهما بيتان وهما:

إِذَا لَمْ تَجِدْ مَا يَبْتُرُ الْفَقْرَ قَاعِدًا
فَقُمْ وَاطْلُبِ الشَّيْءَ الَّذِي يَبْتُرُ الْعُمْرَا١٢٧
هُمَا خَلَّتَانِ ثَرْوَةٌ أَوْ مَنِيَّةٌ
لَعَلَّكَ أَنْ تُبْقِي بِوَاحِدَةٍ ذِكْرَا١٢٨

وقال في صباه في جعفر بن كيغلغ ولم ينشده إياها:

حَاشَى الرَّقِيبَ فَخَانَتْهُ ضَمَائِرُهُ
وَغَيَّضَ الدَّمْعَ فَانْهَلَّتْ بَوَادِرُهُ١٢٩
وَكَاتِمُ الْحُبِّ يَوْمَ الْبَيْنِ مُنْهَتِكٌ
وَصَاحِبُ الدَّمْعِ لَا تَخْفَى سَرَائِرُهُ١٣٠
لَوْلَا ظِبَاءُ عَدِيٍّ مَا شُغِفْتُ بِهِمْ
وَلَا بِرَبْرَبِهِمْ لَوْلَا جَآذِرُهُ١٣١
مِنْ كُلِّ أَحْوَرَ فِي أَنْيَابِهِ شَنَبٌ
خَمْرٌ يُخَامِرُهَا مِسْكٌ تُخَامِرُهُ١٣٢
نُعْجٌ مَحَاجِرُهُ دُعْجٌ نَوَاظِرُهُ
حُمْرٌ غَفَائِرُهُ سُودٌ غَدَائِرُهُ١٣٣
أَعَارَنِي سُقْمَ عَيْنَيْهِ وحَمَلَّنِي
مِنَ الْهَوَى ثِقْلَ مَا تَحْوِي مَآزِرُهُ١٣٤
يَا مَنْ تَحَكَّمَ فِي نَفْسِي فَعَذَّبَنِي
وَمَنْ فُؤَادِي عَلَى قَتْلِي يُضَافِرُهُ١٣٥
بِعَوْدَةِ الدَّوْلَةِ الْغَرَّاءِ ثَانِيَةً
سَلَوْتُ عَنْكَ وَنَامَ اللَّيْلَ سَاهِرُهُ١٣٦
مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ لَيْلِي لَا صَبَاحَ لَهُ
كَأَنَّ أَوَّلَ يَوْمِ الْحَشْرِ آخِرُهُ١٣٧
غَابَ الْأَمِيرُ فَغَابَ الْخَيْرُ عَنْ بَلَدٍ
كَادَتْ لِفَقْدِ اسْمِهِ تَبْكِي مَنَابِرُهُ١٣٨
قَدِ اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الْأَحْيَاءِ أَرْبُعُهُ
وَخَبَّرَتْ عَنْ أَسَى الْمَوْتَى مَقَابِرُهُ١٣٩
حَتَّى إِذَا عُقِدَتْ فِيهِ الْقِبَابُ لَهُ
أَهَلَّ لِلهِ بَادِيهِ وَحَاضِرُهُ١٤٠
وَجَدَّدَتْ فَرَحًا لَا الْغَمُّ يَطْرُدُهُ
وَلَا الصَّبَابَةُ فِي قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ١٤١
إِذَا خَلَتْ مِنْكَ حِمْصٌ، لَا خَلَتْ أَبَدًا
فَلَا سَقَاهَا مِنَ الْوَسْمِيِّ بَاكِرُهُ١٤٢
دَخَلْتَهَا وَشُعَاعُ الشَّمْسِ مُتَّقِدٌ
وَنُورُ وَجْهِكَ بَيْنَ الْخَلْقِ بَاهِرُهُ١٤٣
فِي فَيْلَقٍ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ قَذَفْتَ بِهِ
صَرْفَ الزَّمَانِ لَمَا دَارَتْ دَوَائِرُهُ١٤٤
تَمْضِي الْمَوَاكِبُ وَالْأَبْصَارُ شَاخِصَةٌ
مِنْهَا إِلَى الْمَلِكِ الْمَيْمُونِ طَائِرُهُ١٤٥
قَدْ حِرْنَ فِي بَشَرٍ فِي تَاجِهِ قَمَرٌ
فِي دِرْعِهِ أَسَدٌ تَدْمَى أَظَافِرُهُ١٤٦
حُلْوٍ خَلَائِقُهُ شُوسٍ حَقَائِقُهُ
تُحْصَى الْحَصَى قَبْلَ أَنْ تُحْصَى مَآثِرُهُ١٤٧
تَضِيقُ عَنْ جَيْشِهِ الدُّنْيَا وَلَو رَحُبَتْ
كَصَدْرِهِ لَمْ تَبِنْ فِيهَا عَسَاكِرُهُ١٤٨
إِذَا تَغَلْغَلَ فِكْرُ الْمَرْءِ فِي طَرَفٍ
مِنْ مَجْدِهِ غَرِقَتْ فِيهِ خَوَاطِرُهُ١٤٩
تَحْمَى السُّيُوفُ عَلَى أَعْدَائِهِ مَعَهُ
كَأَنَّهُنَّ بَنُوهُ أَوْ عَشَائِرُهُ١٥٠
إِذَا انْتَضَاهَا لِحَرْبٍ لَمْ تَدَعْ جَسَدًا
إِلَّا وَبَاطِنُهُ لِلْعَيْنِ ظَاهِرُهُ١٥١
فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْحَقَّ فِي يَدِهِ
وَقَدْ وَثِقْنَ بِأَنَّ اللهَ نَاصِرُهُ١٥٢
تَرَكْنَ هَامَ بَنِي عَوْفٍ وَثَعْلَبَةٍ
عَلَى رُءُوسٍ بِلَا نَاسٍ مَغَافِرُهُ١٥٣
فَخَاضَ بِالسَّيْفِ بَحْرَ الْمَوْتِ خَلْفَهُمُ
وَكَانَ مِنْهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ زَاخِرُهُ١٥٤
حَتَّى انْتَهَى الْفَرَسُ الْجَارِي وَمَا وَقَعَتْ
فِي الْأَرْضِ مِنْ جُثَثِ الْقَتْلَى حَوَافِرُهُ١٥٥
كَمْ مِنْ دَمٍ رَوِيَتْ مِنْهُ أَسِنَّتُهُ
وَمُهْجَةٍ وَلَغَتْ فِيهَا بَوَاتِرُهُ١٥٦
وَحَائِنٍ لَعِبَتْ سُمْرُ الرِّمَاحِ بِهِ
فَالْعَيْشُ هَاجِرُهُ وَالنَّسْرُ زَائِرُهُ١٥٧
مَنْ قَالَ: لَسْتَ بِخَيْرِ النَّاسِ كُلِّهِمِ
فَجَهْلُهُ بِكَ عِنْدَ النَّاسِ عَاذِرُهُ
أَوْ شَكَّ أَنَّكَ فَرْدٌ فِي زَمَانِهِمِ
بِلَا نَظِيرٍ فَفِي رُوحِي أُخَاطِرُهُ١٥٨
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ١٥٩
وَمَنْ تَوَهَّمْتُ أَنَّ الْبَحْرَ رَاحَتُهُ
جُودًا وَأَنَّ عَطَايَاهُ جَوَاهِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاِسرُهُ
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ١٦٠

وقال يمدح أبا أحمد عبيد الله بن يحيى البحتري المنبجي:

أَرِيقُكِ أَمْ مَاءُ الْغَمَامَةِ أَمْ خَمْرُ
بِفِيَّ بَرُودٌ وَهْوَ فِي كَبِدِي جَمْرُ؟١٦١
أَذَا الْغُصْنُ أَمْ ذَا الدِّعْصُ أَمْ أَنْتِ فِتْنَةٌ؟
وَذَيَّا الَّذِي قَبَّلْتُهُ الْبَرْقُ أَمْ ثَغْرُ؟١٦٢
رَأَتْ وَجْهَ مَنْ أَهْوَى بِلَيْلٍ عَوَاذِلِي
فَقُلْنَ: نَرَى شَمْسًا وَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ١٦٣
رَأَيْنَ الَّتِي لِلسِّحْرِ فِي لَحَظَاتِهَا
سُيُوفٌ ظُبَاهَا مِنْ دَمِي أَبَدًا حُمْرُ١٦٤
تَنَاهَى سُكُونُ الْحُسْنِ فِي حَرَكَاتِهَا
فَلَيْسَ لِرَاءٍ وَجْهَهَا لَمْ يَمُتْ عُذْرُ١٦٥
إِلَيْكَ ابْنَ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ تَجَاوَزَتْ
بِيَ الْبِيدَ عِيسٌ لَحْمُهَا وَالدَّمُ الشِّعْرُ١٦٦
نَضَحْتُ بِذِكْرَاكُمْ حَرَارَةَ قَلْبِهَا
فَسَارَتْ وَطُولُ الْأَرْضِ فِي عَيْنِهَا شِبْرُ١٦٧
إِلَى لَيْثِ حَرْبٍ يُلْحِمُ اللَّيْثَ سَيْفُهُ
وَبَحْرِ نَدًى فِي مَوْجِهِ يَغْرَقُ الْبَحْرُ١٦٨
وَإِنْ كَانَ يُبْقِي جُودُهُ مِنْ تَلِيدِهِ
شَبِيهًا بِمَا يُبْقِي مِنَ الْعَاشِقِ الْهَجْرُ١٦٩
فَتًى كُلَّ يَوْمٍ تَحْتَوِي نَفْسَ مَالِهِ
رِمَاحُ الْمَعَالِي لَا الرُّدَيْنِيَّةُ السُّمْرُ١٧٠
تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ السَّحَابِ وَبَيْنَهُ
فَنَائِلُهَا قَطْرٌ وَنَائِلُهُ غَمْرُ١٧١
وَلَوْ تَنْزِلُ الدُّنْيَا عَلَى حُكْمِ كَفِّهِ
لَأَصْبَحَتِ الدُّنْيَا وَأَكْثَرُهَا نَزْرُ١٧٢
أَرَاهُ صَغِيرًا قَدْرَهَا عُظْمُ قَدْرِهِ
فَمَا لِعَظِيمٍ قَدْرُهُ عِنْدَهُ قَدْرُ١٧٣
مَتَى مَا يُشِرْ نَحْوَ السَّمَاءِ بِوَجْهِهِ
تَخِرَّ لَهُ الشِّعْرَى وَيَنْخَسِفُ الْبَدْرُ١٧٤
تَرَ الْقَمَرَ الْأَرْضِيَّ وَالْمَلِكَ الَّذِي
لَهُ الْمُلْكُ بَعْدَ اللهِ وَالْمَجْدُ وَالذِّكْرُ١٧٥
كَثِيرُ سُهَادِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ
يُؤَرِّقُهُ فِيمَا يُشَرِّفُهُ الْفِكْرُ١٧٦
لَهُ مِنَنٌ تُفْنِي الثَّنَاءَ كَأَنَّمَا
بِهِ أَقْسَمَتْ أَنْ لَا يُؤَدَّى لَهَا شُكْرُ١٧٧
أَبَا أَحْمَدٍ مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِهِ
وَمَا لِامْرِئٍ لَمْ يُمْسِ مِنْ بُحْتُرٍ فَخْرُ١٧٨
هُمُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهُمْ مِنْ مَكَارِمٍ
يُغَنِّي بِهِمْ حَضْرٌ وَيَحْدُو بِهِمْ سَفْرُ١٧٩
بِمَنْ أَضْرِبُ الْأَمْثَالَ أَمْ مَنْ أَقِيسُهُ
إِلَيْكَ وَأَهْلُ الدَّهْرِ دُونَكَ وَالدَّهْرُ١٨٠

•••

وقال يرثي محمد بن إسحاق التنوخي:

إِنِّي لَأَعْلَمُ وَاللَّبِيبُ خَبِيرُ
أَنَّ الْحَيَاةَ وَإِنْ حَرَصْتَ غُرُورُ١٨١
وَرَأَيْتُ كُلًّا مَا يُعَلِّلُ نَفْسَهُ
بِتَعِلَّةٍ وَإِلَى الْفَنَاءِ يَصِيرُ١٨٢
أَمُجَاوِرَ الدِّيمَاسِ رَهْنَ قَرَارَةٍ
فِيهَا الضِّيَاءُ بِوَجْهِهِ وَالنُّورُ١٨٣
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ قَبْلَ دَفْنِكَ فِي الثَّرَى
أَنَّ الْكَوَاكِبَ فِي التُّرَابِ تَغُورُ١٨٤
مَا كُنْتُ آمُلُ قَبْلَ نَعْشِكَ أَنْ أَرَى
رَضْوَى عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ تَسِيرُ١٨٥
خَرَجُوا بِهِ وَلِكُلِّ بَاكٍ خَلْفَهُ
صَعَقَاتُ مُوسَى يَوْمَ دُكَّ الطُّورُ١٨٦
وَالشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ مَرِيضَةٌ
وَالْأَرْضُ وَاجِفَةٌ تَكَادُ تَمُورُ١٨٧
وَحَفِيفُ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكِ حَوْلَهُ
وَعُيُونُ أَهْلِ اللَّاذِقِيَّةِ صُورُ١٨٨
حَتَّى أَتَوْا جَدَثًا كَأَنَّ ضَرِيحَهُ
فِي قَلْبِ كُلِّ مُوَحِّدٍ مَحْفُورُ١٨٩
بِمُزَوَّدٍ كَفَنَ الْبِلَى مِنْ مُلْكِهِ
مُغْفٍ وَإِثْمِدُ عَيْنِهِ الْكَافُورُ١٩٠
فِيهِ الْفَصَاحَةُ وَالسَّمَاحَةُ وَالتُّقَى
وَالْبَأْسُ أَجْمَعُ وَالْحِجَا وَالْخِيرُ١٩١
كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِرَدِّ حَيَاتِهِ
لَمَّا انْطَوَى فَكَأَنَّهُ مَنْشُورُ١٩٢
وَكَأَنَّمَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ذِكْرُهُ
وَكَأَنَّ عَازَرَ شَخْصُهُ الْمَقْبُورُ١٩٣

•••

واستزاده بنو عم الميت فقال ارتجالًا:

غَاضَتْ أَنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحُورُ
وَخَبَتْ مَكَايِدُهُ وَهُنَّ سَعِيرُ١٩٤
يُبْكَى عَلَيْهِ وَمَا اسْتَقَرَّ قَرَارُهُ
فِي اللَّحْدِ حَتَّى صَافَحَتْهُ الْحُورُ١٩٥
صَبْرًا بَنِي إِسْحَاقَ عَنْهُ تَكَرُّمًا
إِنَّ الْعَظِيمَ عَلَى الْعَظِيمِ صَبُورُ١٩٦
فَلِكُلِّ مَفْجُوعٍ سِوَاكُمْ مُشْبِهٌ
وَلِكُلِّ مَفْقُودٍ سِوَاهُ نَظِيرُ١٩٧
أَيَّامَ قَائِمُ سَيْفِهِ فِي كَفِّهِ الْـ
ـيُمْنَى وَبَاعُ الْمَوْتِ عَنْهُ قَصِيرُ١٩٨
وَلَطالَمَا انْهَمَلَتْ بِمَاءٍ أَحْمَرٍ
فِي شَفْرَتَيْهِ جَمَاجِمٌ وَنُحُورُ١٩٩
فَأُعِيذُ إِخْوَتَهُ بِرَبِّ مُحَمَّدٍ
أَنْ يَحْزَنُوا وَمُحَمَّدٌ مَسْرُورُ٢٠٠
أَوْ يَرْغَبُوا بِقُصُورِهِمْ عَنْ حُفْرَةٍ
حَيَّاهُ فِيهَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرُ٢٠١
نَفَرٌ إِذَا غَابَتْ غُمُودُ سُيُوفِهِمْ
عَنْهَا فَآجَالُ الْعِبَادِ حُضُورُ٢٠٢
وَإِذَا لَقُوا جَيْشًا تَيَقَّنَ أَنَّهُ
مِنْ بَطْنِ طَيْرِ تَنُوفَةٍ مَحْشُورُ٢٠٣
لَمْ تُثْنَ فِي طَلَبٍ أَعِنَّةُ خَيَلِهِمْ
إِلَّا وَعُمْرُ طَرِيدِهَا مَبْتُورُ٢٠٤
يَمَّمْتُ شَاسِعَ دَارِهِمْ عَنْ نِيَّةٍ
إِنَّ الْمُحِبَّ عَلَى الْبِعَادِ يَزُورُ٢٠٥
وَقَنِعْتُ بِاللُّقْيَا وَأَوَّلِ نَظْرَةٍ
إِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَبِيبِ كَثِيرُ٢٠٦

وسأله بنو عم الميت أن ينفي الشماتة عنهم، فقال ارتجالًا:

أَلِآلِ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
إِلَّا حَنِينٌ دَائِمٌ وَزَفِيرُ٢٠٧
مَا شَكَّ خَابِرُ أَمْرِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ
أَنَّ الْعَزَاءَ عَلَيْهِمُ مَحْظُورُ٢٠٨
تُدْمِي خُدُودَهُمُ الدُّمُوعُ وَتَنْقَضِي
سَاعَاتُ لَيْلِهِمِ وَهُنَّ دُهُورُ٢٠٩
أَبْنَاءُ عَمٍّ كُلُّ ذَنْبٍ لِامْرِئٍ
إِلَّا السِّعَايَةَ بَيْنَهْمُ مَغْفُورُ٢١٠
طَارَ الْوُشَاةُ عَلَى صَفَاءِ وِدَادِهِمْ
وَكَذَا الذُّبَابُ عَلَى الطَّعَامِ يَطِيرُ٢١١
وَلَقَدْ مَنَحْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ مَوَدَّةً
جُودِي بِهَا لِعَدُوِّهِ تَبْذِيرُ٢١٢
مَلِكٌ تَصَوَّرَ كَيْفَ شَاءَ كَأَنَّمَا
يَجْرِي بِفَصْلِ قَضَائِهِ الْمَقْدُورُ٢١٣

•••

وقال ارتجالًا في أبي الحسين بن إبراهيم وقد دخل عليه وهو يشرب:

مَرَتْكَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ صَافِيَةُ الْخَمْرِ
وَهُنِّئْتَهَا مِنْ شَارِبٍ مُسْكرِ السُّكْرِ٢١٤
رَأَيْتُ الْحُمَيَّا فِي الزُّجَاجِ بِكَفِّهِ
فَشَبَّهْتُهَا بِالشَّمْسِ فِي الْبَدْرِ فِي الْبَحْرِ٢١٥
إِذَا مَا ذَكَرْنَا جُودَهُ كَانَ حَاضِرًا
نَأَى أَوْ دَنَا يَسْعَى عَلَى قَدَمِ الْخِضْرِ٢١٦

•••

وقال ارتجالًا وقد دخل على بدر بن عمار يومًا فوجده خاليًا، وقد أمر الغلمان أن يحجبوا الناس عنه ليخلو للشراب:

أَصْبَحْتَ تَأْمُرُ بِالْحِجَابِ لِخِلْوَةٍ
هَيْهَاتَ لَسْتَ عَلَى الْحِجَابِ بِقَادِرِ
مَنْ كَانَ ضَوْءُ جَبِينِهِ وَنَوَالُهُ
لَمْ يُحْجَبَا لَمْ يَحْتَجِبْ عَنْ نَاظِرِ٢١٧
فَإِذَا احْتَجَبْتَ فَأَنْتَ غَيْرُ مُحَجَّبٍ
وَإِذَا بَطَنْتَ فَأَنْتَ عَيْنُ الظَّاهِرِ٢١٨

وقال وقد أخذ الشراب منه عند بدر وأراد الانصراف فلم يقدر على الكلام، فقال هذين البيتين وهو لا يدري:

نَالَ الَّذِي نِلْتُ مِنْهُ مِنِّي
لِلهِ مَا تَصْنَعُ الْخُمُورُ!٢١٩
وَذَا انْصِرَافِي إِلَى مَحَلِّي
أَآذِنٌ أَيُّهَا الْأَمِيرُ

•••

وقال يصف لعبة في صورة جارية؛ وذلك أنه كان لبدر بن عمار جليس أعور يعرف بابن كروس، يحسد أبا الطيب لما كان يشاهده من سرعة خاطره؛ لأنه لم يكن شيء يجري في المجلس إلا ارتجل فيه شعرًا، فقال الأعور لبدر: أظنه يعمل هذا قبل حضوره ويعدِّه، فقال بدر: مثل هذا لا يجوز، وأنا أمتحنه بشيء أحضره للوقت؛ فلما كمل المجلس ودارت الكئوس أخرج لعبة لها شعر في طولها، تدور على لولب، وإحدى رجليها مرفوعة، وفي يدها طاقة ريحان؛ فإذا وقفت حذاء إنسان شرب فدارت؛ فقال ارتجالًا:

وَجَارِيَةٍ شَعْرُهَا شَطْرُهَا
مُحَكَّمَةٍ نَافِذٍ أَمْرُهَا٢٢٠
تَدُورُ وَفِي كَفِّهَا طَاقَةٌ
تَضَمَّنَهَا مُكْرَهًا شِبْرُهَا٢٢١
فَإِنْ أَسْكَرَتْنَا فَفِي جَهْلِهَا
بِمَا فَعَلَتْهُ بِنَا عُذْرُهَا٢٢٢

•••

وقال في بدر أيضًا وقد وقفت هذه الجارية حذاءه:

إِنَّ الْأَمِيرَ أَدَامَ اللهُ دَوْلَتَهُ
لَفَاخِرٌ كُسِيَتْ فَخْرًا بِهِ مُضَرُ٢٢٣
فِي الشَّرْبِ جَارِيَةٌ مِنْ تَحْتِهَا خَشَبٌ
مَا كَانَ وَالِدَهَا جِنٌّ وَلَا بَشَرُ٢٢٤
قَامَتْ عَلَى فَرْدِ رِجْلٍ مِنْ مَهَابَتِهِ
وَلَيْسَ تَعْقِلُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ٢٢٥

وقال لبدر: ما حملك على إحضار اللعبة؟ فقال: أردت أن أنفي الظنة عن أدبك، فقال:

زَعَمْتَ أَنَّكَ تَنْفِي الظَّنَّ عَنْ أَدَبِي
وَأَنْتَ أَعْظَمُ أَهْلِ الْعَصْرِ مِقْدَارَا٢٢٦
إِنِّي أَنَا الذَّهَبُ الْمَعْرُوفُ مَخْبَرُهُ
يَزِيدُ فِي السَّبْكِ لِلدِّينَارِ دِينَارَا٢٢٧

فقال بدر: بل للدينار قنطارًا، فقال:

بِرَجَاءِ جُودِكَ يُطْرَدُ الْفَقْرُ
وَبِأَنْ تُعَادَى يَنْفَدُ الْعُمْرُ٢٢٨
فَخَرَ الزُّجَاجُ بِأَنْ شَرِبْتَ بِهِ
وَزَرَتْ عَلَى مَنْ عَافَهَا الْخَمْرُ٢٢٩
وَسَلِمْتَ مِنْهَا وَهْيَ تُسْكِرُنَا
حَتَّى كَأَنَّكَ هَابَكَ السُّكْرُ٢٣٠
مَا يُرْتَجَى أَحَدٌ لِمَكْرُمَةٍ
إِلَّا الْإِلَهُ وَأَنْتَ يَا بَدْرُ

وأراد الارتحال عن علي بن أحمد الخراساني فقال:

لَا تُنْكِرَنَّ رَحِيلِي عَنْكَ فِي عَجَلٍ
فَإِنَّنِي لِرَحِيلِي غَيْرُ مُخْتَارِ
وَرُبَّمَا فَارَقَ الْإِنْسَانُ مُهْجَتَهُ
يَوْمَ الْوَغَى غَيْرَ قَالٍ خَشْيَةَ الْعَارِ٢٣١
وَقَدْ مُنِيتُ بِحُسَّادٍ أُحَارِبُهُمْ
فَاجْعَلْ نَدَاكَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ أَنْصَارِي٢٣٢

وقال يصف مسيره في البوادي وما لقي في أسفاره ويذم الأعور بن كروس:

عَذِيرِي مِنْ عَذَارَى مِنْ أُمُورِ
سَكَنَّ جَوَانِحِي بَدَلَ الْخُدُورِ٢٣٣
وَمُبْتَسِمَاتِ هَيْجَاوَاتِ عَصْرٍ
عَنِ الْأَسْيَافِ لَيْسَ عَنِ الثُّغُورِ٢٣٤
رَكِبْتُ مُشَمِّرًا قَدَمِي إِلَيْهَا
وَكُلَّ عَذَافِرٍ قَلِقِ الضُّفُورِ٢٣٥
أَوَانًا فِي بُيُوتِ الْبَدْوِ رَحْلِي
وَآوِنَةً عَلَى قَتَدِ الْبَعِيرِ٢٣٦
أُعَرِّضُ لِلرِّمَاحِ الصُّمِّ نَحْرِي
وَأَنْصِبُ حُرَّ وَجْهِي لِلْهَجِيرِ٢٣٧
وَأَسْرِي فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ وَحْدِي
كَأَنِّي مِنْهُ فِي قَمَرٍ مُنِيرِ٢٣٨
فَقُلْ فِي حَاجَةٍ لَمْ أَقْضِ مِنْهَا
عَلَى شَغَفِي بِهَا شَرْوَى نَقِيرِ٢٣٩
وَنَفْسٍ لَا تُجِيبُ إِلَى خَسِيسٍ
وَعَيْنٍ لَا تُدَارُ عَلَى نَظِيرِ٢٤٠
وَكَفٍّ لَا تُنَازِعُ مَنْ أَتَانِي
يُنَازِعُنِي سِوَى شَرَفِي وَخِيرِي٢٤١
وَقِلَّةِ نَاصِرٍ جُوزِيتَ عَنِّي
بِشَرٍّ مِنْكَ يَا شَرَّ الدُّهُورِ٢٤٢
عَدُوِّي كُلُّ شَيْءٍ فِيكَ حَتَّى
لَخِلْتُ الْأُكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدُورِ٢٤٣
فَلَوْ أَنِّي حُسِدْتُ عَلَى نَفِيسٍ
لَجُدْتُ بِهِ لِذِي الْجَدِّ الْعَثُورِ
وَلَكِنِّي حُسِدْتُ عَلَى حَيَاتِي
وَمَا خَيْرُ الْحَيَاةِ بِلَا سُرُورِ٢٤٤
فَيَا ابْنَ كَرَوَّسٍ يَا نِصْفَ أَعْمَى
وَإِنْ تَفْخَرْ فَيَا نِصْفَ الْبَصِيرِ٢٤٥
تُعَادِينَا لِأَنَّا غَيْرُ لُكْنٍ
وَتُبْغِضُنَا لِأَنَّا غَيْرُ عُورِ٢٤٦
فَلَوْ كُنْتَ امْرَأً يُهْجَى هَجَوْنَا
وَلَكِنْ ضَاقَ فِتْرٌ عَنْ مَسِيرِ٢٤٧

وقال يمدح أبا محمد الحسين بن عبد الله بن طغج:

وَوَقْتٍ وَفَى بِالدَّهْرِ لِي عِنْدَ وَاحِدٍ
وَفَى لِي بِأَهْلِيهِ وَزَادَ كَثِيرَا٢٤٨
شَرِبْتُ عَلَى اسْتِحْسَانِ ضَوْءِ جَبِينِهِ
وَزَهْرٍ تَرَى لِلْمَاءِ فِيهِ خَرِيرَا
غَدَا النَّاسُ مِثْلَيْهِمْ بِهِ لَا عَدِمْتُهُ
وَأَصْبَحَ دَهْرِي فِي ذُرَاهُ دُهُورَا٢٤٩

•••

وقال وقد كره الشرب وكثر البخور وارتفعت رائحة الند والأصوات بمجلسه:

أَنَشْرُ الْكِبَاءِ وَوَجْهُ الْأَمِيرِ
وَصَوْتُ الْغِنَاءِ وَصَافِي الْخُمُورِ٢٥٠
فَدَاوِ خُمَارِي بِشُرْبِي لَهَا
فَإِنِّي سَكِرْتُ بِشُرْبِ السُّرُورِ٢٥١

وقال أبو محمد يومًا: إن أباه استخفى مرة، فعرفه رجل يهودي، فقال:

لَا تَلُومَنَّ الْيَهُودِيَّ عَلَى
أَنْ يَرَى الشَّمْسَ فَلَا يُنْكِرُهَا
إِنَّمَا اللَّوْمُ عَلَى حَاسِبِهَا
ظُلَمَةً مِنْ بَعْدِ مَا يُبْصِرُهَا٢٥٢

وسئل عما ارتجله فيه من الشعر، فأعاده؛ فعجبوا من حفظه إياه، فقال:

إِنَّمَا أَحْفَظُ الْمَدِيحَ بِعَيْنِي
لَا بِقَلْبِي لِمَا أَرَى فِي الْأَمِيرِ
مِنْ خِصَالٍ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا
نَظَمَتْ لِي غَرَائِبَ الْمَنْثُورِ٢٥٣

•••

وعاتبه أبو محمد على تركه مدحه فقال:

تَرْكُ مَدْحِيكَ كَالْهِجَاءِ لِنَفْسِي
وَقَلِيلٌ لَكَ الْمَدِيحُ الْكَثِيرُ٢٥٤
غَيْرَ أَنِّي تَرَكْتُ مُقْتَضَبَ الشِّعْـ
ـرِ لِأَمْرٍ مِثْلِي بِهِ مَعْذُورُ٢٥٥
وَسَجَايَاكَ مَادِحَاتُكَ لَا لَفْـ
ـظِي وَجُودٌ عَلَى كَلَامِي يُغِيرُ٢٥٦
فَسَقَى اللهُ مَنْ أُحِبُّ بِكَفَّيْـ
ـكَ وَأَسْقَاكَ أَيُّهَذَا الْأَمِيرُ٢٥٧

•••

وقال عند منصرفه من مصر وقد وصل إلى البسيطة، فرأى بعض غلمانه ثورًا، فقال: هذه منارة الجامع، ورأى آخر نعامة في البرية، فقال: هذه نخلة؛ فضحك أبو الطيب وقال:

بُسَيْطَةُ مَهْلًا سُقِيتِ الْقِطَارَا
تَرَكْتِ عُيُونَ عَبِيدِي حَيَارَى٢٥٨
فَظَنُّوا النَّعَامَ عَلَيْكِ النَّخِيلَ
وَظَنُّوا الصِّوَارَ عَلَيْكِ الْمَنَارَا٢٥٩
فَأَمْسَكَ صَحْبِي بِأَكْوَارِهِمْ
وَقَدْ قَصَدَ الضِّحْكُ فِيهِمْ وَجَارَا٢٦٠

•••

وقال يمدح علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي:

أُطَاعِنُ خَيْلًا مِنْ فَوَارِسِهَا الدَّهْرُ
وَحِيدًا وَمَا قَوْلِي كَذَا وَمَعِي الصَّبْرُ٢٦١
وَأَشْجَعُ مِنِّي كُلَّ يَوْمٍ سَلَامَتِي
وَمَا ثَبَتَتْ إِلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ٢٦٢
تَمَرَّسْتُ بِالْآفَاتِ حَتَّى تَرَكْتُهَا
تَقُولُ: أَمَاتَ الْمَوْتُ أَمْ ذُعِرَ الذُّعْرُ؟٢٦٣
وَأَقْدَمْتُ إِقْدَامَ الْأَتِيِّ كَأَنَّ لِي
سِوَى مُهْجَتِي أَوْ كَانَ لِي عِنْدَهَا وِتْرُ٢٦٤
ذَرِ النَّفْسَ تَأْخُذْ وُسْعَهَا قَبْلَ بَيْنِهَا
فَمُفْتَرِقٌ جَارَانِ دَارُهُمَا الْعُمْرُ٢٦٥
وَلَا تَحْسَبَنَّ الْمَجْدَ زِقًّا وَقِينَةً
فَمَا الْمَجْدُ إِلَّا السَّيْفُ وَالْفَتْكَةُ الْبِكْرُ٢٦٦
وَتَضْرِيبُ أَعْنَاقِ الْمُلُوكِ وَأَنْ تُرَى
لَكَ الْهَبَوَاتُ السُّودُ وَالْعَسْكَرُ الْمَجْرُ٢٦٧
وَتَرْكُكَ فِي الدُّنْيَا دَوِيًّا كَأَنَّمَا
تَدَاوَلَ سَمْعَ الْمَرْءِ أَنْمُلُهُ الْعَشْرُ٢٦٨
إِذَا الْفَضْلُ لَمْ يَرْفَعْكَ عَنْ شُكْرِ نَاقِصٍ
عَلَى هِبَةٍ فَالْفَضْلُ فِيمَنْ لَهُ الشُّكْرُ٢٦٩
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ
مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ٢٧٠
عَلَيَّ لِأَهْلِ الْجَوْرِ كُلُّ طِمِرَّةٍ
عَلَيْهَا غُلَامٌ مِلْءُ حَيْزُومِهِ غِمْرُ٢٧١
يُدِيرُ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ عَلَيْهِمِ
كُئُوسَ الْمَنَايَا حَيْثُ لَا تُشْتَهَى الْخَمْرُ٢٧٢
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أَنَّنِي الْـ
ـجِبَالُ وَبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّنِي الْبَحْرُ!٢٧٣
وَخَرْقٍ مَكَانُ الْعِيسِ مِنْهُ مَكَانُنَا
مِنَ الْعِيسِ فِيهِ وَاسِطُ الْكُورِ وَالظَّهْرُ٢٧٤
يَخِدْنَ بِنَا فِي جَوْزِهِ وَكَأَنَّنَا
عَلَى كُرَةٍ أَوْ أَرْضُهُ مَعَنَا سَفْرُ٢٧٥
وَيَوْمٍ وَصَلْنَاهُ بِلَيْلٍ كَأَنَّمَا
عَلَى أُفْقِهِ مِنْ بَرْقِهِ حُلَلٌ حُمْرُ٢٧٦
وَلَيْلٍ وَصَلْنَاهُ بِيَوْمٍ كَأَنَّمَا
عَلَى مَتْنِهِ مِنْ دَجْنِهِ حُلَلٌ خُضْرُ٢٧٧
وَغَيْثٍ ظَنَنَّا تَحْتَهُ أَنَّ عَامِرًا
عَلَا لَمْ يَمُتْ أَوْ فِي السَّحَابِ لَهُ قَبْرُ٢٧٨
أَوِ ابْنَ ابْنِهِ الْبَاقِي عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدٍ
يَجُودُ بِهِ لَوْ لَمْ أَجُزْ وَيَدِي صِفْرُ٢٧٩
وَإِنَّ سَحَابًا جَوْدُهُ مِثْلُ جُودِهِ
سَحَابٌ عَلَى كُلِّ السِّحَابِ لَهُ فَخْرُ٢٨٠
فَتًى لَا يَضُمُّ الْقَلْبُ هِمَّاتِ قَلْبِهِ
وَلَوْ ضَمَّهَا قَلْبٌ لَمَا ضَمَّهُ صَدْرُ٢٨١
وَلَا يَنْفَعُ الْإِمْكَانُ لَوْلَا سَخَاؤُهُ
وَهَلْ نَافِعٌ لَوْلَا الْأَكُفُّ الْقَنَا السُّمْرُ٢٨٢
قِرَانٌ تَلَاقَى الصَّلْتُ فِيهِ وَعَامِرٌ
كَمَا يَتَلَاقَى الْهِنْدُوَانِيُّ وَالنَّصْرُ٢٨٣
فَجَاءَا بِهِ صَلْتَ الْجَبِينِ مُعَظَّمًا
تَرَى النَّاسَ قُلًّا حَوْلَهُ وَهُمُ كُثْرُ٢٨٤
مُفَدًّى بِآبَاءِ الرِّجَالِ سَمَيْذَعًا
هُوَ الْكَرَمُ الْمَدُّ الَّذِي مَا لَهُ جَزْرُ٢٨٥
وَمَا زِلْتُ حَتَّى قَادَنِي الشَّوْقُ نَحْوَهُ
يُسَايِرُنِي فِي كُلِّ رَكْبٍ لَهُ ذِكْرُ٢٨٦
وَأَسْتَكْبِرُ الْأَخْبَارَ قَبْلَ لِقَائِهِ
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا صَغَّرَ الْخَبَرَ الْخُبْرُ٢٨٧
إِلَيْكَ طَعَنَّا فِي مَدَى كُلِّ صَفْصَفٍ
بِكُلِّ وَآةٍ كُلُّ مَا لَقِيَتْ نَحْرُ٢٨٨
إِذَا وَرِمَتْ مِنْ لَسْعَةٍ مَرِحَتْ لَهَا
كَأَنَّ نَوَالًا صَرَّ فِي جِلْدِهَا النِّبْرُ٢٨٩
فَجِئْنَاكَ دُونَ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ فِي النَّوَى
وَدُونَكَ فِي أَحْوَالِكَ الشَّمْسُ وَالْبَدْرُ٢٩٠
كَأَنَّكَ بَرْدُ الْمَاءِ لَا عَيْشَ دُونَهُ
وَلَوْ كُنْتَ بَرْدَ الْمَاءِ لَمْ يَكُنِ الْعِشْرُ٢٩١
دَعَانِي إِلَيْكَ الْعِلْمُ وَالْحِلْمُ وَالْحِجَا
وَهَذا الْكَلَامُ النَّظْمُ وَالنَّائِلُ النَّثْرُ٢٩٢
وَمَا قُلْتُ مِنْ شِعْرٍ تَكَادُ بُيُوتُهُ
إِذَا كُتِبَتْ يَبْيَضُّ مِنْ نُورِهَا الْحِبْرُ٢٩٣
كَأَنَّ الْمَعَانِي فِي فَصَاحَةِ لَفْظِهَا
نُجُومُ الثُّرَيَّا أَوَ خَلَائِقُكَ الزُّهْرُ٢٩٤
وَجَنَّبَنِي قُرْبَ السَّلَاطِينِ مَقْتُهَا
وَمَا يَقْتَضِينِي مِنْ جَمَاجِمِهَا النَّسْرُ٢٩٥
وَإِنِّي رَأَيْتُ الضُّرَّ أَحْسَنَ مَنْظَرًا
وَأَهْوَنَ مِنْ مَرْأَى صَغِيرٍ بِهِ كِبْرُ٢٩٦
لِسَانِي وَعَيْنِي وَالْفُؤَادُ وَهِمَّتِي
أَوَدُّ اللَّوَاتِي ذَا اسْمُهَا مِنْكَ وَالشَّطْرُ٢٩٧
وَمَا أَنَا وَحْدِي قُلْتُ ذَا الشِّعْرَ كُلَّهُ
وَلَكِنْ لِشِعْرِي فِيكَ مِنْ نَفْسِهِ شِعْرُ٢٩٨
وَمَا ذَا الَّذِي فِيهِ مِنَ الْحُسْنِ رَوْنَقًا
وَلَكِنْ بَدَا فِي وَجْهِهِ نَحْوَكَ الْبِشْرُ٢٩٩
وَإِنِّي — وَإِنْ نِلْتَ السَّمَاءَ — لَعَالِمٌ
بِأَنَّكَ مَا نِلْتَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَدْرُ٣٠٠
أَزَالَتْ بِكَ الْأَيَّامُ عَتْبِي كَأَنَّمَا
بَنُوهَا لَهَا ذَنْبٌ وَأَنْتَ لَهَا عُذْرُ٣٠١
وقال يمدح أبا الفضل محمد بن العميد:٣٠٢
بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصْبِرَا
وَبُكَاكَ إِنْ لَمْ يَجْرِ دَمْعُكَ أَوْ جَرَى٣٠٣
كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وَابْتِسَامُكَ صَاحِبًا
لَمَّا رَآكَ وَفِي الْحَشَا مَا لَا يُرَى٣٠٤
أَمَرَ الْفُؤَادُ لِسَانَهُ وَجُفُونَهُ
فَكَتَمْنَهُ وَكَفَى بِجِسْمِكَ مُخْبِرَا٣٠٥
تَعِسَ الْمَهَارِي غَيْرَ مَهْرِيٍّ غَدَا
بِمُصَوَّرٍ لَبِسَ الْحَرِيرَ مُصَوَّرَا٣٠٦
نَافَسْتُ فِيهِ صُورَةً فِي سِتْرِهِ
لَوْ كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظْهَرَا٣٠٧
لَا تَتْرَبِ الْأَيْدِي الْمُقِيمَةُ فَوْقَهُ
كِسْرَى مُقَامَ الْحَاجِبِينَ وَقَيْصَرَا٣٠٨
يَقِيَانِ فِي أَحَدِ الْهَوَادِجِ مُقْلَةً
رَحَلَتْ فَكَانَ لَهَا فُؤَادِي مَحْجِرَا٣٠٩
قَدْ كُنْتُ أَحْذَرُ بَيْنَهُمْ مِنْ قَبْلِهِ
لَوْ كَانَ يَنْفَعُ حَائِنًا أَنْ يَحْذَرَا٣١٠
وَلَوِ اسْتَطَعْتُ إِذِ اغْتَدَتْ رُوَّادُهُمْ
لَمَنَعْتُ كُلَّ سَحَابَةٍ أَنْ تَقْطُرَا٣١١
فَإِذَا السَّحَابُ أَخُو غُرَابِ فِرَاقِهِمْ
جَعَلَ الصِّيَاحَ بِبَيْنِهِمْ أَنْ يُمْطِرَا٣١٢
وَإِذَا الْحَمَائِلُ مَا يَخِدْنَ بِنَفْنَفٍ
إِلَّا شَقَقْنَ عَلَيْهِ ثَوْبًا أَخْضَرَا٣١٣
يَحْمِلْنَ مِثْلَ الرَّوْضِ إِلَّا أَنَّهَا
أَسْبَى مَهَاةً لِلْقُلُوبِ وَجُؤْذُرَا٣١٤
فَبِلَحْظِهَا نَكِرَتْ قَنَاتِي رَاحَتِي
ضَعْفًا وَأَنْكَرَ خَاتِمَايَ الْخِنْصِرَا٣١٥
أَعْطَى الزَّمَانُ فَمَا قَبِلْتُ عَطَاءَهُ
وَأَرَادَ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَخَيَّرَا٣١٦
أَرَجَانَ أَيَّتُهَا الْجِيَادُ فَإِنَّهُ
عَزْمِي الَّذِي يَذَرُ الْوَشِيجَ مُكَسَّرَا٣١٧
لَوْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا اشْتَهَيْتِ فَعَالَهُ
مَا شَقَّ كَوْكَبُكِ الْعَجَاجَ الْأَكْدَرَا٣١٨
أُمِّي أَبَا الْفَضْلِ الْمُبِرَّ أَلِيَّتِي
لَأُيَمِّمَنَّ أَجَلَّ بَحْرٍ جَوْهَرَا٣١٩
أَفْتَى بِرُؤْيَتِهِ الْأَنَامُ وَحَاشَ لِي
مِنْ أَنْ أَكُونَ مُقَصِّرًا أَوْ مُقْصِرَا٣٢٠
صُغْتُ السِّوَارَ لِأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْ
بِابْنِ الْعَمِيدِ وَأَيِّ عَبْدٍ كَبَّرَا٣٢١
إِنْ لَمْ تُغِثْنِي خَيْلُهُ وَسِلَاحُهُ
فَمَتَى أَقُودُ إِلَى الْأَعَادِي عَسْكَرَا؟٣٢٢
بِأَبِي وَأُمِّي نَاطِقٌ فِي لَفْظِهِ
ثَمَنٌ تُبَاعُ بِهِ الْقُلُوبُ وَتُشْتَرَى٣٢٣
مَنْ لَا تُرِيهِ الْحَرْبُ خَلْقًا مُقْبِلًا
فِيهَا وَلَا خَلْقٌ يَرَاهُ مُدْبِرَا٣٢٤
خَنْثَى الْفُحُولَ مِنَ الْكُمَاةِ بِصَبْغِهِ
مَا يَلْبَسُونَ مِنَ الْحَدِيدِ مُعَصْفَرَا٣٢٥
يَتَكَسَّبُ الْقَصَبُ الضَّعِيفُ بِكَفِّهِ
شَرَفًا عَلَى صُمِّ الرِّمَاحِ وَمَفْخَرَا٣٢٦
وَيَبِينُ فِيمَا مَسَّ مِنْهُ بَنَانُهُ
تِيهُ الْمُدِلِّ فَلَوْ مَشَى لَتَبَخْتَرَا٣٢٧
يَا مَنْ إِذَا وَرَدَ الْبِلَادَ كِتَابُهُ
قَبْلَ الْجُيُوشِ ثَنَى الْجُيُوشَ تَحَيُّرَا٣٢٨
أَنْتَ الْوَحِيدُ إِذَا ارْتَكَبْتَ طَرِيقَةً
وَمَنِ الرَّدِيفُ وَقَدْ رَكِبْتَ غَضَنْفَرَا؟٣٢٩
قَطَفَ الرِّجَالُ الْقَوْلَ وَقْتَ نَبَاتِهِ
وَقَطَفْتَ أَنْتَ الْقَوْلَ لَمَّا نَوَّرَا٣٣٠
فَهُوَ الْمُشَيَّعُ بِالْمَسَامِعِ إِنْ مَضَى
وَهُوَ الْمُضَاعَفُ حُسْنُهُ إِنْ كُرِّرَا٣٣١
وَإِذَا سَكَتَّ فَإِنَّ أَبْلَغَ خَاطِبٍ
قَلَمٌ لَكَ اتَّخَذَ الْأَصَابِعَ مِنْبَرَا٣٣٢
وَرَسَائِلٌ قَطَعَ الْعُدَاةُ سِحَاءَهَا
فَرَأَوْا قَنًا وَأَسِنَّةً وَسَنَوَّرَا٣٣٣
فَدَعَاكَ حُسَّدُكَ الرَّئِيسَ وَأَمْسَكُوا
وَدَعَاكَ خَالِقُكَ الرَّئِيسَ الْأَكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفَاتُكَ فِي الْعُيُونِ كَلَامَهُ
كَالْخَطِّ يَمْلَأُ مِسْمَعَيْ مَنْ أَبْصَرَا٣٣٤
أَرَأَيْتَ هِمَّةَ نَاقَتِي فِي نَاقَةٍ
نَقَلَتْ يَدًا سُرُحًا وَخُفًّا مُجْمَرَا٣٣٥
تَرَكَتْ دُخَانَ الرَّمْثِ فِي أَوْطَانِهَا
طَلَبًا لِقَوْمٍ يُوقِدُونَ الْعَنْبَرَا٣٣٦
وَتَكَرَّمَتْ رُكَبَاتُهَا عَنْ مَبْرَكٍ
تَقَعَانِ فِيهِ وَلَيْسَ مِسْكًا أَذْفَرَا٣٣٧
فَأَتَتْكَ دَامِيَةَ الْأَظَلِّ كَأَنَمَّاَ
حُذِيَتْ قَوَائِمُهَا الْعَقِيقَ الْأَحْمَرَا٣٣٨
بَدَرَتْ إِلَيْكَ يَدَ الزَّمَانِ كَأَنَّهَا
وَجَدَتْهُ مَشْغُولَ الْيَدَيْنِ مُفَكِّرَا٣٣٩
مَنْ مُبْلِغُ الْأَعْرَابِ أَنِّي بَعْدَهَا
شَاهَدْتُ رَسْطَالِيسَ وَالْإِسْكَنْدَرَا٣٤٠
وَمَلِلْتُ نَحْرَ عِشَارِهَا فَأَضَافَنِي
مَنْ يَنْحَرُ الْبِدَرَ النُّضَارَ لِمَنْ قَرَى٣٤١
وَسَمِعْتُ بَطْلَيْمُوسَ دَارِسَ كُتْبِهِ
مُتَمَلِّكًا مُتَبَدِّيًا مُتَحَضِّرَا٣٤٢
وَلَقِيتُ كُلَّ الْفَاضِلِينَ كَأَنَّمَا
رَدَّ الْإِلَه ُنفُوسَهُمْ وَالْأَعْصُرَا٣٤٣
نُسِقُوا لَنَا نَسَقَ الْحِسَابِ مُقَدَّمًا
وَأَتَى فَذَلِكَ إِذْ أَتَيْتَ مُؤَخَّرَا٣٤٤
يَا لَيْتَ بَاكِيَةً شَجَانِي دَمْعُهَا
نَظَرَتْ إِلَيْكَ كَمَا نَظَرْتُ فَتَعْذِرَا٣٤٥
وَتَرَى الْفَضِيلَةَ لَا تَرُدُّ فَضِيلَةً
الشَّمْسَ تُشْرِقُ وَالسَّحَابَ كَنَهْوَرَا٣٤٦
أَنَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ أَطْيَبُ مَنْزِلًا
وَأَسَرُّ رَاحِلَةً وَأَرْبَحُ مَتْجَرَا٣٤٧
زُحَلٌ عَلَى أَنَّ الْكَوَاكِبَ قَوْمُهُ
لَوْ كَانَ مِنْكَ لَكَانَ أَكْرَمَ مَعْشَرَا٣٤٨

هوامش

(١) النوار: كالنور، واحدته نوارة؛ وهو الزهر. وقيل: النوار والنور: الأبيض، والزهر: الأصفر؛ وذلك أنه يبيض ثم يصفر. والمقدار: قدر الله. يدعو له، يقول: سر واذهب لطيتك حل النوار حيث تحل: أي سقى الله المواضع التي تحلها حتى ينبت فيها الزهر، فجعل نبات الزهر كناية عن السقي. ثم قال: ووافقك المقدار على ما تريده من المطالب فأعانك على بلوغه. وقال الواحدي: ويجوز أن يريد أنك نور المكان الذي تنزله، فحيثما نزلت نزل النوار والقضاء موافق لما تريد.
(٢) الديمة: المطر يدوم ساعات دون برق ولا رعد، وأقله ثلث النهار أو ثلث الليل، وأكثره ما بلغ من العدة، قال لبيد:
أَتَتْ وَأَسْبَلَ وَاكِفٌ مِنْ دِيمَةٍ
يُرْوِي الْخَمَائِلَ دَائِمًا تَسْجَامُهَا
(من معلقة لبيد. يقول: باتت البقرة بعد فقدها ولدها في مطر دائم الهطلان.)
والمدرار: الدائم الدر: أي السيلان. يقول: شيعتك السلامة؛ أي: صحبتك حيث كنت، وكذلك المطر ينبت لك النبات فتخصب.
(٣) يقول: وأراك الدهر ما تريده في أعدائك من الظفر بهم، حتى كأن حوادثه ونوبه أعوان لك على ما تريد.
(٤) الإصدار: الانثناء عن الماء. والورود: ورود الماء. يقول: وردك الله علينا وأنت أغنم آيب تتطلع إليك أبصار من خلفتهم مشرئبة شوقًا إلى رؤيتك، وهذه الأبيات كلها دعاء له.
(٥) بجح: فرح؛ قال الجوهري: بجِح بالشيء وبجَح به أيضًا — بالفتح — لغة ضعيفة فيه، وأبجحه الأمر وبجحه: أفرحه. وفلان يتبجح: أي يفتخر ويباهي بشيء ما، وقيل: يتعظم وقد بجح يبجح، قال الراعي:
وَمَا الْفَقْرُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ سَاقَنَا
إِلَيْكَ وَلَكِنَّا بِقُرْبَاكَ نَبْجَحُ
والسمر: حديث الليل. يقول: يبتهج الزمان مفتخرًا إذا ما ذكرت في جملة أهله وأبنائه وتحسن الأسمار بالحديث عنك.
(٦) يقول: إذا غضب على قوم عاقبهم بالهلاك والاستئصال، وإذا عفا عن العقوبة ترك القتل، فكانت الأعمار عطاء منه ونوالًا.
(٧) الدر: اللبن. والأغبار: جمع غبر بضم الغين؛ بقية اللبن في الضرع. يقول: إن عطاياه تعد عطايا الملوك بالقياس إليها كاللبن القليل إلى اللبن الكثير.
(٨) لله قلبك: تعجب، كقولهم: لله درك. يقول: إن قلبك الإلهي لا يتوقى الهلاك، ولكنه يتوقى أن يدانيك شيء فيه عار. وقوله: ما يخاف ويخاف، يرويان: ما تخاف وتخاف على الخطاب.
(٩) تحيد: تعدل. والطبع: الدنس. والخلائق: الأخلاق. والجحفل الجيش الكثير. والجرار: الثقيل السير الذي لا يقدر على السير إلا رويدًا لكثرته. وقال العكبري: قيل: هو فعال من جر إذا جنى كأنه بكثرته وشدة وطئه الأرض يجني عليها بإثارة التراب ويجني على السماء بارتفاع الغبار إليها. وقيل: سمي جرارًا؛ لأنه يجر ذيله في التراب فيرى له أثر عظيم. يقول: تتنكب كل شيء يدنس الأخلاق من اللؤم وما إليه ويتنكبك الجيش الكثير اتقاء بأسك، فأنت هارب من وجه، مهروب عنه من وجه. وهذا ينظر إلى قول البحتري:
وَأَجْبَنَ عَنْ تَعْرِيضِ عِرْضٍ لِجَاهِلٍ
وَإِنْ كُنْتَ بِالْإِقْدَامِ أَطْعَنَ فِي الصَّفِّ
(١٠) يقول: إن جاره الذليل يعز على الأعزة، فلا يقدرون أن ينالوه بسوء، والمتكبر العاتي العظيم يصير ذليلًا لديه إذا غضب.
(١١) تحول: تعترض وتمنع. والتنوفة: الفلاة المترامية الأطراف، ويشط: يبعد. يقول: كن حيث شئت من الأرض فما يمنعنا عن لقائك بعد المسافة ولا يبعد علينا مزارك، وفي هذا نظر إلى قول القائل:
قَرِيبٌ عَلَى الْمُشْتَاقِ أَوْ ذِي صَبَابَةٍ
وَأَمَّا عَلَى الْكَسْلَانِ فَهْوَ بَعِيدُ
(١٢) المستار: مفتعل من السير، قال الراجز:
أَشْكُو إِلَى اللهِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارْ
ثُمَّ إِلَيْكَ الْيَوْمَ بُعْدَ الْمُسْتَارْ
وقوله: وبدون؛ أي بأقل، وأنضى راحلته: هزلها بطول السير. والمطي: جمع مطية؛ وهي الركوبة، أو اسم جمع لها. يقول: بأقل مما أضمره لك من المودة تهزل الدواب بالسير وتقرب المسافة، فكيف ومودتي إليك كثيرة متوافرة؟ يعني أن المحب مهما بعد عنك محبوبه فهو زائره، إذ البعيد عنده قريب.
(١٣) على: بمعنى مع. وإليه: متعلقه بقلقي على تضمينه معنى الشوق ونزاع النفس. والخيار: بمعنى الاختيار. يقول: إن من خلفته ورائي من أهلي ضائع بخروجي من عنده، إذ قد آثرت صحبتك عليهم مع قلقي واشتياقي إليهم، ولا اختيار لي في إيثارك عليهم، فأنا مضطر إلى ذلك؛ لأنك قيدتني بإحسانك.
(١٤) يقول: إذا صحبتك طاب لي كل ماء ووافقتني كل أرض حتى كأنها داري لولا من خلفت من العيال.
(١٥) يقول: إن إذنك لي بالعود إلى عيالي عطية منك أشكرها لك في شعري. وهذا كقول المهلبي:
فَهَلْ لَكَ فِي الْإِذْنِ لِي رَاضِيًا
فَإِنِّي أَرَى الْإِذْنَ غُنْمًا كَثِيرَا
(١٦) قوله: دهماء تين؛ أي الدهماء من هاتين، كما تقول: اخترت فاضل هذين؛ أي الفاضل منهما. فتين: بمعنى هاتين، وتا: بمعنى هذه، وتثنيتها: تان. وقوله: يا مطر: أي يا شبيه المطر في الجود. وقوله: ومن له: أي ويا من له الاختيار في الفضائل فيختار منها ما يستحسن. فالخِيَر: جمع خيرة؛ اسم من الاختيار. والخير، قال الواحدي: يروى: الخبر، يريد الاشتهار في الفضائل.
(١٧) يقال: فال رأيه يفيل فيلولة: أخطأ وضعف. فقوله: فالت العيون؛ أي أخطأت. يقول: إني اخترت الدهماء، ولكن ربما كنت مخطئًا في الاختيار؛ فإن النظر قد يصدق في العيون فتصيب، وقد يكذب فتخطئ.
(١٨) يقول: ليس فيك من عيب، ولا تعاب إلا بكونك بشرًا؛ أي أنت أجل قدرًا من أن تكون بشرًا آدميًّا، لأن ما فيك من الفضائل لا يكون في بشر. والملأ: جماعة القوم.
(١٩) إعطاءه: مصدر، وضع موضع العطاء الذي هو الاسم. والعكر: جمع عكرة؛ القطيع الضخم من الإبل. يقول: إنهم لو عابوك ما عابوك إلا بسخائك وإسرافك في هذا السخاء. يعني أنهم لا يعيبونك إلا بما لا عيب فيه، وهذا من قبيل قول النابغة:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وقول عبد الله بن قيس الرقيات:
مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا
أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا
وقال ابن جني: يريد قدرك أن يكون عطاؤك فوق هذا، فإذا فعلت هذا فكأنك معيب به لقلته بالإضافة إلى قدرك … قال ابن فورجة: إن كان التفسير على ما ذكره ابن جني فهو هجو، وكيف تهجى الكبار بأكثر من أن يقال: ما وهبت يسير في جنب قدرك فيجب أن تهب أكثر من ذلك؟! ولكن العكبري قال: الذي ذكره ابن جني صحيح، وقد يمدح الإنسان الكثير العطايا بأن قدره يقتضي أكثر مما يعطي، كقوله أيضًا:
يَا مَنْ إِذَا وَهَبَ الدُّنْيَا فَقَدْ بَخِلَا
(٢٠) يقول: إنه يفضح أعداءه بظهور فضله عليهم وتخلفهم عنه وتوافر فضائله، فإذا قيسوا به وضيفوا إليه قلوا دقة وحقارة، وإن كانوا كثيرين عددًا وكمية، وهذا معنى دقيق بديع. وقوله: كأنهم له؛ أي: لأجله.
(٢١) يدعو له أن يحفظه الله من سهام الأعداء. ويحتمل أن يكون خبرًا. وقوله: ومخطئ من رميه القمر، فالرمي: المرمي. يقول: إنهم لا يصيبونك برميهم كما لا يصيب القمر من رماه؛ لأنه أرفع محلًّا من أن يبلغه سهم راميه وكذلك أنت.
(٢٢) والبيتان هما:
أَمِنِّي تَخَافُ انْتِشَارَ الْحَدِيثِ
وَحَظِّيَ فِي سَتْرِهِ أَوْفَرُ
وَلَوْ لَمْ أَصُنْهُ لِبُقْيَا عَلَيْكَ
نَظَرْتُ لِنَفْسِي كَمَا تَنْظُرُ
قوله: لبقيا عليك: أي لإرعاء عليك ورحمة؛ أي لو لم أصن سرك إرعاء عليك من إفشائه لصنته إرعاء على نفسي أنا، وخشية أن تفسد حالي معك إذا اطلع الناس على ما بيننا.
(٢٣) أوثر: أختار، والعائد محذوف: أي أوثره. وقوله: فما أظهر: استفهام إنكاري. يقول: إذا رضيتَ أمرًا فهو رضاي الذي أختاره، وسرنا واحد، فأي شيء أُظهر منه؟! أي: لا أظهر سرك؛ لأنه سري.
(٢٤) يقول: اطمئن من جهتي؛ لأني ذو مروءة، وذو المروءة لا يكون مذياعًا للأسرار، وأنا — مع ذلك — محب لك، والمحب لا يسيء إلى حبيبه بإفشاء سره. والمروءة: كرم الأخلاق وعلو الهمة. وكفاه الشيء: أغناه عن معاناته. وتتقي: تحذر، و«ما» في ما تتقي وما تحذر: اسم موصول بمعنى الذي، وهي فيها مفعول ثان للفعل قبلها.
(٢٥) أنشر: من النشور؛ وهي بعث الأموات يوم البعث. يقول: إن سركم في قلبي كالميت الذي لا يحيا بعد موته؛ أي إنه — لشدة إخفائه السر — أماته إماتة حتى لا بعث له بعدها. وهذا من قول الآخر:
إِنِّي لَأَسْتُرُ مَا ذُو اللُّبِّ سَاتِرُهُ
مِنْ حَاجَةٍ وَأُمِيتُ السِّرَّ كِتْمَانَا
وكقول قيس بن ذريح:
وَإِنِّي مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ صُدُورُهُمْ
إِذَا اسْتُودِعُوا الْأَسْرَارَ فَهْيَ قُبُورُهَا
(٢٦) يقول: كأن عيني لما نظرت إليكم أخفت عن قلبي ما رأت، فلم يعلم بذلك. فكيف أظهره والعين قد كاتمت قلبي الذي أبصرت فلم يصل إليه؟ ويقال: كاتمته سري؛ أي كتمته عنه. وما تبصر مفعول ثان: لكاتمت، ولك أن تقول: إن بين قوله: عصت وكاتمت تنازعًا، على أن الفعلين واقعان على القلب، أو تقول: إن المراد بالأول مجرد إثبات العصيان للمقلة، فلا يكون له مفعول.
(٢٧) الحر: الكريم.
(٢٨) يقول: إنه على الكتمان أقدر منه على الإفشاء؛ لأن الإفشاء فعل، والكتمان ترك الإفشاء ومن قدر على الفعل كان على ترك الفعل أقدر. والنطقة: المرة من النطق.
(٢٩) القنا: الرماح، يقول: إنه يملك نفسه قادر على ضبطها وتصريفها على مراده لا تغلبه نفسه على شيء لا يريده. وإنه يملك نفسه ويصبرها على مكاره الحرب إذا احمرت الرماح بالدماء، أفلا يملكها في كتمان السر؟
(٣٠) يقول: دالت لك الدولة وتناولتها دولة بعد دولة. وأمرك: أي مر أمرك فهو مطاع، فأمرك: مفعول مطلق لمر. ودواليك: نصب على المصدر؛ أي دالت لك الدولة دولًا بعد دول، وهو من المصادر التي استعملت مثناة، والغرض التوكيد، ومثله: لبيك وسعديك وحنانيك. ونصب دولة: على التمييز.
(٣١) اسم كان مضمر، تقديره: ولو كان دعاؤك إياي، أو لو كان ما نحن فيه من الحال. والقاتم: المظلم الذي علاه الغبار. يقول: ولو كان دعاؤك إياي يوم حرب لأجبتك مسرعًا بسيفي وبفرسي الأشقر. وقال بعض الشراح: اسم كان ضمير الرسول، وخبرها محذوف دل عليه ما قبله؛ أي ولو كان أتاني. وهذا البيت والذي قبله من قول البحتري:
جَعَلْتُ لِسَانِي دُونَهُمْ وَلَوَ انَّهُمْ
أَهَابُوا بِسَيْفِي كَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفِي
(٣٢) يقول: أنت عين الدهر التي ينظر بها إلى الناس، فلا غفل الدهر عن الناس بهلاكك؛ أي بقيت، فإن ما يصيب الناس من إحسان وإساءة إنما هو منك، فلو أنت مت لبطل ذلك كله، فيصير الدهر كأنه غافل عن الناس.
(٣٣) كان قد تأخر مدحه عن سيف الدولة، فعاتبه مدة ثم لقيه في الميدان، فرأى منه انحرافًا عنه وأنكر تقصيره فيما كان عوده من الإقبال إليه والسلام عليه، فعاد إلى بيته وأرسل إليه هذه الأبيات.
(٣٤) الازورار: العدول والانحراف. يعتب عليه يقول: صار طويل السلام مختصرًا، وصار ذلك القرب منك عدولًا عني وانحرافًا.
(٣٥) يقول: أنا في خجلة من الناس لإعراضك عني كلما ساورتني ذكراها صرت كالميت، وإذا زالت حييت، فأموت في اليوم مرات كثيرة وأحيا مرات كثيرة.
(٣٦) السرار: مصدر ساره إذا كلمه سرًّا، يقول: وأنظر إليك لحيائي منك مسارقة ومخالسة، وإذا زجرت مهري في الميدان زجرته بصوت خفي، ولم أجسر أن أرفع صوتي حياء منك.
(٣٧) يقول: إنما يعتذر المجرم، فإذا اعتذرت إليك من غير ذنب اجترمته كان هذا الاعتذار شيئًا منكرًا يجمل أن أعتذر منه أيضًا؛ لأنه في غير محله. وقال بعض الشراح: الاعتذار من غير ذنب كذب، والكذب مما يعتذر منه.
(٣٨) يقول: جحدت ما غمرتني به من مكارمك الباهرة التي ليس في مكنة أحد أن يجحدها إن كان تركي مدحك وتأخير شعري اختيارًا مني، ولكن حمى الشعر … إلخ. وقوله: كفرت … إلخ: قسم من أروع ما يقسم به العرب، ولا يزال مثله جاريًا بيننا الآن، كما يقول الرجل: أكون رجلًا نذلًا إذا حصل مني كيت وكيت.
(٣٩) الغرار النوم القليل قال الفرزدق في مرثية الحجاج:
إِنَّ الرَّزِيَّةَ مِنْ ثَقِيفٍ هَالِكٌ
تَرَكَ الْعُيُونَ فَنَوْمُهُنَّ غِرَارُ
أي قليل. وقيل: الغرار القليل من النوم وغيره. ومنه الحديث: لا غرار في صلاة ولا تسليم؛ أي لا نقصان، أي لا ينقص من ركوعها ولا من سجودها ولا أركانها. ومنه غرار الناقة، وهو النقصان في لبنها. والقليل: بدل بعض من الشعر؛ أي إلا القليل منه، وكذا مثله في الشطر الثاني يقول: منعني الهم قول الشعر إلا القليل منه، وهذا الهم أخذني منه المقيم المقعد حتى منعني النوم، فكيف لا يمنعني قول الشعر؟
(٤٠) يعتذر مما ألم به من الهم الذي أسقم جسمه وأوقد في قلبه نارًا بلهيبه وكان سبب انقطاعه عن الشعر. يقول: ليس ذلك من فعلي واختياري إذ لا يرضى أحد أن يسقم جسمه بالهم ويذيب قلبه بحرارته. وهذا من قول العطوي:
أَتَرانِي أَنَا وَفرْ
تُ مِنَ الْهَمِّ نَصِيبِي
أَنَا أَعْطَيْتُ الْعُيُونَ النُّجْـ
ـلَ أَسْلَابَ الْقُلُوبِ
لَوْ إِلَيَّ الْأَمْرُ مَا أَقْـ
ـذَيْتُ عَيْنًا بِرَقِيبِ
(٤١) ضاره وضره بمعنى، يقول: وإنما الذنب ذنب الزمان، فهو الذي أورثني هذا الهم فسبب ذلك انقطاعي عن الشعر، فلا تؤاخذني بذنوب الزمان. على أن إساءته إنما ألمت بي أنا، وأنا المساء بها فلا تقع تبعتها عليَّ كذلك.
(٤٢) الشرد: جمع شرود، يعني القصائد التي تسير في البلاد ولا تستقر بموضع. يقول: وعندي لك القصائد التي أقولها في مدحك فتسير في الآفاق ويتناقلها الناس لحسنها.
(٤٣) هذا البيت كالتفسير للبيت السابق، والمقول: اللسان. يقول: إذا خرجت هذه القوافي من لساني سارت في البلاد، وقطعت الجبال والبحار إلى ما وراءها؛ أي إن الجبال والبحار لا تحول دون سيرها. قال علي بن الجهم يصف شعره:
فَسَارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ
وَهَبَّ هُبُوبَ الرِّيحِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وقال أبو تمام:
فَإِنْ أَنَا لَمْ يَحْمَدْكَ عَنِّيَ صَاغِرًا
عَدُوُّكَ فَاعْلَمْ أَنَّنِي غَيْرُ حَامِدِ
بِسَيَّاحَةٍ تَنْسَاقُ مِنْ غَيْرِ سَائِقٍ
وَتَنْقَادُ فِي الْآفَاقِ مِنْ غَيْرِ قَائِدِ
(يقول: إن شعره يدعو عدوك أن يثني عليك إذا أنشده على غير رغبة منه لاستحسانه إياه.)
(٤٤) قال ابن جني: لو أمكنه أن يقول: لكانوا الظلال وكنت الضياء أو الليل وكنت النهار لكان أحسن في التطبيق. قال العكبري: قلت: يمكنه: لكانوا الليالي، والوزن مستقيم.
(٤٥) الندى: الجود. والهزة بالكسر: الأريحية. والمغار: مصدر ميمي بمعنى الغارة. يقول: هو أشد الناس أريحية ساعة الجود والعطاء، وأبعد الناس مدى غارة في العدو.
(٤٦) الهم: الهمة. واليسار: الغنى. يقول: علت همتي بخدمتك والانتماء إليك وبما يسرت لي من المطالب حتى صارت فوق همم الناس، وحتى صرت لا أقنع بما يكون غنًى ويسارًا حتى أطلب ما فوقه.
(٤٧) كبارًا: حال من الدر. والبيت تأكيد لما قبله. يقول: إذا أدركت بك الغنى لم أقتصر عليه؛ لأن من كان مرجوه مثلك لم يرضَ بالقليل.
(٤٨) الفطر: بالكسر الاسم من الإفطار، والعصر بضمتين: لغة في العصر؛ وهو الدهر، ويأتي أيضًا جمعًا له، وقد تقدم ذلك. وحتى: حرف عطف كالواو. يقول: إن نور هذه الأشياء إنما هو بك؛ لأنك جمال للدهر وجمال للدين ولكل شيء، يعني أن نورك عم كل شيء حتى الشمس والقمر اللذين يستضاء بهما. هذا، وقال العكبري — لمناسبة حتى: وقد اختلف أصحابنا في حتى فقالوا: هي حرف تنصب الفعل المستقبل من غير تقدير أن، وحرف جر يجر الاسم كما تقول: سوفته حتى الصيف. وقال البصريون: هي في كلا الموضعين حرف جر، والفعل منصوب بعدها بتقدير أن، والاسم مجرور بتقدير إلى.
(٤٩) يقول: لم يخص البشر بعطائك فقد أنلت الأهلة بوجهك كمال النور، فقد عم إذن نائلك البشر والشمس والقمر.
(٥٠) الأُنُف: التي لم يرعها أحد وهو أحسن لها. والشمائل: الخلائق. يقول: الدهر بكونك فيه روضة تمت محاسنها، وتوافر جمالها وأخلاقك زهر هذه الروضة، فهي أحسن ما فيها.
(٥١) ما: حرف نفي. والضمير في أيامه وأعوامه للدهر، يقول: ليس ينتهي كرمك في أيام الدهر؛ أي إنه يزداد كرمًا على الأيام، ثم دعا له فقال: فلا انتهى عمرك في أعوامه؛ أي لا أنقص لك أجلًا.
(٥٢) الضمير في تكرارها ومنها: للأعوام، ويروى: منه؛ أي من التكرار. يقول: إن حظك من السنين وتكرارها استزادة الشرف بما تجد من المناقب. بينما حظ غيرك ممن لا مناقب لهم الشيب والهرم.
(٥٣) يقول: إن وصفي هذا اليوم دون أن أشاهد ما جرى فيه ظلم له؛ لأن صدق الوصف موقوف على صدق النظر، فإذا لم أكن صادق النظر بالعيان والمشاهدة لم أكن صادق الوصف.
(٥٤) سمع — في البيت الأول — فاعل يجد، وسببًا: أي وصلة أتوصل بها؛ أي سبيلًا. ثم قال في البيت الثاني: كنت في هذا اليوم أَحْضَرَ الناس المختصين بك؛ لأني كنت شاهدًا بشخصي، وكنت أغيبهم عيانًا؛ لأني غبت معاينة إذ لم أرَ ما يجري فكان عياني ما يخبرني به الذين عاينوا. فأشهد أفعل تفضيل من الشهود، وهو الحضور. ومعاينًا: بدل من أشهد. والجملة بعده: حال.
(٥٥) ناظره: عينه. وعنده: بمعنى في اعتقاده. يقول: يرفع اليوم ملك الروم عينه اعتزازًا برضاك، وقد كان مطرقًا استخذاء وخوفًا؛ لأن عفوك في اعتقاده ظفر وفلج.
(٥٦) يقول: إذا أجبته افتخر على الملوك.
(٥٧) يقول: لما هادنت الروم استراحت رقابهم من فعل السيوف بها إلى انتهاء مدة الصلح، أما سائر الذين كنت تغزوهم فإنهم يترقبون ورود سيوفك عليهم؛ لأنهم يعرفون أنك لا تفتر عن الغزو. أو يترقبون الصلح منك كما صالحت ملك الروم.
(٥٨) الأظهر أن الضمير في تبدلها للسيوف كما قال ابن جني، لا للروم كما ذهب إليه الواحدي. وغيرهم: نصب على أنه مفعول ثان لتبدلها. والباء في بالقوم: للعوض. وتجم: تكثر، من جم البئر: إذا توافر ماؤه بعد النزح. والقصر: جمع قصرة أصل العنق. يقول: وقد تحارب غير الروم وتدع الروم حتى يكثروا، وتغبهم ليتناسلوا ثم تعود إليهم فتهلكهم.
(٥٩) تشبيه: مبتدأ، خبره: جود. وغادية: حال. وثان: صفة لجود. يقول: إذا شبهنا جودك بالأمطار التي تأتي بالغدوات — وهي أغزرها — كان ذلك جودًا ثانيًا لكفك على المطر؛ لأن المطر يفخر بأن يشبه به جودك.
(٦٠) تكسب — بحذف إحدى التاءين — أي: تتكسب. يقول: إن الشمس تستفيد منك النور كما يستفيد منها القمر النور، فإذا طلعت كسبت، وإذا غابت عادت إلى حالها قبل أن تراك.
(٦١) طوال: مبتدأ، خبره: قصار. وضمير تطاعنها: للمخاطب، والجملة: صفة لقنا. والندى: الجود. والوغى: الحرب. يقول: إن الرماح الطوال التي تطاعنها قصار في حقك؛ لأنها لا تنالك ولا تبلغك، ولأنها لا غناء لها معك، وكأنها قصار كما قال:
يَحِيدُ الرُّمْحُ عَنْكَ وَفِيهِ قَصْدٌ
وَيَقْصُرُ أَنْ يَنَالَ وَفِيهِ طُولُ
ثم قال: والقليل منك في الجود والحرب كثير حتى تكون القطرة بمنزلة البحر.
(٦٢) الأناة: الرفق والحلم. يقول: فيك رفق وحلم عن الجاني لا تسرع في عقوبته. يظن ذلك لكرامة له عليك، وهو احتقار له عن المكافأة، لا كرامة.
(٦٣) أخذ: عطف على أناة. والحواضر: جمع حاضرة، وهي خلاف البادية؛ والمراد: أهل الحواضر والبوادي. وبضبط: متعلقة بأخذ. وقوله: نزار: يريد العرب. يقول: أنت تأخذ أهل الحضر والبدو بسياسة وضبط لم تتعودهما العرب.
(٦٤) يقول: إن العرب تدنو من طاعتك، فإذا أحست ما عندك من السياسة أنكرت ذلك إنكار الوحش إذا شمت ريح الإنس فتنفر، فقوله: تشممه — بحذف إحدى التاءين — أي: تتشممه. وإنسًا: مفعول شميم. والتشمم: الشم في أناة وتؤدة. ويقال: شممت الشيء أشمه وشممته أشمه شمًّا وشميمًا، قال الصمة بن عبد الله القشيري:
تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ
فَمَا بَعْدَ الْعَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ
(العرار: بهار البر، وهو نبت طيب الريح، وقيل: هو النرجس البري. والبيت من أبيات هي:
أَقُولُ لِصَاحِبِي وَالْعِيسُ تَخْدِي
بِنَا بَيْنَ الْمُنِيفَةِ فَالضِّمَارِ
تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ
فَمَا بَعْدَ الْعَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ
أَلَا يَا حَبَّذَا نَفَحَاتُ نَجْدٍ
وَرَيَّا رَوْضِهِ بَعْدَ الْقِطَارِ
شُهُورٌ يَنْقَضِينَ وَمَا شَعَرْنَا
بِأَنْصَافٍ لَهُنَّ وَلَا سِرَارِ)
قال أبو حنيفة الدينوري: تشمم الشيء واشتمه أدناه من أنفه ليجتذب رائحته، وتشممت الشيء شممته في مهلة.
(٦٥) المقادة: الانقياد، والصغار: الذل. يقول: إن العرب لا تعرف هذا؛ لأنهم لم ينقادوا لأحد.
(٦٦) المقاود: جمع مقود، وهو الرسن. والذفرى: العظم الشاخص خلف الأذن، مأخوذة من ذفر العرق؛ لأنها أول ما تعرق من البعير، ويجمع على ذفارى وذفاري كصحارى وصحاري. والصعر: الميل في الخد، وفلان صعر خده: أماله من الكبر. والعذار من اللجام: مما سال على خدي الفرس. يقول: لما وضعت على العرب المقاود لتقودهم إلى طاعتك، وبالغت في رياضتهم تقرحت ذفاريهم من جذب المقاود لرءوسهم؛ أي جعلتهم كالقرحى في الذل والانقياد، وأمال خدودهم هذا العذار؛ أي أمالهم إلى طاعتك. والقرح: كل ما جرح الجلد من عض السلاح ونحوه. وروى الواحدي: فأفدحت — بالفاء — من أفدحه الدين: أثقله، يعني: لما وضعت على العرب المقاود أثقلت مقاودك رءوسهم؛ لأنك ضبطتهم ومنعتهم عن التلصص والغارة، فصاروا كالدابة تقاد بحكمة شديدة وشكيمة ثقيلة.
(٦٧) منع عامر من الصرف؛ لأنه أراد القبيلة، ولذلك أنثها. والبقيا: اسم من الإبقاء. والنزق: الخفة والطيش. يقول: وأطمعهم في العصيان إبقاؤك عليهم وعدولك عن الإيقاع بهم، وحملهم على الطيش أناتك وحلمك عنهم وتوقفك عن إهلاكهم.
(٦٨) تلبب الرجل: تحزم وتشمر، والمتلبب: المتحزم بالسلاح وغيره. والمغار: الإغارة. يقول: وغيرها عن الطاعة أنها كانت تتراسل فيما بينها وتتواطأ على عصيانك، وتتشاكى لما يجدونه من صعوبة الاستخذاء إليك؛ واغترت بتحزبها وتأهبها ولبسها الأسلحة وكثرة غاراتها على النواحي والأطراف.
(٦٩) الجياد: الخيل، وهي مبتدأ محذوف الخبر؛ أي لهم جياد. يقول: إن لهم خيلًا يعجز الأرسان عن ضبطها لصعوبتها وشدة رءوسها، أو تقول: لا تسعها الأرسان لكثرتها؛ أي إن لهم خيلًا لكثرتها لا توجد لها أرسان. ثم قال: وفيهم فرسان تضيق بهم الديار لكثرتهم.
(٧٠) الضمير في كانت: للفرسان. والردى: الهلاك. يقول: وكنت تتوقف عن إهلاكهم والإيقاع بهم جريًا على عادتك في الصفح والعفو؛ فكانوا — بهذا التوقف — كمن يستشار في إهلاكه، وكانوا هم بعتوهم واسترسالهم في غيهم كأنهم يشيرون عليك بأن تقتلهم. وقد أقام الردى مقام الإرداء.
(٧١) قائمه: مقبضه. وغراره: حده. والبدية والحيار: ماءان بأرضهم كانوا ينزلون عليهما. وشفرتا السيف: حداه. يقول: كنت سيفًا لهم مقبضه في أيديهم وحده في أعدائهم فلما عصوك صارت شفرتاه حيث هم؛ أي في البدية. أي: سرت إليهم في منازلهم، وجاوزت الحيار حتى صار خلفك، وأهلكتهم بسيفك الذي كنت تذود به عنهم. وفي معناه قول جعفر بن علبة:
لَهُمْ صَدْرُ سَيْفِي يَوْمَ صَحْرَاءِ سَحْبَلٍ
وَلِي مِنْهُ مَا ضَمَّتْ عَلَيْهِ الْأَنَامِلُ
(صحراء سحبل: موضع.)
(٧٢) يقول: كانوا في التمرد والعصيان حيث كان بنو كعب، فلما رأوا ما نزل بهؤلاء من القتل والهوان خافوا أن ينزل بهم ما نزل بكعب من القتل والسبي إن بقوا على عصيانهم. وكعب: مبتدأ محذوف الخبر؛ أي حيث كعب كائنون؛ لأن حيث لا تضاف إلا إلى الجمل.
(٧٣) يقول: استقبلوا سيف الدولة بالخضوع والذلة والانقياد وساروا معه وراء كعب. قال العكبري: وذلك أن مشيخة بني كلاب تلقته، وقد سار عن الحيار لطلب البدية فطرحوا نفوسهم عليه لما رأوا حد سيفه، وخشوا أن يهربوا فيهلكهم وتقتلهم القفار والعطش كما هلكت كعب.
(٧٤) الضمير في أقبلها: للخيل، وإن لم يجر لها ذكر، وأقبلها المروج: جعل وجوهها إليها. والمروج: المواضع ترعى فيها الدواب، وأراد مروج سلمية — موضع بين الفرات وحلب كانوا فيه ثم انهزموا — ومسومات: معلمات بسمة تعرف بها. وضوامر: قليلة اللحم. وهزال: جمع هزيل. والشيار: السمان الحسنة المناظر، ولا هزال ولا شيار في الأعراب، مثل قول القائل:
لَا أُمُّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ
(وصدر هذا البيت:
هَذَا لَعَمْرُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ
والبيت لهني بن أحمر الكناني، شاعر جاهلي قديم، وقيل لغيره، وهو من أبيات جميلة يقول فيها:
أَأُخَيَّ أَخْبِرْنِي وَلَسْتَ بِصَادِقٍ
وَأَخُوكَ نَاصِحُكَ الَّذِي لَا يَكْذِبُ
أَمِنَ الْقَضِيَّةِ أَنْ إِذَا اسْتَغْنَيْتُمُ
وَأَمِنْتُمُ فَأَنَا الْغَرِيبُ الْأَجْنَبُ
وَإِذَا الْكَتَائِبُ بِالشَّدَائِدِ مَرَّةً
حَجَرَتْكُمُ فَأَنَا الْحَبِيبُ الْأَقْرَبُ
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا
وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
وَلِجُنْدَبٍ سَهْلُ الْبِلَادِ وَعَذْبُهَا
وَلِيَ الْمِلَاحُ وَخَبْتُهُنَّ الْمُجْدِبُ
عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةً وَإِقَامَتِي
فِيكُم عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَعْجَبُ
هَذَا لَعَمْرُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ
لَا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ
الحيس: لبن وأقط وسمن وتمر يصنع منه طعام. والخبت: المطمئن من الأرض، وقد رويت هذه الأبيات على اختلاف في بعض كلماتها.)
يقول: وجه خيله إلى المروج وأجاءها إليها ضامرة، وليس ضمرها عن هزال؛ إنما هو عن تضمير وقيام عليها، ولا هي أيضًا سمينة حسنة المنظر؛ لأنها قد شعثت واغبرت بمواصلة السير.
(٧٥) سلمية: موضع. والمسبطر: الغبار الممتد. والشعار: العلامة يتعارفون بها. يقول: تثير خيلك على هذا المكان — سلمية — غبارًا منتشرًا لا تعرف الخيل تحته بعضها بعضًا؛ أي أصحاب الخيل — أي الجيش — لولا العلامة التي تتعارف بها. فقوله: تناكر — بحذف إحدى التاءين — أي الخيل.
(٧٦) عجاجًا: بدل من مسبطرًّا، والعجاج: الغبار. والوعث من الأرض: السهل الكثير الرمل، وهو ما تغيب فيه القوائم لسهولته. والخبار: الأرض اللينة الرخوة؛ يصف الغبار بالكثافة، يقول: إن العقبان التي تسير مع الجيش تعثر في ذلك الغبار وكثافته، فكأن الجو أرض لينة تغوص فيها أرجل الطير، فتعثر لكثرة ما ارتفع من غبار الخيل وكثافته.
(٧٧) خلسًا: أي اختلاسًا؛ وهو سرعة اختطاف الشيء خفية. يقول: ظلوا يتخالسون الطعن فيسرع فيهم الموت حتى كأنه اختصر الطريق إليهم.
(٧٨) لزه إلى الشيء: ألجأه إليه وأدناه منه. يقول: أحوجهم طرادك إياهم إلى قتال شديد لم يكن لهم سلاح يدفعه عنهم غير الفرار.
(٧٩) يقول: لإسراعهم في الهرب والهزيمة خوفًا من القتل كانت أعضاؤهم كأنما يسابق بعضها بعضًا: الأرجل تسابق الرءوس، والرءوس تسابق الأرجل وكأن الرءوس تتعثر بالأرجل حين تريد الرءوس الإسراع، فتمنعها الأرجل. وقال ابن جني: إذا ندر رأس أحدهم فتدحرج يعثر برجله أو برجل غيره، وهذا غير المعهود أن يعثر الرأس بالرجل. قال الواحدي: أحسن من قوله أن يقال: بأرجلهم عثار لأجل حفظ رءوسهم فهم ينهزمون فيسرعون ويعثرون.
(٨٠) يشلهم: يطردهم. والأقب من الخيل: الضامر البطن. والنهد: المشرف المرتفع. يقول: يطردهم بكل فرس ضامر نهد لفارسه الخيار، إن شاء لحق، وإن شاء سبق؛ أي إن شاء جارته سائر الخيل وإن شاء سبقها فلحقته.
(٨١) أصم: أي رمح صلب ليس بأجوف لين. ويعسل: يضطرب. وممار: مسال مهرق. يقول: ويطردهم بكل رمح صلب يضطرب جانباه الأعلى والأسفل. قال الواحدي: وأراد بالكعبين اللذين في عامله. وهما يغيبان في المطعون؛ ولذلك وصفهما بأن عليهما دمًا، ويجوز أن يريد الكعب الذي فيه السنان والذي فيه الزج؛ فإن الطعن يقع بهما. قال ابن جني: يجوز أن يريد بالتثنية الجمع؛ لأن أول الجمع تثنية.
(٨٢) يغادر: يترك، والضمير للرمح. واللبة: أعلى الصدر. والثعلب — هنا — ما دخل من الرمح في السنان. والوجار: بيت الوحش من الضبع والثعلب ونحوهما. يقول: إن هذا الرمح يترك من يلتفت إليه من الأعداء ونحره مطعون يدخل ثعلبه في نحره. ولقد أبدع في هذه التورية والاستعارة بذكر الوجار والثعلب.
(٨٣) دجا: أظلم. وجنح الليل: جانبه. وانجاب: انكشف. والمشرفية: السيوف، نسبة إلى مشارف الشام. يقول: إذا ذهب عنهم ضوء النهار كان مع الليل ليل آخر من العجاج — الغبار — وإذا انقضى الليل أضاء مع النهار نهار آخر من بريق السيوف؛ أي إنهم في ليلين مظلمين من الليل والغبار، وفي نهارين من ضوء السيوف والنهار. هذا، وإليك خلافًا نحويًّا بين البصريين والكوفيين أثاره العلامة العكبري النحوي الكوفي لمناسبة إعراب جنح الظلام، قال: ارتفع جنح الظلام، عندنا بالابتداء، وهو قول الأخفش، وعندنا أيضًا أنه يرتفع بما عاد إليه من الفعل من غير تقدير فعل. وقال البصريون: يرتفع بتقدير فعل؛ وحجتنا أن إن الشرطية هي الأصل في باب الجزاء. فلقوتها جاز تقديم المرفوع معها. وقلنا: إنه يرتفع بالعائد؛ لأن المكني المرفوع معها في الفعل هو الاسم الأول، فينبغي أن يكون مرفوعًا كقولهم: جاءني الظريف زيد، وإذا لم يكن مرفوعًا لم يفتقر إلى تقدير فعل. وحجة البصريين أنه يجوز أن يفصل بين حرف الجزم وبين الفعل باسم لم يعمل فيه ذلك الفعل ولا يجوز أن يكون هنا عاملًا؛ لأنه لا يجوز تقديم ما يرتفع بالفعل عليه، ولو لم يقدر ما يرفعه لبقي الاسم مرفوعًا بلا رافع، وذلك لا يجوز، فدل على أن الاسم ارتفع بتقدير فعل.
(٨٤) الدثر: المال الكثير. والرغاء: صوت الإبل. والثؤاج: صوت الغنم. واليعار: صوت المعز. يقول: إنهم ساقوا مواشيهم هاربين، فكانت تصيح خلفهم لما ألم بها من التعب والإعياء في السير: فالإبل ترغو، والمعزي تعير، والغنم تثأج، وكأنها بهذا الصياح تبكي.
(٨٥) غطاه وغطاه: بمعنًى. والعِثْيَر: الغبار. والمتالي: جمع متلية، وهي الناقة يتلوها ولدها. والعشار: التي قربت ولادتها؛ جمع عشراء. والمتالي والعشار: أعز أموال العرب؛ ولذلك خصهما بالذكر. يقول: غطى البيداء بالغبار حتى تحيرت النعم — على حدة أبصارها — في ذلك الغبار. ورواية ابن جني بالغنثر: بدل بالعثير، والغنثر: ماء هناك. وتخيرت — بالخاء، بصيغة المجهول — فيكون المعنى: غطى سرحهم البيداء عند هذا الماء لكثرته حتى تخير منه سيف الدولة المتالي والعشار لما وصل إلى ذلك الماء.
(٨٦) الجباة: اسم ماء. والنقع: الغبار. يقول: إنهم مروا بهذا الماء في هربهم، وقد أدركهم جيش سيف الدولة هناك، فاشتمل الغبار على الجيشين حتى صاروا منه في إزار لشدة انتشاره.
(٨٧) الصحصحان: يريد بالصحصحان هنا صحراء بعينها هناك، وفي غير هذا الموضع كل أرض واسعة فضاء. يقول: جاءوا هذه الصحراء وقد انحلت سروج خيلهم، فسقطت وسقطت عمائم رجالهم وخمر نسائهم لإسراعهم وإشاحتهم في الهرب.
(٨٨) أرهقه: كلفه ما فيه مشقة. ومردفات: أي مركبات خلف الرجال، وأوطئت أي جعلت الخيل تطؤها. فحذف الخيل للعلم بها، والأصيبية: تصغير أصبية؛ جمع صبي. والعذارى: جمع عذراء. وهي البكر التي لم يفترعها فحل. يقول: إن العذارى قد كلفن بإردافهن خلف الفرسان مشقة لا يطقنها، ولم يثبت الصبيان الصغار على الخيل في الركض فسقطوا ووطأتهم الخيل. وعبارة ابن جني: أوطئوا الخيل الصبية؛ لأنهم لم يقدروا أن يحملوهم لشدة هربهم وأردفوا العذارى طلبًا للنجاة وحفظًا لهن.
(٨٩) هذه كلها مياه معروفة. يقول: لما بلغوها نزحوها لما لحقهم من العطش والجهد حتى لم يبقَ منها شيء؛ ولذلك قال: فلا غوير.
(٩٠) يقول: لم يكن لهم مفزع يفزعون إليه إلا تدمر، ظنوا أنهم إذا بلغوها حصنتهم من سيف الدولة، ولكن خاب ظنهم، إذ لم يعتموا أن غشيهم جيشه بها فصارت دمارًا — هلاكًا — لهم كاسمها. وتدمر هي المدينة المعروفة.
(٩١) يقول: أرادوا أن يقلبوا وجوه الرأي في تدمر، فأتاهم سيف الدولة صباحًا وعصف بهم، فكان عصفه بهم — إهلاكه إياهم — رأيًا لا سبيل إلى تقليبه.
(٩٢) جيش: عطف على رأي. يقول: وصبحهم بجيش كلما أشرف هؤلاء الهاربون على أرض واسعة، فحاروا فيها لسعتها وشدة ذعرهم، ثم لما أقبل هذا الجيش أقبلت تلك الأرض تتحير فيه لكثرته وتوافره، فكأنه أوسع منها.
(٩٣) يقول: يحيط هذا الجيش بأغر — سيد شريف؛ يعني سيف الدولة — إذا قتل عدوه لم يكن عليه قود ولا دية ولم يعتذر من فعله؛ لأنه ملك قاهر ذو عز ومنعة لا يراجع فيما فعل. والقود: قتل النفس بالنفس، والدية: ثمن الدم.
(٩٤) تريق: تسفك؛ والمهجة: دم القلب والروح. والجبار: الهدر الذي لا قود فيه ولا دية، ويقال: ذهب دمه جبارًا إذا لم يطلب. والبيت في معنى البيت السابق.
(٩٥) مصال: مصدر؛ أي صولة وقوة. وكذلك المطار بمعنى الطيران. قال العروضي ووافقه الواحدي: هذا من صفة خيل سيف الدولة، يقول: هم — فرسان سيف الدولة — أسود ولا يشينهم عدم إدراكهم هؤلاء القوم؛ لأن الأسد — على قوته — لا يمكنه صيد الطائر لأنه لا مطار للأسد؛ يعني أن هؤلاء القوم أسرعوا في الهرب إسراع الطير في الطيران، وهذا كالعذر لهم في التخلف عن لحوقهم لسرعة هربهم. وقال آخرون: هذا من صفة القوم شبههم بالأسود في قوة البأس، وشبه جيش سيف الدولة بالطير في سرعة الجري وراءهم. يقول: الأسود مع شدة بطشها لا يقدر أن تسطو على الطير؛ لأنه يفوتها ولا تقدر على الطيران أمامه فتفوته. يريد أنهم لم يقدروا على مقاومة الجيش؛ لأنهم لا ينالونه بسلاحهم ولا وسعهم الهرب من أمامه، لأنه أسرع جريًا منهم فهو يدركهم أينما ذهبوا. وعبارة ابن جني: كانوا أسدًا قبل ذلك، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة لضعفهم ولم يقدروا على الطيران فأهلكتهم.
(٩٦) يقول: إذا فاتوا رماح سيف الدولة ونجوا منها بالهرب هلكوا في القفر من العطش، فقام العطش في قتلهم مقام الرماح.
(٩٧) يقول: يرون الموت قدامهم من العطش وخلفهم من الرماح فيختارون أحد الموتين، وليس ذلك اختيارًا في الحقيقة؛ لأن الموت يضطر إليه ولا يختاره أحد، فهم — لا محالة — هالكون.
(٩٨) المنار: العلم ينصب في الطريق. يقول: إذا ضل أحد بصحراء السماوة قامت له جثث قتلاهم بها مقام المنار فاهتدى وعرف الطريق بهم كما يهتدي بالمنار؛ وهذا من قول ثابت قطنة:
هَدَاكَ اللهُ بِالْقَتْلَى تَرَاهَا
مُصَلَّبَةً بِأَفْوَاهِ الشِّعَابِ
(٩٩) يقول: لولا إبقاؤك على من بقي منهم وصفحك عنهم لهلكوا جميعًا لكنك أردت تأديبهم، لا إفناءهم، فكان فيمن هلك منهم عبرة لمن بقي، فلا يعصي لك أمرًا أبدًا.
(١٠٠) أرعى فلان على فلان — مثل أبقى عليه: رحمه وكف عنه. يقول: أنت سيدهم. فإذا لم تبقِ عليهم فمن يرحمهم أو يغار عليهم؟ إذ المولى إذا لم يرحم عبده لا يرحمه غيره.
(١٠١) السجايا: الطباع والأخلاق. والنجار: الأصل. يقول: إن أصله وأصلهم واحد لاشتراكهم في نزار، إلا أن الطباع والأخلاق مختلفات، وأين هم منه؟!
(١٠٢) أرك وعرض: بلدان قرب تدمر، والرقتان: بلدان على الفرات؛ وهما الرقة والرافقة، قيل لهما: الرقتان تغليبًا، والضمير في بها ولها للخيل. يقول: مال سيف الدولة بخيله على البلدين المذكورين على تباعدهما عن قصده وهو متوجه إلى الرقتين؛ يعني بذلك طلبه لبني كعب في كل مكان. وقال ابن جني: أي مال بخيله على هاتين البقعتين وأهل الرقتين قريب لو أراد زيارتهم لما بعد ذلك عليها.
(١٠٣) الزئير: صوت الأسد، والخوار: للبقر. يقول: إنهم انهزموا بالفرات فصار زئيرهم خوارًا؛ أي كانوا قبل ذلك يظنون أنفسهم أسودًا، فلما أتاهم أجفلوا من وجهه إجفال الثيران.
(١٠٤) الحزق: الجماعات، جمع حزقة. والخابور: نهر على الفرات، والخمار: بقية السكر. يقول: ظنوا أنهم المقصودون؛ فهربوا خوفًا من سيف الدولة حين توجه إلى ناحيتهم يريد الرقتين، فصاروا جماعات صرعى — مطروحين — حوالي هذا النهر. وقوله: بهم … إلخ؛ أي إنهم لم يذنبوا، وإنما أذنب غيرهم فأدركهم تعب الهرب، فأراد بالشراب المعصية، وبالخمار ما لحقهم من الخوف.
(١٠٥) المراد بالمال: المواشي. يقول: لخوفهم لم يسرحوا نعمهم نهارًا ولم يوقدوا نيرانهم ليلًا.
(١٠٦) يقول: هم إنما فعلوا ذلك خشية أن يعرف مكانهم فيقصدهم، وهو حذر في غير موضعه؛ لأنه إذا كان غير راض عنهم، فإن حذرهم هذا لا يجديهم شيئًا، فهو يدركهم أينما كانوا، ولو في أقاصي البلاد أو في الجواء. فقوله: حذار: مفعول له، عامله في البيت السابق، وهو مصدر حاذر.
(١٠٧) الجدوى: العطية. يقول: إنهم يفدون إليه يسألونه العفو لا غير. والوفود: جمع وفد، وهو جمع وافد، والوافد: القادم على أمير أو غيره ليطلب منه شيئًا.
(١٠٨) خلفهم: استبقاهم. والبيض: السيوف. والهام: الرءوس يذكر ويؤنث، وهو مبتدأ، خبره: له، والجملة: حال. ومعار: خبر آخر، ومعهم: حال من نائب معار. يقول: فاستبقاهم بأن رد سيوفه عنهم وترك رءوسهم معهم عارية منه متى شاء أخذها؛ لأنها في ملكه. وهذا كلام بديع.
(١٠٩) أذم لهم: صيرهم في ذمامه. والضمير في عليه: لسيف الدولة. والعرق: الأصل. والحسب: ما تعدده من مآثر الآباء. والنضار: الخالص من كل شيء. يقول: عقد الذمة لهم وصيرهم في ذمامه كرم أصله وصحة حسبه.
(١١٠) العواصم: بلاد حاضرتها إنطاكية. والنائل: العطاء. يقول: فاستقر بهذا المكان بعد عودته من هذه الغزوة؛ لأنه مقره، أما جوده فلا يستقر، كالبحر ليس له قرار.
(١١١) العقار: الخمر. يقول: إن ذكره قد ملأ الآفاق حتى إن الشرب — جماعة شاربي الخمر — يغنون بما مدح به من الأشعار ويشربون على ذكره. هذا وسميت الخمر عقارًا؛ قيل: لأنها عاقرت العقل وعاقرت الدن: أي لزمته، وأصله من عقر الحوض؛ لأن الواردة تلازمه، وقيل: لأنها تعقر شاربها، وقيل: لشبهها بالعقار، وهو نبت أحمر.
(١١٢) الأسنة هنا: الرماح، والشفار: جمع شفرة؛ حد السيف. يقول: إنه لمنعته تخضع له القبائل كل الخضوع، وتثني عليه الرماح والسيوف؛ لحسن استعماله إياها، لأنه أذل بها تلك القبائل.
(١١٣) يقول: لإجلالنا إياه وإعظامنا له لا نستطيع أن نملأ أعيننا من النظر إليه، كما لا نستطيع أن ننظر طويلًا إلى شعاع الشمس، كما قال الفرزدق:
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ
وهو من قول الآخر:
إِنَّ الْعُيُونَ إِذَا رَأَتْكَ حِدَادُهَا
رَجَعَتْ مِنَ الْإِجْلَالِ غَيْرَ حِدَادِ
(١١٤) الأسل: الرماح. والحرار: العطاش؛ جمع حران، والأنثى حرى، والحران: العطشان. يقول: من أراد المطاعنة بالرماح، فهذا على — اسم سيف الدولة — قد تفرغ من قتال هؤلاء ومعه خيل الله — جيشه — والرماح العطاش؛ لأنها لا ترتوي من الدم.
(١١٥) كعب: اسم القبيلة. وبأرض: صلة يراه. والمفاوز: الصحاري. يقول: إنه دائمًا يسري إلى أعدائه ويجوب إليهم الصحاري التي لا يستره فيها شيء، فهو يتوسط الصحاري كل يوم؛ ليطلب الأبطال الذين يطلبون القتال لا ينتظر لحاقهم به. يعني أنه دائمًا يقصد أعداءه حيث هم ولا ينتظر أن يأتوه فيقاتلهم؛ أي إنه دائمًا طالب لا هارب. والعادة أن الخائف ينزل المفاوز خوفًا ممن يلحقه، ولكن الممدوح ينزلها طلبًا لمن يهرب منه إليها. هذا، وقوله: لا الانتظار، فألف لا: ساقطة لفظًا، وإن تحركت اللام بعدها؛ لأن حركة اللام عارضة دفعًا لالتقاء الساكنين بينها وبين النون. وقوله طلاب الطالبين: تروى طلاب الطاعنين؛ أي طاعني الأعداء.
(١١٦) تصاهل — بحذف إحدى التاءين — أي: تتصاهل. والسرار: مصدر ساره؛ كلمه سرًّا. وقد اضطربت كلمة الشراح في تأويل هذا البيت، فذكر ابن جني معنيين، والخطيب خالفه إلى معنًى آخر، وأوجهها ما ذهب إليه ابن فورجة قال ما محصله: إن خيله تتصاهل من غير سرار، وليس السرار من عادة الخيل، يعني أن سيف الدولة ليس من شأنه أن يباغت العدو، ولا يحاول أن يخفي قصده إلى أعدائه لقوته وتمكنه واقتداره، ومن ثم لا يكف خيله عن الصهيل؛ لأن من يباغت عدوه يضرب خيله إذا صهلت ليقطع صهيلها، كما قال القائل:
إِذَا الْخَيْلُ صَاحَتْ صِيَاحَ النُّسُورِ
جَزَرْنَا شَرَاسِيفَهَا بِالْجِذَمْ
(الشرسوف: طرف الضلع المشرف على البطن، والجذم: جمع جذمة؛ السوط.)
وأحد معنيَيِ ابن جني: إن خيله يسر بعضها إلى بعض شكية مما بجسمها به من ملاقاة الحروب وقطع المفاوز. والمعنى الآخر: إن خيله مؤدبة فتصهل سرًّا هيبة له، وقال الخطيب: إنما أراد أن خيله إذا سارت أخفى صهيلها صوت الحديد، فكأنما هي في سرار، وأخذه من قول عنترة:
وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ
وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
(اللَّبان: الصدر.)
(١١٧) اليد: الجارحة المعروفة. والسوار: الحلية من الذهب أو الفضة، كالطوق تلبسها المرأة في زندها أو معصمها. وبنو كعب: مبتدأ، ويد: خبر. وما أثرت: أي وتأثيرك. يقول: إن بني كعب وما أثرت فيهم من الذل والقتل مثلهم مثل اليد التي يدميها السوار، فإن اليد تتحلى بالسوار وتفتخر وإن كان يؤلمها، كذلك بنو كعب يفتخرون بك وأنت زين لهم، وإن أثرت فيهم.
(١١٨) الشرك: مصدر شَرِكَهُ، بوزن عَلِمَهُ. ونزار: جد العرب. يقول: إنهم يشاركونك في الانتساب إلى نزار، وأقل ما يقتضيه حق الشركة في أصل جوار؛ أي ذمام ورعاية حرمه.
(١١٩) يستعطفه عليهم ويحثه على العفو عنهم. يقول: لعل أبناءهم يكونون جندًا لأبنائك وعبيدًا إذا سلموا، فإن المهار من الخيل تصير قرحًا؛ أي إن الصغار تصير كبارًا، كما قيل:
وَإِنَّمَا الْقَرْمُ مِنَ الْأَفِيلِ
وَسُحُقُ النَّخْلِ مِنَ الْفَسِيلِ
(القرم: الفحل من الإبل. والأفيل: الفصيل، والفسيل: ما يقلع من صغار النخل ليغرس. والقرح: جمع قارح؛ وهو الذي استكمل سنه بأن بلغ خمس سنين. والمهار: جمع مهر؛ الصغير من الخيل. هذا، ولمناسبة لعل قال العكبري: ذهب أصحابنا الكوفيون إلى أن لام لعل الأولى أصلية، وقال البصريون: بل هي زائدة. وحجتنا أنها حرف، والحروف في الحروف كلها أصلية؛ لأن حروف الزيادة العشرة — التي يجمعها «هويت السمان» — إنما تختص بالأسماء والأفعال، فأما الأفعال فتزاد فيها. وكذلك الأسماء، وأما الحرف فلا يدخله شيء من هذه الحروف على سبيل الزيادة، فدل على أن اللام أصلية، ويدل على أنها أصلية أن اللام لا تكاد تزاد فيما يجوز فيه الزيادة إلا شاذًّا، فإذا كانت اللام لا تزاد إلا على طريق الشذوذ فكيف يحكم بزيادتها فيما لا تجوز فيه الزيادة؟ وحجة البصريين أنهم قالوا: وجدناها مستعملة في كلامهم وأشعارهم بغير لام، قال نافع الطائي:
وَلَسْتُ بِلَوَّامٍ عَلَى الْأَمْرِ بَعْدَمَا
يَفُوتُ وَلَكِنْ عَلَّ أَنْ أَتَقَدَّمَا)
(١٢٠) أبر: أفعل تفضيل، من بره إذا أحسن إليه ووصله. وعُقَّ: مجهول عق، يقال: عق والده إذا عصاه، وهو ضد بره. وأعفى: تفضيل من العفو. والبوار: الهلاك. يقول: أنت أبر الذين إذا عصوا أفنوا، وإذا كنت أبرهم لمن تفن. وأنت أعفى الذين يعاقبون بالهلاك، وإذا كنت أعفاهم لم تهلك؛ أي أنت أبر الملوك القادرين وأعفاهم، وإذن لا تفني من عصوك ولا تؤذيهم.
(١٢١) يقول: وأنت أقدر من يحركه حب الانتصار؛ أي إذا حركك الانتقام من عدوك قدرت على ما تطلب، فأنت أقدر المنتصرين، وأنت أحلم من يدعوه إلى الحلم اقتداره على عدوه فصفح وعفا، وإذا كان الأحلم كان الأعفى والأصفح عن العدو إذا اقتدر عليه.
(١٢٢) يقول: لا يلحقهم عار بسطوتك عليهم؛ لأنك ربهم — سيدهم — ولا في تذللهم لك عار؛ لأنهم عبيدك. وذلك كما قال النابغة:
وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ رَهْبَتَهُ
وَهَلْ عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ؟
وكما قال الآخر:
وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَفِعْلَهُ
لَكَالدَّهْرِ لَا عَارٌ بِمَا فَعَلَ الدَّهْرُ
وقال أبو تمام:
خَضَعَتْ لِصَوْلَتِكَ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ
كَالْمَوْتِ يَأْتِي لَيْسَ فِيهِ عَارُ
(١٢٣) بقية قوم: خبر مبتدأ محذوف. يقول: نحن بقية قوم آذن — أعلم — بعضهم بعضًا بالبوار — الهلاك — أي: علموا أنهم هالكون، ونحن مهازيل أسفار لا حراك بنا من الجهد والتعب كأننا سكارى، فأنضاء: جمع نضو، وهو المهزول الذاهب اللحم من الناس والإبل. والشَّرْب: جمع شارب. والعقار: الخمر.
(١٢٤) يقول: تحكمت فينا الرياح بهذا المكان حتى سفت علينا من الحصى والتراب ما سترتنا به.
(١٢٥) المناخ: المنزل، وأصله مبرك الناقة. يقول: ليس هذا المكان منزلًا لنا فشدا رحالكما على الإبل وارحلا قبل هجوم الليل. فالضمير في عليها: للإبل، وإن لم يتقدم لها ذكر.
(١٢٦) يقول: لا تنكرا شدة هبوب الرياح، فإنها طعام من بات ضيفًا عند سوار؛ وهذا — سوار — اسم رجل نزلوا في المسجد قرب داره فهبت عليهم الرياح ولم يلتفت إليهم ولم يقرهم.
(١٢٧) يبتر: يقطع. وقاعدًا: حال من المخاطب. وأراد بما يبتر الفقر: الثروة والغنى. يقول: إذا لم تجد الغنى وأنت قاعد عن السعي فقم واطلب ما يقطع العمر؛ أي الحرب، يعني مقاتلة الملوك وأشباه الملوك للحصول على ما حصلوا عليه من الملك والرياسة والثراء.
(١٢٨) هما: ضمير الخلتين، فسره بهما. والخلة: الخصلة. والثروة: المال الكثير، وهي بدل تفصيل من خلتان. والمنية: الموت. وإن — هنا — زائدة بعد لعل، لتأكيد الاستقبال، كما تزاد في خبر عسى. يقول: هما خصلتان: إما الغنى وما إليه من الرياسة والملك، وإما الموت، فافعل لعل أحد هذين يخلد ذكرك.
(١٢٩) حاشاه: تجنبه وتوقاه. والضمائر: جمع ضمير، وهو ما يضمره الإنسان ويخفيه. وغيض الدمع: حبسه ونقصه. وانهلت: انصبت. وبوادره: سوابقه ومسرعاته. يقول: تباعد عن الرقيب يوم الفراق مخافة أن يطلع على هواه وحاول أن يحبس دموعه عن الجري، فظهر عليه ما يكتمه؛ لأنه لم يقدر على كتمانه وسبقه الدمع فوقف الرقيب على سره.
(١٣٠) يعتذر لما في البيت الأول؛ يقول: إن الذي يكتم حبه كيلا يطلع عليه يغلبه الوجد والجزع يوم الفراق فيبدو سره وينهتك ستره؛ لأنه يجزع ويبكي، فيستدل بجزعه وبكائه على حبه.
(١٣١) كنى بالظباء عن النساء، وعدى: قبيلة من قريش. وكنى بالربرب — وهي القطيع من بقر الوحش — عن جماعة النساء مطلقًا، وبالجآذر — جمع جؤذر؛ وهو ولد البقرة الوحشية — عن الشواب منهن. يقول: لولا نساء هذه القبيلة اللائي هن كالظباء في عيونهن وأعناقهن ما شغفت بالقبيلة كلها، ولولا الشواب المليحات منهن ما شغفت بنسائهم جميعًا، ويروى بدل ما شغفتت: ما شقيت؛ أي: لولا نساء هذه القبيلة ما شقيت بالقبيلة: أي أحتاج إلى مجاملتهم واحتمال الذل لأجل نسائهم الحسان، ولولا الشواب ما شقيت بالكبار في مضايقتهن. وإليك طرفة نحوية للعلامة العكبري قال: ظباء عدي مرفوة عندنا بلولا، وعند البصريين بالابتداء، وحجتنا أنها ترفع الاسم؛ لأنها نائبة عن الفعل الذي لو ظهر لرفع الاسم، لأنك تقول: لولا زيد لجئت: أي لو لم يمنعني زيد، إلا أنهم حذفوا الفعل تخفيفًا وزادوا «لا» على «لو» فصارا بمنزلة حرف واحد، كقولهم: أما أنت منطلقًا انطلقت معك. وتقديره: إن كنت منطلقًا انطلقت معك قال الشاعر:
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ
فَإِنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
(البيت للعباس بن مرداس السلمي الصحابي رضي الله عنه وبعده:
السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ
وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
وأبا خراشة: منادى، وأبو خراشة: كنية، واسمه خفاف بن ندبة، وندبة: اسم أمه، وخفاف هذا: صحابي، وهو أحد فرسان قيس وشعرائها، وكان أسود حالكًا، وهو ابن عم الخنساء. وأنت اسم لكان المحذوفة، وذا نفر: خبرها. وروى هذا البيت: أبا خراشة أما كنت ذا نفر، وعليها لا شاهد في البيت، وما: زائدة. ونفر الرجل: رهطه. ويقال: إن الضبع إذا وقعت في الغنم عاثت ولم تكتفِ بما يكتفي به الذئب؛ ومن إفسادها وإسرافها استعارت العرب اسمها للسنة المجدبة، فقالوا: أكلتنا الضبع، وقال ابن الأعرابي: ليس يريدون بالضبع السنة، وإنما هو أن الناس إذا أجدبوا ضعفوا عن الانتصار وسقطت قواهم، فعاثت فيهم الضباع والذئاب فأكلتهم. يقول: إن قومي ليسوا بضعاف تعيث فيهم الضباع والذئاب. والسلم: الصلح. والجرع: جمع جرعة وهي ملء الفم؛ يخبره أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد، فإذا جاءت الحرب قطعته من لذاته وشغلته بنفسه. وهذا تحريض على الصلح وتثبيط عن الحرب. وأراد بأنفاسها: أوائلها.)
تقديره: أن كنت، فحذف الفعل وزاد «ما» عوضًا عن الفعل، كما كانت الألف في اليماني عوضًا عن إحدى ياءي النسب. والذي يدل على أنها عوض عن الفعل أنه لا يجوز ذكر الفعل معها؛ لئلا يجمع بين العوض والمعوض. وحجة البصريين على أنه يرتفع بالابتداء دون «لولا» أن الحرف لا يعمل إلا إذا كان مختصًّا، و«لولا» غير مختصة بالاسم، فقد قال الشاعر:
لَا دَرَّ دَرُّكِ إِنِّي قَدْ رَمَيْتُهُمُ
لَوْلَا حُدِدْتُ وَلَا عُذْرَى لِمَحْدُودِ
(من أبيات للجموح — أحد بني ظفر من سليم بن منصور — وقبله:
قَالَتْ أُمَامَةُ لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا:
هَلَّا رَمَيْتَ بِبَعْضِ الْأَسْهُمِ السُّودِ؟
وبعده:
إِذْ هُمْ كَرِجْلِ الدَّبَى لَا دَرَّ دَرُّهُمُ
يَغْزُونَ كُلَّ طُوَالِ الْمَشْيِ مَمْدُودِ
فَمَا تَرَكْتُ أَبَا بِشْرٍ وَصَاحِبَهُ
حَتَّى أَحَاطَ صَرِيحُ الْمَوْتِ بِالْجِيدِ
وكان من خبر الجموح هذا أنه بيَّت بني لحيان وبني سهم بواد يقال [له]: ذات البشام. وكان الجموح قد جمع جمعًا من بني سليم وفيهم رجل يقودهم معه يكنى بأبي بشر، فتحالف الجموح وأبو بشر على الموت، وكان في كنانة الجموح نبل معلمة بسواد حلف ليرمين بها كلها قبل رجعته في عدوه، فقتل أبو بشر، وهزم أصحابه وأصابتهم بنو لحيان تلك الليلة وأعجز الجموح، فقالت امرأته — واسمها أمامة — وهي تلومه: هلا رميت تلك النبل التي كنت آليت لترمين بها؟ وحُددت — بالبناء للمفعول — أي: حرمت ومنعت. والعذرى: اسم بمعنى المعذرة. يقول: قد رميت واجتهدت في قتالهم ولكني حرمت النصر عليهم ولا يقبل عذر المحروم. والرجل: القطعة من الجراد. والدبى: أصغر الجراد. والطوال: الطويل.)
(١٣٢) الحور: شدة بياض العين في شدة سوادها. والشنب: صفاء الأسنان ورقة مائها. وسئل ذو الرمة عن الشنب، فأخذ حبة رمان فقال: هذا هو الشنب؛ أشار إلى صفائها ورقة مائها. وذهب الواحدي في إعراب خمر: إلى أنها مبتدأ، ومسك: فاعل يخامرها، والجملة: صفة لخمر، وتخامره: ضمير الفاعل فيه للخمر، وضمير المفعول: للشنب. والجملة خبر خمر، وجملة خمر وما يليها — إلى آخر البيت — صفة لشنب. يقول: بلائي أو شقائي من كل أحور في أنيابه شنب تخالطه خمر يخالطها مسك. وقال بعض الشراح: قوله: من كل: «من» متعلقة بمحذوف، حال من جآذره.
(١٣٣) نعج: جمع أنعج، والنعج: البياض. والمحاجر: جمع المحجر؛ وهو ما دار بالعين، جعلها بيضًا لبياض ألوانهن. والدعج: السواد. والنواظر: الأحداق. والغفائر: جمع الغفارة؛ وهي خرقة تكون على الرأس تقي بها المرأة الخمار من الدهن، وقد تكون اسمًا للخمار. جعلها خمرًا؛ لكثرة استعمال الطيب من نحو زعفران ومسك. وإن جعلنا الغفائر الخمر فإنما جعلها خمرًا؛ لأنهن شواب، كما قال:
حُمْرُ الْحُلي وَالْمَطَايَا وَالْجَلَابِيبِ
والغدائر: الضفائر من الشعر.
(١٣٤) يريد بسقم عينيه: الفتور، وهو مما توصف به الحسان، كما قال ابن المعتز:
ضَعِيفَةٌ أَجْفَانُهُ
وَالْقَلْبُ مِنْهُ حَجَرُ
كَأَنَّمَا أَلْحَاظُهُ
مِنْ فِعْلِهِ تَعْتَذِرُ
وهو كثير. والمآزر: جمع المئزر، وهو الإزار. وما تحويه المآزر: الكفل. يقول: أمرضني كمرض جفونه، وأثقلني بالهوى كثقل أردافه. وهذا كقول منصور بن الفرج:
حَلَّ فِي جِسْمِيَ مَا كَا
نَ بِعَيْنَيْكِ مُقِيمَا
ومثله للبحتري:
وَكَأَنَّ فِي جِسْمِيَ الَّذِي
فِي نَاظِرَيْكِ مِنَ السَّقَمْ
وقال السري الرفاء:
وَنَوَاظِرٍ وَجَدَ الْمُحِبُّ فُتُورَهَا
لَمَّا اسْتَقَلَّ الْحَيُّ، فِي أَعْضَائِهِ
ويعجبني قول العكبري: وذكر الكفل في الشعر وغيره ليس بجيد، وإن كان قد ذكره قوم من العرب.
(١٣٥) المضافرة: المعاونة. يقول إن فؤاده يعين الحبيب على قتله حيث لا يسلو مع ما يروى من كثرة الجفاء، وهذا كما يقال: قلب العاشق عون عليه مع حبيبه. ويقول العباس بن الأحنف:
كَيْفَ احْتِرَاسِي مِنْ عَدُوِّي إِذَا
كَانَ عَدُوِّي بَيْنَ أَضْلَاعِي
(١٣٦) هذا تخلص. يقول: لما عادت دولة الممدوح — وكان قد عزل ثم ولي ثانيًا — ذهب حبك من قلبي ونمت الليل بعد أن كنت أسهره. قال العكبري: وهذا نقص؛ لأن المحب الصادق لا ينفك عن المحبوب ولا يسلوه أحسن إليه أم أساء، لقد أحسن البحتري بقوله:
أُحِبُّ عَلَى أَيِّمَا حَالَةٍ
إِسَاءَةَ لَيْلَى وَإِحْسَانَهَا
والمحب الصادق كلما عنت له خطرة من السلو رده الحب الصادق عما كان عزم.
ولقد أحسن البحتري أيضًا بقوله:
أَحْنُو عَلَيْكَ وَفِي فُؤَادِي لَوْعَةٌ
وَأَصُدُّ عَنْكَ وَوَجْهُ وُدِّي مُقْبِلُ
وَإِذَا طَلَبْتُ وِصَالَ غَيْرِكَ رَدَّنِي
وَلَهٌ إِلَيْكَ وَشَافِعٌ لَكَ أَوَّلُ
(١٣٧) يقول: من بعد ما كنت أقاسي من الحزن ما يسهرني، فيطول عليَّ الليل حتى كأنه متصل بيوم الحشر. وهذه مبالغة في وصف الليل بالطول.
(١٣٨) هذا من قول أشجع السلمي:
فَمَا وَجْهُ يَحْيَى وَحْدَهُ غَابَ عَنْهُمُ
وَلَكِنَّ يَحْيَى غَابَ بِالْخَيْرِ أَجْمَعَا
ويقول الآخر:
بَكَتِ الْمَنَابِرُ يَوْمَ مَاتَ وَإِنَّمَا
أَبْكَى الْمَنَابِرَ فَقْدُ فَارِسِهِنَّهْ
(١٣٩) الضمير في أربعه ومقابره: للبلد. والوحشة: الاكتئاب يجده الإنسان عند اعتزاله الناس. والربع: المنزل. والأسى: الحزن. يقول: لما غاب الأمير عن البلد حزن لغَيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم ومنازلهم، وكذلك الموتى حزنوا حتى أخبرت المقابر عن حزنهم.
(١٤٠) المراد بالقباب — جمع قبة — تلك التي تتخذ للزينة والنثار. وعُقدت: ضُربت. وأهلَّ لله: أي رفع أهل البادية وأهل الحضر أصواتهم بالدعاء سرورًا بعودته.
(١٤١) يقول: إن عودة دولته جددت فرحًا لا يغلبه الغم ولا يجاوره الشوق في قلب؛ أي لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون فيه موضع للعشق.
(١٤٢) حمص: بلد الممدوح. وقوله: لا خلت أبدًا. جملة دعائية معترضة جميلة. يقول: إذا خلت منك حمص فلا نزل بها المطر — أي لا أنبتت — ولا سقاها باكر الوسمي. والوسمي: أول مطر الخريف؛ سمي كذلك لأنه يسم الأرض بالنبات فيصير فيها أثرًا في أول السنة. والوَلْي: ثانيه. وباكره: أوله، ومنه باكورة الثمار.
(١٤٣) باهره: غالبه، والضمير فيه: للشعاع. يقول: دخلت حمص وقت إشراق الشمس وشعاعها — ضياؤها — يتوقد، ولكن نور وجهك قد غلب نور الشمس.
(١٤٤) الفيلق: العسكر، وجعله من حديد لكثرة ما عليه من الدروع وخلافها. يقول: لو حاربت بعسكرك هذا الزمان ما دارت على الناس دوائره، وهي حركاته وصروفه التي تدور على الناس وتأتي حالًا بعد حال.
(١٤٥) المراد بالطائر: الفأل، والعرب يتفاءلون في الخير والشر بالطيور، فيسمون الفأل: الطائر، والميمون: المبارك. يقول: العيون شاخصة إلى الملك لا تنظر إلى غيره.
(١٤٦) حرن: أي الأبصار، وأراد بالبشر: الممدوح، وبالقمر: وجهه، وجعله أسدًا في درعه لشجاعته، وتدمى أظافره: أي تتلطخ لكثرة ما يفترس من الأعداء.
(١٤٧) الخلائق: جمع خليقة، وهي الخلق. والشوس: جمع الأشوس، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه نظر المتكبر. والحقيقة: ما يحق على الرجل حفظه من الجار والحليف والولد، يقال: فلان حامي الحقيقة. يقول: إن أخلاقه حلوة معسولة وحقائقه محمية ممنوعة لا يقدر أن ينال منها أحد، فهي ممتنعة امتناع المتكبر، وهو كثير المآثر حتى لا تكاد تحصى.
(١٤٨) هذا من قول أبي تمام:
وَرُحْبَ صَدْرٍ لَوَ انَّ الْأَرْضَ وَاسِعَةٌ
كَوُسْعِهِ لَمْ يَضِقْ عَنْ أَهْلِهِ بَلَدُ
(١٤٩) تغلغل في الشيء: دخل فيه وأمعن يكون في الجواهر والأعراض. يقول: إن أدنى مجده يستغرق الفكر والخواطر لمن أراد أن يصفه.
(١٥٠) حمي الشيء يحمى: اشتد حره. والعشائر: الأهل الأقارب. يقول: إذا حارب أعداءه واشتد غضبه غضبت سيوفه عليهم معه، حتى لكأنها أقاربه الأدنون الذين يغضبون لغضبه، وهذا من قول أبي تمام:
كَأَنَّهَا وَهْيَ فِي الْأَوْدَاجِ وَالِغَةٌ
وَفِي الْكُلَى تَجِدُ الْغَيْظَ الَّذِي تَجِدُ
ويقول البحتري:
وَمُصْلَتَاتٍ كَأَنَّ حِقْدًا
بِهَا عَلَى الْهَامِ وَالرِّقَابِ
(١٥١) يقول: إذا استل سيوفه من أغمادها ليحارب بها لم تترك جسدًا إلا قطعته إربًا حتى تبدو بواطنه للعين كما تبدو ظواهره.
(١٥٢) أي: لكثرة ما رأت ذلك واعتادته. يعني أنها لو كانت ممن يعلم لعلمت. وهذا ينظر إلى قول النابغة الذيباني:
جَوَانِحُ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيلَهُ
إِذَا مَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ أَوَّلُ غَالِبِ
(يصف النابغة عصائب الطير التي تتبع الجيش.)
(١٥٣) الهام: جمع هامة وهي أعلى الرأس ومستقر الدماغ، وهامة القوم: سيدهم على المثل، وقد يراد هنا. وعوف وثعلبة: قبيلتان. والمغافر: جمع مغفر، وهو ما يغفر الرأس؛ أي يغطيه من الحديد. والضمير في مغافرة: للهام. وعلى رءوس: خبر مقدم. ومغافره مبتدأ مؤخر. والجملة: حال، أو مفعول ثان لتركن. يقول: إن سيوفه فرقت بين رءوس هؤلاء القوم — وكان قد أوقع بهم — وبين أبدانهم حتى صارت مغافر هامهم على رءوس بلا أبدان. قال ابن جني: وذلك لأنه لما قتلهم جاءوا برءوسهم وعليها المغافر.
(١٥٤) زخر البحر: طمى موجه وعلا. قال ابن جني: أي ركب معهم أمرًا عظيمًا عليهم صغيرًا عليه، فيكون بحر الموت مثلًا للأمر العظيم، وقرب غوره له مثلًا لصغره في نظره. وقال الواحدي: بحر الموت: الحرب والمعركة؛ لكثرة ما فيها من الدماء، يقول: خاض ذلك البحر خلق هؤلاء إلا أنه لم يغرق ولم يبلغ ماؤه فوق كعبيه.
(١٥٥) يقول: حتى بلغ فرسه نهاية جريه ولم تقع حوافره على أديم الأرض لكثرة القتلى، وإنما وطئ أجسادهم. ويروى بدل جثث: جيف.
(١٥٦) الأسنة: الرماح، والمهجة: دم القلب. وأصل الولوغ: شرب السباع الماء بألسنتها. والبواتر: السيوف القواطع.
(١٥٧) يقول: وكم من حائن — هالك — لعبت رماحك به؛ أي نالت منه وقتلته، فهجرته الحياة وفارقته، وزاره النسر ليأكل لحمه.
(١٥٨) أخاطره: أراهنه. يقال: خاطر فلان فلانًا على كذا: أي راهنه عليه، ويكون عادة في السباق وفي رمي النبل، وإنما قال هذا لثقته بكونه فردًا.
(١٥٩) ألوذ: أعوذ وألجأ. ومثله لابن الرومي:
وَلَا الْعَائِذُ اللَّاجِي إِلَيْهِ بِخَائِفٍ
وَلَا الرَّائِدُ الرَّاجِي نَدَاهُ بِخَائِبِ
(١٦٠) الجبر: إصلاح الكسر، والهيض: الكسر بعد الجبر، يقال: هضت العظم فهو مهيض، وانهاض: إذا انكسر بعد الجبر. يقول: إنهم لا يقدرون على خلافك في حال من الأحوال. هذا، ويروى بعد هذا البيت بيت قال الواحدي: إنه منحول وهو:
ارْحَمْ شَبَابَ فَتًى أَوْدَتْ بِجِدَّتِهِ
يَدُ الْبِلَى وَذَوَى فِي السِّجْنِ نَاضِرُهُ
(أودى به: أهلكه. والجدة: مصدر الجديد. وذوى: ذبل.)
(١٦١) يقول: لست أدري: أريق ما ذقته من فمك، أم هو ماء سحاب، أم خمر، وهو بارد في فمي، حار في كبدي؛ لأنه يحرك الحب ويذكي جمر الهوى؟
(١٦٢) ذا بمعنى هذا، والهمزة: للاستفهام. وعني بالغصن: قوامها، وبالدعص — وهو كثيب الرمل — ردفها، ثم قال: أم أنت فتنة تفتنين الناس بحبك حتى يظنوا قدك غصنًا وردفك كثيبًا؟ كما قال أبو نواس:
قَمَرٌ لَوْلَا مَلَاحَتُهُ
خَلَتِ الدُّنْيَا مِنَ الْفِتَنِ
وذيا: تصغير ذا، والتصغير ههنا مغزاه أن ثغرها محبوب عنده قريب من قلبه، أو إرادة صغر أسنانها. وثغرها البرق لضوئه ونقائه.
(١٦٣) يقول: تعجب عواذلي من رؤية الشمس في الليل والفجر لم يطلع؛ لأنهن حسبن وجهها شمسًا، وخص العواذل لأنه إذا اعترفن له بهذا مع إنكارهن عليه حبها كان ذلك أدل على حسنها. ولله أبو تمام إذ يقول:
لَحِقْنَا بِأُخْرَاهُمْ وَقَدْ حَوَّمَ الْهَوَى
قُلُوبًا عَهِدْنَا طَيْرَهَا وَهْيَ وُقَّعُ
فَرُدَّتْ عَلَيْنَا الشَّمْسُ وَاللَّيْلُ رَاغِمٌ
بِشَمْسٍ لَهَمْ مِنْ جَانِبِ الْخِدْرِ تَطْلُعُ
نَضَا ضَوْءُهَا صِبْغَ الدُّجُنَّةِ وَانْطَوَى
لِبَهْجَتِهَا ثَوْبُ الظَّلَامِ الْمُجَزَّعُ
فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ
أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ؟
(١٦٤) الظُّبا: أطراف السيوف، جمع ظبة: قال بشامة بن حزن النهشلي:
إِذَا الْكُمَاةُ تَنَحَّوْا أَنْ يَنَالَهُمُ
حَدُّ الظُّبَاتِ وَصَلْنَاهَا بِأَيْدِينَا
وأصل الظبة: ظبو، بوزن جرد، فحذفت الواو وعوض منها الهاء، والجمع ظبات، وظِبون وظُبون، قال كعب بن مالك:
تَعَاوَرُ أَيْمَانُهُمْ بَيْنَهُمْ
كُئُوسَ الْمَنَايَا بِحَدِّ الظُّبِينَا
لما جعل سحر عينيها قاتلًا استعار له سيوفًا ثم جعلها حمر الظبا من دمه؛ لأنها تقتله.
(١٦٥) يقول:إنها كيفما تحركت فالحسن ساكن في حركاتها قد بلغ الغاية في ذلك، فمن رآها ولم يستهوه هذا الحسن حتى يعصف به ويأتي عليه فليس له عذر؛ لأن مثل هذا الحسن قاتل.
(١٦٦) البيد: الصحاري. والعيس: الإبل. ويروى: عنس. والعنس. الناقة الصلبة، قال الليث: تسمى عنسًا إذا تمت سنها واشتدت قوتها ووفر عظامها وأعضاؤها، وقيل: هو التي اعنونس ذنبها؛ أي وفر وكثر. قال العجاج:
كَمْ قَدْ حَسَرْنَا مِنْ عَلَاةِ عَنْسِ
وقوله: لحمها والدم الشعر. يقول: كنت أحدوها بشعري الذي مدحتكم به فتقوى على السير؛ أي إن شعري قام لها مقام اللحم والدم في تقويتها على السير. والعرب تزعم أن الإبل إذا سمعت الغناء والحداء نشطت للسير. وروى الخوارزمي: الشَّعر — بفتح الشين — يعني أنها هزلت حتى لم يبقَ منها غير الشعر أو الوبر. والأولى أجود، يوافقها البيت التالي؛ ولأنه لا شعر للإبل وإنما لها الوبر.
(١٦٧) نضح الشيء بالماء: رشه عليه، ويقال: نضح الماء العطش ينضحه: رشه فذهب به، أو كاد يذهب به، والنضيح: الحوض؛ لأنه ينضح عطش الإبل، أي يبله. يقول: بردت بذكراكم وبشعري الذي قتله فيكم حرارة قلب هذه الناقة — يعني غلة عطشها — فأسرعت واستقربت البعيد لنشاطها على هذه الذكرى وهذا المديح.
(١٦٨) يلحم الليث سيفه: أي يمكن السيف من لحم الليث، من قولهم: ألحمت الرجل إذا قتلته فهو ملحم ولحيم. أو تقول: يلحم الليث سيفه، أي: يجعل الليث طعمة له. يعني أن الممدوح شجاع بحيث يجعل الليث طعمة السيف، وهو بحر جود يغرق في موجه بحر الماء لأنه أعظم منه.
(١٦٩) التليد: المال الموروث من الآباء، يقول: سارت ناقتي إليه وقصدته وإن لم أكن واثقًا بإبقاء نواله شيئًا من ماله، يعني أن جوده لا يبقي من ماله إلا المقدار اليسير الذي لا مطمع فيه لكثرة عطائه، كما لا يبقى الهجر من العاشق إلا النفس والرمق والعظام.
(١٧٠) احتوى الشيء واحتوى عليه: أخذه وحازه. والردينية: الرماح، تنسب إلى ردينة؛ امرأة كانت تقوِّم الرماح. يقول: إن المعالي تغزو أموال الممدوح كلَّ يوم فتحوزها؛ يعني أنه يفرق أمواله فيما يورثه المجد والعلاء، فماله عرضة لرماح المعالي تستولي عليه لا الرماح الحقيقية؛ لأن أعداءه ليس في مكنتهم أن يصلوا إلى ماله بالحرب والقهر، لأنه من القوة بحيث لا يقدر أحد أن يظهر عليه ويغصبه ماله.
(١٧١) نائلها: أي السحاب. والنائل: العطاء؛ والقطر: المطر. والمراد هنا: قليل. والغمر في الأصل: معظم البحر، والمراد هنا: كثير.
(١٧٢) النزر: القليل، يقول: لو أطاعت الدنيا كفه لفرقها كلها، وكان ذلك قليلًا عند عطاياه؛ لأن جوده يقتضي أكثر من ذلك. أو تقول: لفرقها كلها فأصبح أكثر ما فيها شيئًا يسيرًا بالنسبة إلى جوده، كما قال:
يَا مَنْ إِذَا وَهَبَ الدُّنْيَا فَقَدْ بَخِلَا
(١٧٣) يقول: أراه عظم قدره قدر الدنيا حقيرًا، وليس لشيء عظيم الخطر والقدر عنده خطر وقدر؛ لأن خطره يربى على كل شيء. فقوله: أراه: فعل ماض، فاعله عظم قدره، والهاء من أراه: مفعول أول، وصغيرًا: مفعول ثالث مقدم، وقدرها: مفعول ثان وقوله: لعظيم، خبر مقدم عن قوله: قدر — في آخر البيت — وقدره: فاعل عظيم.
(١٧٤) المراد بالشعرى: الشعرى العبور؛ لإضاءتها، وقد عبدتها العرب في الجاهلية، قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ. يقول: إن وجهه أتم نورًا وإضاءة من الشعرى والبدر، فإذا أشار بوجهه إلى السماء سقطت الشعرى حياءً منه وخجلًا، وانخسف البدر لغلبة ضوء وجهه البدر. وقوله: تخر؛ أي تسقط، وهو جواب الشرط، وهو من المضاعف. قال العكبري: وفتحه قوم ورفعه آخرون، فأما إذا كان معه ضمير فالرفع عند سيبويه لا غير، نحو لم يرده، وما أشبهه. وقرأ أهل الكوفة وابن عامر، «لا يضركم» برفع الراء، وهو جواب الشرط.
(١٧٥) تر: بغير ياء، بدل من جواب الشرط — في البيت السابق — ومن رواه بالياء جعله استئنافًا للمخاطب، يقول: ترى الشعرى برؤيته القمر الأرضي، أو ترى أنت أيها الرائي برؤيته القمر الأرضي. وكذلك ترى الملك الذي له الملك بعد الله … إلخ.
(١٧٦) السهاد: السهر، ولا يستعمل إلا في السهر لشدة، والفكر فاعل يؤرقه. يقول: هو يسهر من غير علة توجب السهر، ولكنه يفكر في كل ما يزيده شرفًا إلى شرفه، فسهاده لأجل ذلك.
(١٧٧) يقول: إن مننه على الناس بإحسانه وإنعامه تستغرق الثناء وتربي عليه حتى لكأنها أقسمت بحق الممدوح أن لا يبلغ أحد تمام شكرها، والقسم به عظيم لا يجري فيه حنث، ومن ثم كانت مننه زائدة على ثناء المثنين وشكر الشاكرين. والمنن: جمع منة؛ ولذلك معنيان: أحدهما إحسان المحسن غير معتد بالإحسان، يقال: لحقت فلانًا من فلان منة: أي نعمة. والثاني: أن يعظم المحسن إحسانه ويفخر به ويبدئ فيه ويعيد حتى يفسده وينغصه، والمراد هنا الأول.
(١٧٨) بحتر: قبيلة الممدوح يقول: إنما الفخر لمن يستحق الفخر ويستأهله، وليس لمن لم ينم إلى قبيلتك فخر، فقد استأثروا بالفخر دون الناس بك.
(١٧٩) الحضر: الحاضرون في البلاد؛ جمع حاضر. والسفر: المسافرون. ولا يقال في المفرد: سافر. يقول: هم الناس في الحقيقة، إلا أن الله — سبحانه — خلقهم من طينة المكارم، لكثرة ما ركب فيهم من الكرم — ضد اللؤم — فالحاضرون يغنون بمدائحهم وبما قيل فيهم من الأشعار، وكذلك المسافرون حداؤهم بذلك؛ أي اشترك المقيم والمسافر في ذلك. فقوله: من مكارم: من فيه لبيان الجنس؛ أي إنهم مخلوقون من طينة المكارم.
(١٨٠) يقول: ليس هناك من يليق أن أشبهك به أو أقايس بينه وبينك وأوازن؛ لأنك أجل وأعلى من أهل الدهر، ومن الدهر، الذي يتصرف على مرادك والذي تحدث أنت فيه النعيم والبؤس. وعبارة الواحدي: ضرب المثل إنما يكون لشبه عين بعين أو وصف بوصف، فإذا كان هو أجل وأعلى من كل شيء لم يمكن ضرب المثل بشيء في مدحه. وهذا معنى قوله: أم من أقيسه إليك؟ ووصل القياس بإلى؛ لأن فيه معنى الضم والجمع.
(١٨١) اللبيب: العاقل. وهو مبتدأ، خبره: خبير، والجملة اعتراضية، وأن وما يتصل بها: صلة أعلم. والواو من «وإن حرصت» للحال: والجملة بعدها معترضة، وإن: وصلية محذوفة الجواب دل عليه ما قبله، وغرور: خبر أن، يجوز فيه ضم الغين على المصدر، وفتحها على الصفة. قال الواحدي: قوله: واللبيب خبير، إشارة إلى أنه هو لبيب؛ لذلك علم أن الحياة — وإن حرص عليها الإنسان — غرور يغتر بها الإنسان يظن أنه يبقى وتطول حياته، كما قال البحتري:
وَلَيْسَ الْأَمَانِي فِي الْبَقَاءِ وَإِنْ مَضَتْ
بِهِ عَادَةٌ إِلَّا أَحَادِيثُ بَاطِلِ
ومثله لابن الرومي:
وَمَنْ يَرْجُو مُسَالَمَةَ اللَّيَالِي
لَمَغْرُورٌ يُعَلَّلُ بِالْأَمَانِي
(١٨٢) ما: زائدة للتوكيد، كقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وعلله بالشيء: لهاه به وشغله ومناه. ويصير: ينتهي، وهو مضارع صار التامة. يقول: رأيت كل أحد يعلل نفسه بشيء يلهيها به عن ترقب الموت، وهو لا محالة صائر إلى الفناء.
(١٨٣) الديماس: السرب المظلم، أو حفرة مظلمة لا ينفذ إليها الضوء، ومنه ليل دامس؛ أي مظلم، ودمست الشيء: دفنته؛ وكان للحجاج سجن يسمى الديماس لظلمته. وفي حديث المسيح عليه السلام: أنه سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس. يعني في نضرته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن؛ لأنه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء. وهو بكسر الدال: يجمع على دماميس كقيراط وقراريط، وبفتح الدال: يجمع على دياميس، مثل شيطان وشياطين. وأراد بالديماس هنا: القبر. والقرار: كل موضع يستقر فيه شيء، والمراد: القبر أيضًا، وجعل الميت رهن القبر لإقامته هناك إلى يوم البعث، فكأن القبر استرهنه، ثم قال: إن قبره المظلم أشرق بنور وجهه. وقوله: رهن قرارة، نصب على الحال. وقال ابن جني: ويصح أن يكون بدلًا مما قبله، فيكون منادى مضافًا.
(١٨٤) تغور: تذهب وتختفي. يقول: ما كنت أظن قبل موتك أن النجوم تختفي في التراب حتى رأيتك وأنت أضوأ من الكواكب قد غبت في التراب. وفي هذا البيت نظر إلى قول الآخر:
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ وَالْمَنِيَّةُ كَاسْمِهَا
أَنَّ الْمَنِيَّةَ فِي الْكَوَاكِبِ تَطْمَعُ
هذا، ويقال: أحسِب وأحسَب بكسر السين، وفتحها في المضارع، ولا خلاف في كسرها في الماضي.
(١٨٥) النعش: ما يحمل عليه الميت. ورضوى: اسم جبل بالمدينة، شبه المرثي به لعظمه وفخامة شأنه. وهذا من قول ابن المعتز:
هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ فِي نَعْشِهِ
قُومُوا انْظُرُوا كَيْفَ تَسِيرُ الْجِبَالُ
ولابن الرومي:
مَنْ لَمْ يُعَايِنْ سَيْرَ نَعْشِ مُحَمَّدٍ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُسَيَّرُ الْأَجْبَالُ
(١٨٦) الصعقات: جمع صعقة، وهي الغشية. ودك: هدم وسوى بالأرض، وأصل الدك: الكسر والدق، وأرض دك، والجمع دكوك. قال تعالى: جَعَلَهُ دَكًّا، ويحتمل أن يكون مصدرًا؛ لأنه حين قال: جعله، كأنه قال: دكه، فقال: دكا وأراد جعله ذا دك، فحذف. وقد قرئ بالمد؛ أي جعله أرضًا دكاء فحذف؛ لأن الجبل مذكر، ومن هذا: دك الركية إذا دفنها وطمها، ودك الرجل — على صيغة ما لم يسم فاعله — فهو مدكوك: إذا دكته الحمى وأضعفته. والطور: الجبل؛ والمراد به: طور سيناء. وقوله: يوم دك الطور، إشارة إلى قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا.
(١٨٧) كبد السماء: وسطها. وواجفة: مضطربة. وتمور: تذهب وتجيء. يقول: إن ضوء الشمس ضعف بموته، فكأنها مريضة، واضطربت الأرض فهي تذهب وتجيء، وهذا كله تعظيم لموت المرثي. وأصل هذا المعنى قول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
الشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ
تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
(يقول: إن الشمس طالعة تبكي عليك، ولم تكسف ضوء النجوم ولا القمر؛ لأنها في طلوعها خاشعة باكية لا نور لها. وقد تقدم الكلام على هذا البيت بأوفى من ذلك.)
ويقول ابن الرومي:
عَجِبْتُ لِلْأَرْضِ لَمْ تَرْجُفْ جَوَانِبُهَا
وَلِلْجِبَالِ الرَّوَاسِي كَيْفَ لَمْ تَمِدِ!
عَجِبْتُ لِلشَّمْسِ لَمْ تَكْسِفْ لِمَهْلِكِهِ
وَهْوَ الضَّيَاءُ الَّذِي لَوْلَاهُ لَمْ تَقِدِ
(١٨٨) الحفيف: صوت أجنحة الطير إذا حركتها. والملائك: الملائكة، جمع ملك على غير قياس. وصور: جمع أصور، وهو المائل، ومنه قول الشاعر:
اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنَا
يَوْمَ الْوَدَاعِ إِلَى أَحْبَابِنَا صُورُ
واللاذقية: بلد المرثي. يقول: أحاطت بنعشه ملائكة السماء حتى سمع لأجنحتهم حفيف، وعيون أهل بلده مائلة إلى نعشه لا يصرفون عيونهم عنه شوقًا إليه وحزنًا عليه لشدة حبهم إياه؛ أو لأنهم — كما قال بعض الشراح — يسمعون حس الملائكة فيميلون إلى ذلك الحس الذي يسمعونه. قال العكبري: وقوله: اللاذقية وصور — وهما بلدان — فيه تورية.
(١٨٩) الجدث: القبر. والضريح: الشق في وسط القبر، واللحد في جانبه. وقوله حتى: غاية لخرجوا — في البيت الأسبق — تقديره: خرجوا به حتى أتوا القبر، وهذا من قول ابن الزيات:
يَقُولُ لِيَ الْخِلَّانُ: لَوْ زُرْتَ قَبْرَهَا!
فَقُلْتُ: وَهَلْ غَيْرُ الْفُؤَادِ لَهَا قَبْرُ؟
(١٩٠) بمزود: متعلق أتوا — في البيت السابق — والمغفي: النائم، وأغفى إغفاءً: فهو مغفٍ؛ والإثمد: الكحل الأسود؟ وملكه: تقرؤها بضم الميم وبكسرها — روايتان — يقول: لم يزود من ملكه إلا كفنًا يبلى، وقد جعل الكافور — الذي يذر على وجه الميت — في موضع الكحل. وعبارة الواحدي: لم يزود من ملكه إلا كفنًا يبلى، وهو مغفٍ كالنائم لإطباق جفنه، وقد كحل بكافور — لا بإثمد — والإثمد: كحل الحي، والكافور: للميت.
(١٩١) فيه: أي في الكفن، وأجمع تأكيد للناس، والحجا: العقل، والخير، الكرم، وهذا من قول عبد الصمد بن العذل.
فَضْلٌ وَحَزْمٌ وَجُودٌ ضَمَّهُ جَدَثٌ
وَمَكْرُمَاتٌ طَوَاهَا التُّرْبُ وَالْمَطَرُ
(١٩٢) يقول: إن ثناء الناس عليه وذكرهم إياه بعده كفيل برد حياته؛ لأن من بقي ذكره كأنه لم يمت، وهذا من قول منصور النمري:
رَدَّتْ صَنَائِعُهُ إِلَيْهِ حَيَاتَهُ
فَكَأَنَّهُ مِنْ نَشْرِهَا مَنْشُورُ
ويقول أبو تمام:
سَلَفُوا يَرَوْنَ الذِّكْرَ عَيْشًا ثَانِيًا
وَمَضَوْا يَعُدُّونَ الثَّنَاءَ خُلُودَا
ويقال: أنشر الله الميت ونشره. قال العكبري: ولما قال: انطوى وذكر الطي، قال: منشور: وهو أضعف اللقبين.
(١٩٣) يقول: ذكره أبدًا يحييه كما أحيا عيسى عليه السلام عازر بعد أن مات.
(١٩٤) غاضت: غارت. وخبت النار: سكن لهبها. والمكايد: جمع مكيدة، وهي ما يدبره الرجل في الحرب وغيرها من الرأي. والسعير: تسعر النار. يقول: لما مات غاض بحر جوده الذي كان يفيض على الناس بالعطاء، وانطفأت نار كيده وكانت سعيرًا على أعدائه.
(١٩٥) يقول: ليس من حقه البكاء عليه؛ لأنه لم يستقر في قبره حتى صافحته الحور في جنة الخلد، وإذا كان بهذه المنزلة من الكرامة عند الله فلا يحق له البكاء، قال الشاعر:
إِنْ يَكُنْ مُفْرَدًا بِغَيْرِ أَنِيسٍ
فَعَسَى أَنْ يَكُونَ بِالْحُورِ آنِسُ
هذا ويجوز في «قراره» الرفع على الفاعلية، والنصب على المصدر. قال ابن جني: ويختار النصب.
(١٩٦) على العظيم: أي على الأمر العظيم. وروى ابن جني: عن العظيم؛ أي عن المفقود العظيم.
(١٩٧) يقول: ليس في العالم مثلكم ولا مثله، وكلاكما عظيم.
(١٩٨) العامل في أيام: محذوف؛ تقديره لم يكن له نظير أيام … إلخ؛ أي أيام يقاتل أعداءه، ويد الموت غير ممتدة إليه، أو تقديره: أذكركم تلك الأيام التي لم ينل منه عدو فيها، ولكن إذا جاء أمر الله فلا بد من نفاده.
(١٩٩) انهملت: جرت وسالت، ويروى: انهمرت، وشفرتا السيف: حداه. يقول: طالما سالت الجماجم والنحور من أعدائه في حدي سيفه بالدماء.
(٢٠٠) أعذته بالله من كذا: عصمته به منه، وهي كلمة تقال في مقام التنزيه. وأن يحزنوا: في تأويل مصدر مجرور بمن محذوفة صلة أعيذ، قال ابن جني: الوجه أن يكون محمد الأول: النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني: المرثي. ويجوز أن يكون الأول والثاني كلاهما المرثي. يقول: لا ينبغي لهم أن يحزنوا عليه؛ لأنه مسرور بما أصاره الله إليه من الكرامة والنعيم الدائم.
(٢٠١) يقال: رغب به عن هذا الأمر: أي رفعه عنه، يقول: وأعيذهم أن يظنوا أن قصورهم كانت خيرًا له من قبر صار روضة من رياض الجنة حتى حياه فيه الملكان منكر ونكير؛ أي إن قبره خير له من تلك القصور، ومنزله في الآخرة أشرف من منازله التي كانت في الدنيا. وقال ابن جني: يعني: وأعيذهم أن يرغبوا عنه ويتركوا زيارة قبره ويلزموا قصورهم … قال العروضي ناقدًا: ما أبعد ما وقع … أراد — المتنبي — أن لا يحسبوا قصورهم أوفق له من الحفرة التي صارت من رياض الجنة حتى حياه فيها الملكان … وقال ابن فورجة: لكنه يقول: أعيذهم أن يظنوا أن قصورهم كانت لهم خيرًا له من قبر حياه فيه الملكان. والمعنى: أعيذهم أن يرفعوا قصورهم فيجعلوها في حكمهم خيرًا له من قبره، فإن قبره خير له من تلك القصور، ومنازله في الآخرة أشرف من منازله في الدنيا.
(٢٠٢) يقول: هم — أي بنو إسحاق — نفر — أي رهط وجماعة — إذا سلوا سيوفهم فغابت بذلك عن أغمادها، حضرت آجال أعدائهم؛ لأنهم يستأصلونهم في التو واللحظة، فنفر: خبر مبتدأ محذوف، وحضور: جمع حاضر.
(٢٠٣) التنوفة: الأرض البعيدة — المفازة — يقول: إذا حاربوا جيشًا من جيوش الأعداء تيقن ذلك الجيش أنهم قاتلوه لا محالة، فتأكله الطير حتى إذا جاء يوم البعث بعث من بطون الطير.
(٢٠٤) المبتور: المقطوع. والأعنة: جمع عِنان، وهو سير اللجام. يقول: لم تعطف أعنة خيل هؤلاء القوم في طلب عدو إلا وعمر ذلك العدو الذي طردته خيلهم، واتبعته قد انقطع أجله.
(٢٠٥) الشاسع: البعيد، وعن نية: أي عن قصد، أو تقول: النية بمعنى النوى؛ أي البعد. يقول: قصدت ديارهم البعيدة لحبي إياهم؛ لأن المحب يزور حبيبه وإن شطت به النوى، كما قال القائل:
زُرْ مَنْ تُحِبُّ وَإِنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ
وَحَالَ مِنْ دُونِهِ حُجْبٌ وَأَسْتَارُ
لَا يَمْنَعَنَّكَ بُعْدٌ مِنْ زِيَارَتِهِ
إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ
(٢٠٦) هذا من قول الموصلي:
إِنَّ مَا قَلَّ مِنْكَ يَكْثُرُ عِنْدِي
وَقَلِيلٌ مِمَّنْ تُحِبُّ كَثِيرُ
ومثله لجميل بثينة:
وَإِنِّي لَيُرْضِينِي قَلِيلُ نَوَالِكُمْ
وَإِنْ كُنْتُ لَا أَرْضَى لَكُمْ بِقَلِيلِ
ولتوبة:
وَأَقْنَعُ مِنْ لَيْلَى بِمَا لَا أَنَالُهُ
أَلَا كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ الْعَيْنُ صَالِحُ
ولآخر:
جُودُوا عَلَيَّ بِمَنْطِقٍ أَحْيَا بِهِ
إِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْمُحِبِّ كَثِيرُ
(٢٠٧) هذا استفهام إنكاري؛ والزفير: امتلاء الجوف من النفس لشدة الكرب والغم: يقول: ليس لهم إلا الحنين إليه والزفير على فقده.
(٢٠٨) الخابر: العالم بالشيء، مثل الخبير أو المجرب. يقول: لا يشك من خبرهم، وعرف أمرهم أن السلوان ممنوع محرم عليهم لشدة حزنهم على فقده: أي لا يصبرون عنه، وهذا من قول البحتري:
حَالَتْ بِكَ الْأَشْيَاءُ عَنْ حَالَاتِهَا
فَالْحُزْنُ حِلٌّ وَالْعَزَاءُ حَرَامُ
(٢٠٩) يقول: إنهم يبكون عليه دمًا ويسهرون لفقده حتى يطول عليهم الليل فكأنه دهر، وهذا معنًى تداوله الشعراء كثيرًا، وأصله بيت الحماسة:
يَطُولُ الْيَوْمُ لَا أَلْقَاكَ فِيهِ
وَعَامٌ نَلْتَقِي فِيهِ قَصِيرُ
(٢١٠) يقول: كل من أذنب إليهم ذنبًا فإنهم يغفرون له ذلك الذنب إلا ذنب من يسعى بينهم بالنميمة والإفساد.
(٢١١) يقول: إن الوشاة نموا بينهم قصد أن يكدروا صفاء ما بينهم من ود، مثلهم في ذلك مثل الذباب الذي يطير على الطعام، كأنه يريد إفساده. وقال ابن جني: معنى طاروا: ذهبوا وهلكوا لما لم يجدوا بينهم مدخلًا … قال العروضي ناقدًا: يظلم نفسه ويغر غيره من فسر شعر المتنبي بهذا النظر، ألا تراه يقول: وكذا الذباب على الطعام يطير؛ أذهاب هذا أم اجتماع عليه؟ وقال: طار الوشاة على، ولو أراد ما قال ابن جني لقال: طار عنه؛ وأراد أن الوشاة نموا بينهم وتمالئوا بالنميمة … وقال ابن فورجة: كيف يعني بقوله: طار الوشاة: ذهبوا وهلكوا وقد شبه طيرانهم على صفاء الود بطيران الذباب على الطعام؟ يريد أن الوشاة تعرضوا لما بينهم وجهدوا أن يفسدوا ودادهم، كما أن الذباب يطير على الطعام. والمعنى: أن اجتماع الوشاة وسعيهم فيما بينهم بالنمائم دليل على ما بينهم من المودة، كالذباب لا يجتمع إلا على طعام، وكذا الوشاة إنما يتعرضون للأحبة المتوادين. ومثله:
وَجَلَّ قَدْرِي فَاسْتَحْلَوْا مُسَاجَلَتِي
إِنَّ الذُّبَابَ عَلَى الْمَاذِيِّ وَقَّاعُ
(الماذي: العسل الأبيض.)
(٢١٢) أبو الحسين: أحد إخوة المرثي. يقول: بذلت له من الود ما لو بذلت مثله لعدوه لكان ذلك مني إسرافًا وتبذيرًا؛ لأن من عاداه لا يستحق مني مثل ذلك الود، فإذا بذلته له كنت متلافًا واضعًا للشيء في غير موضعه.
(٢١٣) المقدور: القدر. وفصل قضائه: حكمه الفاصل بين الحق والباطل. يقول: كأن القدر يجري بمراده واختياره. وصدر البيت من قول أبي تمام:
فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَكَ لَمْ تَزِدْهَا
عَلَى مَا فِيكَ مِنْ كَرَمِ الطِّبَاعِ
وعجزه من قول ابن الرومي:
لَسْتَ تَحْتَجُّ بِالزَّمَانِ وَلَا الْمَقْـ
ـدُورِ وَأَنْتَ الزَّمَانُ وَالْمَقْدُورُ
(٢١٤) في قوله: مَرَتك — كما قال الواحدي — نوعان من الضرورة: أحدهما أنه كان يجب أن يقول: أمرأتك؛ لأنه إنما يقال: مرأك إذا كان مع هنأك فإذا أفرد قالوا: أمرأني الطعام. والآخر أنه حذف همزة مرأتك. وقوله: مسكر السكر يريد أن السكر يستعذب شمائله ويستحسنها، فيسكر السكر حسنها، ويجوز — كما قال الواحدي — أن يكون المراد أنه يغلب السكر، والسكر لا يغلبه، وعادته أن يغلب كل شيء، فكأنه قد غلبه.
(٢١٥) الحميا: من أسماء الخمر؛ شبه الخمر بالشمس، والزجاجة بالبدر، وكفه بالبحر. وفي هذا البيت نظر إلى قول أبي نواس:
فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّ شَارِبَهَا
قَمَرٌ يُقَبِّلُ عَارِضَ الشَّمْسِ
(٢١٦) زعموا أن الخضر عليه السلام لا يذكر في موضع إلا حضر، والخضر عند الصوفية حي يرزق، ولكن رجال الحديث ينكرون ذلك. يقول: لا نذكر جوده إلا كان حاضرًا كالخضر، يعني أن جوده يدركنا حيثما كنا.
(٢١٧) نظر في ضوء الجبين إلى قول قيس بن الخطيم:
قَضَى لَهَا اللهُ حِينَ يَخْلُقُهَا الْـ
ـخَالِقُ أَنْ لَا يُكِنَّهَا سَدَفُ
(السدف: الظلمة؛ والمراد أنها مضيئة لا تسترها ظلمة.)
ونظر في الجود إلى قول أبي تمام:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ النَّائِي بِرُؤْيَتِهِ
وَجُودُهُ لِمُرَاعِي جُودِهِ كَثَبُ
ويقول أبو نواس:
تَرَى ضَوْءَهَا مِنْ ظَاهِرِ الْكَأْسِ سَاطِعًا
عَلَيْكَ وَلَوْ غَطَّيْتَهَا بِغِطَاءِ
(٢١٨) يقول: إذا احتجبت كنت غير محجوب، وإذا اختفيت فأنت ظاهر، يعني بجودك وهيبتك. وهذا من قول أبي تمام:
فَنَعِمْتِ مِنْ شَمْسٍ إِذَا حُجِبَتْ بَدَتْ
مِنْ خِدْرِهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُحْجَبِ!
(٢١٩) يقول: الشراب الذي نلت منه باحتسائه نال مني بالأخذ من عقلي وحيويتي، ثم تعجب مما تفعله الخمر، ولله أبو تمام إذ يقول:
وَكَأْسٍ كَمَعْسُولِ الْأَمَانِي شَرِبْتُهَا
وَلَكِنَّهَا أَجْلَتْ وَقَدْ شَرِبَتْ عَقْلِي
إِذَا الْيَدُ نَالَتْهَا بِوِتْرٍ تَوَقَّرَتْ
عَلَى ضِغْنِهَا ثُمَّ اسْتَقَادَتْ مِنَ الرِّجْلِ
ويقول أيضًا:
أَفِيكُمْ فَتًى حَيِيُّ فَيُخْبِرَنِي عَنِّي
بِمَا شَرِبَتْ مَشْرُوبَةُ الرَّاحِ مِنْ ذِهْنِي
(٢٢٠) يقول: إن شعر هذه الجارية طويل قد جلل نصف بدنها، فكأنه نصفها وقد حكمت في أهل المجلس فأطاعوها فيما تأمرهم به؛ لأنها كانت تدور، فإذا وقفت حذاء واحد منهم شرب، فأمرها فيهم نافذ مطاع. فشطرها: أي نصفها، وقوله: نافذ أمرها، يجوز في «نافذ»: الجر، على أنه نعت سببي، و«أمرها» فاعل، والرفع: على أنه خبر مقدم عن أمرها، والجملة: نعت.
(٢٢١) يقول: إن هذه الطاقة من الريحان وضعت في كفها دون اختيار منها، بل كرهًا؛ لأنها لا تعقل.
(٢٢٢) يقول: فإذا أسكرتنا بوقوفها حذاءنا لنشرب، فجهلها ما فعلت عذر لها؛ لأنها لا تعلم ما تفعل.
(٢٢٣) يقول: إن العرب جمعيًا قد لبسوا فخرًا به، ويروى: كسبت.
(٢٢٤) في الشرب: أي بينهم، والشرب: جمع شارب، وجن: اسم كان، ووالدها خبر. وقد جعل اسم كان نكرة ضرورة. ومثله لحسان بن ثابت:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ
يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
(السبيئة: الخمر، وبيت رأس: موضع بالشام، وخبر كأن — في البيت التالي — وهو:
عَلَى أَنْيَابِهَا أَوْ طَعْمُ غَضٍّ
مِنَ التُّفَّاحِ هَصَّرَهُ اجْتِنَاءُ)
وللقطامي:
قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعَا
وَلَا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الْوَدَاعَا
(مطلع قصيدة للقطامي يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وضباع مرخم ضباعة وهي بنت زفر. وبعد البيت:
قِفِي فَادِي أَسِيرَكِ إِنَّ قَوْمِي
وَقَوْمَكِ لَا أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا
وقد كان القطامي أسيرًا عند والدها. وقوله: ولا يك موقف … إلخ: يحتمل وجهين أحدهما أن يكون على الطلب والرغبة كأنه قال: لا تجعلي هذا الموقف آخر وداعي منك والآخر أن يكون على الدعاء، كأنه قال: لا جعل الله موقفك هذا آخر الوداع.)
(٢٢٥) ما تأتي وما تذر: أي ما تفعله وما تتركه.
(٢٢٦) تنفي الظن: أي ما أتهم به من أنه لا يقدر على ارتجال الشعر، وفي تعبيره ﺑ «زعمت» ما يُشعر بأنه يريد أني أبعد من أن يظن بي مثل ذلك، فليس يعوزك أن تتجشم نفي هذا الظن عني.
(٢٢٧) يقول: إذا امتحنت تضاعف فضلي وارتفعت منزلتي، ومثلي في ذلك مثل الذهب الإبريز الخالص إذا اختبر بالسبك، فإن ما كان منه يظن بادئ ذي بدء أنه يساوي دينارًا قد تزيد قيمته دينارًا آخر. والمعروف: صفة للذهب، ومخبره: مبتدأ، خبره: بعده. والمخبر: الخبرة.
(٢٢٨) إذا رجونا جودك ذهب عنا الفقر؛ لأنه في أيدينا، فبه يطرد الفقر. وإن عوديت فني عمر من يعاديك؛ لأنه عرض نفسه للتلف.
(٢٢٩) يقول: إن الكئوس تفخر بشربك فيها، والخمر تعيب من يعافها — يكرهها — إذ تشرفت بشربك إياها.
(٢٣٠) يقول: إنك تشرب وتسلم من غوائل الخمر، بينما هي تسكر كل من شربها، فكأنها لهيبتها إياك وخوفها سطوتك، لا تقدر أن تنال منك وتسكرك.
(٢٣١) المهجة: الروح. والقالي: من قلاه؛ أبغضه. خشية: مفعول لأجله، عامله فارق. شبه فراقه الممدوح بفراق الإنسان روحه. يقول: قد يعرض للمرء ما يوجب فراق روحه من غير بغض للروح، كذلك أنا أفارقك كارهًا لذلك مضطرًّا.
(٢٣٢) منيت: بليت. والندى: الجود. والأنصار: جمع نصير، بمعنى ناصر. يقول: إنني مبتلى بحساد أعاديهم فانصرني عليهم بجودك حتى أفتخر عليهم بذلك فيموتوا كمدًا.
(٢٣٣) يقولون: عذيري من فلان، إذا أرادوا الشكاية منه؛ أي من يعذرني منه، أي: إذا أوقعت به وأسأت إليه فإنه يستحق ذلك. والعذارى: الأبكار لم يفرعهن بعل، والمراد هنا: الأمور العظام والخطوب التي لم يسبق إليها ولا عهد بمثلها. و«من» الأولى: صلة عذيري، والثانية: بيانية، وهي مع مجرورها في موضع النعت لعذارى. والجوانح: الضلوع. يقول: إن هذه الأمور قد اتخذت ضلوعي وقلبي مسكنًا كما تسكن العذارى الخدور.
(٢٣٤) الهيجاوات: جمع الهيجاء؛ وهي الحرب. ومبتسمات: عطف على عذارى، وإضافة مبتسمات إلى هيجاوات بيانية، وعن الأسياف صلة مبتسمات، وليس هنا حرف بمنزلة لا. يقول: ومن عذيره من حروب تبتسم هبواتها عن بريق السيوف لا عن الثغور؛ جمع ثغر مقدم الأسنان.
(٢٣٥) أصل التشمير: رفع الذيل؛ يراد به الإشاحة والجد والإسراع. وقدمي: مفعول ركبت، وإليها: متعلق بركبت، والضمير للهيجاوات. والعذافر: القوي من الإبل، والناقة: عذافرة. والضفور: جمع ضفر، وهو النسع — الحبل — تشد به الرحال. والضفير: الحبل، ومنه الحديث: «إذا زنت الأمة فبعها ولو بضفير»؛ أي بحبل مفتول من شعر، فعيل بمعنى مفعول. يقول: قصدت الهيجاوات — الحروب — راجلًا وراكبًا؛ أي مارستها في كل حال. وكنى بقلق الضفور عن شدة السير والهزال.
(٢٣٦) الآونة: جمع أوان، كزمان وأزمنة. والرحل: ما يستصحبه الرجل من الأثاث. والقتد: خشب الرحل، وقيل: القتد من أدوات الرحل، وقيل: جميع أداته، والجمع أقتاد وقتود وأقتد. قال الراجز:
كَأَنَّنِي ضَمَّنْتُ هِقْلًا عَوْهَقًا
أَقْتَادَ رَحْلِي أَوْ كدرَّا مُحْنَقَا
الهقل الظليم. والعوهق من النعام: الطويل. والكدر: الغليظ. المحنق: الضامر القليل اللحم. يصف طول ارتحاله وقلة مقامه، ومن ثم قال في النزول: أوانًا، وفي الارتحال: آونة.
(٢٣٧) حر الوجه. ما بدا منه. والهجير. شدة الحر وقت الهاجرة، وهي نصف النهار. والرماح الصم أي: الصلاب. وصدر البيت من قول القائل:
نُعَرِّضُ لِلطِّعَانِ إِذَا الْتَقَيْنَا
وُجُوهًا لَا تُعَرَّضُ لِلسِّبَابِ
وعجزه من قول الآخر:
أَقُولُ لِبَعْضِهِمْ: إِنْ شَدَّ رَحْلِي
لِهَاجِرَةٍ نَصَبْتُ لَهَا جَبِينِي
(٢٣٨) السرى والإسراء: السير ليلًا. ومنه: في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف بعده. يقول: كأني في الظلام أسير في القمر الوضاء لمعرفتي بالطرق والمفاوز واهتدائي فيها.
(٢٣٩) فقل في حاجة: أي قل ما شئت، فإن مجال القول ذو سعة. وعلى بمعنى مع، والظرف في موضع الحال من فاعل «أقضِ». وشغفي بها: حبيها. وشروى الشيء: مثله. والنقير: نكتة في ظهر النواة. يضرب مثلًا للشيء الحقير. يذكر كثرة تعبه وقلة نيله يقول: كم من حاجة حاولت الحصول عليها ثم لم أنل منها شيئًا على شدة شغفي بها وحبيها!
(٢٤٠) يقول: وقل ما شئت في نفس — يعني نفسه — لا تؤاتيني على أمر خسيس ولا تقنع به. وعين لا تفتح ولا تدار على نظير لي.
(٢٤١) ينازعني: حال من فاعل أتاني: وسوى: مفعول تنازع. والخير: الكرم. يقول: وقل ما شئت في كف — يعني كفه — سخية لا تمسك شيئًا وتترك كل شيء لمن ينازعني إلا شرفي وكرمي فإني لا أسخو بهما.
(٢٤٢) أي: وقل ما شئت في قلة من ينصرني على ما أطلبه، ثم خاطب الدهر فقال: رماك الله يا دهر بدهر شر منك يجني عليك كما جنيت علي وأنت شر الدهور. و«شر» أصله: أشر، تركوا همزته لكثرة الاستعمال.
(٢٤٣) عدوى: خبر مقدم، وكل: مبتدأ مؤخر. وخلت: ظننت، واللام: للتوكيد أدخلها على الماضي على إضمار قد. والأكم: التلال، جمع أكمة. وموغرة الصدور: متوقدة من الغيظ. يقول: إن كل شيء في الدهر يعاديه حتى ظن التلال التي لا تعقل تعاديه، يريد بذلك المبالغة. وقال ابن جني: قوله: حتى لخلت … إلخ، يحتمل أمرين؛ أحدهما: يريد أن الأكم تنبو به ولا تطمئن إليه، فكأن ذلك لعداوة بينهما. والآخر — وهو الوجه — أنه يريد شدة ما يقاسي فيها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها. قال ابن فورجه: أما المعنى الأول فيقال: لم يرد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئسما يختار دارًا ومقامًا. وأما المعنى الثاني فيقول: كيف خص الأكم بشدة الحر والمكان الضاحي للشمس أولى بأن يكون أحر، وللأكمة ظل، وهو أبرد من المكان الذي لا ظل له؟ فهذا أيضًا خطأ، والذي عنى أبو الطيب أن كل شيء يعاديه حتى خشي أن الأكم التي لا تعقل تعاديه، ويريد بذلك المبالغة، وإن لم يكن ثم عداوة.
(٢٤٤) النفيس: نقيض الخسيس. والجد العثور أو العاثر: الحظ التعس الذي يتعثر صاحبه ويعاني العناء في سعيه. يقول: لو حسدني الناس على شيء نفيس يُرغب فيه لجدت به على المحروم والمحروب منهم، ولكنهم إنما يحسدونني على حياتي مع أنها ليست بالشيء الذي يحسد عليه ويرغب فيه؛ لأنها خلو من السرور، وإلا لجدت بها عليهم أيضًا كي أستريح منهم ومن شرورهم. وقال بعض الشراح: يعني حسدوني على سروري وأنسي وأرادوا أن أكون محزونًا أبدًا، وإذا طلبوا ذلك فكأنهم طلبوا موتى؛ فإن حياة الحزين موت. وكنى بالحياة عن السرور؛ لأن الحياة إذا عدم منها السرور لم تكن حياة. هذا، وقوله: لذي الجد العثور، يروى: لذا الجد العثور؛ أي لهذا الجد العثور، يعني لجدت به لهم لما أنا فيه من الحظ المنحوس.
(٢٤٥) هذا ابن كروس كان أعور، وكان يعاديه، ومن ثم سماه نصف أعمى ونصف بصير؛ لأنه باعتبار العين الذاهبة نصف أعمى، وباعتبار الباقية نصف بصير، يعني: إن فخرت ببصرك فأنت ذو بصر واحد.
(٢٤٦) يقول: إنما تعادينا لما بيننا من المضادة؛ لأنك ألكن — ثقيل اللسان — وأنا فصيح، وأنت أعور وأنا بصير.
(٢٤٧) يقول: لخستك لا مجال للشعر فيك، فإن الهجاء يرتفع عن قدرك، والفتر يضيق مقداره عن المسير فيه، كذلك أنت ليس لك عرض يهجى. ومثل هذا قول القائل:
بِمَا أَهْجُوكَ لَا أَدْرِي
لِسَانِي فِيكَ لَا يَجْرِي
إِذَا فَكَّرْتُ فِي عِرْضِـ
ـكَ أَشْفَقْتُ عَلَى شِعْرِي
(٢٤٨) يقول: إن وقتي عنده يفي بالدهر كله ويعادل، كما أن الممدوح يفي بأهل الدهر ويزيد عليهم. وقوله: عند واحد، يروى: عند سيد.
(٢٤٩) في ذراه: في كنفه. يقول: إنه لعظمة شأنه يعادل بالناس كلهم، فالناس به ضعفا ما هم عليه، ودهره عظيم القدر به، فصار به الدهر دهورًا.
(٢٥٠) النشر: الرائحة الطيبة. والكباء: العود الذي يتبخر به، ونشر: مبتدأ، خبره محذوف للعلم به، كأنه يقول: أتجتمع هذه الأشياء لأحد كما اجتمعت لي؟ قال بعض الشراح: يعني: لا تجتمع هذه الأشياء لأحد ولا يشرب إلا كان معدوم الحس. وقال بعض الشراح: إن الواو — في قوله: وصافي الخمور — للمصاحبة، سد العطف بها مسد الجر، كما في قولهم: كل رجل وضيعته.
(٢٥١) يقول: إني قد سكرت من سروري حين اجتمعت لي هذه الأشياء فداوِ خمارى — والخمار: صداع الخمر — بشرب الخمر؛ أي إنما أريد شرب الخمر، لأنفي الخمار، لا للسكر، فإني سكران من السرور. وعبارة بعض الشراح: قوله: بشربي، صلة خماري، والمعنى: لا تزدني من الخمر، ولكن التمس لي دواء من سكري بها، فإني قد سكرت من سروري بهذه الأشياء، فلا أحتمل سكرًا آخر.
(٢٥٢) روي هذان البيتان برفع القافية ونصبها، فالرفع على الاستئناف، والنصب عطف على يرى، وإذن: يروى البيت الثاني: من بعد أن يبصرها. يقول: لا يلام من رأى الشمس وقال: هذه شمس، لا، إنما اللوم على من رآها وقال: هذه ظلمة وضرب ذلك مثلًا. يقول: إن أباه شمس فلا يستطيع الاختفاء؛ لأن الشمس لا تخفى. ومثله للعكوك:
سَمَا فَوْقَ الرِّجَالِ فَلَيْسَ يَخْفَى
وَهَلْ فِي مَطْلَعِ الشَّمْسِ الْتِبَاسُ؟
(٢٥٣) من خصال: بيان لقوله: لما أرى. يقول: لا أحتاج إلى حفظ مدائحه بقلبي لحضور معانيها أمام عيني؛ وهي ما أراه من خصال الأمير، فإني كلما نظرت إليها هيأت لي ما أنظمه فيها من غرائب المنثور فأنطق به. أو تقول: أنا أشاهد بعيني ما أمدح به الأمير من خصال إذا نظرت إليها نظمت غرائب المنثور، فعيني تنظم فضائله؛ لأنها تدركها وتشاهدها، لا قلبي. وهذا المعنى ينظر إلى قول ابن الرومي:
وَحَاكَةِ شِعْرٍ حَسَّنُوا الْقَوْلَ مِنْهُمُ
وَمِنْكَ وَمِنْ أَفْعَالِكَ امْتَازَ حُسْنُهُ
ومثله لابن المعتز:
إِذَا مَا مَدَحْنَاهُ اسْتَعَنَّا بِفِعْلِهِ
لِنَأْخُذَ مَعْنَى مَدْحِهِ مِنْ فِعَالِهِ
(٢٥٤) مدحيك، أي: مدحي إياك. وقوله: وقليل لك المديح الكثير، من قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
إِذَا اسْتَكْثَرَ الْحُسَّادُ مَا قِيلَ فِيكُمُ
فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَكْثِرُونَ قَلِيلُ
(٢٥٥) المقتضب هنا: مصدر بمعنى الاقتضاب، وهو في الأصل: الاقتطاع، والمراد: ما أتى به بديهًا. هذا، ولم يبين المتنبي ذلك العذر الذي اعتذر به في ترك الشعر، كأنه كان عذرًا واضحًا قد عرفه الممدوح فأهمل ذكره.
(٢٥٦) يقول: إنما يمدحك ما فيك من الأخلاق الحميدة التي أراها فأتعلم المدح منها، والجود الذي يستغرق كلامي في وصفه حتى كأنه يغير عليه وينهبه. وهذا المعنى ينظر إلى قول ابن الرومي:
وَلَا مَدْحَ مَا لَمْ يَمْدَحِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ
بِأَفْعَالِ صِدْقٍ لَمْ تَشِنْهَا الْخَسَائِسُ
(٢٥٧) سقاه الله وأسقاه: أمطر بلاده، لغتان نطق بهما القرآن الكريم، قال تعالى: وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا. وقال سبحانه: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا. يقول: سقى الله أحبائي غيث كفيك حتى يخصبوا بجودك، وسقاك غيثه حتى تتاح لهم السقيا بسقياك.
(٢٥٨) بسيطة: موضع بقرب الكوفة. والقطار: جمع قطرة؛ أي قطر المطر. وحيارى: جمع حيران.
(٢٥٩) عليك — في الشطرين — حال من المنصوب قبله. والصوار: القطيع من البقر. والمنار: منارة الجامع؛ المئذنة.
(٢٦٠) الأكوار: الرحال. وقصد: اقتصد. وجار: مال. يقول: أمسك أصحابي برحالهم؛ لأنهم لم يملكوا أنفسهم من الضحك وقد ذهب الضحك فيهم كل مذهب، فمنهم من اقتصد ومنهم من أفرط فيه.
(٢٦١) وحيدًا: حال من فاعل أطاعن. وقوله: ما قولي، استفهام، وكذا مفعول قولي يقول: أنا أقاتل فرسانًا الدهر أحدهم؛ أي أني أقاتل الدهر وأحداثه وحيدًا لا ناصر لي، ثم رجع عن هذا وقال: لِمَ أقول: إني وحيد والصبر معي؟ يريد مقاساته شدائد الدهر ونوبه وصبره على ذلك، وهذا ينظر إلى قول ابن الرومي:
فَإِنِّيَ مِنْ زَمَانِي فِي حُرُوبِ
(٢٦٢) يقول: إن سلامتي وبقاءها معي في هذه المطاعنة أشجع مني، وهذا مجاز؛ يريد أني أسلم من هذه الأحداث فلا تصيبني بسوء، ثم قال: وما بقيت سلامتي إلا لأمر عظيم، سيظهر على يدي.
(٢٦٣) تمرس بالشيء: احتك به. والآفات: جمع آفة، وهي في الأصل العاهة، والمراد هنا: ما يصيب من يتصدى للأخطار والمهالك من قتل وجراحة ونحوهما، والذعر: الخوف. يقول: تمرست بالآفات في الأسفار والحروب حتى تعجبت من سلامتي، وتجلدي لها، وقالت: هل مات الموت إذ لم يصب هذا المتمرس بي، أو خافت المخاوف فلا تخيفه؟ يريد: إن الآفات لو كانت ممن ينطق لقالت هذا القول لكثرة ما تراني أمارسها من غير خوف يلحقني ولا هلاك يصيبني.
(٢٦٤) الأتي: السيل الذي لا يرده شيء. والوتر: الذحل والثأر. يقول: أقدمت على الشدائد والأهوال إقدام السيل الذي لا يرده شيء، حتى كأن لي سوى نفسي نفسًا أخرى إن ذهبت نفسي كانت لي بدلًا، أو كأن لي ثأرًا عند نفسي فأنا أريد إهلاكها.
(٢٦٥) ذر: بمعنى دع، وتروى: دع. والوسع: الطاقة. ومفترق: مبتدأ، سد المرفوع بعده مسد الخبر، جرى فيه على مذهب من لا يلتزم اعتماد الوصف. جعل الجسم والروح جارين والعمر دارهما، وصحبتهما تكون مدة العمر، فإذا فني العمر افترقا. يقول: دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تصبو إليه نفسك من لذة أو مال أو سلطان، فإنها غير باقية مع الجسد. قال العكبري: وهذا من أحسن الكلام، وهو من الحكمة. قال الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه.
(٢٦٦) الزق: وعاء الخمر. والقينة هنا: المغنية. والفتكة: المرة من الفتك وهو البطش. والبكر من كل شيء: الذي لم يسبقه نظر. يقول: لا تظنن المجد والشرف أن تلهو بشرب الخمر وسماع القيان، لا فليس المجد إلا ضرب السيف والبطش بالأعداء بطشًا لم يسمع بمثله.
(٢٦٧) وتضريب: عطف على السيف. والهبوات: جمع هبوة، وهي الغبرة العظيمة. والمجر: الجيش الكثير. وأن ترى لك الهبوات السود: أي أن تثير الغبار بحوافر الخيل لدى الطعان والنزال.
(٢٦٨) الدوي: الصوت العظيم يسمع من الريح وحفيف الأشجار. وتداول — بحذف إحدى التاءين — أي: تتداول، ولك أن تقرأها على أنها فعل ماضٍ. والأنمل: رءوس الأصابع. يقول: وأن تترك في الدنيا جلبة وصياحًا عظيمًا؛ جلبة المساعي الجسام وصياح الأفاعيل العظام، كأن المرء سد مسامعه بأنامله على وجه التداول، إذا أنأى واحدة أدنى أخرى؛ وذلك أن الإنسان إذا سد أذنه سمع ضجيجًا وجلبة. وعبارة الواحدي: يريد أنه لا يسمع إلا الضجة حتى كأنه سد مسامعه عن غيرها. ونقل بعضهم هذا المعنى، وجعل ذلك خرير دموعه فقال:
فَاحْشُ صِمَاخَيْكَ بِسَبَّابَتَيْ
كَفَّيْكَ تَسْمَعْ لِدُمُوعِي خَرِيرَا
قال العكبري: وهكذا من يتعرض لمعاني المتنبي يجيء شعره أبرد من الزمهرير!
(٢٦٩) يقول: إذا لم يرفعك فضلك عن أخذ هبة الناقص وشكره عليها، فالفضل حينئذٍ له، لا لك؛ لأنه قد استوجب شكرك، فصار له علك فضل المشكور على الشاكر. يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا تحتاج إلى أن تشكره. وهذا المعنى يتضمن على أن يحترم الأديب نفسه وأن يربأ بأدبه عن أن يسف به. قال العكبري: وهذا من كلام الحكمة، قال الحكيم: من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل، يرفع قدر الجاهل عليه، وفيه نظر إلى قول أبي تمام:
عَيَّاشُ إِنَّكَ لَلَّئِيمُ وَإِنَّنِي
إِذْ صِرْتَ مَوْضِعَ مَطْلَبِي لَلَئِيمُ
وقد ذهب ابن جني في تفسير البيت مذهبًا أثار عليه نقد سائر الشراح قال: إذا اضطرتك الحال إلى أن تشكر أصاغر الناس على ما تتبلغ به، فالفضل فيك ولك لا للمدوح المشكور … قال العروضي — مشنعًا: يقول أبو الطيب: فالفضل فيمن له الشكر، ويقول أبو الفتح: فالفضل فيك ولك! فتغير اللفظ وفسد المعنى؛ والذي أراد المتنبي أن الفضل والأدب إذا لم يرفعاك عن شكر الناقص على هبة فتمدحه طمعًا وتشكره على هبته، فالناقص هو الفاضل لا أنت، يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا تحتاج إلى أن تشكره … وقال ابن فورجة: الذي أراد أبو الطيب أنه إذا كان الفضل لا يرفعك عن شكر ناقص على إحسان منه إليك، فإن الفضل لمن شكرته لا لك؛ لأنك محتاج إليه، يعني أن الغنى خير من الأدب، يريد إذا كان الأديب محتاجًا إلى الغنى، فالمعنى أنه يحرض على ترك الانبساط إلى اللئيم الناقص حتى لا يشكر فيكون له الفضل. وقال الواحدي: الذي أدخل الشبهة على أبي الفتح أنه تأول في قوله: فالفضل فيمن له يريد الشاكر، فالشاكر له الشكر من حيث إنه يشكرك، فذهب إلى هذا فأفسد المعنى. وإنما أراد أبو الطيب بقوله: من له الشكر: المشكور على إحسانه.
(٢٧٠) يقول: من يجمع المال خوف الفقر كان ذلك هو الفقر؛ لأنه إذا جمع حرم، والحرمان فقر. وعبارة الخطيب: إذا أفنيت دهرك في جمع المال ولم تنفقه فقد مضى عمرك في الفقر. فمتى يكون غناك؟ فقد تعجلت الفقر. قال العكبري: وهذا البيت من أحسن الكلام وبديعه، وهو من كلام الحكمة. قال الحكيم: من أفنى مدته في جمع المال خوف الفقر والعدم فقد أسلم نفسه للعدم، ويقول قائلهم:
أَمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تَعَجَّلْتَهُ
وَأَخَّرْتَ إِنْفَاقَ مَا تَجْمَعُ
فَصِرْتَ الْفَقِيرَ وَأَنْتَ الْغَنِيُّ
فَمَا كَانَ يَنْفَعُ مَا تَصْنَعُ
وقال آخر:
يُخَوِّفُنِي بِالْفَقْرِ قَوْمِي وَمَا دَرَوْا
بِأَنَّ الَّذِي فِيهِ أَفَاضُوا هُوَ الْعُسْرُ
فَقُلْتُ لَهُمْ لَمَّا لَحَوْنِي وَأَكْثَرُوا:
أَلَا إِنَّ خَوْفَ الْفَقْرِ عِنْدِي هُوَ الْفَقْرُ
وقال لقمان الحكيم: من دافع الفقر بالذل قبل الفقر فقد تعجل الفقر.
(٢٧١) الجور: الظلم. والطمرة: الفرس الوثابة نشاطًا ومراحًا. والحيزوم: الصدر. والغمر: الحقد. يقول: يحق على أن أسوق إلى أهل الظلم عسكرًا لجبًا فيه كل فرس نشيط يحمل فارسًا قد امتلأ صدره حقدًا عليهم وغيظًا وحنقًا، فلا تأخذه بهم رأفة. وعبارة جميع الشراح: أنا كفيل بخيل فرسانها هؤلاء.
(٢٧٢) يدير: أي الغلام. يقول: يدير عليهم كئوس الموت حين لا تشتهى الخمر ولا تراد لهول ما هم فيه من القتال، وإنما الخمر تشتهى عند وقت الفرح والأريحية والفراغ.
(٢٧٣) جبت: قطعت. يقول: كم من جبال تشهد لي بالأناة والوقار، وبحار تشهد لي بسعة الصدر والسخاء! ولعله ينظر إلى قول القائل:
فَتًى لَا يَرَاهُ الْبَحْرُ إِلَّا أَظَلَّهُ
خَوَاطِرُ فِكْرٍ أَنَّهُ زَاخِرُ الْبَحْرِ
(٢٧٤) وخرق: عطف على جبال، والخرق: المفازة الواسعة. ومكان العيس مبتدأ، ومكاننا: خبره. وواسط الكور: بدل من مكاننا. والعيس: الإبل، وواسط الكور مقدم الرحل والضمير في منه وفيه: للخرق. وقال ابن القطاع: مكان العيس: مبتدأ، ومكاننا: ابتداء ثان، وواسط الكور: خبر الابتداء الثاني، والجملة خبر الأول. يقول: لسعة هذا الخرق وطول مسافته وترامي أطرافه كانت إبلنا كأنها لا تنتقل عن ظهره ولا تزال متوسطة له، كما أننا كنا على ظهور إبلنا لا ننتقل عنها، ولا نزال متوسطي ظهورها. وهذا المعنى من قول ذي الرمة:
وَمَهْمَهٍ فِيهِ السَّرَابُ يَلْمَحُ
يَدْأَبُ فِيهِ الْقَوْمُ حَتَّى يَطْلَحُوا
ثُمَّ يَظَلُّونَ كَأَنْ لَمْ يَبْرَحُوا
كَأَنَّمَا أَمْسَوْا بِحَيْثُ أَصْبَحُوا
وقال ابن جني: الإبل كأنها واقفة لا تذهب ولا تجيء لسعة هذا الخرق، فكأنها ليست تبرح منه، فكما نحن في ظهور العيس لا نبرح منها في أوساط أكوارها، كذلك هي، كأن لها من أرض هذا الخرق كورًا وظهرًا فقد أقامت به لا تبرحه … قال الواحدي ناقدًا: وقد غلط ابن جني فيما ذكر، إنما يصف مفازة قد توسطها، فهو على ظهر البعير في جوزه — وسطه — فكأنه من ظهر الناقة مكانها من الخرق، والمعنى: أنا في وسط ظهور الإبل، والإبل في وسط ظهر الخرق! ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها، ثم ذكر سيرها في البيت الثاني فقال: يخدن بنا … إلخ، فكيف يتجه قول ابن جني مع قوله: يخدن بنا؟ وهذا يحتمل معنيين؛ أحدهما: إنا وإن كنا نسير فكأننا لا نسير لطول المفازة، وإنه ليس لها طرف كالكرة لا يكون لها طرف ينتهي إليه، والثاني: إنه يصف شدة سيرهم، والكرة توصف بشدة الحركة كقول بشار:
كَأَنَّ فُؤَادِي كُرَةٌ تَنَزَّى
حِذَارَ الْبَيْنِ لَوْ نَفَعَ الْحِذَارُ
(٢٧٥) يخدن: يسرن سيرًا سريعًا. وجوزه: وسطه. وسفر: أي مسافرة. يقول: إن إبلنا كانت تسير مسرعة في هذا الخرق ولا تبلغ آخره، فكأننا نسير على كرة — والكرة ليس لها طرف تنتهي إليه — أو كأن أرض هذا الخرق تسير معنا فلا نقطعها ولا نفوتها، وهذا كما يقول السري الرفاء:
وَخَرْقٍ طَالَ فِيهِ السَّيْرُ حَتَّى
حَسِبْنَاهُ يَسِيرُ مَعَ الرِّكَابِ
وإذا أسرع الإنسان في السير رأى الأرض كأنها تسير معه من الجانبين، لهذا قال: أو أرضه معنا سفر، يعني نحن نسير بسرعة ولا نبلغ مدى هذا الخرق، فكأنه يسير معنا، كما قال أبو النجم:
فَكَأَنَّ أَرْضَ اللهِ سَائِرَةٌ
مَعَنَا إِذَا سَارَتْ كَتَائِبُهُ
(٢٧٦) ويوم: عطف على ما تقدم، والضمير في أفقه: لليل، وليس لليل أفق، وإنما أراد أفق السماء في ذلك الليل؛ أي ناحيتها. يصف إدآبهم السير ووصلهم فيه اليوم بالليل. وقوله: كأنما على أفقه … إلخ: مثله قول ابن ميادة:
وَأُلْبِسَ عُرْضُ الْأُفْقِ ثَوْبًا كَأَنَّهُ
عَلَى الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ ثَوْبٌ مُعَصْفَرُ
ومثله ليحيى بن الفضل:
حَتَّى إِذَا مَا الْفَجْرُ لَاحَ كَأَنَّهُ
ثَوْبٌ عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ مُعَصْفَرُ
(٢٧٧) متنه: ظهره؛ والدجن: الظلمة. وأراد به الغيم، والدجن: إلباس الغيم السماء. يقول: كأن على متن ذلك اليوم من ظلمة السحاب حللًا سوداء، والسواد يسميه العرب خضرة، قال ذو الرمة:
فِي ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ
أو يريد أنه سافر في أيام الربيع والأرض خضراء.
(٢٧٨) قوله: تحته: حال من ضمير المتكلمين. يقول: ورب مطر ظنناه ونحن تحته أن عامرًا — وهو جد الممدوح — في السحاب ارتفع إليه ولم يمت، فهذا المطر من جوده، أو أن قبره في السحاب فأعداه بجوده. وقبر: معطوف على خبر أن، تقديره: علا لم يمت أو أن له قبرًا في السحاب.
(٢٧٩) ابن: عطف على عامرًا، والباقي: نعت ابن، وسكنه ضرورة. وصفرت اليد فهي صفر، ولا يقال: صفرة. يقول: لو لم أعبر هذا الغيث ويدي خالية لقلت: إن ابن ابنه — يعني الممدوح — كان في السحاب، وهو الذي يجود بذلك الغيث، ولكن لما عبرت ويدي خالية علمت أنه جَود — بفتح الجيم: أي مطر — لا جُود؛ لأن عادته أن يملأ يدي بالهبات.
والبيتان من قول أبي تمام:
وَرَاحَةِ مُزْنَةٍ هَطْلَاءَ تَهْمَى
مَوَاهِرُهَا وَهُنَّ عَلَيَّ سكبُ
فَقُلْت: يَدُ السَّمَاءِ أَمِ ابْنُ وَهْبٍ
تَجَلَّى لِلنَّدَى أَمْ عَاشَ وَهْبُ؟
(٢٨٠) الجَود بفتح الجيم: المطر. يقول: إن السحاب الذي يشبه مطره بسخائه يحق له أن يفتخر على جمع السحب.
(٢٨١) يقول: إن ما توافر في قلبه من الهمم لا يجمعه قلب غيره، ولو ضمها قلب أحد لكان عظيمًا مثلها، ولو كان كذلك لما وسعه الصدر لعظم القلب. قال الواحدي: وهذا مما أجري فيه المجاز مجرى الحقيقة؛ لأن عظم الهمة ليس من كثرة الأجزاء حتى يكون محلها واسعًا لسعتها، ألا ترى أن قلب الممدوح قد وسعها وصدره قد وسع قلبه، وليس بأعظم من صدره غيره؟ وقد قال ابن الرومي:
كَضَمِيرِ الْفُؤَادِ يَلْتَهِمُ الدُّنْـ
ـيَا وَتَحْوِيهِ دَفَّتَا حَيْزُومِ
فبين أن الفؤاد يستغرق الدنيا بالعلم والفهم ثم يحويه جانبا الصدر.
(٢٨٢) المراد بالإمكان: اليسر والغنى؛ والقنا: الرماح. يقول: لولا سخاؤه لما انتفع الناس بغناه؛ لأنه قد يكون الغنى مع الشح فلا ينفع؛ لأن المال لا ينفع إلا مع السخاء الذي يصرفه في المنافع؛ والمعنى أن الوجود لا ينفع بلا جود، كالرماح لا تعمل ولا تنفع بدون الأيدي الطاعنة بها. كما يقول البحتري:
إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ حَامِلٌ
فَلَا قَطْعَ، إِنَّ الْكَفَّ لَا السَّيْفَ تَقْطَعُ
ويقول أيضًا:
فَلَا تُغْلِيَنَّ السَّيْفَ كُلَّ غَلَائِهِ
لِيَمْضِي، فَإِنَّ الْكَفَّ لَا السَّيْفَ تَقْطَعُ
(٢٨٣) الصلت جد الممدوح لأمه، وعامر جده لأبيه. وقوله: قران: لك أن تجعله مرفوعًا بفعل مضمر تقديره: أنجب به قران هذه حاله، مثلًا. والقران في الأصل: اسم لمقارنة الكوكبين. جعل جديه من الطرفين في المصاهرة ونسب الممدوح كقران الكواكب تعظيمًا له، ثم شبه اجتماعهما باجتماع السيف الهندي مع النصر، فإذا اجتمعا حسن أثرهما وعلا أمرهما وبلغا غاية العز والمجد، ثم ذكر تمام المعنى فيما يلي.
(٢٨٤) فجاءا به: أي الجدان المذكوران، ويروى: فجاء؛ أي القران. وصلت الجبين: وضحه أو الواسع المستوى الجميل، وهو حال. يقول: ترى الناس حوله وهم كثيرون في العدد، قليلون بالقياس إليه. والقل: القلة، والكثر: الكثرة، والتقدير: ذوي قل؛ أي في المعنى، وهم ذوو كثرة في العدد، وفيه نظر إلى قول أبي تمام:
إِنَّ الْكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلَادِ وَإِنْ
قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قُلٌّ وَإِنْ كَثُرُوا
(٢٨٥) مفدًى: حال أخرى، كما أن معظمًا — في البيت السابق — حال أولى؛ أي يقول له الرجال: فديناك بآبائنا. والسميذع: السيد الكريم. والمد: زيادة الماء. والجزر: نقصانه، وجعله كرمًا — وهو مصدر — مبالغة لكثرة وجوده منه؛ أي هو ذو الكرم ذي المد، يقول: هو كرم زائد لا نقصان له.
(٢٨٦) خبر ما زلت: يسايرني، والركب: جماعة الراكبين. يقول: ما زلت يسايرني في كل ركب ذكره حتى قادني الشوق إليه؛ أي إنني قبل أن أصل إليه كنت أسمع ذكره، وما صاحبت أحدًا إلا وهو يذكره بمدح وثناء، وهذا ينظر إلى قول أبي تمام:
لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ ثَنَائِي سَائِرًا
وَنَدَاكَ فِي أُفُقِ الْبِلَادِ يُسَايِرُهْ
(٢٨٧) الخبر: الخبرة والاختبار. يقول: كنت أستعظم ما أسمعه من الناس من أخباره وذكره الشائع قبل أن ألقاه، فلما لقيته وخبرته صغر الاختبارُ الخبرَ؛ أي وجدته خيرًا مما كنت أسمع. وهذا من قوله صلوات الله وسلامه عليه لزيد الخيل وقد وفد عليه: «ما وصف لي أحد إلا رأيته دون الوصف سواك، فإنك فوق ما وصفت لي.»
ويقول القائل:
كَانَتْ مُحَادَثَةُ الرُّكْبَانِ تُخْبِرُنِي
عَنْ أَحْمَدِ بْنِ عَلِيٍّ طَيِّبَ الْخَبَرِ
ثُمَّ الْتَقَيْنَا فَلَا وَاللهِ مَا سَمِعَتْ
أُذْنِي بِأَحْسَنَ مِمَّا قَدْ رَأَى بَصَرِي
(٢٨٨) الصفصف: الفلاة المستوية. والوآة: الناقة القوية. جعل سير الناقة في الفلاة طعنًا، وجعل ما يقطعه من الأرض نحرًا؛ أي كل ما مرت به كأنه صدر طعناه بها، يقول: أينما قصدت من الأرض قطعته وجازته لا تبالي بسهل ولا وعر: بمنزلة الطعنة إذا أصابت نحرًا فإنها تنفذ فيه نفاذًا ذا أثر بالغ. قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: كل ما لقيته هذه الناقة من مشاق الطريق نحر لها؛ أي يفعل بها فعل النحر، فكأنها تنحر في كل ساعة.
(٢٨٩) النبر: دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعتها. يقول: إذا لسع النبر هذه الناقة فورمت من أثر اللسع مرحت — نشطت واحتدت — في سيرها حتى لكأنه صر في جلدها نوالًا — عطاء — شبه موضع اللسعة المتورم بصرة فيها دنانير ودراهم، فكأنها مرحت لذلك. وقالوا: إن النبر إذا لسع الجمل ورم مكان اللسعة حتى يصير مثل الرمانة الصغيرة؛ فلذلك حسن تشبيهه بالصرة في جلدها. يقول: إن الشدائد لا تفل حد مراحها؛ أي إنها لا تبالي في طريقها إلى الممدوح بشيء ينالها.
(٢٩٠) يقول: جئناك وأنت دونهما في البعد؛ أي أقرب إلينا مطلبًا منهما، وهما — الشمس والبدر — دونك في جميع أحوالك، فأنت أعم نفعًا وأشهر ذكرًا وأعلى منزلة وقدرًا، أي إنك — على بعدك — فإن الوصول إليك والإفادة منك أقرب وأيسر. وقوله: دون الشمس: حال من المخاطب. والنوى: البعد. قال الخطيب: ولم يعبر عبارة جيدة.
(٢٩١) العشر: أبعد أظماء الإبل؛ وهو أن ترد يومًا وتدعه ثمانية أيام وترد اليوم العاشر أعطش ما تكون. يقول: لو كنت برد الماء لما غادرت غلة إلا أطفأتها حتى تستغني الإبل عن معاودة الشرب. وقال الواحدي: لو كنت الماء لوسعت بطبع الجود كل حيوان في كل مكان وفي ذلك ارتفاع الأظماء. وقال ابن جني: أي كانت تجاوز المدة في ورودها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
(٢٩٢) يقول: دعاني إلى أن أنتجعك وأصمد إليك ما آثرك الله به من العلم والحلم والحجا — العقل — وما أعددته لك من منظومي في مدحك، وما عهدناه فيك من النائل — العطاء — الذي تنثره نثرًا على قاصديك. وقيل: يعني بالكلام النظم، كلام الممدوح ونظمه.
(٢٩٣) يروى: قلتُ بضم التاء؛ فيكون ذلك تأييدًا لما ذهبنا إليه من تأويل البيت السابق. ويروى بفتح التاء؛ فيكون المعنى ما ذهب إليه الواحدي، قال: يقال: إن هذا الممدوح حسن الشعر مليحه. وقوله: بيوته؛ أي أبيات الشعر. وقوله: يبيض من نورها؛ أي من نور معانيها، أو من نور ما تضمنته من محاسنك. وهذا المعنى ينظر إلى قول ابن الرومي:
وَلِمَدْحِيكَ قُلْتُهَا كَلِمَاتٍ
هُذِّبَتْ فِيكَ أَيَّمَا تَهْذِيبِ
سودت فيك كل بيضاء تسويدًا
تراه العيون كالتهذيب
(٢٩٤) الخلائق: الأخلاق. والزهر: جمع أزهر؛ وهو المضيء المشرق. شبه معاني شعره في فصاحة ألفاظه بنجوم الثريا في اتساقها وجمالها، وبأخلاق الممدوح الزاهرة المشرقة في إشراقها وسطوعها وشهرتها.
(٢٩٥) يقتضيني: يطالبني. يقول: تنكبت السلاطين وتنحيت عن قصديهم؛ لأني أجتويهم وأمقتهم، ولأنه بودي أن أعطف بهم وأقتلهم حتى أقدم لحومهم للنسور التي تترقب أكلها، فهي تطالبني بجماجمهم، وهو المتنبي يقول ذلك وأكثر من ذلك لطموحه، وبعد مرتقى همته، وإن كان كثيرون يعدون مثل ذلك من حماقته.
(٢٩٦) الضر هنا: الفقر وسوء الحال. يقول: إن معاناة الفقر والحاجة أهون عندي وأحب إلي من أن أرى أو ألقى صغيرًا — حقيرًا — متكبرًا. ويروى بدل مرأى: لقيا، قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: أعظم ما على النفوس إعظام ذوي الدناءة.
(٢٩٧) تقول: رجل ود — بتثليث الواو — بمعنى ودود، والجمع: أود. وقوله: والشطر: الأوجه أنه عطف على لساني. يقول: إن لساني وعيني وفؤادي وهمتي تود لسانك وعينك وفؤادك وهمتك، وكذلك شطري؛ أي إن كل شطر مني يود شطرًا منك، يعني أن كلي يود كلك، فقوله: أود اللواتي ذا اسمها منك، أي ودودة اللواتي تسمى منك بهذه الأسماء: أي اللسان … إلخ. قال الواحدي: والغرض من هذا البيت: التعمية فقط، وإلا فما الفائدة من هذا البيت مع ما فيه من الاضطرابات؟! أقول: ومن ثم تخبط فيه الشراح أيما تخبط.
(٢٩٨) يقول: إني لم أستقل وحدي بهذا الشعر ولكن ظاهرني عليه شعري؛ لأنه تهالك على مدحك ونزع إليه ورغب فيه كما رغبت. والمعنى: إن شعري كان يطاوعني ويؤاتيني في مدحك حتى لكأنه كان ينظم معي، ولله قول أبي تمام في هذا المعنى:
تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذْ أَرِقْتُ لَهُ
حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ
(٢٩٩) ما: نافية، وذا: اسم إشارة. ورونق: السيف والوجه وما إليهما ماؤه ونضرته. والبشر: طلاقة الوجه وتهلله. يقول: ليس الذي يرى في شعري من الحسن رونقه هو: أي رونق فصاحته وبلاغته، ولكن شعري تهلل وجهه ابتهاجًا بلقائك واستبشر ضاحكًا ناضرًا حين رآك، فهذا الرونق إنما هو مستفاد منك.
(٣٠٠) الذي يوجب القدر: أي الذي يستدعيه قدرك ويستحقه؛ ورواه قوم: نلتُ، بضم التاء؛ أي وإن نلتُ أنا وأنا من بعض خدمك، وليس بشيء.
(٣٠١) يقول: لما سمحت الأيام بلقائيك أزالت عتبي عليها؛ لأني رأيت من إحسانك ما أنساني سيئات أهلها، فكأن الأيام أتت بك عذرًا عن ذنوب بنيها. والمصراع الأول من قول أبي تمام:
نَوَالُكَ رَدَّ حُسَّادِي فُلْولَا
وَأَصْلَح بَيْنَ أَيَّامِي وَبَيْنِي
والثاني من قوله أيضًا:
كَثُرَتْ خَطَايَا الدَّهْرِ فِيَّ وَقَدْ يُرَى
بِنَدَاكَ وَهْوَ إِلَيَّ مِنْهَا تَائِبُ
ويقول أبو نواس:
يَرْمِي إِلَيْكَ بِهَا بَنُو أَمَلٍ
عَتَبُو فَأَعْتَبَهُمْ بِكَ الدَّهْرُ
ويقول ابن الرومي:
أَنْتُمْ أُنَاسٌ بِأَيَادِيكُمُ
يَسْتَغْفِرُ الدَّهْرُ إِذَا أَذْنَبَا
إِذَا جَنَى الدَّهْرُ عَلَى أَهْلِهِ
وَزَادَ فِي عِدَّتِكُمْ أَعْتَبَا
(٣٠٢) ذكر الخطيب التبريزي — في شرحه أن المتنبي لما قصد مصر ومدح كافورًا مدح الوزير أبا الفضل جعفر بن الفرات وزير كافور بقصيدته الرائية التي أولها:
بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصْبِرَا
وجعلها موسومة باسمه، فكانت إحدى قوافيها جعفرًا، وكان قد قال فيها:
صُغْتُ السِّوَارَ لِأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْ
بِابْنِ الْفُرَاتِ وَأَيِّ عَبْدٍ كَبَّرَا
فلما لم يرضه صرفها عنه ولم ينشده إياها، فلما توجه إلى عضد الدولة قصد أرجان، وبها أبو الفضل بن العميد وزير ركن الدولة والد عضد الدولة، والكاتب الأديب الكبير المعروف، فحول القصيدة إليه، وحذف منها لفظ جعفرًا، وجعل ابن العميد مكان ابن الفرات.
(٣٠٣) يقول — مخاطبًا نفسه: سواء أصبرت أم لم تصبر هواك ظاهر للناس بادٍ، وأي محب يستطيع أن يكتم حبه؟ وهناك آياته من التحول والاصفرار، وما إليهما، وبكاؤك كذلك غير خافٍ على الناس أجرى دمعك أم لم يجرِ؟ لأن ما يبدو في صوت المحب من نغمة الحزن والزفير والشهيق والتهيؤ للبكاء شواهد على الدموع. وقال بعض الشراح: وبكاك: عطف على الضمير في قوله صبرت، تقديره: صبرت وصبر بكاؤك فلم يجرِ دمعك أو لم تصبر فجرى. هذا، وقد قيل للمتنبي: خالفت في هذا البيت بين سبك المصراعين، فوضعت في المصراع الأول إيجابًا بعده نفي، وفي الثاني نفيًا بعده إيجاب، فقال: لئن كنت خالفت بينهما من حيث اللفظ فقد وفقت بينهما من حيث المعنى؛ وذلك أن من صبر لم يجرِ دمعه، ومن لم يصبر جرى دمعه، يعني أنه أراد: صبرت فلم يجرِ دمعك أو لم تصبر فيجري … وقوله: لم تصبرا: أراد تصبرنْ — بنون التوكيد الخفيفة — فأبدلها ألفًا. قال العكبري: ومثله كثير في الكلام، كقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ الخطاب لمالك وحده، وإنما المعنى ألقين، ومثله قول الحجاج: يا حرسي اضربا عنقه، والخطاب لواحد. والمعنى: اضربن عنقه، ومثله لسويد بن كراع العقيلي:
فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْ
وَإِنْ تَتْرُكَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعَا
والخطاب لواحد. فهذا شاهد على ألقيا واضربا، ومثله:
فَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا
فقد جاء في الكتاب العزيز: النون الخفيفة بالألف خطًّا في قوله تعالى: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا ومثله: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، وقول الراجز:
يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا
شَيْخًا عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا
(هذا البيت من قصيدة مرجزة أوردها أبو محمد الأعرابي في ضالة الأديب — كما ذكره البغدادي في «الخزانة» — وأولها:
عَبْسِيَّةٌ لَمْ تَرْعَ قُفًّا أَدْرَمَا
وَلمْ تُعَجِّمْ عُرْفُطًا مُعَجَّمَا
كَأَنَّ صَوْتَ شَخْبِهَا إذَا هَمَى
بَيْنَ أَكُفِّ الحَالِبِينَ كَلَّما
شَدَّ عَلَيْهِنَّ البَنَانَ الْمُحكْمَا
سَحِيفُ أفْعَى في خَشيٍّ أعْشَمَا
وَقَدْ حَلَبْنَ حَيْثُ كَانَتْ قُيَّمَا
مَثْنَى الْوِطَابِ وَالْوِطَابَ الزُّممَا
وَقِمَعًا يُكْسَى ثُمَالًا قَشْعَمَا
يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا
شَيْخًا عَلَى كُرْسِيِّهِ مَعَمَّمَا
لَوْ أَنَّهُ أَبانَ أَوْ تَكلَّمَا
لَكَانَ إيَّاهُ وَلَكنْ أَعْجَمَا
… [إلى آخر الأبيات]
عبسية: أي لنا إبل عبسية؛ أي منسوبة إلى عبس أبي القبيلة، ولم ترعَ: من الرعي. والقفف: ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وقفا: مفعول ترع، والأدرم الذي لا نبات فيه، ولم تعجم بالتشديد يريد لم تمضغ، والعرفط: كقنفذ شجر من أشجار البادية، والمعجم: المعضض، وقوله: كأن صوت شخبها … إلخ: يصف حلب الناقة، وشبه صوت درتها بصوت أفاعٍ في خشي، والشخب: مصدر شخب اللبن يشخب ويشخب إذا خرج من الضرع، وهمى: سال، وشد أي غنى وفاعله ضمير الشخب، والبنان: مفعوله على تقدير اللام، وضمير عليهن للأكف، وسحيف أفعى: خبر كأن، والسحيف: الصوت، والأفعى: الحية، والخشي: اليابس، والأعشم: الشجر اليابس، وقيمًا: جمع قائمة والقياس قوم، ومثنى الوطاب: مفعول حلبن على حذف مضاف؛ أي ملء مثنى الوطاب، والمثنى هنا بمعنى المكررة كقولهم: مثنى الأيادي أي يعيد معروفه مرتين وثلاثًا، والوطاب: جمع وطب وهو سقاء اللبن خاصة، والزمم: جمع زام من زم القربة ملأها، والقمع: آلة تجعل في فم السقاء ونحوه ويصب فيها اللبن ونحوه، والثمال: الرغوة، وكل شيء يكون ضخمًا فهو قشعم، وقوله: يحسبه: أي يحسب الثمال، وما مصدرية ظرفية، ويعلم: بمعنى يعرف، ومفعوله محذوف ضمير الثمال، وشيخًا: مفعول ثانٍ ليحسبه وما بعده صفتان له، شبه الرغوة التي تعلو القمع بشيخ معمم جالس على كرسي، وهو تشبيه ظريف، ولم يصب الأعلم الشنتمري شارح شواهد سيبويه في قوله: وصف جبلًا قد عمه الخصب وحفه النبات وعلاه فجعله كشيخ مزمل في ثيابه معصب بعمامته … إلخ، فكأنه لم يقف على هذه الأبيات، وقوله: لو أنه أبان، أي لو أن ذلك الثمال الذي يشبه الشيخ أبان — أي أفصح عما في نفسه — لكان إياه؛ أي لكان الثمال ذلك الشيخ. انظر: «خزانة الأدب» للبغدادي ج٤ ص٥٦٩ ط أميرية.)
(٣٠٤) يقول: كم غر صبرك وابتسامك من نظر إليك حتى ليظن أنك غير عاشق؛ لأنه يرى صبرًا وضحكًا ظاهرين ولا يرى ما في الباطن من الاحتراق والوجد. ورد في «الصبح المنبي»: أنه لما أنشد هذا البيت قال ابن العميد: يا أبا الطيب! أتقول: باد هواك ثم تقول: كم غر صبرك؟ فما أسرع ما نقضت ما ابتدأت به! فقال المتنبي: تلك حال وهذه حال. وإني لأحسب المتنبي حين سمع هذا النقد من ابن العميد قد امتعض، فاختصر الجواب أجزأ اختصار … ومراده أن الحال التي يذكرها في البيت الثاني سابقة على الحال المذكورة في البيت الأول؛ لأنه يريد أن صبره كان يغر الناظر إليه قبل أن أسقمه الهوى وغير منظره، ولكنه لما أنحل جسمه بعد ذلك استدل الناظر بنحوله على كونه عاشقًا فبدا هواه ولم يعد صبره ولا ابتسامه يغنيان عنه شيئًا في كتم الهوى. وقد زاد هذا المعنى بيانًا في البيت الذي يلي.
(٣٠٥) الفؤاد في الجسد بمنزلة الملك؛ فلهذا جعله آمرًا للسان والجفن. يقول: أمر القلب اللسان بالكتمان والجفون بإمساك الدموع فأطعنه وكتمن، ولكن جسمك بنحوله دلَّ على ما في قلبك. والضمير في قوله: فكتمنه، عائد على قوله: ما لا يرى — في البيت السابق — وجسمك: فاعل كفى، والباء: زائدة، ومخبرًا: خلف من موصوف تمييز. وهذا المعنى بسبيل من قول الآخر:
خَبَرِي خُذِيهِ عَنِ الضَّنَى وَعَنِ الْأَسَى
لَيْسَ اللِّسَانُ وَإِنْ تَلِفْتُ بِمُخْبِرِ
(٣٠٦) تعس: كبا وعثر، وقد يراد به الهلاك. والمهاري: جمع مهري، والبعير مهري والناقة مهرية نسبة إلى مهرة بن حيدان؛ أبي قبيلة عرفت بحسن القومة على الإبل، وتقول في الجمع: مَهَارِيُّ ومَهَارٍ ومَهَارَى. قال رؤبة:
بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلِّ مِيلَهِ
بِنَا حَرَاجِيجُ الْمَهَارِي النُّفَّهِ
(قبله:
وَمَخْفِقٍ مِنْ لَهْلَهٍ وَلَهْلَهِ
فِي مَهْمَهٍ أَطْرَافُهُ فِي مَهْمَهِ
أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ الْعُمَّهِ
بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلِّ مِيلَهِ
بِنَا حَرَاجِيجُ الْمَهَارِي النُّفَّهِ
يَجْذِبْنَهُ بِالْبَوْعِ وَالتَّأَوُّهِ
المخفق: الموضع الذي يخفق فيه السراب. واللهله: المكان المستوي الذي ليس به علم. وغول كله ميله: أي بعده؛ يريد مكانًا بعيدًا يغتال المشي فلا يستبين فيه ولا يكاد يقطع من بعده. والميله: الفلاة التي تولِّه الناس وتحيرهم. والحراجيج: جمع حرجوج وحرجيج؛ الناقة الوقادة الحادة القلب أو الضامرة. والنفه: جمع نافه؛ وهي المعيية، وفي الحديث: نفهت نفسك: أعيت وكلت. وقال أبو سعيد: لم يجد رؤبة موضعها، إنما يقال: رجل منفوه الفؤاد إذا ضعف من صوم أو جهد. ويجذبنه: يريد يجذبن أنفسهن فيه. وقوله: والتأوه، هو مثل قول المثقب العبدي:
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ
تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ)
وقوله: غير مهري: استثناء. وغدا: أي ذهب غدوة؛ يدعو بالتعس على الإبل كلها ما عدا ركوبة الحبيب لتسلم من العثار فيسلم الحبيب من الوقوع، هذا الحبيب الذي لبراعة حسنه كأنه صور تصويرًا، والذي يلبس الديباج منقشًا بالصور.
(٣٠٧) يقول: إني أنفس لأجل الحبيب المصور على الصورة التي في ستر هودجه وأحسدها لقربها منه، ولو كنت تلك الصورة لخفيت حتى يظهر هو، فأراه ويزول الحجاب، وخفاء الصورة يستتبع خفاء الستر فمعنى خفاء الصورة انكشاف الستر، ومتى انكشف انكشف الحبيب فيراه المحب. وإليك عبارات سائر الشراح: قال ابن جني: لو كنت الصورة التي في ستره لنزلت حتى يظهر الذي فيه لرأي العين، وذلك أن كل أحد يحب أن يراه ودونه ستر فلو كنت ذلك الستر لانكشفت حتى يظهر للناس ويزول ذلك الحجاب. وقال الواحدي: أنا أحسد الستر لأجل الحبيب الذي في هودجه لقربها منه، يعني الصورة، ولو كنت الصورة لخفيت حتى يظهر الحبيب فتراه الأبصار. وقال ابن القطاع: إنما تمنى أن يكون صورة في سترها ليشاهدها كل وقت، ثم قال: لو كنتها لخفيت من نحولي فلم أسترها عن العيون وكانت تظهر للناظرين.
(٣٠٨) لا تترب: لا تفتقر، ويقال: ترب الرجل: افتقر وصار على التراب، ولا تربت يداك؛ أي لا افتقرت: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ؛ صار على التراب لفقره. وكسرى: لقب ملوك العجم، وقيصر: لقب ملوك الروم. يريد أن صورة كسرى وقيصر كانت على الستر وكأنهما أقيما مقام حاجبين يحجبان هذا المصور. يدعو المتنبي للأيدي التي نسجت ذلك الستر وصورت الملكين عليه بألا تترب. وفيه نظر إلى قول أبي نواس:
قَرَارَتَهَا كِسْرَى وَفِي جَنَبَاتِها
مَهًا تَدَّرِيهَا بِالْقِسِيِّ الْفَوَارِسُ
(٣٠٩) الهوادج: جمع هودج؛ مركب النساء على الجمال. والمحجر: ما حول العين. يقول: إن هذين الحاجبين يصرفان السوء من الغبار، وحر الهواء وحر الشمس عن مقلة أحد الهوادج — يعني هودج الحبيب — وكنى عنه بالمقلة — العين — لعزته، وجعل فؤاده محجرًا لتلك المقلة. والمعنى: إنها كانت ضياء قلبي بمثابة عين القلب، فلما ارتحلت عني عمي قلبي، والتبس عليَّ أمري وفقدت لبي كمقلة ذهبت وبقي المحجر، وينظر في هذا التشبيه إلى قول أبي تمام:
إِنَّ الْخَلِيفَةَ حِينَ يُظْلِمُ حَادِثٌ
عَيْنُ الْهُدَى وَلَهُ الْخِلَافَةُ مَحْجِرُ
(٣١٠) الحائن: الهالك. يقول: كنت أحذر بينهم — بُعْدهم وفراقهم — قبل حدوثه ولكن الحذر لا يدفع المحذور؛ لأنه متى قدر وقع لا محالة.
(٣١١) الرواد: جمع رائد، وهو الذي يرتاد لأهله الكلأ والماء. واغتدت مثل غدت؛ أي ذهبت غدوة. يقول: لو قدرت حين بعثوا روادهم لمنعت السحاب أن يمطر حتى لا يجدوا ماءً ولا كلأ يرتحلون إليهما للانتجاع.
(٣١٢) قال الواحدي: هذا كلام فيه حذف لا يتم المعنى دون تقديره، كأنه قال: لمنعت كل سحابة أن تمطر؛ لأني تأملت الحال، فإذا السحاب — الذي هو أخو الغراب في التفريق — أبعدهم عنا. جعل السحاب أخا الغراب؛ لأنه سبب الافتراق عند الانتجاع وتتبع مساقط الغيث في الربيع كعادة أهل العير السيارة، ولما جعله أخا الغراب جعل المطر كصياح الغراب؛ لأن صياح الغراب سبب للافتراق على زعمهم، كذلك سقوط الغيث من السحاب سبب للارتحال في تتبع الغيث. فالسحاب في قوله: فإذا السحاب: مبتدأ، وأخو غراب فراقهم: نعت له، وجملة: جعل الصياح: خبر، ولك أن تجعل «أخو» خبرًا عن السحاب، وتجعل الصياح خبرًا آخر عنه.
(٣١٣) الحمائل بالحاء المهملة: جمع حمولة؛ وهي الإبل يحمل عليها. وهذه رواية ابن جني، وروى غيره: الجمائل بالجيم: جمع جمالة، جمع جمل. ويخدن: من الوخد؛ وهو ضرب من السير سريع. والنفنف: المفازة والمهوى بين جبلين. يقول: كلما مرت جمالهم بأرض مخضرة بالكلأ بدت عليها آثار سيرها، فكأنما شقت ثوبًا أخضر. والمعنى: إنهم فارقونا أيام الربيع عند اخضرار الأرض. أو تقول: كثر الخصب أمامهم، فكانت ركابهم لا تقطع موضعًا إلا وقد كسته الخضرة فتبدو آثار سيرها فيه كالشق في الثوب.
وفي هذا نظر إلى قول الآخر:
فَكَأَنَّمَا الْأَنْوَاءُ بَعْدَهُمُ
كَسَتِ الطُّلُولَ غَلَائِلًا خُضْرَا
(٣١٤) يقول: إن هذه الإبل تحمل هوادج مثل الرياض — أي ازينت بالأنماط والديباج، فكانت مثل الرياض في تلون أزهارها — غير أن ما تحمله الإبل من مهاها وجآذرها — يعني: الحبائب — أسبى لقلوب الرجال من مها الرياض وجآذرها. والمهاة: البقرة الوحشية، تشبه بها النساء لحسن عيونها. والجؤذر: ولد المهاة، قال الواحدي: قوله: إلا أنها، رواها ابن جني: إلا أنه، كناية عن المثل، والناس يروون «أنها»؛ لأن مثل الروض روض فالضمير على الروايتين لمثل، إلا أن ابن جني رده على اللفظ، وغيره رده على المعنى. والبيت ينظر إلى قول أبي تمام:
خَرَجْنَ فِي خُضْرَةٍ كَالرَّوْضِ لَيْسَ لَهَا
إِلَّا الْحُلِيَّ عَلَى أَعْنَاقِهَا زَهْرُ
وقد سبق الجميعَ عديُّ بن زيد، إذ يقول:
لِمَنِ الظَّعْنُ كَالْبَسَاتِينِ فِي الصُّبْـ
ـحِ نَرَى بَيْنَهَا أَثِيثًا نَضِيرَا؟
[الأثيث: النبات الملتف.]
(٣١٥) بلحظها: من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي فبلحظي إياها. ونكره وأنكره: بمعنًى ضد عرفه. وضعفًا: مفعول لأجله. يقول: بسبب نظري إلى هذه الهوادج يوم الفراق صرت ضاويًا مهزولًا حتى أنكرت قناتي يدي لضعفها عن حملها، وأنكر خاتمي خنصري؛ لأنه صار يقلق فيه واتسع عليه من الهزال وقلة اللحم.
(٣١٦) هذا تمهيد للتخلص من النسيب للمديح. قال الواحدي: يقول: لم أقبل عطاء الزمان ترفعًا وبعد همة؛ أي أردت عطاءك دون عطاء الزمان، وأراد الزمان أن أقصد سواك فأردت اختيارك. والمعنى أن الزمان أراد أن يسترزقني بإحسانه فأبيت ذلك واخترتك على طول الزمان، فإنك إذا ملكتني ملكت الزمان بما فيه.
(٣١٧) أرجان: أي اقصدي أيتها الجياد أرجان، وأرَّجان: بلد الممدوح — بلد بفارس، بتشديد الراء في الأصل، إلا أنه خففه ضرورة — والضمير في أنه: للشأن. والوشيج: شجر الرماح. يقول لخيله: اقصدي هذا البلد ولا يلقين في روعك أن ثم شيئًا يصدك عنه فإنه عزمي القوي الذي يكسر الرماح بقوته؛ يعني أن الرماح لا تعوقني عن هذه العزيمة، وهي الوجه الذي تخيره على ما أشار إليه في البيت السابق.
(٣١٨) الفعال: الفعل. وكوكب الخيل: جماعتها المجتمعة. والعجاج: الغبار. والأكدر: الكدر. يقول لخيله: لو فعلت ما تريدين ما ركضتك في الغبار المظلم، يعني أن الخيل تريد الجمام والراحة، وهو يتعبها بالأسفار.
(٣١٩) أمي: اقصدي. والألية. اليمين. وأبر يمينه وبر في يمينه: صدق. يقول: اقصدي أيتها الخيل هذا الممدوح الذي يبر قسمي إذا أقسمت أن أقصد أجل البحار جوهرًا؛ أي إذا قصدته برت يميني هذه؛ لأنه هو ذلك البحر.
(٣٢٠) يقال: قصَّر عن الشيء: إذا تركه عجزًا. وأقصر عنه: إذا تركه قادرًا عليه. يقول: أفتاني الناس في إبرار هذا اليمين بقصده ورؤيته، وأعوذ بالله أن أقصر في إبرار هذا القسم أو أقصر عنه، فإني إذا فعلت ذلك كنت شاقًّا لعصا الإجماع؛ لأن الإجماع على أن قسمي لا تبر إلا برؤيته. هذا، ويقال: حاش لله؛ أي تنزيهًا له، ولا يقال: حاش لك قياسًا عليه، وإنما يقال: حاشاك وحاشا لك، وهي تعرب إعراب المصدر، واللام لبيان المفعول، كما تقول: تنزيهًا لك، وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: وَقُلْنَ حَاشَ لِلهِ اشتق من قولك: كنت في حشا فلان؛ أي في ناحية فلان. والمعنى في حَاشَ لِلهِ براءة لله من هذا. وإذا قلت: حاشا لزيد فهذا من التنحي، والمعنى قد تنحى زيد من هذا وتباعد عنه. وقال ابن الأنباري في قولهم: حاشا فلانًا: معناه قد استثيته وأخرجته فلم أدخله في جملة المذكورين.
(٣٢١) يقول: أي كف أشارت إلى ابن العميد، فبشرتني به فلها عندي السوار أحليها به، وكذلك أي عبد من عبيده كبر — قال: الله أكبر — عند وقوع بصره على بلده وعلى داره سرورًا ببر قسمي.
(٣٢٢) قال الواحدي: هذه إشارة إلى أنه يمده بالمال والعبيد فيقدر بذلك على محاربة الأعداء، وعادة المتنبي طلب الولايات ممن يمدحه، لا طلب الصلات.
(٣٢٣) بأبي وأمي: أي أفديه بهما، يصفه بالبلاغة، يقول: إنه يملك القلوب بحلاوة لفظه فيصير لفظه ثمنًا للقلوب فيتصرف فيها كما يريد بما أوتي من بلاغة، وإن شئت قلت: إن ألفاظه عزيزة تجعل القلوب أثمانًا لها لم توجد بغيرها. وقوله: تباع وتشتري؛ أي إن الناس يبيعونها بهذا الثمن وهو يشتريها فيصير مالكها، وإن شئت جعلت الشراء بيعًا فيكون مكررًا بلفظين معناهما واحد، قاله الواحدي.
(٣٢٤) يقول: لا يقدم أحد على لقائه في الحرب تهيبًا له، ولا يدبر هو عن قرن لشجاعته. وقوله: «من»، بدل من ناطق.
(٣٢٥) خنثى الفحول: أي صيرهم خناثي. والكماة: جمع كمي، وهو المستتر في الحديد. والمعصفر: المصبوغ. وما يلبسون: مفعول أول لصبغه، ومعصفرًا: مفعول ثانٍ على تضمينه معنى التحويل. يقول: جعل أبطالهم الفحول خناثي حين صبغ ما يلبسون من الحديد بالدم، فأشبهت الثياب المعصفرة التي يلبسها النساء والمخنثون. هذا، وقد قلنا: إن معنى خنثى الفحول؛ أي جعلهم وصيرهم مخنثين، فهو فعل ماض. قال العكبري: وزنه فعلل: مثل دحرج. وقال ابن القطاع: أصله خنثث، فكرهوا اجتماع التضعيف، فأبدلوا من الأخير ألفًا، كما قالوا في خنطى وغنطى: أبدلوا ألفًا من حروف التضعيف، فأبدلوا من الأخير ألفًا، كما قالوا في تقضى البازي وقصيت أظفاري، وتظني: من الظن، قال: وزعم النحويون أن حروف الزوائد تكون للإلحاق، وأبى ذلك أهل اللغة العلماء بالتصريف والاشتقاق، وقالوا: لا تدخل حروف الزوائد في الإلحاق ألبتة. وإنما تدخل في الإلحاق: الحروف الأصلية التي هي فاء الفعل وعينه ولامه، فالفاء نحو قولهم: دردج: للناقة المسنة، تكررت فيه الفاء للإلحاق بجعثن؛ وهي أصول الصلِّيان (الصليان: نبت)، والعين، كقولهم: حدرد: اسم رجل، تكررت فيه العين للإلحاق بجعفر، واللام كقولهم: تعدد، تكررت فيه اللام للإلحاق ببرثن. وقال النحويون: الألف في مثنى للإلحاق وفي رضوى وسلمى للتأنيث، ثم نقضوا قولهم فقالوا: الألف في بهمى وعزهى: ليست للتأنيث ولا للإلحاق. وهذا كلام فاسد لا يحتاج إلى إقامة دليل. وإنما أوقعهم في هذا الغلط أنهم رأوا العرب قد جمعوا بين تأنيثين، فقالوا: بهماة وعلقاة وعزهاة؛ فقالوا: لا يجوز أن يجمع بين تأنيثين، وقد جمعت العرب بين تأنيثين في أكثر كلامهم، فكيف يجعل ما وضعه النحويون للتقريب والتعليم مما لا أصل له، ولا ثبات حجة على لسان العرب الفصحاء؟ هذا لا يكون ولا يحتج به إلا جاهل.
(٣٢٦) بكفه: رواها ابن جني: بخطه. يقول: إن الأقلام حين كتابته بها تفضل الرماح إذا باشرتها كفه. وعبارة ابن جني: قلمه أشرف من الرماح؛ لأن كفه يباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها. وهو من قول البحتري:
وَأَقْلَام كِتَابٍ إِذَا مَا نَصَصْتَهَا
إِلَى نَسَبٍ صَارَتْ رِمَاحَ فَوَارِسِ
(نصصتها: من نص الحديث إلى فلان: رفعه.)
(٣٢٧) الضمير في منه: للقصب. والبنان: أطراف الأصابع. والتيه: الكبر والإدلال وجرأة الرجل على صاحبه لمزية يراها في نفسه. يقول: إن القلم الذي يمسه ببنائه يظهر فيه الكبر، حتى لو مشى ذلك القلم لتبختر تشرفًا وعجبًا بمسه إياه.
(٣٢٨) يقول: إذا ورد كتابه الأعداء ينذرهم ويتوعدهم فعل كتابه فعل الجيش، فردهم حائرين متلددين؛ خوفًا وذعرًا لبلاغة كلامه وشدة وعيده. وعبارة الواحدي: يسحرهم ببيانه فينصرفون عنه حين عمل فيهم كلامه عمل السحر. وعبارة ابن جني: إذا كتب إلى مخالف كتابًا لم يحتج معه إلى لقاء الجيوش؛ لأنه يبلغ ما يريد بالكتاب، فكتابه يرد الجيوش راجعة تحيرًا من فعل الكتاب، وهذا ينظر إلى قول ابن الرومي:
تَكْفِي عَنِ النَّبْلِ أَحْيَانًا مَكَايِدُهُ
وَرُبَّمَا خَلَفَتْ أَقْلَامُهُ الْأَسَلَا
ومثله لآخر:
فِي كُلِّ يَوْمٍ لَهُ جُنْدٌ مُوَجَّهَةٌ
مِنَ الْمَكَايِدِ تُطْوَى فِي الطَّوَامِيرِ
(الطوامير: جمع طامور، وهو الصحيفة.)
(٣٢٩) الغضنفر: الأسد. والرديف: الراكب خلفك. وارتكبت طريقة: يروى: ركبت طريقة. يقول: أنت منفرد في كل طريقة تأتيها وتحاولها لا يقدر أحد أن يحذو حذوك في طرائقك لصعوبتها وامتناعها، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يكون رديفًا له. يعني أن أفعالك صعبة لا يقدر عليها أحد فلا يتبعك عليها؛ مخافة تقصيره فيفتضح، قال الواحدي: وعلى هذا المعنى يكون الغضنفر مركوبًا — يريد أنه مفعول ركبت — ويجوز أن يكون حالًا للمدوح؛ أي لا يقدر أحد أن يكون رديفًا لك وأنت غضنفر.
(٣٣٠) يقول: إن أقوال الناس كالثمرة تقطف قبل ينعها وإدراكها فهي خداج ليست بحلوة ولا غناء فيها، أما أنت فقولك كالنبات إذا نور — أزهر — وبلغ أناه فهو حلو معسول قد بلغ الغاية في الحسن والكمال، ويروى: قبل نباته، قال العكبري: أي قبل تمامه.
(٣٣١) يقول: إن مسامع الناس تشيع قولك — أي تتبعه — في مسيره إذا انفصل من فيك بالإقبال عليه والإصغاء إليه؛ حبًّا له وشغفًا به. وإذا كرر ازداد حسنه، على خلاف ما عهد من الكلام؛ فإنه إذا أعيد سمج، وإذا تكرر تكرج (من تكرج الطعام والخبز: فسد وتعفن). وفي هذا نظر إلى قول أبي نواس:
يَزِيدُكَ وَجْهُهُ حُسْنًا
إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرَا
ويقول البحتري:
مُشْرِقٌ فِي جَوَانِبِ السَّمْعِ لَا يُخْـ
ـلِقُهُ عَوْدُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيدِ
والمشيع، يروى: المتبع.
(٣٣٢) يقول: إذا سكت ناب عنك قلمك، فكان أبلغ خاطب، منبره الأصابع.
(٣٣٣) ورسائل: عطف على قلم — في البيت السابق — والسحاء: ما يشد به الكتاب من أدم. والسنور: الحديد والدروع. وهذا البيت كالتفسير لقوله: ثنى الجيوش تحيرًا؛ يقول: إن الأعداء إذا قطعوا سحاء كتبك ورسائلك رأوا من بلاغتك وجزالة ألفاظك وقوة وعيدك ما يقتلهم ذعرًا، وييأسون معه من الاقتدار عليك فيقوم ذلك مقام السلاح في دفع الأعداء. ومثل هذا ما يحكى أن الرشيد كتب في جواب كتاب ملك الروم: قرأت كتابك والجواب ما تراه لا ما تقرؤه. فانظر إلى هذا اللفظ الوجيز كيف يملأ الأحشاء نارًا، ويدع القلوب أعشارًا، ويشعر النفوس حذارًا، ويعقب أقدام ذوي الإقدام نكوصًا وفرارًا! وجميل قول بعضهم مما ينظر إلى هذا المعنى:
هَلْ تَذْكُرِينَ إِذِ الرَّسَائِلُ بَيْنَنَا
تَجْرِي عَلَى الْوَرَقِ الَّذِي لَمْ يُغْرَسِ
أَيَّامَ أَسْرَارِي لَدَيْكِ وَسِرُّكُمْ
يُهْدَى إِلَيَّ مَعَ الْفَصِيحِ الْأَخْرَسِ
«ويريد بالورق الذي لم يغرس: البردي ونحوه. وبالفصيح الأخرس: الكتاب.»
(٣٣٤) المسمع: الأذن. يقول: إن ما يشاهده الناس فيك من الصفات الشريفة التي آثرك الله بها تدل على أنه سبحانه قد فضلك على سائر الرؤساء وجعلك الأكبر بينهم وإن لم ينطق بذلك لفظًا، فكأنما هذه الصفات الظاهرة فيك خلف لكلامه، يفهم منها ما يفهم منه، ثم مثلها بالخط؛ فإن معناه إنما يتناول بالبصر فيستفيد منه القلب ما يستفيده بسماع الآذان، فكأنه لفظ مسموع. وعبارة سائر الشراح: سماك الأعداء الرئيس وأمسكوا وسماك الله الرئيس الأكبر، وقد علمنا ذلك لما قامت صفاتك الشريفة مقام كلام الله، وهي تلك التي خصك الله بها في الدلالة على أنك أفضل الناس فصار كأنه — جل شأنه — دعاك الأكبر قولًا من حيث دعاك فعلًا، كالخط فإن من كاتب كمن شافه وخاطب، ومن أعلم خطًّا فكأنه أسمع فأفهم. وحاصل المعنى: أن الإنسان إذا رأى ما خصك الله به من كمال الفضل علم أنك مستحق عند الله أن تسمى الرئيس الأكبر، فقوله: خلفت صفاتك: تبيين لقوله: ودعاك خالقك الرئيس الأكبر.
(٣٣٥) السرح: السهلة السير. والمجمر: الشديد الصلب، ويقال أيضًا: خف مجمر؛ أي خفيف سريع. قال الخوارزمي: أراد خفًّا خفيفًا فلم يوافقه اللفظ، ولو وافقه لكان تجنيسًا ظاهرًا، وإلا فإذا لم يوافقه فهو تجنيس معنوي. يذكر المتنبي علو همة ناقته حين قصدته وأنها استأثرت بذلك دون غيرها من النياق، وهو إخبار عن علو همته هو؛ لأنه يحمل ناقته في السير ما لا يطيق أمثالها:
(٣٣٦) الرمْث: نبت يوقد به يشبه الغضا، وهو من مراعي الإبل، أما الرمَث بالفتح والتحريك: فهو خشب يضم بعضه إلى بعض ويركب عليه في البحر، والجمع أرماث. قال أبو صخر الهذلي:
تَمَنَّيْتُ مِن حُبِّي عُلَيَّةَ أَنَّنَا
عَلَى رَمَثٍ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ لَنَا وَفْرُ
(وفر: مال.)
يقول: تركت الأعراب ووقودهم وأتيت قومًا وقودهم العنبر، يعني الممدوح. وهذا من قول البحتري:
نَزَلُوا بِأَرْضِ الزَّعْفَرَانِ وَجَانَبُوا
أَرْضًا تَرُبُّ الشِّيحَ وَالْقَيْصُومَا
(٣٣٧) الأذفر: أي الذكي الرائحة. يقول: تكرمت ناقتي عن أن تبرك إلا على المسك الأذفر. يريد أن العنبر بحضرة الممدوح يوقد به والمسك ممتهن عنده بحيث يبرك عليه البعير. والركبات: جمع ركبة، وإنما عنى اثنين بدليل قوله: تقعان. قال العكبري: ركباتها جمع ركبة، وإنما عنى اثنين وهو كقوله جل وعلا: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا؛ وذلك أن أقل الجمع اثنان فجاز أن يعبر عنهما بالجمع، ودل على أنه أراد التثنية أنه أخبر عنهما بالتثنية فقال: تقعان. ويجوز أن يكون أراد الجمع فسمى كل جزء منهما ركبة، كقولهم: شابت مفارقه، وهو مفرق واحد، وإنما أراد كل جزء من المفرق، ثم رجع إلى الحقيقة فقال: تقعان.
(٣٣٨) الأظل: باطن خف البعير. وحذيت: أي جعل لها حذاء؛ وهو النعل. يقول: أتتك الناقة وقد دميت أخفافها لطول السير وحزونة الطريق حتى كأنها انتعلت العقيق الأحمر، كما قال الآخر:
كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ بِالْمُومَاةِ
أَيْدِي جَوَارٍ بِتْنَ نَاعِمَاتِ
أي: تخضبت بالدم خضاب هؤلاء الجواري.
(٣٣٩) بدرت: سبقت. يقول: سبقت إليك العوائق وصروف الزمان، فكأنها وجدت الزمان مشغولًا عنها فانتهزت الفرصة في قصدك، فإن الزمان موكل صرفه بدفع الخيرات.
(٣٤٠) بعدها: أي بعد الأعراب. يقول: من الذي يبلغ الأعراب أني بعد أن فارقتهم رأيت عالمًا هو في علمه وحكمته مثل أرسطوطاليس. وملكًا هو في سعة ملكه كالإسكندر؟ قال الواحدي: وأرسطو طاليس: اسم رومي، لما أراد المتنبي استعماله: حذف بعضه، فإن العرب تجترئ على استعمال الأسماء الأعجمية؛ فإن أمكن نقلها إلى أوزانهم: نقلوها، وإن لم يمكن نقلها حذفوا بعضها، ومثل هذا الاسم في كثرة حروفه لا يوجد في كلام العرب.
(٣٤١) العشار: جمع عشراء، وهي في الأصل: التي لحملها عشرة أشهر، والمراد هنا: النياق الوالدات. والبدر: جمع بدرة، وهي كيس فيه سبعة آلاف دينار، وقيل: عشرة. والنضار: الذهب، يقول: مللت في صحبة الأعراب نحر الإبل ولحومها، فأضافني من يجعل قراه بدر الذهب، وإنما استعمل النحر في البدر لذكره نحر العشار، ومعنى نحر البدر: فتحها لإعطاء ما فيها من الذهب. وهذا من قول البحتري:
مَلِكٌ بِعَالِيَةِ الْعِرَاقِ قِبَابُهُ
يَقْرِي الْبُدُورَ بِهَا وَنَحْنُ ضُيُوفُهُ
(٣٤٢) بطليموس: هو الفلكي صاحب المجسطي، يشبه ابن العميد ببطليموس في علمه وحكمته. يقول: سمعت ابن العميد وهو يدرس كتب نفسه — أي يتكلم بالعلوم التي فيها — وقد جمع بين جلالة الملك، وفصاحة البدو، وظرافة الحضر. قال الواحدي: وبطليموس: يعني ابن العميد؛ سماه بهذا للمشابهة بينه وبين هذا الحكيم. ونصب دارس كتبه: على الحال، وكذلك ما بعده. ويجوز أن يريد أنه سمع من ابن العميد ما عفا ودرس من كتب بطليموس؛ لأنه أحياه بذكائه وجودة قريحته. ويكون التقدير سمعت دارس كتب بطليموس، ولكنه قدم ذكره ثم كنى عنه، ويجوز أن يكون دارس كتبه: مفعولًا ثانيًا، كما تقول: سمعت زيدًا هذا الحديث.
(٣٤٣) يقول: لقيت بلقائه كل من له فضل وعلم من المتقدمين، فكأن الله أحياهم ورد عصورهم حتى لقيتهم كلهم؛ يعني أن فيه من الفضل ما كان في جميع الفضلاء. وفي مثل هذا المعنى يقول ابن الرومي:
أَتَيْتُهُ وَأَنَا الْمَمْلُوءُ مِنْ غَضَبٍ
عَلَى الزَّمَانِ فَسَرَّى عَنِّيَ الْغَضَبَا
فَلَوْ حَلَفْتُ لَمَا كُذِّبْتُ يَوْمَئِذٍ
أَنِّي لَقِيتُ هُنَاكَ الْعُجْمَ، وَالْعَرَبَا
(٣٤٤) نسقوا: سردوا. وقوله: فذلك: فاعل أتى؛ وهي حكاية قول الحاسب إذا أجمل حسابه: فذلك كذا وكذا. يقول: إن هؤلاء الفاضلين قد تتابعوا متقدمين عليك في الزمان، فلما أتيت بعدهم جمعت ما كان فيهم من الفضائل فكنت منهم بمثابة إجمال الحساب، الذي تذكر تفاصيله أولًا، ثم تجمل تلك التفاصيل فيكتب في آخرها: فذلك كذا وكذا. وعبارة الواحدي: يقول: جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود؛ فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضائل ما كان فيهم، مثل الحساب تذكر تفاصيله أولًا، ثم تجمل تلك التفاصيل، فيكتب في آخر الحساب: فذلك كذا وكذا، فتجمع في الجملة ما ذكر في التفصيل، كذلك أنت؛ جمع فيك من الفضل ما فرق فيهم. وهذا ينظر إلى قول القائل:
وَفِي النَّاسِ مِمَّا خُصِصْتُمْ بِهِ
تَفَارِيقُ لَكِنْ لَكُمْ مُجْتَمِعْ
(٣٤٥) يقول: ليت الباكية التي بكت على فراقي وأحزنني بكاؤها رأتك كما رأيتك، لتعذرني في فراقها وركوب الأهوال والأخطار في سفري إليك. وقوله: فتعذرا، قال العكبري: نصبها على جواب التمني بإضمار «أن» عند البصريين وبالفاء نفسها عندنا.
(٣٤٦) ترى: أي الباكية. ولا ترد فضيلة: مفعول ثانٍ لترى، والشمس: بدل من الفضيلة، والسحاب: معطوف عليها، وتشرق: حال من الشمس. والكنهور: العظيم المتكاثف، وهو حال من السحاب. يقول: إن هذه الباكية ترى الفضيلة عندك لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهدنا في المتضادين، ثم فسر ذلك فقال: يريك الشمس مشرقة والسحاب كنهورًا: أي يريك الممدوح في حال واحدة هذين المتضادين؛ فوجهه كالشمس إضاءة، ونائله كالسحاب الكنهور فيضًا، فقد اجتمعا في وقت واحد، مع أن السحاب الكنهور في الحقيقة يستر الشمس فلا يجتمعان. والمراد أنه يتدفق بالنوال ويتبلج عند السؤال. وقد قال في هذا المعنى محمد بن علي بن بسام:
الشَّمْسُ غُرَّتُهُ وَالْغَيْثُ رَاحَتُهُ
فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِغَيْثٍ جَاءَ مِنْ شَمْسِ؟
وأوضحه ابن الرومي فقال:
يُلْقَى مُغِيمًا مُشْمِسًا فِي حَالَةٍ
هَطِلَ الْإِغَامَةِ نَيِّرَ الْإِشْمَاسِ
وقال أيضًا:
لِكُلِّ جَلِيسٍ مِنْ يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ
مَدَى الدَّهْرِ يَوْمٌ غَائِمُ الْجَوِّ شَامِسُ
وتبعه البحتري فقال:
وَأَبْيَضَ وَضَّاحٍ إِذَا مَا تَغَيَّمَتْ
يَدَاهُ تَجَلَّى وَجْهُهُ فَتَقَشَّعَا
وقال الرضي:
أَمْطَرُوا الْجُودَ مُضِيئًا بِشْرُهُمْ
فَرَأَيْنَاهُمْ شُمُوسًا وَغَمَامًا
(٣٤٧) يقول: طاب مكاني ومنزلي بقصده، وسرتني راحلتي إذ أدتني إليه، وتجارتي أربح من تجارة غيري إذ اشترى شعري بأوفر الأثمان؛ فقد بلغت في ذلك كله ما لم يبلغه أحد من الناس. وقال الواحدي: قوله: وأسر راحلة: هو مبالغة من السر؛ أي أخفتني بسراها ليلًا حتى أتيتك. وإن كان من السرور فيكون سرور صاحبها هو المراد بسروها. وقوله: منزلًا وما بعده، منصوب على التمييز. والمتجر: ما يتخذ للتجارة.
(٣٤٨) جعل الكواكب المحيطة بزحل كالقوم له، إذ إنه يسمى شيخ النجوم، يقول: لو كان زحل من عشيرتك لكانت عشيرته حينئذٍ أكرم من عشيرته الآن مع أن عشيرته النجوم: يعني أن قوم الممدوح ورهطه أشرف من النجوم. هذا، وقوله: زحل: مبتدأ، وقوله: لو كان منك … إلخ، خبر. والمعشر والعشيرة: قوم الرجل وأهله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢