قافية الشين

وقال يمدح أبا العشائر علي بن الحسين بن حمدان، ويذكر إيقاعه بأصحاب بافيس ومسيره من دمشق:

مَبِيتِي مِنْ دِمَشْقَ عَلَى فِرَاشِ
حَشَاهُ لِي بِحَرِّ حَشَايَ حَاشِ١
لَقَى لَيْلٍ كَعَيْنِ الظَّبْيِ لَوْنًا
وَهَمٍّ كَالْحُمَيَّا فِي الْمُشَاشِ٢
وَشَوْقٍ كَالتَّوَقُّدِ فِي فُؤَادٍ
كَجَمْرٍ فِي جَوَانِحِ كَالْمِحَاشِ٣
سَقَى الدَّمُ كُلَّ نَصْلٍ غَيْرِ نَابٍ
وَرَوَّى كُلَّ رُمْحٍ غَيْرِ رَاشِ٤
فَإِنَّ الْفَارِسَ الْمَنْعُوتَ خَفَّتْ
لِمُنْصُلِهِ الْفَوَارِسُ كَالرِّيَاشِ٥
فَقَدْ أَضْحَى أَبَا الْغَمَرَاتِ يُكْنَى
كَأَنَّ أَبَا الْعَشَائِرِ غَيْرُ فَاشِ٦
وَقَدْ نُسِيَ الْحُسَيْنُ بِمَا يُسَمَّى
رَدَى الْأَبْطَالِ أَوْ غَيْثَ الْعِطَاشِ٧
لَقُوهُ حَاسِرًا فِي دِرْعِ ضَرْبٍ
دَقِيقِ النَّسْجِ مُلْتَهِبِ الْحَوَاشِي٨
كَأَنَّ عَلَى الْجَمَاجِمِ مِنْهُ نَارًا
وَأَيْدِي الْقَوْمِ أَجْنِحَةُ الْفَرَاشِ٩
كَأَنَّ جَوَارِيَ الْمُهَجَاتِ مَاءٌ
يُعَاوِدُهَا الْمُهَنَّدُ مِنْ عُطَاشِ١٠
فَوَلَّوْا بَيْنَ ذِي رُوحٍ مُفَاتٍ
وَذِي رَمَقٍ وَذِي عَقْلٍ مُطَاشِ١١
وَمُنْعَفِرٍ لِنَصْلِ السَّيْفِ فِيهِ
تَوَارِي الضَّبِّ خَافَ مِنَ احْتِرَاشِ١٢
يُدَمِّي بَعْضُ أَيْدِي الْخَيْلِ بَعْضًا
وَمَا بِعُجَايَةٍ أَثَرُ ارْتِهَاشِ١٣
وَرَائِعُهَا وَحِيدٌ لَمْ يَرُعْهُ
تَبَاعُدُ جَيْشِهِ وَالْمُسْتَجَاشِ١٤
كَأَنَّ تَلَوِّيَ النُّشَّابِ فِيهِ
تَلَوِّي الْخُوصِ فِي سَعَفِ الْعِشَاشِ١٥
وَنَهْبُ نُفُوسِ أَهْلِ النَّهْبِ أَوْلَى
بِأَهْلِ الْمَجْدِ مِنْ نَهْبِ الْقُمَاشِ١٦
تُشَارِكُ فِي النِّدَامِ إِذَا نَزَلْنَا
بِطَانٌ لَا تُشَارِكُ فِي الْجِحَاشِ١٧
وَمِنْ قَبْلِ النِّطَاحِ وَقَبْلَ يَأَنِي
تَبِينُ لَكَ النِّعَاجُ مِنَ الْكِبَاشِ١٨
فَيَا بَحْرَ الْبُحُورِ وَلَا أُوَرِّي
وَيَا مَلِكَ الْمُلُوكِ وَلَا أُحَاشِي١٩
كَأَنَّكَ نَاظِرٌ فِي كُلِّ قَلْبٍ
فَمَا يَخْفَى عَلَيْكَ مَحَلُّ غَاشِ٢٠
أَأَصْبِرُ عَنْكَ لَمْ تَبْخَلْ بِشَيْءٍ
وَلَمْ تَقْبَلْ عَلَيَّ كَلَامَ وَاشِ؟!
وَكَيْفَ وَأَنْتَ فِي الرُّؤَسَاءِ عِنْدِي
عَتِيقُ الطَّيْرِ مَا بَيْنَ الْخِشَاشِ؟!٢١
فَمَا خَاشِيكَ لِلتَّكْذِيبِ رَاجٍ
وَلَا رَاجِيكَ لِلتَّخْيِيبِ خَاشِي٢٢
تُطَاعِنُ كُلُّ خَيْلٍ كُنْتَ فِيهَا
وَلَوْ كَانُوا النَّبِيطَ عَلَى الجِحَاشِ٢٣
أَرَى النَّاسَ الظَّلَامَ وَأَنْتَ نُورٌ
وَإِنِّي مِنْهُمُ لَإِلَيْكَ عَاشِ٢٤
بُلِيتُ بِهِمْ بَلَاءَ الْوَرْدِ يَلْقَى
أُنُوفًا هُنَّ أَوْلَى بِالْخِشَاشِ٢٥
عَلَيْكَ إِذَا هُزِلْتَ مَعَ اللَّيَالِي
وَحَوْلَكَ حِينَ تَسْمَنُ فِي هِرَاشِ٢٦
أَتَى خَبَرُ الْأَمِيرِ فَقِيلَ: كَرُّوا
فَقُلْتُ: نَعَمْ وَلَوْ لَحِقُوا بِشَاشِ٢٧
يَقُودُهُمُ إِلَى الْهَيْجَا لَجُوجٌ
يُسِنُّ قِتَالُهُ وَالْكَرُّ نَاشِي٢٨
وَأُسْرِجَتِ الْكُمَيْتُ فَنَاقَلَتْ بِي
عَلَى إِعْقَاقِهَا وَعَلى غِشَاشِي٢٩
مِنَ الْمُتَمَرِّدَاتِ تُذَبُّ عَنْهَا
بِرُمْحِي كُلُّ طَائِرَةِ الرَّشَاشِ٣٠
وَلَوْ عُقِرَتْ لَبَلَّغَنِي إِلَيْهِ
حَدِيثٌ عَنْهُ يَحْمِلُ كُلَّ مَاشِ٣١
إِذَا ذُكِرَتْ مَوَاقِفُهُ لِحَافٍ
وَشِيكَ فَمَا يُنَكِّسُ لِانْتِقَاشِ٣٢
تُزِيلُ مَخَافَةَ الْمَصْبُورِ عَنْهُ
وَتُلْهِي ذَا الْفِيَاشِ عَنِ الْفِيَاشِ٣٣
وَمَا وُجِدَ اشْتِيَاقٌ كَاشْتِيَاقِي
وَلَا عُرِفَ انْكِمَاشٌ كَانْكِمَاشِي٣٤
فَسِرْتُ إِلَيْكَ فِي طَلَبِ الْمَعَالِي
وَسَارَ سِوَايَ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ٣٥

هوامش

(١) مبيتي: اسم مكان، ومن دمشق: بيان لمبيتي، وعلى فراش: خبر مبيتي، وحشاه … إلخ: في موضع الصفة لفراش؛ يصف شدة هواه وحرارة قلبه من الحب، يقول: إني أتيت من دمشق على فراش حار حشي بحرارة قلبي من الهوى؛ يعني حرارة الهوى وأن فراشه صار حارًّا لذلك، وأنه يبيت ساهرًا من ثم.
(٢) لقى: حال؛ أي أبيت على فراش حال كوني لقى ليل! واللَّقَى: الشيء المُلْقَى. والحميا: سَورة الخمر. والمشاش: رءوس العظام الرخوة. وعين الظبي: يضرب بها المثل في السواد، ولونا: تمييز. يقول: إنني طريح ليل أسود، وهم قد خالطه وتمشى فيه تمشي الخمر في العظام، وفيه نظر إلى قول أبي نواس:
وَتَمَشَّتْ فِي مَفَاصِلِهِمْ
كَتَمَشِّي الْبُرْءِ فِي السَّقَمِ
والمصراع الأول من قول أبي تمام:
إِلَيْكَ تَجَرَّعْنَا دُجًى كَحِدَاقِنَا
ومثله قول التنوخي:
وَاللَّيْلُ كَالثَّاكِلِ فِي إِحْدَادِهَا
وَمُقْلَةِ الظَّبْيِ إِذَا الظَّبْيُ رَنَا
والثاني من قول زهير:
فَظَلْتُ كَأَنِّي شَارِبٌ مِنْ مُدَامَةٍ
مِنَ الرَّاحِ تَسْمُو فِي الْمَفَاصِلِ وَالْجِسْمِ
ومثله قول الأبيرد:
عَسَاكِرُ تَغْشَى النَّفْسَ حَتَّى كَأَنَّنِي
أَخُو سَكْرَةٍ دَارَتْ بِهَامَتِهِ الْخَمْرُ
(٣) وشوق: عطف على ليل. والمحاش بضم الميم وكسرها: ما أحرقته النار، تقول: امتحش الخبز؛ أي احترق، ومحشته النار وامتحشته: أحرقته. شبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء: شوقه بتوقد النار، وقلبه — الذي هو محل الشوق — بجمر النار، وجوانحه — أضلاعه — بشواء أحرقته النار.
(٤) يدعو بالسقيا لكل نصل — سيف — لا ينبو عن الضريبة؛ أي لا يكل ولا يرتفع. ولكل رمح غير راش: أي غير ضعيف خوار.
(٥) المنعوت: الموصوف؛ أي الذي تواصف الناس شجاعته وسار بينهم ذلك وعرفوه بهذا الوصف، يعني به أبا العشائر. وهذه رواية الخوارزمي. وروى ابن جني: المبغوت؛ وهو الذي بغته الشيء — أي فاجأه — يريد ما كان قد عرض لأبي العشائر من الجيش الذي كنسه بأنطاكية، وكان قد أبلى ذلك اليوم بلاءً حسنًا. وخفت لمنصله — سيفه — الفوارس: أي تطايرت الفوارس عن سيفه تطاير الريش.
(٦) يقول: لكثرة خوضه الغمرات — الشدائد — والتباسه بالحرب وأهوالها، صار يكنى: أبا الغمرات، وعرف بذلك حتى كأن كنيته المعروفة — أبا العشائر — غير فاشية، إذ غمرتها هذه وأخملتها.
(٧) الردى: الهلاك. وما — في قوله: بما يسمى — مصدرية: أي بتسميته ردى الأبطال. والغيث: المطر. يقول: وقد نسي اسمه العلم — وهو الحسين — بما سموه به من ردى الأبطال — أي هلاك الشجعان — أو غيث العطاش. يعني أن صفتي الشجاعة والجود غلبتا على اسمه المشهور حتى ترك، فلا يسمى إلا بهذين.
(٨) الحاسر: الذي لا درع له، وهو حال، وفي درع ضرب: حال أخرى. يقول: لقوه ولا درع عليه؛ لأنهم فاجئوه، ثم قال: لكنه من ضربه الأعداء في درع؛ لأن ضربه بالسيف يحميه، ثم شبه الآثار الدقيقة على سيفه بالنسج الدقيق، وكنى عن بريقه بأنه ملتهب الحواشي. والمعنى: أن ضربه الأبطال يصد عنه كما يصد الدرع.
(٩) يقول: كأنه يحرق الجماجم لشدة ضربه إياها؛ ولأن سيفه يلمع كالنار عليها، وكأن أيدي القوم أجنحة الفراش؛ لأنها تطير بضربه إياها، فشبه أيدي القوم المقطعة حوله بالفراش الذي يتهافت على النار.
(١٠) المهجة: دم القلب. والمهند: السيف. والعطاش: شدة العطش، وهو من باب فعال — الذي للأدواء: كصداع وزكام — شبه ما أجري من دماء قلوب الأعداء بالماء وجعل سيفه يعاودها مرة بعد مرة، كالعطشان يعاود الماء. يقول: إن سيفه لا يزال يعاود دماء أعدائه كأنه عطشان يعاود شرب الماء.
(١١) مفات: مفعل — من الفوت — أي حيل بينه وبين روحه، يقال: أفاته الشيء: أي جعله يفوته. والروح: يذكر ويؤنث، وتذكيره أكثر. والرمق: بقية الروح. يقول: فانهزموا عنه وهم بين مقتول قد فارقه روحه، وآخر به رمق، وثالث فقد عقله؛ أي ذهب وتحير لما لاقى من الأهوال.
(١٢) المنعفر: المتلطخ بالعفر؛ وهو التراب. والنصل: خبر مقدم، وتوارى: مبتدأ مؤخر، والتواري: الاختفاء. والاحتراش: صيد الضب. يقول: قد غاب السيف في هذا المنعفر كما يغيب الضب في جحره خشية الاحتراش؛ أي الصيد.
(١٣) العجاية: عصبة في اليد فوق الحافر. والارتهاش: أن تصك الدابة إحدى يديها بحافر الأخرى، حتى تدمى الرواهش؛ وهي عصب الذراع. يقول: انهزمت الخيل بين يديها هاربة وهي تغوص في دماء القتلى فيلطخ بعض أيديها بعضًا بالدم، فكأن بها ارتهاشًا ولم يكن ثَم ارتهاش؛ لأن أيديها سليمة. وقال ابن القطاع في قوله: يدمي وفي البيت بعده: يريد أن الممدوح لا نظير له في شجاعته ولا له قرن يصادمه، وضرب المثل بأيدي الخيل، ويريد: لا يقاتل الرجال إلا أكفاؤها.
(١٤) رائعها: مفزعها ومخوفها، والمستجاش: الذي يطلب منه الجيش، يقول: إن الذي أفزع الخيل وحيد أغار عليها بنفسه لم يخفه بعد جيشه عنه وانفراده هو منه، ولا بعد سيف الدولة الذي يستجيشه: أي يطلب منه الجيش؛ لأن الممدوح — وهو أبو العشائر — كان عاملًا على أنطاكية من قِبل سيف الدولة.
(١٥) الخوص: ورق النخل. والسعف: أغصانها. والعشاش: جمع عشة؛ النخلة إذا قل سعفها ودق أسفلها، وقد عششت النخلة: قل شعفها ودق أسفلها، وشجرة عشة: دقيقة القضبان، لئيمة المنبت. قال جرير:
فَمَا شَجَرَاتُ عِيصِكَ فِي قُرَيْشٍ
بِعَشَّاتِ الْفُرُوعِ وَلَا ضَوَاحِي
(العيص: منبت خيار الشجر. والعيص: الأصل. وفي المثل: عيصك منك وإن كان أشبًا؛ يعني: أصلك منك، وإن كان غير صحيح. وما أكرمَ عيصَه! وهم آباؤه وأعمامه وأخواله وأهل بيته. والضواحي من الشجر القليلة الورق التي تبرز عيدانها للشمس.)
وامرأة عشة: قليلة اللحم. ورجل [عش]: مهزول. أنشد ابن الأعرابي:
تَضْحَكُ مِنِّي أَنْ رَأَتْنِي عشَّا
(بعده:
لَبِسْتُ عَصْرَيْ عُصُرٍ فَامْتَشَّا
بَشَاشَتِي وَعَمَلَا فَفَشَّا
وَقَدْ أَرَاها وَشَوَاهَا الْحُمْشَا
وَمِشْفرًا إِنْ نَطَفْتَ أَرَشَّا
كَمْشِفَرِ النَّابِ تَلُوكُ الْفُرُشَا
قوله: فامتشا: هو من امتش ما في الضرع إذا حلب جميع ما فيه. وكذلك تقول: فش الضرع فشا: أي حلب جميع ما فيه. والشوى: الأطراف. والحمش: الدقيقة. وأرش: أي جاء بالرش، والرش في الأصل: المطر القليل. والفرش: الغمض من الأرض فيه العرفط والسلم، وإذا أكلته الإبل أرخت أفواهها.)
يريد أنه كان يرمي بالسهام فتتلوى فيه كتلوي الخوص وأغصان النخل، فلا تنال منه ولا تنفذ من درعه، فهو لشجاعته لا يكترث للطعن ولا الضرب ولا الرمي.
(١٦) النهب: الغارة. وأهل النهب: الجيش. والقماش: متاع البيت. يقول: إن الأعداء هجموا على أنطاكية يريدون نهب أمتعتها، ولكن أبا العشائر نهب نفوسهم، ونهب النفوس أليق بالأشراف من نهب الأمتعة. وهذا من قول أبي تمام:
إِنَّ الْأُسُودَ أُسُودَ الْغَابِ هِمَّتُهَا
يَوْمَ الْكَرِيهَةِ فِي الْمَسْلُوبِ لَا السَّلَبِ
(١٧) الندام: المنادمة على الشراب. والبطان: جمع بطين؛ وهو العظيم البطن الرغيب. والجحاش: المجاحشة؛ وهي المدافعة في القتال. يقول: إذا نزلنا عن الخيل شاركَنا في شرب الخمر رجال ذوو نهم يكثرون الأكل ولا يشاركون في القتال. ومثله:
يَفِرُّ مِنَ الْكَتِيبَةِ حِينَ يُلْقَى
وَيَثْبُتُ عِنْدَ قَائِمَةِ الْخُوَانِ
(١٨) النطاح: مناطحة ذوات القرون، ويستعمل في الحرب. و«قبل»: رواه الخوارزمي نصبًا على الظرف، ورواه غيره بالخفض عطفًا على ما قبله. ويأني: يحين — من قولهم: أنى الشيء يأني إنًى — أراد قبل أن يأني: فحذف، يقول: قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين ما يناطح من الكباش مما لا يناطح، ومن يقاتل ممن لا يقاتل من الأناسي؛ وذلك أن الكباش تتلاعب بقرونها وإن لم ترد الطعن بها، وكذلك يتلاعب الناس بالأسلحة فيعرف من يحسن استعمالها ممن لا يحسن.
(١٩) أكثر الرواية: ويا ملك الملوك، ويروى: ويا بدر البدور. وورَّى الحديث: أخفاه وأظهر غيره. يقول: لا أستر قولي بل أجهر به، ولا أحاشي؛ أي لا أدع أحدًا ولا أستثني إنسانًا.
(٢٠) الغاشِ: الذي يغشاك ويزورك. وغاشية الرجل: الذين يأتونه ويزورونه. ومنه قول ذي الرمة يصف سفودًا:
وَذِي شُعَبٍ شَتَّى كَسَوْتَ فُرُوجَهُ
لِغَاشِيَةٍ يَوْمًا مُقَطَّعَةً حُمْرَا
وقال حسان:
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ
لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
(يُغشون بالبناء للمفعول: أي يتردد إليهم، من غشيه: إذا جاءه. وهر الكلب يهر — من باب ضرب — هريرًا: إذا صوَّت، وهو دون النباح؛ يعني أن منازلهم لا تخلو من الأضياف والعفاة، فكلابهم لا تهر على من يقصد منازلهم لاعتيادها بكثرة التردد إليها من الأضياف. وقوله: لا يسألون … إلخ: أي هم في سعة لا يسألون كم نزل بهم من الناس ولا يهولهم الجمع الكثير — وهو السواد — إذا قصدوا نحوهم.)
يقول المتنبي: إنك من الفطنة والنفاذ وثقوب البصيرة بحيث ترى ما في قلوب الناس وتعلم ما يطلبون، فليس يخفى عليك حال قاصد إليك وزائر يغشاك. ومثل هذا في المعنى قوله الآتي:
وَيَمْتَحِنُ النَّاسَ الْأَمِيرُ بِرَأْيِهِ
وَيُغْضِي عَلَى عِلْمٍ بِكُلِّ مُمْخَرِقِ
(٢١) لم تبخل: أي وأنت لم تبخل، فهي جملة حالية، والاستفهام إنكاري. والواشي: النمام. وكيف: حال محذوفة العامل؛ أي وكيف أصبر عنك؟ والعتيق: الكريم. والخشاش بكسر الخاء، وقد تفتح: صغار الطير نحو العصافير وأضرابها، والحشرات. يقول في البيت الثاني: وكيف أصبر عنك وأنت بين الرؤساء كالكريم من الطير بين صغارها؟
(٢٢) يقول: ليس يرجو من يخشى بأسك أن تكذب خوفه لثقته بانتقامك وقوة بطشك، فبأسك نازل به لا محالة، وليس يخشى من رجا إحسانك أن تُخيب رجاءه؛ لأنه على يقين من فيض سخائك، فأنت موضع الخوف والرجاء. وعبارة ابن جني: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفك؛ لأن الناس مجمعون على خوفك وخشيتك. وعبارة ابن فورجه: يريد: خاشيك نازل به بأسك وواقع به سخطك وانتقامك، فما ترجو تكذيبًا لما خافه لشدة خوفه، ولا راجيك يخشى أن تخيبه لفيض عرفك. وقال الواحدي: الصحيح في هذا البيت رواية من روى:
فَمَا خَاشِيكَ لِلتَّثْرِيبِ رَاجٍ
أي: من خشيك لا يخاف أن يثرب ويعير بخشيتك؛ فراجٍ بمعنى خائف. قال: ومن روى: للتكذيب، لم يكن فيه مدح؛ لأن المدح في العفو — لا في تحقيق الخشية — وإنما يمدح بتحقيق الأمل وتكذيب الخوف، كما قال السري الرفاء:
إِذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أَنْجَزَ وَعْدَهُ
وَإِنْ وَعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَفْوُ مَانِعُهْ
(٢٣) النبيط: قوم بسواد العراق حراثون. وكل خيل: فاعل تطاعن؛ والمراد: كل أهل خيل — على حد قوله : «يا خيل الله اركبي.» يقول: إن القوم الذين تكون فيهم وتغزو بهم يتشجعون بك ويطاعنون، ولو كانوا من أولئك الأنباط الحراثين الذين لا يعرفون ركوب الخيل، وإنما يركبون الحمير؛ أي إن من كان معك كان شجاعًا لشجاعتك.
(٢٤) يقال: عشا إلى النار يعشو فهو عاشٍ: إذا أتاها ليلًا. هذا هو الأصل، ثم صار كل قاصد عاشيًا، قال صاحب الصحاح: عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر ضعيف. قال الحطيئة:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ
تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ
وقوله: «منهم» حال من ضمير المخاطب بعده. يقول: الناس في قلة خيرهم كالظلام، وأنت مشرق بينهم بفضلك وكرمك كالنور، وقد قصدتك من بينهم أطلب الخير كما تؤتى النار في الظلام.
(٢٥) الخشاش: عود يجعل في عظم أنف البعير يشد فيه الزمام، أراد: أنوف اللئام من الناس، وأنها أولى بالخشاش من أن تشم الورد. شبه نفسه بالورد وشبه من رآه من الناس بأنوف الإبل. وقال ابن جني: تأذيت بلقاء غيرك من الرؤساء ولم يليقوا بي كما لا يليق الورد بأنوف الإبل.
(٢٦) يقول: هم عليك مع الدهر أعوانًا له إذا كنت مهزولًا؛ أي إذا افتقرت فصرت كالمهزول الذي لا لحم له، وإذا سمنت؛ أي أثريت وكثر مالك التفوا حولك وتهارشوا تهارش الكلاب يطلبون نوالك، وكذلك حال الناس. فقوله: عليك؛ أي هم عليك. والمراد بالهزال والسمن: الفقر والغنى. والهراش: مأخوذ من مهارشة الكلاب. وقال الواحدي: المعنى: هم عيال في الحرب فإذا رجعت بالغنيمة خيموا لديك وتهارشوا.
(٢٧) شاش: بلد فيما وراء النهر. يقول: ورد خبر الأمير وأنه مع جيشه كروا على العدو، فقلت: نعم — تصديقًا لهذا الخبر — يكر الأمير وأصحابه ولو لحق جيش عدوه بشاش؛ أي ولو أمعن عدوه في الهرب وكان بعيدًا، وهذا من قول البحتري:
يُضْحِي مُطِلًّا عَلَى الْأَعْدَاءِ لَوْ وَقَفُوا
بِالصِّينِ فِي بُعْدِهَا مَا اسْتَبْعَدَ الصِّينَا
قال ابن جني: كان أبو العشائر قد استطرد الخيل، ثم ولى بين أيديهم هاربًا ثم جاء خبره أنه كر عليهم راجعًا، فيقول المتنبي: نعم يكرون — أي: الأمير وأصحابه — ولو لحقوا من فرارهم بشاش. وقال ابن فورجه: الرواية بضم الكاف — كاف كروا — والمعنى أتى خبر الأمير بظفره بالعدو، فقيل لنا معشر المستميحين: كروا، فقلت: نعم نكر، ولو لحقوا بشاش؛ أي ولو كان على البعد منا. والأولى أظهر.
(٢٨) أراد باللجوج: أنه لا ينثني عن أعدائه ولا يزال يغزوهم. ويسن قتاله: أي يطول، من أسن؛ أي طالت سنه — أي عمره. وناشي: هي ناشئ — بالهمز — فخفف؛ أي حديث السن. يقول: إن هذا الممدوح يقود جيوشه إلى الهيجا — الحرب — وهو لجوح في قتال أعدائه قد أطال قتالهم حتى أسن، وكرُّه لا يزال شابًّا؛ فهو في آخر القتال، كما كان في أوله. وفيه نظر إلى قول البحتري:
مَلِكٌ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ
إِقَدَامُ غِرٍّ وَاعْتِزَامُ مُجَرِّبِ
(٢٩) الكميت: ما كان بين الأشقر والأدهم من الخيل — يقال للذكر والأنثى — قال الكلحبة:
كُمَيْتٌ غَيْرُ مُحْلَفةٍ وَلَكِنْ
كَلَوْنِ الصِّرْفِ عُلَّ بِهِ الْأَدِيمُ
[يعني أنها خالصة اللون لا يحلف عليها أنها ليست كذلك.]
والمناقلة أن تحسن نقل يديها ورجليها بين الحجارة: وأعقت الدابة إعقاقًا، انفتق بطنها للحمل. والغشاش: العجلة؛ يقال: لقيته غشاشًا وعلى غشاش: إذا لقيته على عجلة، قالوا: وهي كنانية. وأنشدت محمودة الكلابية:
وَمَا أَنْسَى مَقَالَتَهَا غِشَاشًا
لَنَا وَاللَّيْلُ قَدْ طَرَدَ النَّهَارَا
وَصَاتَكَ بِالْعُهُودِ وَقَدْ رَأَيْنَا
غُرَابَ الْبَيْنِ أَوْكَبَ ثُمَّ طَارَا
[أوكب الطائر: تهيأ للطيران.] أي إنها أسرعت بي على ثقلها وعلى عجلتي.
(٣٠) التمرد: تفعُّل، من المارد، والمريد؛ وهو الذي قد أعيا خبثًا، والمتمردة: الممتنعة؛ يصف فرسه بالخبث وترك الانقياد لمن لا يحسن ركوبها. وتذب: تُدفع. وكل: نائب فاعل تذب. وطائرة الرشاش: أي كل طعنة طائرة الرشاش، وهو ما يترشش من الدم. يقول: هي من الخيل الشديدة المراس وإني أصونها برمحي عن أن تطعن.
(٣١) يقول: لو عقرت فرسي — قطع عصب رجلها؛ والمراد: هلكت فلم تحملني إليه — لبلَّغني إليه حديث عنه — أي عن الممدوح — يحمل كل ماش إليه فلا يحتاج إلى المطية؛ أي يشوقه إلى قصده ما يسمع من الثناء عليه. أو تقول: إنه إذا ذكرت أخباره وما يكون منه لم يجد الماشي مس النصب والإعياء لاستطابته ذلك الحديث، فكأن الحديث حمله إليه. وهذا كما قيل: إن رجلين اصطحبا، فقال أحدهما لصاحبه: تحملني وأحملك. يريد: تحدثني وأحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث لاستطابته يحمل الماشي. هذا على رواية كل ماش بالنصب، ومن رواها بالرفع رد الضمير في عنه للحديث؛ أي إن كل ماش يحمل حديثه لاستفاضة أخباره وشيوعها.
(٣٢) شيك: أي دخلت الشوكة رجله. والانتقاش: إخراج الشوكة من الرجل. يقول: إذا وصفت لشجاع مواقف الممدوح في الحرب تاق إليه ورغب في صحبته، فأسرع إليه لإعجابه، حتى إنه — لذهوله — لو كان حافيًا ودخلت شوكة في رجله إذ ذاك لم يكد يحس بها، فلا ينكس رأسه — لا يطأطئ — لإخراجها. وقيل: المراد بمواقفه، مواقفه في الجود والعطاء.
(٣٣) المصبور: المحبوس على القتل، يقال: قتل فلان صبرًا؛ وهو أن يحبس حتى يقتل. والفياش: المفايشة — أي المفاخرة — يقول: إن مواقف الممدوح في القتال واقتحامه المهالك تشجع أخبارها المصبور وتزيل عنه خوف القتل. أو تقول: إن التاء — في تزيل وتلهي — للمخاطب: أي إنك أيها الممدوح تستنقذ المصبور من القتل فتزيل خوفه وتشغل المفاخر عن المفاخرة؛ إذ يستخذي إليك حين يسمع بمفاخرك ويقر بفضلك. وفي رواية: «يزيل» و«يلهي» بالياء.
(٣٤) الانكماش: الإشاحة والجد في الأمر. يقول: لم يشتقْ أحد اشتياقي إليك ولم يسرع أحد سرعتي في قصدك.
(٣٥) هذا كقول أبي تمام:
وَمَنْ خَدَمَ الْأَقْوَامَ يَرْجُو نَوَالَهُمْ
فَإِنِّيَ لَمْ أَخْدُمْكَ إِلَّا لِأُخْدَمَا
وقد تقدم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢